يعدّ «الإبهاج في شرح المنهاج»، من أوسع الشروح التي وضعت على «المنهاج» - في حدود علمي واطلاعي - حيث تجد في «الإبهاج» نوعًا من الإسهاب والإطالة في كثير من المواضع - مقارنة بغيره من الشروح - وبخاصة المواضعَ التي لم يتعرّض لها غيره، وقد وضّح لنا التاج منهجه في ذلك فقال: «وأنا من عادتي في هذا الشرح الإطناب فيما لا يوجد في غيره، ولا يُتَلقّى إلا منه بَحْثٌ مُختَرع أو نقل غريب أو غير ذلك، والاختصارُ في المشهور في الكتب إذ لا فائدة في التطويل فيما سبقنا مَن هم سادتنا وكبراؤنا إلى جمعه، وهل ذلك إلا مجرُّد جَمعٍ من كتب متفرقة لا يَصدُق اسم المصنِّف على فاعله» (٦).
هذا ويعدّ «الإبهاج» من أهم شروح «المنهاج» وذلك للأسباب الآتية:
_________________
(١) هو الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمود الجزري المصري الشافعي، كان فقيها عارفا بالأصلين والنحو البيان والمنطق، توفي سنة ٧١١هـ من مصنفاته شرح التحصيل، أجوبة عن أسئلة المحصول. انظر ترجمته في ابن شهبة، طبقات الشافعية (٢/ ٣٠٧)
(٢) هو الإمام العلامة المحقق، عبد الله بن محمد الشريف الحسيني الفرغاني الشافعي، توفي سنة ٧٤٣هـ، من مصنفاته: شرح الطوالع، وشرح الغاية القصوى. انظر: الغزي، ديوان الإسلام (٣/ ٣٢٥)
(٣) انظر أكرم أوزيقان، مقدمة تحقيق السراج الوهاج (١/ ٥٢)
(٤) هو الإمام العلامة فخر الدين أحمد بن الحسن بن يوسف الجاربردي توفي سنة ٧٦٤هـ، من مصنفاته شرح الحاوي الصغير، شرح تصريف ابن الحاجب، وله حواشي على الكشاف. انظر ترجمته في ابن شهبة، طبقات الشافعية (٣/ ٩)
(٥) هو الإمام الكبير شمس الدين محمود بن أبي القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأصفهاني، إمام في العقليات والأصول والفقه، توفي سنة ٧٤٩هـ، من مصنفاته: شرح طوالع البيضاوي، شرح مختصر ابن الحاجب. انظر ترجمته في التاج السبكي، طبقات الشافعية (١٠/ ٣٨٣)
(٦) التاج السبكي، الإبهاج (٢/ ١٣٧)
[ ٦٢ ]
١ - لقد أخذ «الإبهاج» أهميته من أهمية أصله: «المنهاج»، «فالمنهاج» كما بيَّنتُ هو من أهم المتون الأصولية المعتمدة، وهذه الأهمية بذاتها انعكست على شروح «المنهاج» ومن بينها شرح ابن السبكي.
٢ - إنّ ابن السبكي كان ضليعًا في علمَي المنطق والكلام؛ مما أعطاه مقدرةً واسعةً على تحليل كلام البيضاوي، وذِكر ما وُجّه إليه من اعتراضات وردِّها بالطرق المنطقية والكلامية.
٣ - إنّ ابن السبكي كان مطلعًا على شروح «المنهاج» السابقة، ولهذا كان يُكثِر من تعقُّبها والنّقل عنها مما جعل كتابه هذا شاملًا وجامعًا لكل ما قيل عن «المنهاج» قبله.
٤ - إنّ ابن السبكي كان ذا اطلاع واسع على كتب الأصوليين وعلى أقوالهم؛ لهذا وجدناه يُكثر من النقل عنهم والاحتجاج بهم، ومنها مصنفات مفقودة لم يُعثر عليها، وبذلك فقد حَفظ لنا التاج السبكي كثيرًا من الآراء الأصولية التي قد لا تجدها عند أحد سواه.
وبالإضافة إلى ذلك فقد امتاز «الإبهاج» بعدّة مميزات، أذكر منها:
١ - استخدام أسلوب المحاورة في الشرح: لقد نهج التاج السبكي في شرحه هذا منهج المحاورة (فإن قلتَ قلتُ أو قلنا )، فهو يذكر المسألة بشكل حِواريّ، ويذكر الاعتراضات ويردها بهذا النهج أيضا، وهذا الأسلوب يُعطي القارئَ قُدرةً على المضيّ قُدُمًا في توضيح المسألة شيئًا فشيئًا، إضافة إلى ما يمتاز به هذا الأسلوب من التشويق وعدم الملل منه، وهذا المنهج واضح جَليٌّ في أغلب مباحث الكتاب.
٢ - المقارنة بين نسخ «المنهاج» وإثبات ما بينها من اختلافات: لقد كان الإمام تاج الدين مطلعًا على أكثر من نسخة «للمنهاج»، لذا تجده يُثبِت ما بين هذه النسخ من اختلافات، فمن ذلك قوله عند قول البيضاوي في بيان أدلة حجية الإجماع: «الثالث: قال ﵊ لا تجتمع أمتي على خطأ » (١)، قال التاج السبكي معقِّبًا: «هذا الدليل ساقط في كثير من النسخ؛ ولذلك لا تجده مشروحًا في بعض الشروح» (٢).
٣ - المقارنة بين «المنهاج» وأصوله: لقد امتاز التاج السبكي في هذا الشرح بعقد المقارنات بين عبارة «المنهاج» وأصوله المأخوذ منها: «المحصول» و«الحاصل»، فهو في كثير من الأحيان يذكر إمّا موافقة البيضاوي لأصوله أو مخالفته لهم، فمن ذلك قوله عند الحديث على تخصيص مفهوم المخالفة: «وقد شَرَطَ المصنف تَبَعًا لصاحب «الحاصل» في هذا القسم أن يكون المخصِّص راجحًا، وهو شرطٌ لم يذكره الإمام» (٣)، فبيَّن التاج هنا موافقة البيضاوي لصاحب الحاصل ومخالفته للإمام الرازي.
ومنه قوله في باب التعادل والتراجيح في الباب الثاني: «عرّف الترجيحَ بأنّه تقويةُ إحدى الأمارتين على الأخرى ليُعمل بها أي: بالأمارة التي قَويت، وهو مأخوذ من الإمام إلا أنّ الإمام أبدل الأمارتين بالطريقتين، وما فعله المصنف أصرّح بالمقصود، إذ يمتنع الترجيح في غير الأمارتين والإمام قال: ليُعلم الأقوى فيُعمل به، وحذف المصنف لفظة العلم وهو حسن، إذ يُكتفى بالظن بالترجيح» (٤).
_________________
(١) البيضاوي، منهاج الوصول ص ٨١
(٢) التاج السبكي، الإبهاج (٣/ ٣٦٠)
(٣) التاج السبكي، الإبهاج (٢/ ١٢٣)
(٤) المصدر السابق (٣/ ٢٠٩)
[ ٦٣ ]
٤ - الاهتمام بتحرير مواضع النزاع: أكثرَ التاج السبكي في شرح «المنهاج» من توضيح محل النزاع في المسائل الأصولية المختلف فيها، فهو لا يمرُّ بمسألة فيها خلاف إلا بيّنه وبين النقطة التي وقع فيها الخلاف تحديدًا وذلك ببيان مواضع الاتفاق والاختلاف، ومن الشواهد الدالة على ذلك:
قوله في مباحث الحكم في مسألة التكليف بالمحال: «ما لا يَقْدرُ العبدُ عليه قد يكون معجوزًا عنه متعذِّرًا عادةً لا عقلاُ كالطيران في الهواء، وقد يكون متعذِّرًا عقلًا ممكنًا عادةً كمن علِم اللهُ تعالى أنّه لا يؤمن؛ فإنّ إيمانه مستحيل والحالة هذه عقلًا؛ لتعلُّق علْم الله به، وإذا سُئل ذوو العوائد عنه حكموا بأنّ الإيمان في إمكانه، وهكذا كل طاعة قُدّر في الأزل عدمها، وقد يكون متعذِّرًا عادةً وعقلًا كالجمع بين السواد والبياض، إذا عرفت هذا فمحل النزاع في التكليف بالمستحيل إنّما هو المتعذِّر عادةً سواءً أكان معه التعذّر العقلي أم لا، أما المتعذر عقلًا فقط لتعلُّق علم الله به فأطبق العلماء عليه، وقد كلّف الله الثقلين أجمعين بالإيمان مع قوله: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ ولَو حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين) (١») (٢)
٥ - استيعاب المسألة وجمع كل ما قيل فيها: امتاز التاج السبكي في هذا الشرح أنّه كان يُلمّ بالمسألة من كل جوانبها؛ فيُورد كل ما ذكر فيها من الأقوال، ويذكر الأدلة والاعتراضات عليها وردِّها إن اقتضى الأمر.
فمن ذلك ما دوّنه التاج السبكي شارحًا به قول البيضاوي: «وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه » (٣).
قال التاج السبكي: «هذه هي المسألة المعروفة بأنّ الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟» (٤)، ثمّ حرر موضع النزاع فيها، وذكر ما ورد فيها من أقوال، ثمّ عقب ذلك بأدلة كل فريق ومن ثمّ قال: «واعلم أنّه قد تردد كلام الأصوليين في المراد من الأمر المذكور في هذه المسألة، هل هو النفساني؟ فيكون الأمر النفساني نهيًا عن الضد نهيًا نفسانيًا، أو اللساني فيكون النهي عن الأضداد بطريق الالتزام» (٥)، ثمّ تكلم في الأمر النفسي وبين ما فيه من أقوال، وبعدها تكلم في اللساني كذلك، ثمّ قال: «هذا خلاصة ما يجده الناظر في كتب الأصول من المنقول في هذه المسألة، وهو هنا على أحسن تهذيب وأوضحه» (٦).
ثم ختم المسألة بذكر فوائد خمسة (٧) ليكون بذلك قد أتى بالمسألة على أتمّ وجه، فلم يدع شاردة ولا واردة إلا وأتى بها.
٦ - كثرة استدراكه على البيضاوي وذِكرُ أقوالٍ أخرى غير التي في المتن: لم يكن التاج السبكي مقررًا لما في متن «المنهاج» فحسب، بل وجدتُه كثيرَ الاستدراك على البيضاوي في المسائل التي أغفلها، فكان يُنَبّه عليها ويذكر أقوالًا أخرى غير التي أوردها البيضاوي، ومن ذلك:
_________________
(١) سورة يوسف آية ١٠٣
(٢) التاج السبكي، الإبهاج (١/ ١٧١)
(٣) البيضاوي، منهاج الوصول ص ٢٥
(٤) التاج السبكي، الإبهاج (١/ ١٢٠)
(٥) المصدر السابق (١/ ١٢١)
(٦) المصدر السابق (١/ ١٢٣)
(٧) المصدر السابق
[ ٦٤ ]
قوله بعد شرح تنقيح المناط عند البيضاوي: «فائدة: قد اقتصر المصنف على ذكر تنقيح المناط دون تحقيق المناط وتخريج المناط، ونحن لا نَطيب قلبًا بإخلاء هذا الشرح عن الكلام فيهما ليَحصُل التفرقة بينهما وبين تنقيح المناط» (١).
ومنها قوله بعد أن ذكر شروط الفرع في القياس: «وقد أهمل المصنف من شروط الفرع كون حكمه مماثلًا لحكم الأصل» (٢).
ومن المواضع التي ذكر فيها أقوال أخرى غير التي في المتن، قوله بعد شرح قول البيضاوي في المخصَّص: «المخصَّص بمعيّن حجة، ومنعها عيسى بن أبان، وأبو ثور وفَصَّل الكرخي» (٣)، قال التاج معقّبًا: «واقتصر - المصنف - على حكاية هذه الثلاثة» (٤).
ثمّ أضاف إليها ثلاثة أقوال أخرى، فقال:
«والرابع: إنّ التخصيصَ إن كان قد منع تعلُّق الحكم بالاسم وأوجب تعلُّقه بشرط لا يُنْبئ عنه الظاهر لم يجز التعلُّق به
والخامس: أنّ العام المخصوص إن كان بحيث لو تركناه وظاهره من غير بيان التخصيص؛ لكنّا نمتثل ما أريد هنا، ونضم إليه شيئًا آخر لم يرد هنا وإن كان العام بحيث لو تركناه وظاهره من غير بيان التخصيص؛ لم يمكننا أن نمتثل ما أريد منا لم يجز التمسك به
والسادس: أنّه يجوز التمسك به في أقل الجمع ولا يجوز فيما زاد عليه.» (٥)
٧ - إيراد المناقشات على المتن وتوجيه النقد إلى البيضاوي: مما امتاز به التاج السبكي في هذا الشرح هو كثرة مناقشاته لمتن «المنهاج»، وكان كثير النقد للبيضاوي، مما يبين أنّ له شخصيته الأصولية المستقلة، والتي لم تمنعه من نقد البيضاوي، ومن ذلك:
قوله بعد شرح قول البيضاوي في باب تقسيم الألفاظ: «عَلَم إن استقلَّ، ومُضْمر إن لم يستقل» (٦). قال التاج معقّبًا: «هذا شرح ما أورده، وفيه مناقشات من وجوه:
أحدها: أنّ هذا التقسيم كلّه في الاسم، وقد قَدّم أنّ الاسم هو الذي يستقل، فكيف يٌقَسِّم ما يستقل إلى ما لا يستقل؟!.
الثاني: أنّ عدم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة، والأسماء الموصولة وغيرها، وليست مضمرات.
الثالث: أنّ عدم الاستقلال قد جعله أولا رسمًا للحرف، فإن أراد بالاستقلال ذلك فالاعتراض لائح، وإن أراد غيره فليُبَيِّنَه.
الرابع: أنّه أهمل في تقسيم الكلي إلى اسم جنس ومُشتَقٍّ ذِكْر عَلَم الجنس.
الخامس: أنّه جعل المضمر من أقسام الجزئي.» (٧)
_________________
(١) المصدر السابق (٣/ ٨٢)
(٢) المصدر السابق (٣/ ١٦٣)
(٣) البيضاوي، منهاج الوصول ص ٩١
(٤) التاج السبكي، الإبهاج (٢/ ١٣٩)
(٥) التاج السبكي، الإبهاج (٢/ ١٣٩ وما بعدها)
(٦) البيضاوي، منهاج الوصول ص ٤٤
(٧) التاج السبكي، الإبهاج (١/ ٢١٢)
[ ٦٥ ]
وقوله معقِّبًا على قول البيضاوي في تعريف الأمر: «أنّه حقيقة في القول الطالب للفعل» (١)، قال: «قوله الطالب فصل يخرج به الخبر وشبهه، وقوله للفعل فصل ثان يخرج به النهي، إذ هو طالب للترك، وهذا مدخول من جهة أنّ النهي طلب فعل أيضًا، ولكن فعلٌ هو كفٌّ، فلو قال: فعلُ غير كف كما فعل ابن الحاجب لسلم من هذا الاعتراض، ويعترض عليه أيضًا بقول القائل: أوجبت عليك كذا وأنا طالب منك كذا، فإنّه يصدق عليه التعريف مع كونه خبرًا، فكان ينبغي أن يقول بالذات كما فعل في تقسيم الألفاظ» (٢)
غير أن ّالتاج السبكي كان في ذلك كله موضوعيًا ومنصفًا، فلم يمنعه نقده للبيضاوي من إبداء محاسنه في هذا المصنف، فكان يبين وجه حسن قوله في المواضع التي ارتآه فيها محسنًا، فمن ذلك: قوله مادحًا له في اختياره تعريف الشرط بأنّه ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجوده، قال: «وإنّما قال وجوده ولم يقل ذاته كما فعل الإمام لئلا يرد على طرده العلّة التامة. . . إلى أن قال: فافهم ذلك فهو من محاسن المصنف.» (٣)
٨ - ختمه المسائل بذكر فوائد عامة ويكثر من إيراد الفروع الفقهية المبنية على المسألة الأصولية: امتاز التاج السبكي في شرحه هذا بأنّه كان كثيرًا ما يختم المسألة بذكر بعض الفوائد العامة التي يَحسُن التنبيه عليها مما له علاقة بموضوع المسألة المطروحة، كما أنّه يعقب المسألة بذكر بعض الفروع الفقهية المبنية عليها مقررًا فيها مذهب الإمام الشافعي ﵁، فمن النوع الأول:
قوله بعد شرح مسألة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه ونختم الكلام في المسألة بفوائد وذكر خمسة فوائد منها قوله: «الثانية: قال النقشواني: لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده للزم أن يكون الأمر للتكرار وللفور، لأنّ النهي كذلك، وأجاب القرافي: بأنّ القاعدة أنّ أحكام الحقائق التي تثبت لها حالة الاستقلال لا يلزم أن تثبت لها حالة التبعية» (٤).
وأما الفروع الفقهية فكثيرة جدًا، وقد أسهب التاج السبكي فيها في كثير من المواضع، منها:
قوله في باب المشترك: «يضاهي الخلاف الأصولي في حمل المشترك على معنييه في الفقه أمور منها: لو وقف على مواليه وله مَوال من أعلى ومَوال من أسفل، فأوجهٌ: أرجحها عند الغزالي بطلانه، وهو منقدح على رأي من يمنع استعمال المشترك في معنييه.
الثاني: يصح، ويصرف إلى الموالي من أعلى.
والثالث: يصح، ويقسم بينهم، وهو الأصح عند الشيخ أبي اسحق وشيخه القاضي أبي الطيب وفقًا لقاعدة الشافعي.
والرابع: يصرف إلى الموالي من أسفل لاطراد العادة بالإحسان إلى العتقاء.
والخامس: الوقف إلى حين يصطلحوا، وهو متجه على رأي من يُجوِّز الاستعمال ويمنع الحمل، قال: ووجه مضاهاة هذا الفرع للمسألة التي انتهينا منها: أنّ لفظ الموالي مشترك بين الموالي من أعلى والموالي من أسفل» (٥)
_________________
(١) البيضاوي، منهاج الوصول ص ٦٤
(٢) التاج السبكي، الإبهاج (٢/ ٤ وما بعدها)
(٣) المصدر السابق (٢/ ١٥٧ وما بعدها)
(٤) التاج السبكي، الإبهاج (١/ ١٢٤)
(٥) التاج السبكي، الإبهاج (١/ ٢٦٧)
[ ٦٦ ]
٩ - التنبيه على فوائد الخلاف: الخلاف الأصولي إما أن يكون لفظيًا بحيث لا يترتب عليه شيء، وإنّما هو من باب زيادة التدقيق والتحقيق، وهذا من تأثير علم الكلام، وإما أن يكون أصليًا متجذرًا بحيث يكون له أثر عملي، والإمام تاج الدين كان يوضح في أكثر المسائل الأصولية فائدة الخلاف فيها إن كان الخلاف حقيقيًا وليس لفظيًا، فمن ذلك:
قوله في مسألة إذا نسخ الوجوب بقي الجواز بعد أن ذكر خلاف الغزالي فيها: «ويظهر فائدة الخلاف فيما إذا كان الحال قبل الوجوب تحريمًا، فعند الغزالي الفعل الآن يعود محرمًا كما كان، وعند القوم أنّ مطلق الجواز الذي كان داخلًا في ضمن الوجوب باق يصادم ما دل على التحريم، فَوَضُح أنّ الخلاف معنوي.» (١)
هذه أهم الميزات التي امتاز بها شرح التاج السبكي «للمنهاج» والتي جعلت «الإبهاج» في مقدمة شروح «المنهاج» التي عليها الاعتماد وإن كان «الإبهاج» لم يَلقَ من الشهرة ما لقيه شرح معاصره الإسنوي، فذلك لأنّ شرح الإسنوي كان مقررًا لطلاب الدراسات الشرعية في الأزهر بخلاف «الإبهاج»، هذا بالإضافة إلى طول شرح التاج وغزارة مسائله في الكتاب، بخلاف شرح الإسنوي فهو أولًا شرح مختصر وثانيًا كان أكثر تركيزه على بيان المسألة المطروحة دون الزيادة عليها والله تعالى أعلم.