انتهج التاج السبكي هذا المنهج المتمثِّل بذكر الأقسام التي من خلالها يُتَعرَّفُ على حدود المقسَّمات دون إيراد التعريفات الحدِّية لها، ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في بيان تقسيمات اللفظ: «اللفظُ والمعنى إن اتحدا، فإن منعَ تَصوُّر معناه الشركة فجزئي، وإلا فكليٌّ، متواطئٌ إن استوى، مشكّكٌ إن تفاوت، وإن تعدَّد فمتباين، وإن اتحد المعنى دون اللفظ فمترادف وعكسه إن كان حقيقة فيهما فمشترك، وإلا فحقيقة ومجاز» (٦).
فأنت ترى أن التاج السبكي قد ذكر مجموعةً من الأمور ولم يعرِّف أيًّا منها تعريفًا حديا، إلا أنه يُمكنُ معرفةُ حدودها من خلال التقسيم الذي وضعه.
فالجزئي: ما يمنع تصوُّرُ معناه الشركة فيه.
ومن خلال المقابلة بين الجزئي والكلي يمكن حدُّ الكلي بأنه: ما لا يمنع تصوُّرُ معناه من وقوع الشركة فيه.
ثم إنّ الكليَّ ينقسم إلى قسمين:-
الأول المتواطئ: وهو ما كان حصوله على أفراده بالتساوي، والثاني المشكَّك: وهو ما لا يكون حصوله على أفراده بالتساوي، بمعنى أنه الذي يتفاوت في مفهومه شدةً وضعفا (٧).
ثم تحدَّث عن القسمة الثانية للفظ والمعنى وهي: أن يتعدد اللفظ والمعنى فهو المتباين، ثم بين الترادف وهو: أن يكون اللفظ متعددًا والمعنى واحد.
_________________
(١) انظر الغزالي، معيار العلم ص ٢٥٥
(٢) التاج السبكي، جمع الجوامع ص ١٢٧
(٣) انظر شرح التعريف في الزركشي، تشنيف المسامع (١/ ٩٤)
(٤) التاج السبكي، جمع الجوامع ص ١٢٨
(٥) انظر التاج السبكي، منع الموانع ص ١٣٠، الزركشي، تشنيف المسامع (١/ ١١٢)
(٦) التاج السبكي، جمع الجوامع ص ١٣٥
(٧) انظر: الزركشي، تشنيف المسامع (١/ ٢٠٠)
[ ١٢٩ ]
وقوله ''وعكسه'' أي عكس الترادف وهو أن يتحدَ اللفظُ ويتكثَّرَ المعنى، ثم بيَّن أقسامه فقال: «إن كان حقيقة فيهما فمشترك» فهذا يعني أن المشترك: اللفظ الموضوع على أكثر من معنىً حقيقة، وأما إن كان اللفظ حقيقة في أحدهما فالأول حقيقة والثاني مجاز.
وبهذا يكون التاج السبكي قد بيَّن لنا معاني هذه الأمور ولكن لا بطريق التعاريف الحدية وإنما بطريق التقسيمات العقلية.