لم يكن الشيخ تقي الدين هو المعلم الوحيد لولده بل قد زَجّ به والده مبكرًا في أحضان العلماء ليَنْهلَ من علومهم ويكتسبَ من معارفهم ما يقوي به شخصيته ويُنمّي فكره وثقافته، حيث تتلمذ على مشايخ وجهابذة العلم في زمانه، ففي مصر حيث نشأة التاج الأولى وبدايته العلمية أخذ العلم على يحيى
_________________
(١) ستأتي ترجمتها في شيوخ التاج السبكي ص ٢٧ من هذه الرسالة
(٢) هو الإمام العلامة قاضي القضاة بقية الأعلام صدر مصر والشام بهاء الدين أبو البقاء محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام بن يوسف السبكي وهو ابن ابن عم تقي الدين السبكي، كان إماما نظارا جامعا لعلوم شتى، توفي سنة ٧٧٧هـ، من مصنفاته: قطعة من اختصار المطلب وقطعة من شرح الحاوي. ابن شهبة، طبقات الشافعية (٣/ ١٧١)
(٣) ترجمتها في ابن حجر، ذيل الدرر ص ١٢٩، السخاوي، الضوء اللامع (١٢/ ٥٥١)، ابن العماد، شذرات الذهب (٧/ ١٧٥)
(٤) انظر التاج السبكي، طبقات الشافعية (١٠/ ١٩٩)، ابن شهبة، طبقات الشافعية (٣/ ١٤٠)
(٥) انظر التاج السبكي، طبقات الشافعية (١٠/ ٢٠٣)
(٦) انظر ابن رافع، الوفيات (٢/ ٣٦٣)، ابن العراقي، الذيل على العبر (٢/ ٣٠٤)
[ ٢٧ ]
ابن يوسف المصري (١)، وعبد المحسن بن الصابوني (٢)، والحافظ أبي الفتح بن سيد الناس (٣)، وغيرهم (٤).
ولما وَلِي أبوه قضاء الشام سنة ٧٣٩ هـ (٥)، قَدِم التاج دمشق مع والده، وهنالك سمع من جماعة من العلماء وأجازه العديد منهم وأذن له ابن النقيب بالإفتاء، ولما توفي ابن النقيب لم يكن عمر التاج إذ ذاك قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره (٦).
وسأعرض فيما يأتي لأهم شيوخه الذين تتلمذ عليهم (٧):
٠١ الذهبي: الإمام الحافظ المؤرخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٦ هـ (٨).
قال عنه تلميذه التاج السبكي: «شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ، مُحدّث العصر بَصَرٌ لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظًا، وذَهَبُ العصر معنى ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل والحديث، ورجل الرجال في كل سبيل» (٩)، وقد أخذ عنه التاج علم التاريخ والجرح والتعديل والحديث ومعرفة أحوال الرجال.
ويعدّ الذهبي أستاذه الأول في كل ذلك حيث يقول التاج: «وهو الذي خَرّجَنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة» (١٠) اهـ
٠٢ المِزِّي: الإمام الحافظ أبو الحجاج يوسف بن الزَّكي بن عبد الرحمن القُضاعي الدمشقي جمال الدين المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ (١١).
_________________
(١) هو الإمام العلامة المسند شرف الدين يحيى بن يوسف بن أبي محمد بن أبي الفتوح المقدسي المعروف بابن المصري، توفي سنة ٧٣٧هـ، انظر ترجمته في: ابن حبيب، تذكرة النبيه (٢/ ٢٨٧)
(٢) هو الإمام الحافظ المسند أمين الدين أبو الفضل عبد المحسن بن شهاب الدين أبو المعالي أحمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن الصابوني المصري، توفي سنة ٧٣٦هـ، انظر: ابن حبيب، تذكرة النبيه، (٢/ ٢٧٥)
(٣) هو الإمام الحافظ الأديب فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن سيد الناس، توفي سنة ٧٣٤هـ، من مصنفاته: عيون الأثر في المغازي والسير، شرح على الترمذي. انظر: التاج السبكي، طبقات الشافعية (٩/ ٣٦٨)
(٤) انظر ابن حجر، الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٥)، ابن رافع، الوفيات (٢/ ٣٦٣)، ابن شهبة، تاريخ ابن شهبة (٣/ ٣٧٢)
(٥) ابن حجر، الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٦)، ابن شهبة، طبقات الشافعية (٣/ ١٤٠)
(٦) انظر المصادر السابقة
(٧) المصادر السابقة، الصفدي، الوافي (١٩/ ٣١٥)، النعيمي، الدارس (١/ ٣٧)، ابن تغري بردي، المنهل الصافي (٧/ ٣٨٥)
(٨) ترجمته في الصفدي، أعيان العصر (٤/ ٢٨٨ - ٢٩٦)، الكتبي، فوات الوفيات (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، التاج السبكي، طبقات الشافعية (٩/ ١٠٠ - ١٢٣)
(٩) انظر التاج السبكي، طبقات الشافعية (٩/ ١٠٠)
(١٠) انظر التاج السبكي، طبقات الشافعية (٩/ ١٠١)
(١١) ابن كثير، البداية والنهاية (١٤/ ٦١٤)، الحسيني، الذيل على العبر (٤/ ١٢٦ - ١٢٧)، التاج السبكي، طبقات الشافعية (١٠/ ٣٩٥ - ٤٣٠)
[ ٢٨ ]
ترجمه التاج فقال عنه: «شيخنا وأستاذنا وقُدوتُنا حافظُ زماننا، وحاملُ راية السنة والجماعة، والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمتدرّع بجلباب الطاعة، إمام الحفاظ واحد عصره بالإجماع، وشيخ زمانه الذي تُصغي لما يقول الأسماع» (١)، وقد قرأ عليه التاج الحديثَ وسمع منه الكثير وبه تخرج في معرفة الرجال (٢).
٠٣ أبو حيان: الإمام النحوي الأديب المفسر، أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (٣).
ذَكَره التاج في طبقاته فقال: «شيخنا وأستاذنا شيخ النحاة، العَلَمُ الفَردُ والبحر الذي لم يعرف الجزر بل المد، سيبويه الزمان، والمبرد إذا حمى الوطيسُ بتشاجر الأقران، وإمام النحو الذي لقاصده منه ما يشاء، ولسان العرب الذي لكل سمع لديه إصغاء» (٤)، وقد أخذ عليه التاج علم النحو وعلوم اللغة وهو أستاذه في النحو بلا منازع.
٠٤ ابن النقيب: الإمام الفقيه شمس الدين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن النقيب المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (٥).
قال عنه التاج: «شيخنا قاضي القضاة وصاحب النووي، وأَعظِم بتلك الصحبة رُتبةً عَليّةً، وله الديانة والفقه والورع الذي طَرَدَ به الشيطانَ وأَرغمَ أنفه، وكان من أساطين المذهب وجمرة نار وذكاء، إلا أنّها لا تتلهب» (٦)، وقد أخذ عنه التاج الفقه الشافعي، وهو الذي أجازه بالإفتاء ولم يكن سنه قد تجاوز الثامنة عشرة.
٠٥ زينب بنت الكمال: السيدة العذراء مُسنِدة الشام زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسية، المتوفاة سنة ٧٤٠ هـ (٧).
قال عنها الذهبي: «تفرّدَت ورَوَتْ كتبًا كبارًا» (٨)، وقال ابن حجر في حقّها مادحًا: «روت الكثير وتزاحم عليها الطلبة وقرأوا عليها الكتب الكبار» (٩)، وتاج الدين السبكي من المُكثِرِين بالرواية عنها وخاصة في كتابه الطبقات.