تمكّن المماليك - بعد سلسلة من المؤامرات التي كانوا يُحِيكُونها ويُدبِّرونها للسلاطين -
من استلام السلطنة في مصر، وذلك بعد مقتل السلطان تورانشاه (١) آخر ملوك بني أيوب سنة ٦٤٨هـ (٢)، وكانت بذلك بداية العهد المملوكي الذي استمر نحو قرنين من الزمان (٣).
ولم يكن عهد المماليك بأفضلَ حال من سابقه؛ ذلك أنّ هذا العهد كان يواجهه عددًا من المخاطر على الساحة الخارجية، فالخطر الصليبي ما زال يتهدد العالم الإسلامي، وذلك لوجود بعض القلاع والإمارات الصليبية على سواحل بلاد الشام؛ مما استدعى المماليك أن يأخذوا على عاتقهم عبء استرجاع وتحرير ما تبقى من هذه الإمارات استمرارًا لجهود السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي المتوفى سنة ٥٨٩هـ إثر هزيمته للصليبيين في موقعة حطين الشهيرة سنة ٥٨٣هـ.
_________________
(١) هو السلطان الملك المعظم تورانشاه بن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، آخر ملوك بني أيوب في مصر، توفي مقتولا على يد أمراء المماليك سنة ٦٤٨هـ. انظر: ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة (٦/ ٣٢٢)
(٢) ابن كثير، البداية والنهاية (١٣/ ٢١٠)، الذهبي، تاريخ الإسلام، حوادث سنة ٦٤٨هـ ص٣٨٨ - ٣٩٠
(٣) استمر حكم المماليك لمصر والشام منذ عام ٦٤٨هـ وحتى عام ٩٢٣هـ، حكم فيها المماليك البحرية من عام ٦٤٨هـ وحتى عام ٧٨٤هـ، في حين حكم الجراكسة من عام ٧٨٤هـ وحتى عام ٩٢٣هـ. انظر محمود شاكر، التاريخ الإسلامي (٧/ ٣٥، ٦٩)، طقوش، محمد سهيل، تاريخ المماليك في مصر والشام ص ٣٥، ٣٤١
[ ٧ ]
بالإضافة إلى الخطر الصليبي المتجذر، كان قد ظهر على الساحة خطر لا يقل خطورة - بل هو أشد خطرًا - من الخطر الصليبي، ألا وهو غزو المغول لبلاد الإسلام، إذ بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية على يد هولاكو عام ٦٥٦هـ (١)، وزَحْف المغول باتجاه بلاد الشام واحتلالهم لدمشق عام ٦٥٨هـ (٢)، ومن ثَمَّ محاولة الزحف باتجاه مصر، حيث كان المماليك قد تنبّهوا لذلك، وخرجوا بجيوشهم لملاقاة المغول في موقعة عين جالوت سنة ٦٥٨هـ (٣)، بقيادة السلطان المملوكي المظفر قطز (٤)، حيث حقق الله تعالى النصرَ على يديه، وبذلك استطاع المماليك من وقف الزحف المغولي، ومن ثَمَّ بدأوا باسترجاع المدن والإمارات الإسلامية من بين أيديهم حتى تمَّ تحرير سائر بلاد الشام من أيدي المغول (٥) في عهد السلطان الظاهر بيبرس (٦).
وبعد ذلك التاريخ دانت بلاد الشام كلها لحكم المماليك، ومنذ ذلك الوقت ارتبط تاريخ الشام بتاريخ مصر، بحيث لا يمكن دراسة تاريخ الشام بمعزل عن تاريخ مصر؛ وذلك لقوّة الالتحام بين مصرَ والشام في هذا العصر في مختلف مظاهر الحياة العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإنَّ ما يحدث في مصرَ من حالات ضعف وقوَّة كانت بدورها تَنْعكِس على الشام إيجابًا أو سلبًا.
_________________
(١) ابن كثير، البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٥)، الذهبي، تاريخ الإسلام، حوادث سنة ٦٥٦هـ ص ٣٩
(٢) ابن كثير، البداية والنهاية (١٣/ ٢٥٦)، الذهبي، تاريخ الإسلام، حوادث سنة ٦٥٨هـ ص ٥١
(٣) ابن كثير، البداية والنهاية (١٣/ ٢٥٨)، الذهبي، تاريخ الإسلام، حوادث سنة ٦٥٨هـ ص ٦٠ - ٦١
(٤) هو السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزي، صاحب موقعة عين جالوت الشهيرة التي رد فيها التتار، مات مقتولا سنة ٦٥٨هـ، انظر: ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة (٧/ ٦٧)
(٥) ابن كثير، البداية والنهاية (١٣/ ٢٦١)
(٦) هو السلطان الملك ركن الدين أبو الفتوح الظاهر بيبرس بن عبد الله البندقداري، كان ملكا شجاعا مقداما غازيا، مات مقتولا بالسم سنة ٦٧٦هـ. النجوم الزاهرة (٧/ ١٥٨)
[ ٨ ]
وأما بالنسبة للخطر الصليبي، فقد استمرت المناوشات بين المماليك والصليبيين وظلَّ المماليك يحقِّقون الانتصار تِلْوَ الانتصار، حتى كان تحقيق أعظمَ انتصار وأهمَّه وذلك بفتح عكا سنة ٦٩٠هـ (١) في عهد السلطان الأشرف بن قلاوون (٢)، وقد كانت تلك الضربة القاضية للصليبيين، إذ لم يَقُم لهم بعد ذلك قائمة، فما تَبقَّى لهم من مدن لم تَلْبَث أن شاركت عكا في مصيرها؛ وبذلك استطاع المماليك إنهاء التواجد الصليبي مُنهِيةً بذلك عهد الصليبيين في الشام (٣).
غير أنّ الصليبيين قد أعادوا الكرَّة، وذلك في الثلث الأخير من القرن الثامن الهجري وأغاروا على الإسكندرية واحتلوها سنة ٧٦٧هـ (٤)، ويصف لنا المؤرخ ابن كثير هذه الموقعة بقوله: «وذلك أنّهم [الفرنج] وصلوا إليها [الإسكندرية]. . . فلم يجدوا بها نائبًا ولا جيشًا ولا حافظًا للبحر ولا ناصرًا، فدخلوها يوم الجمعة بُكْرة النهار بعد ما حرقوا أبوابًا كثيرة منها، وعاثوا في أهلها فسادًا، يقتّلون الرجال ويأخذون الأموال ويأسرون النساء والأطفال» (٥).
واستمرَّ الفرنج ينهبون الإسكندرية حتى وصل السلطان والجيش المصري إليها فهرب الفرنج منها آخذين معهم كثيرًا من الأموال والخيرات والأسرى (٦).
هكذا كان حال الدولة المملوكية في الخارج، دولة قوية مَنِيعَة مُهابَة الجانب استطاعت وَقْف الزحف المغولي، وإخراج بقايا فُلول الصليبيين من بلاد الشام.
أما في الداخل، فقد كان تاريخ المماليك متقلبا كثير الفوضى والاضطراب، حيث كانت الفتن والاضطرابات والصراع على السلطة هو المِيزة الرئيسة لعهد المماليك.
_________________
(١) الذهبي، تاريخ الإسلام، حوادث سنة ٦٩٠هـ ص ٤٦، ابن كثير، البداية والنهاية (١٣/ ٣٦٩)
(٢) هو السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، كان ملكا مهيبا عالي الهمة تام الشكل كامل الحسن وافر الكرم، توفي مقتولا سنة ٦٩٣هـ. انظر: ابن حبيب، تذكرة النبيه (١/ ١٦٧)
(٣) الذهبي، تاريخ الإسلام، حوادث سنة ٦٩٠هـ ص ٥٠ - ٥١، ابن كثير، البداية والنهاية (١٣/ ٣٦٩)، ابن حبيب، تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه (١/ ١٣٧)، ابن العماد، شذرات الذهب (٦/ ٧٦)
(٤) ابن كثير، البداية والنهاية (١٣/ ٧٤٥)، ابن حبيب، تذكرة النبيه (٣/ ٢٨٨)
(٥) البداية والنهاية (١٣/ ٧٤٥)
(٦) انظر تفاصيل هذه الحملة وما جرى في تلك الحقبة في: ابن كثير، البداية والنهاية (١٣/ ٧٤٥)، ابن حبيب، تذكرة النبيه (٣/ ٢٨٨)، ابن القاضي شهبة، تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٢٧٠)، السخاوي، وجيز الكلام (١/ ١٤٧)، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة (١١/ ٢٤)، ابن إياس، بدائع الزهور (١/ ٢٣)
[ ٩ ]
لقد كان عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون (١) في ولايته الثالثة ٧٠٩ - ٧٤١هـ (٢) هو آخر عهد بالاستقرار السياسي في دولة المماليك، فبعد وفاته تولى السلطنة ثمانيةٌ من أولاده في السنوات ٧٤١هـ - ٧٦٢هـ، ومن ثَمَّ في العشرين سنة التالية ٧٦٢ - ٧٨٤هـ، تولى السلطنة أربعةٌ من أحفاده (٣)، ومعلوم أنّ هذا العدد من السلاطين دليل على عدم الاستقرار السياسي.
وقد مرّ على هذه الفترة العديدُ من الأحداث الداخلية، إذ تقلَّد حكم مصرَ سلاطين أطفال (٤)، لم يبلغوا سن الاحتلام، كانوا يُوَلَّون ويُعْزَلون طبقًا لأهواء أمراء المماليك الذين كان لهم النفوذ الأقوى في ذلك الوقت.
وخير ما يصوِّر ذلك الوضع ما قاله أحد شعراء ذلك العصر (٥):
سلطانُنا اليومَ طفلٌ والأكابرُ في خُلْف بينهُم والشيطانُ قد نَزَغا
فكيفَ يَطمَعُ من في نفسْهِ مَظْلمة أن يَبْلُغَ في السّؤْلِ والسلطانُ ما بَلَغا؟!
ولم يكن للسلاطين في ذلك الوقت إلا مجرَّد الاسم فقط، وليس لهم من الأمر شيء؛ ذلك لصغر سِنِّهم، وضعف حيلتهم، فكان السلطان آلة في السلطنة والمتصرّف الحقيقي فيها هم الأمراء (٦).
وهكذا ظل حال هؤلاء السلاطين أُلعوبة في أيدي الأمراء، وإذا ما حاول أحدهم التَمرّدَ عليهم أو التخلص من نفوذهم كانوا لا يتوَرّعون عن عزله وقتله أحيانًا، فقد قُتِل أربعةٌ من السلاطين أبناء قلاوون على أيدي أمراء مماليكهم (٧).
وأما بقية السلاطين فقلّما تجد واحدًا منهم ترك الحكم بنتيجة طبيعية كالوفاة مثلًا، بل كانوا يُعزلون ويُولَّون تَبعًا لرغبات وأهواء الأمراء، دون النظر إلى أدنى مصلحة للبلاد أو العباد.
_________________
(١) هو السلطان ناصر الدين أبو المعالي محمد بن السلطان الملك المنصور سيف الدين أبي المظفر قلاوون الصالحي، كان ملكا جليلا مهيبا ذكيا عارفا بسياسة الملك عالي الهمة، تولى السلطنة ثلاث مرات وكانت مدته فيهن ثلاثًا وأربعين سنة وشهورًا، توفي سنة ٧٤١هـ، ابن حبيب، تذكرة النبيه (٢/ ٣٢٦)
(٢) ابن حبيب، تذكرة النبيه (٢/ ٢١)
(٣) محمود شاكر، التاريخ الإسلامي (٧/ ٣٨)
(٤) ومن هؤلاء السلاطين الملك الأشرف علاء الدين كجك بن السلطان محمد بن قلاوون وقد تولى السلطنة وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات سنة ٧٤٢هـ، والملك الناصر حسن بن السلطان محمد بن قلاوون تولى السلطنة سنة ٧٥٢هـ ولم يتجاوز عمره ١١ سنة، والملك المنصور محمد حاجي حيث تولى السلطنة سنة ٧٦٢هـ وكان عمره حينئذ ١٤ سنة.
(٥) أورد هذه الأبيات ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (١١/ ٢٠) ولم ينسبها لأحد
(٦) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة (١٠/ ٢٠، ٤٠)
(٧) وهم: - السلطان الكامل شعبان حيث قتل سنة ٧٤٧هـ بعد أن حكم سنة وشهر وثمانية وعشرين يومًا - السلطان الملك المظفر حاجي حيث قتل سنة ٧٤٨هـ بعد أن حكم سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا - السلطان الناصر حسن، قتل في ولايته الثانية سنة٧٦٢هـ على يد أحد خواصه وأمرائه الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي، بعد أن حكم ست سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيام - السلطان الأشرف شعبان بن حسن، قتل سنة ٧٧٨هـ بعد أن حكم ست سنوات
[ ١٠ ]
ولم يقف الحدُّ عند تآمر الأمراء على سلاطينهم، بل وجدتُ أنّ أبناء قلاوون أنفسهم يتآمرون على بعضهم ويَقتُل بعضهم بعضًا، فقد وجدت الملك الصالح إسماعيل (١) يأمر بحصار أخيه أحمد (٢) في قلعة الكرك ورميه بالمنجنيق، وذلك خَشيةً من محاولته العودة إلى السلطنة، حيث وقعت عدّة معارك بين العسكر المصري وبين أهل الكرك، وفيها قُتِل عدد كبير من الطرفين، واستمر حصار الكرك مدة سنتين انتهت بدخول الكرك ومن ثَمّ قلعتها حيث قُبِض على السلطان أحمد وقُتِل وحُمِل رأسه إلى أخيه الملك الصالح فقابله بأشدّ الفرح ولا حول ولا قوّة إلا بالله (٣).
ولم يكن حال السلاطين أنفسهم بأفضل من مماليكهم، فقد عمَّ الفسق والفجور والظلم عند هؤلاء السلاطين، وفشى فيهم معاقرة الخمور وغشيان المنكرات وأكل أموال الناس بالباطل، حتى قال ابن شهبة في وصف خلاعة ومجون السلاطين وخاصة الملك المنصور سيف الدين أبو بكر (٤) أنّه كان يتعاطى شرب الخمر: «وغشيان المنكرات وتفريق الأموال على أهل الطرب، والتعاطي بما لا يليق به، ومعاشرة الخاصكية من المردان وغيرهم» (٥).
هكذا كان حال هؤلاء السلاطين، وحَريٌّ بأمّة هكذا سلاطينها أن يذيقها الله تعالى وَبالَ أمرها، وما الفتن الداخلية والاضطرابات الكثيرة وعزل السلاطين ومقتلهم إلا نكالًا من الله تعالى بهم لفسقهم وتعدِّيهم على حرمات الله (٦).
_________________
(١) هو السلطان الصالح عماد الدين أبو الفداء اسماعيل بن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، كان ملكا جليلا مهيبا عفيفا مزيلا للمظالم التي يصل أمرها إليه محبا للإعمار، متمسكا بالأحكام الشرعية، توفي سنة ٧٤٦هـ، ابن حبيب، تذكرة النبيه (٣/ ٧٩)
(٢) هو السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد بن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، كان ملكا مهيبا شجاعا سخيا حسن المنظر، حكم مدة ثم اعتزل في قلعة الكرك وبقي فيها إلى أن قبض عليه وقتل سنة ٧٤٥هـ، ابن حبيب، تذكرة النبيه (٣/ ٦٥)
(٣) انظر تفاصيل هذه الحملة في: ابن كثير، البداية والنهاية (١٤/ ٦٢٨، ٦٣٠، ٦٣٢ - ٦٣٧)، ابن شهبة، تاريخ ابن قاضي شهبة (٢/ ٣٠٤، ٣٠٧، ٤٠٩)، السخاوي، وجيز الكلام (١/ ٦٥)
(٤) هو الملك المنصور سيف الدين أبو بكر بن السلطان محمد بن قلاوون، كان شاب أسمر حلو الصورة سخيًا إلى الغاية، خلع على يد خواص أمرائه ثم قتلوه سنة ٧٤٢هـ، ابن حبيب، تذكرة النبيه (٣/ ٢٤)
(٥) ابن شهبة، تاريخ ابن قاضي شهبة (٢/ ٢٠٤)
(٦) هذه هي حالهم إلا أنهم لم يكونوا يعادون الإسلام ولا العلماء ولا الدعاة بل وجدناهم إذا هدد العالم الإسلامي خطر كانوا يكونون على رأس المدافعين عنه، ومع فسقهم وتعديهم على حرمات الله إلا أنهم كانوا يمتازون بالنخوة ولا يسكتون على ظلم أو عدوان يقع على شعوبهم فافهم ذلك
[ ١١ ]
كل هذه الأمور مُجتَمعةً والمتمثّلة بضعف السلاطين، وتنافسهم على العرش، وإغراق بعضهم في المجون وانغماسهم في التَّرف، إضافة إلى ازدياد نفوذ أمراء المماليك، كل هذه العوامل أدت إلى انحلال أسرة قلاوون، وإنهاء حكم بني قلاوون الذي استمر حوالي ١٠٦ سنوات من سنة ٦٧٨ - ٧٨٤هـ، وبنهاية أسرة قلاوون ينتهي عهد المماليك البحرية ويبدأ عهد المماليك الجراكسة [البرجية] سنة ٧٨٤هـ (١).
هذه هي الأحوال العامّة في مصر، أما في الشام والتي عاش فيها التاج السبكي جُلّ حياته، فلم يكن الحال فيها بأحسن من حال مصر الأم، حيث كانت الشام تابعة للسلطنة في مصر في مختلف نواحي الحياة، ورَغمَ تبعية الشام المحضة لمركز السلطنة إلا أنّه وُجِدت بعض محاولات الانفصال عن مصر، غير أنّ التقسيم الإداري لبلاد الشام بحيث تكون كل نيابة شبه مستقلة، والسلطان يختار من يملأ المناصب الكبرى، ومن ثم حاجة الشام إلى العسكر المصري ضد الأخطار الخارجية حال دون نجاح أية حركة انفصالية رغم كثرة ثورات المماليك هناك (٢).
إلا أنّ هناك مِيزة لأهل الشام تَميَّزوا بها عن أهل مصر ذلك أنّ أهل الشام كانوا أسرع إلى مواجهة أوامر الدولة بالإنكار من أهل مصر، وكانوا يتعلقون بكل سبب لإظهار عدم رضاهم عن بعض تصرفات الموظفين والمباشرين (٣).
يمكن تلخيص الملامح العامّة للوضع السياسي في مصر والشام في القرن الثامن الهجري بما يأتي (٤):
١ - صغر سن السلاطين الذين تعاقبوا على الحكم.
٢ - ازدياد نفوذ الأمراء واشتداد سطوتهم وتَحَكُّمهم في مصالح البلاد وتلاعبهم بالسلاطين، بالتعيين والعزل والقتل وفقًا لأهوائهم.
٣ - ازدياد نفوذ طائفة المماليك الجراكسة [البرجية] ازديادًا مضطردًا، فاستطاع أفرادها كسب الجولة الأخيرة من الصراع، وأسسوا دولة مملوكية ثانية على أنقاض الدولة المملوكية الأولى.
٤ - اشتداد الانحلال الخلقي بشكل واضح، وكان السلاطين والأمراء هم مصدر هذا البلاء، فاشتهروا بالإدمان على الخمور ومعاشرة الجواري والخاصكية والمغنيات.
_________________
(١) محمود شاكر، التاريخ الإسلامي (٧/ ٣٨)، سرور، دولة بني قلاوون في مصر ص ٥٥ - ٦٦، علي حسن، تاريخ المماليك البحرية ص ١٣٥
(٢) إحسان عباس، تاريخ بلاد الشام ص ٧٦، وانظر بعض محاولات الانفصال عن مصر في: ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة (١٠/ ١٨٣)، (١١/ ٤)
(٣) إحسان عباس ص ٨٠
(٤) طقوش، تاريخ المماليك ص ٣٠٠
[ ١٢ ]