إنّ مختصر الإمام جمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر الإسنائي المعروف بابن الحاجب، والمتوفى سنة ٦٤٦ هـ، هو من المختصرات ذات الشأن العظيم والأهمية الكبرى في علم الأصول على طريقة المتكلمين، حيث أَوْدع فيه ابن الحاجب زُبدة أفكاره وآرائه الأصولية والمنطقية والجدلية، المتأثِّر في أكثرها بطريقة شيخه وأستاذه الإمام سيف الدين الآمدي المتوفى سنة ٦٣١ هـ.
_________________
(١) التاج السبكي، رفع الحاجب (١/ ٢٣٠)
(٢) التاج السبكي، رفع الحاجب (١/ ٢٣٠)
(٣) التاج السبكي، رفع الحاجب (٤/ ٦٤٧ - ٦٤٨) بتصرف.
[ ٧٩ ]
هذا ويُعدّ الإمام الآمدي صاحب مدرسة أصولية مستقلة ومتميزة، وأهم ما يميزها هو الميل إلى تحقيق المذاهب، والإكثار من تفريع المسائل، وكان الآمدي قد فعل مثل معاصره الإمام فخر الدين الرازي؛ حيث جمع الكتب الأربعة التي عليها المدار عند الأصوليين (١) في كتابه الضخم «الإحكام في أصول الأحكام» إلا أنّه امتاز عن الرازي بأنّه أكثرُ تحقيقًا للمذاهب والمسائل (٢).
ثم إنّ الآمدي قام باختصار كتابه «الإحكام» إلى «منتهى السول في علم الأصول» (٣)، وجاء من بعده تلميذه الإمام ابن الحاجب فاختصر كتابيّ شيخه «المنتهى في الأصول»، و«غاية الأمل في علم الجدل» وجمعهما في كتاب واحد أسماه «منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل» (٤).
ولكنّ ابن الحاجب لما رأى ضعف الهمم وقصور الفهم؛ قام باختصار «المنتهى» إلى «مختصر المنتهى» وإلى ذلك يشير ابن الحاجب في مقدمة «المختصر» حيث يقول: «فإنّي لما رأيت قصور الهمم عن الإكثار وميلها إلى الإيجاز والاختصار؛ صنَّفتُ مختصرًا في أصول الفقه، ثم اختصرته على وجه بديع، وسبيل منيع، لا يَصدُّ اللبيب عن تعلمه صادٌّ ولا يَردُّ الأريب عن تفهُّمه رادّ.» (٥)
_________________
(١) راجع ما ذكرناه عن هذه المصنفات عند الحديث عن منهاج البيضاوي.
(٢) انظر: مقدمة ابن خلدون (٢/ ٨١٧)
(٣) هذا ما تذكره أكثر المراجع، وقد حقق الدكتور حسن الشافعي ذلك وقام بإجراء مقارنة بين الإحكام والمنتهى توصل من خلالها إلى أن المنتهى مختصر فعلا للإحكام. انظر حسن الشافعي، الآمدي وآراؤه الكلامية ص ٧٠.
(٤) انظر: مقدمة ابن خلدون (٢/ ٨١٧) وحسن الشافعي، الآمدي وآراؤه الكلامية ص ٦٥. هذا وقد اختلفت المصادر في اسم هذا المختصر فبعضهم يسميه منتهى السول بدل منتهى الوصول، غير أن الذي وجدته في النسخة المطبوعة أن اسمه منتهى الوصول كذا ذكره ابن الحاجب نفسه في مقدمته وقد سماه بذلك أيضا الدكتور حسن الشافعي. انظر: منتهى الوصول ص٣، حسن الشافعي ص ٧٠. قلت: لعل تسميته منتهى الوصول أوجه، وذلك للتفرقة بينه وبين منتهى الآمدي وهو الذي نص عليه ابن الحاجب نفسه في مقدمة كتابه المطبوع، والله أعلم.
(٥) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (١/ ٢٩)
[ ٨٠ ]
وبذلك يكون «مختصر المنتهى الأصولي» المشهور باسم «مختصر ابن الحاجب» قد جمع فيه ابن الحاجب زُبدة مدرسة الآمدي، فجاء مختصرًا بديعًا، وامتاز بما امتاز به الآمدي إلا أنه جاء أكثر تحقيقًا وأدقّ عبارة، مما جعله في مقدمة المتون المعتمدة في هذا الفن، وقد وصفه المحقق عضد الدين الإيجي المتوفى سنة ٧٥٦هـ بقوله: «إنّ مختصر الإمام العلامة قُدوة المحقِّقين جمال الملة والدين أبي عمرو عثمان ابن الحاجب المالكي تغمَّده الله بغفرانه يجري منها [أي من المختصرات] مجرى الغُرَّة من الكُمْت والقرحة (١) من الدهم والواسطة من العقد، وقد رُزق حظًا وافيًا من الاشتهار، فاشْتُهر به الأذكياء في جميع الأمصار أي اشتهار، وذلك لصغر حجمه، وكثرة علمه، ولطافة نظمه، ولكنّه مستعصي على الفهم لا يُذلُّ صعابه ولا تسمح قرونته لكل ذي علم.» (٢)
ووصفه الشمس الأصفهاني قائلًا عنه أنّه: «كتابٌ صغير الحجم، وجيز النظم، غزير العلم، كبير الاسم، مُشتَمِلٌ على محض المهم.» (٣)
وقد رُزق «مختصر ابن الحاجب» من الشهرة ما لم يٌرزق أيّ متن أخر سواه (٤)، فاهتمّ به العلماء شرقًا وغربًا، وتناولوه بالتدريس والشرح والتقرير، وتصدّى لشرحه عدد كبير من أكابر الأصوليين حيث وُضع عليه ما يزيد على ستةٍ وسبعين مصنفًا (٧٦) (٥) منها ما هو شرح له وتعليق عليه وأخرى تخريج لأحاديثه أو حاشية عليه أو على أحد شروحه، كما نظمه عدد من العلماء واختصره عدد آخر.
ومن أهم هذه الشروح: -
الشروح المعروفة بالسبع السيارة وذلك لشهرتها واهتمام العلماء بها والنقل عنها وهي:-
١. شرح قطب الدين الشيرازي (٦).
٢. شرح بدر الدين التستري (٧).
٣. شرح شمس الدين الأصفهاني، المسمى «بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب». وهو شرح مطبوع في ثلاثة أجزاء كبار بتحقيق الدكتور محمد مظهر بقا.
_________________
(١) هي بياض في وجه الفرس دون الغرة. انظر: طاهر بن أحمد، تهذيب القاموس المحيط (٣/ ٥١٥)
(٢) الإيجي، عضد الدين، شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٥)
(٣) الأصفهاني، محمود بن عبد الرحمن، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٥)
(٤) اللهم إلا أن يكون جمع الجوامع قد فاقه في ذلك.
(٥) انظر في ذلك: حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله، كشف الظنون (٢/ ١٨٥٣ – ١٨٥٧) ومقدمة تحقيق رفع الحاجب، علي محمد معوض وعادل عبد الموجود (١/ ١٩١ – ٢٢٥)، كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي (٥/ ٣٣٥ – ٣٤٠)
(٦) هو العلامة قطب الدين أبو الثناء محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي الشيرازي، كان غاية في الذكاء وإمام عصره في المعقولات، توفي سنة ٧١٠هـ، من مصنفاته: شرح الكليات، شرح مفتاح السكاكي. انظر ترجمته في: ابن شهبة، طبقات الشافعية (٢/ ٣١١)
(٧) هو الإمام العلامة بدر الدين محمد بن أسعد التستري، كان فقيها ضليعا وإمام زمانه في الأصلين والمنطق والحكمة، توفي سنة ٧٣٣هـ، من مصنفاته: شرح طوالع البيضاوي، شرح الغاية القصوى. انظر ترجمته في: ابن شهبة، طبقات الشافعية (٢/ ٣٧٤)
[ ٨١ ]
٤. شرح ركن الدين الموصلي (١).
٥. شرح جمال الدين الحلي (٢) «غاية الوصول وإيضاح السُّبل في شرح مختصر منتهى السول والأمل». يأتي في مجلدين على طريقة «المحصول» و«الإحكام».
٦. شرح زين الدين العجمي (٣).
٧. شرح شمس الدين الخطيبي (٤).
هذه هي الشروح السبعة المشهورة «لمختصر ابن الحاجب» غير أنّ هناك شرحًا ثامنًا الذي يبدو لي أنّه فاق هذه الشروح السبعة ألا وهو شرح العلامة القاضي عضد الملة والدين الإيجي المتوفى سنة ٧٥٦هـ، الذي يعدّ أشهر شروحه على الإطلاق وأتقنها وأكثرها تحقيقًا (٥)، وقد اهتمّ به العلماء اهتمامًا بالغًا فوضعوا عليه الحواشي الكثيرة والمشهورة ومن أهمها حاشيتا السعد التفتازاني، والسيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦هـ، وقد بلغ عدد الحواشي عليه ما يزيد على إحدى عشرة حاشية (٦) مما جعله في مقدمة شروح «مختصر ابن الحاجب» والله تعالى اعلم.