لا غرابة ولا عجب إذا ما قلت أنّ القرن الثامن الهجري أو بالأحرى عصر المماليك، كان من أزهى العصور علميًا وثقافيًا بعد القرن الثالث الهجري؛ ذلك أنّ هذا العصر قد امتاز بكَثرَة العلماء الذين أنتجتهم الأمّة في ذلك الوقت، تاركين للأجيال القادمة تراثًا ضخمًا في شتى فنون المعرفة.
ولم يكن سلاطين المماليك بمعزل عن هذا النشاط العلمي، فما كان لهذا النشاط الثقافي أن يزدهر لولا تشجيع المماليك للعلم وترحيبهم بالعلماء، لذا فقد أَكثَرَ المماليك من بناء المدارس
والجوامع والرُّبَط (١) والخانقاوات (٢) لتكون قبلة للعلماء وطلاب العلم ينهلون منها العلم في شتى ميادين المعرفة (٣).
ولعلَّ من أهم المدارس التي أنشئت في زمن المماليك وكان لها دور بارز في هذا التقدم العلمي المشهود:-
٠١ المدرسة الظاهرية (٤): وهي المدرسة التي أنشأها السلطان الظاهر بيبرس سنة ٦٦٢هـ، وفيها خِزانَةُ كُتُبٍ تشتمل على أمهات الكتب في سائر العلوم، وكان يُدَرّس فيها الفقه الحنفي والشافعي والحديث والقراءات.
٠٢ المدرسة المنصورية (٥): أنشأها السلطان الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي (٦)، ورتّبَ فيها درسًا لطوائف الفقهاء الأربعة، ودرسًا للطّب، ودرسًا للحديث وآخر للتفسير.
٠٣ المدرسة الناصرية (٧): ابتدأ بناءها العادل كتبغا (٨)، وأتمها الناصر محمد بن قلاوون، وإليه نُسبت، فُرِغَ من بنائها سنة ٧٠٣هـ، ورُتّب فيها درسًا للمذاهب الأربعة.
٠٤ المدرسة الحجازية (٩): أنشأتها الست الجليلة خوندتتر الحجازية، بنت السلطان محمد بن قلاوون وزوجة بكتمر الحجازي وإليه تُنسب، وقد رَتَّبتْ فيها درسًا للفقهاء المالكية وآخر للشافعية، وجعلت فيها خزانة لأمهات الكتب.
_________________
(١) جمع رباط وهو دار يسكنها أهل طريق الله من الصوفية. أنظر المقريزي، المواعظ والاعتبار (٤/ ٣٠٢)
(٢) جمع خانقاه وهي كلمة فارسية معناها بيت وأصلها خونقاه أي الموضع الذي يأكل فيه الملك وهي أماكن للصوفية للتخلي فيها لعبادة الله. المصدر السابق (٤/ ٢٨٠)
(٣) سعيد عاشور، المجتمع المصري ص ١٤١، مصر في عصر دولة المماليك ص ١٨٥
(٤) المقريزي، المواعظ والاعتبار (٤/ ٢٢٥)، السيوطي، حسن المحاضرة (٢/ ٢٢٨)
(٥) المقريزي، المواعظ والاعتبار (٤/ ٢٢٦)، السيوطي، حسن المحاضرة (٢/ ٢٢٩)
(٦) هو السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي كان ملك مهيبا حليما قليل سفك الدماء كثير العفو، توفي سنة ٦٨٩هـ، ابن حبيب، تذكرة النبيه (١/ ١٣٥)
(٧) المقريزي، المواعظ والاعتبار (٤/ ٢٢٩)، السيوطي، حسن المحاضرة (٢/ ٢٢٩)
(٨) هو الأمير زين الدين كتبغا المنصوري، تسلم الملك مدة يسيرة ولقب بالعادل ثم خلع وتقلبت به الأحوال حتى أصبح نائب السلطنة في حماة، كان من أكابر الدولة وفيه شجاعة وخيرة وحسن خلق، توفي سنة ٧٠٢هـ، ابن حبيب، تذكرة النبيه (١/ ٢٥٤)
(٩) المقريزي، المواعظ والاعتبار (٤/ ٢٣٠)
[ ١٩ ]
٠٥ مدرسة السلطان حسن بن الناصر محمد (١): شرع في إنشائها سنة ٧٥٨هـ، وهي من أعظم المدارس في ذلك العصر بناءً، وأحسنها هندامًا، وفيها أربع مدارس للمذاهب الأربعة.
هذه أهم المدارس في ذلك الوقت، غير أنّه كانت هناك العديد من المدارس قد انتشرت في طول البلاد وعرضها، مثل: الخانقاه البيبرسية (٢)، وخانقاه قوصون (٣)، وخانقاه شيخو (٤)، ومدرسة صرغتمش (٥)
والمدرسة الظاهرية الجوانية بدمشق (٦)، والمدرسة القيمرية (٧)، والمدرسة الناصرية الجوانية (٨)، وغيرها الكثير.
هذا بالإضافة إلى المدارس التي كانت منتشرة من قبل إبان عهد الدولة الأيوبية، والتي اهتمت اهتمامًا بالغًا بإنشاء المدارس (٩).
وكان من نتاج هذه النهضة العلمية أن ظهر العديد من العلماء في مختلف العلوم والفنون، حيث كان لهم أثر بارز في مسيرة العلم ونشر الثقافة العربية والإسلامية، ومن هؤلاء العلماء على سبيل المثال (١٠):
٠١ ابن الرفعة: الإمام شيخ الإسلام، نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن الرفعة المتوفى سنة ٧١٠هـ إمام الشافعية في زمانه، قال عنه التاج السبكي: «أُقسم بالله يمينًا بَرَّةً لو رآه الشافعي لَتَبَجّح بمكانه، وترجَّح عنده على أَقرانه، وترشّح لأن يكون في طبقة مَن عاصَرَه وكان في زمانه.» (١١)
_________________
(١) السيوطي، حسن المحاضرة (٢/ ٣٣٢) والسلطان المذكور هو الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون الصالحي، كان ملكا عضيما عارفا شهما خبيرا بمصالح نفسه، طالت مدته واشتد بأسه، خلع من السلطنة وتوفي سنة ٧٦٢هـ،، ابن حبيب، تذكرة النبيه (٣/ ٢٤٠)
(٢) من خوانق القاهرة، أنشأها بيبرس الجاشنكيري سنة ٧٠٩هـ، انظر: السيوطي، حسن المحاضرة (٢/ ٢٢٩)
(٣) من خوانق القاهرة، انشئت عام ٧٣٦هـ، السيوطي، حسن المحاضرة (٢/ ٢٣٢)
(٤) من خوانق القاهرة، أنشأها الأمير سيف الدين شيخو سنة ٧٥٧هـ، السيوطي، حسن المحاضرة (٢/ ٢٣٠)
(٥) بناها الأمير سيف الدين صرغمتش سنة ٧٥٧هـ ورتب فيها درسا للحديث وآخر للفقه الحنفي، السيوطي، حسن المحاضرة (٢/ ٢٣١)
(٦) من مدارس دمشق، أنشأها الظاهر بيبرس وأتم بناءها السلطان سيف الدين قلاوون وهي اليوم مقر دار الكتب الوطنية بدمشق كما أفاده محقق كتاب الدارس، انظر: النعيمي، الدارس في تاريخ المدارس (١/ ٣٤٨)
(٧) من مدارس دمشق، أنشئت سنة ٦٦٥هـ، النعيمي، الدارس في تاريخ المدارس (١/ ٣٥١)
(٨) من مدارس دمشق بناها الملك الناصر بن صلاح الدين ٦٥٣هـ، النعيمي، الدارس في تاريخ المدارس (١/ ٢٤١)
(٩) السيوطي، حسن المحاضرة (٢/ ٢٢٤)، ومن هذه المدارس: المدرسة الصلاحية والمدرسة الكاملية والمدرسة الصالحية وغيرها
(١٠) أضف إلى هؤلاء العلماء أسرة التاج السبكي وشيوخه وتلامذته؛ إذ كلهم علماء أفذاذ ونجباء، والذين آثرت ذكرهم في الموضع اللائق بهم هناك فانظره.
(١١) التاج السبكي، طبقات الشافعية (٩/ ٢٥)
[ ٢٠ ]
من مصنفاته: «المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي»، «كفاية النبيه في شرح التنبيه»، كتاب في هدم الكنائس سماه «النفائس في هدم الكنائس» وغيرها (١).
٠٢ ابن الزملكاني: الإمام العلامة المناظر محمد بن علي بن عبد الواحد كمال الدين بن الزملكاني، شيخ الشافعية في زمانه، انتهت إليه رياسة المذهب تدريسًا وإفتاء، ذَكَره الذهبي في المعجم المختص وقال: «شيخنا قاضي القضاة عَلَمُ العصر كان من بقايا المجتهدين ومن أذكياء أهل زمانه، دَرَّس وأفتى وتَخَرّج به الأصحاب.» (٢)
له تصانيف نافعة كثيرة، منها: «شرح منهاج النووي»، «كتاب في تفضيل البشر على المَلَك»، كتاب في «الرد على ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة»، وغيرها، توفي رحمة الله سنة ٧٢٧هـ (٣)
٠٣ ابن تيمية: الإمام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، العلامة الحنبلي المعروف، ذَكَره الذهبي في معجمه وقال عنه: «برع في علوم الآثار والسنن ودرّس وأفتى وصنّف التصانيف البديعة، وانفرد بمسائل فَنِيلَ من عرضه لأجلها، وهو بشر له ذنوب وخطأ، ومع هذا فوالله ما قلّت عيني مثله، ولا رأى هو مثل نفسه ولا رأى.» اهـ (٤)
وقال ابن كثير في حقه: «وبالجملة كان ﵀ من كبار العلماء ممن يخطئ ويصيب، ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة من بحر لُجِّي.» (٥)
من مصنفاته: «الفتاوى»، «الصارم المسلول على شاتم الرسول»، «اقتضاء الصراط المستقيم» وغيرها، توفي ﵀ بدمشق سنة ٧٢٨هـ (٦).
٠٤ الإسنوي: الإمام الفهّامة الأصولي الناقد جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر الإسنوي، شيخ الشافعية في زمانه وفقيههم، وأَكثَرُ أهل زمانه اطلاعًا على كتب المذهب، قال عنه ابن شهبة: «أَكثَرُ علماء الديار المصرية طَلَبتُه، وكان حَسَن الشكل، حَسَن التصنيف، ليِّنَ الجانب، كثيرَ الإحسان إلى طلبته، ملازمًا للإفادة والتصنيف.» (٧)
له المصنفات النافعة المفيدة منها: «شرح منهاج الوصول للبيضاوي»، «التنقيح على التصحيح»، «المهمات»، «التمهيد»، وغيرها، توفي رحمه الله تعالى سنة ٧٧٢هـ (٨).
_________________
(١) انظر ترجمته في ابن كثير، البداية والنهاية (١٤/ ٤٧١)، الإسنوي، طبقات الشافعية (١/ ٦٠١)، ابن شهبة، طبقات الشافعية (٢/ ٢٧٣)
(٢) الذهبي، المعجم المختص ص ١٦٥ - ١٦٦
(٣) انظر ترجمته في ابن كثير، البداية والنهاية (١٤/ ٥٤٨)، التاج السبكي، طبقات الشافعية (٩/ ١٩٠)
(٤) الذهبي، المعجم المختص ص ٢٦
(٥) ابن كثير، البداية والنهابة (١٤/ ٥٥٧)
(٦) انظر ترجمته في ابن كثير، البداية والنهاية (١٤/ ٥٥٢ – ٥٥٧)، الذهبي، المعجم المختص ص ٢٥ - ٢٦
(٧) ابن شهبة، طبقات الشافعية (٣/ ١٣٤)
(٨) انظر ترجمته في ابن شهبة، طبقات الشافعية (٣/ ١٣٢ – ١٣٥)، ابن هداية الله، طبقات الشافعية ص ٢٣٦
[ ٢١ ]
٠٥ ابن كثير: الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء اسماعيل بن كثير بن ضَوء بن كثير القرشي الدمشقي، المؤرخ المتفنن والمفسر النقاد، ذَكَره الذهبي في معجمه فقال: «يدري الفقه، ويفهم العربية والأصول، ويحفظ جملة صالحة من المتون والتفسير والرجال وأحوالهم.» (١)
من مصنفاته المشهورة: «البداية والنهاية» وهو في التاريخ، «التفسير»، «طبقات الشافعية»، «تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب»، توفي بدمشق سنة ٧٧٤هـ (٢).
٠٦ التفتازاني: الإمام المحقق المتكلم الأصولي النظار سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، عالم النحو والبيان والأصلين والمنطق وغيرها.
قال عنه ابن حجر (٣): «كان قد انتهت إليه معرفة علوم البلاغة والمعقول بالمشرق، بل بسائر الأمصار، لم يكن له نظير في معرفة هذه العلوم، مات ولم يخلف بعده مثله».
من مصنفاته: «شرح العقائد النسفية»، «المقاصد» في أصول الدين، «شرح الشمسية» في المنطق، «شرح تصريف الغزي» في الصرف، «التلويح» في أصول الفقه، وغيرها الكثير.
توفي رحمه الله تعالى سنة ٧٩٢هـ (٤).