وقد وسمه التاج السبكي بـ «جمع الجوامع» ذلك لأنّه قد جمع فيه زُبدة مسائل علميّ أصول الفقه والدين، إضافة إلى خاتمة هامة في السلوك والتصوف؛ فجاء شاملًا وجامعًا لعلوم ثلاثة في مختصر واحد، صغير الحجم غزير العلم.
هذا بالإضافة إلى أنّه قد جمع هذا المصنف من كل مصنف وكل متن جامع (٣)؛ فكان بحق «جمع الجوامع»، وانطبق الاسم على المسمى.
وقد وصف التاج السبكي صنيعه في هذا «المختصر» قائلًا أنّه: «الآتي من فنَّي الأصول بالقواعد القواطع، البالغ من الإحاطة بالأصلين مبلغ ذوي الجد والتشمير، الوارد من زُهاء مئة مصنف منهلًا يروي ويَمِير (٤)؛ المحيط بُزبدة ما في شرحيَّ على «المختصر» و«المنهاج»، مع مزيد كثير» (٥).
وقال في خاتمة الكتاب: «وقد تمّ «جمع الجوامع» علما، المسمع كلامه آذانًا صمًا، الآتي من أحاسن المحاسن بما ينظره الأعمى مجموعًا جموعًا، وموضوعًا لا مقطوعًا فضله ولا ممنوعًا، ومرفوعًا عن همم الزمان مدفوعًا، فعليك بحفظ عباراته، لا سيما ما خالف فيها غيره، وإياك أن تبادر بإنكار شيء قبل التأمل والفكرة، وأن تظن إمكان اختصاره ففي كل ذَرّة دُرّة. . . [إلى أن قال] فدونك مختصرًا بأنواع المحامد حقيقا، وأصناف المحاسن خليقا، جعلنا الله به مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقا» (٦).
وكان التاج السبكي كثيرًا ما يُشِيد بهذا «المختصر»، ويُحَبِّب الناس إلى قراءته ودراسته،
ويُبيّن كثيرًا من مزاياه وفوائده التي انفرد بها.
_________________
(١) راجع ما ذكرناه عن مصنفات التاج الأصولية في مبحث رفع الحاجب ص ٨٦ من هذه الرسالة
(٢) انتهى التاج السبكي من تصنيف «جمع الجوامع» في أواخر سنة ٧٦٠هـ حيث كان قد بلغ من العمر الثانية والثلاثين انظر جمع الجوامع ص ٢٠٤
(٣) انظر: المحلي، شرح جمع الجوامع (١/ ٣٠)
(٤) أي يجلب الطعام. انظر: تهذيب القاموس المحيط، مادة مير (٤/ ٢٦٩)
(٥) التاج السبكي، جمع الجوامع ص ١٢٤.
(٦) التاج السبكي، جمع الجوامع ص ٢٠٣
[ ٩٤ ]
فمن ذلك قوله في الطبقات: «هو مختصر جمعناه في الأصلين؛ جمع فأوعى. . . فيه زيادة على ما في مختصرات أصول الفقه. . . وهذا شأن كتابنا «جمع الجوامع» نفع الله به، غالب ظننا أنّ في كل مسألة فيه زيادات لا توجد مجموعة في غيره مع البلاغة في الاختصار» (١).
وأما في «منع الموانع» فقد أشاد به في أكثر من موضع مبينًا في ذلك الجهد الذي استفرغه في هذا المتن فقال في ذلك: «وكان مما دعوت له الجفلى (٢)، ولم أُلْفِ غير ملبٍّ يبادر ويسارع، ورقيت به إلى سماء التحقيق فأنشد '' لنا قمراها والنجوم الطوالع'' وحشدت فيه فكري حتى فاض على الإناء، وناداه لسان الفكر «جمع الجوامع».
طويت فكري فيه على همةٍ سائرًا في نشر العلم سيرًا حثيثًا، وملأت داري منه بمُسوَّدات أرى قديمها لكثرة ما أعاوده حديثا، وشغلته أو شغلت نفسي فيه بما تنوع كلامًا وأصولًا وفقهًا وحديثًا، وأيم الله لقد استوعب مني كثيرًا من أوقات الفراغ، وأخذ من أقلامي وأفكاري ما كاد يستفرغ مدد المداد والدماغ ومُسمِع مِن كلمي وحِكَمي ما ليس عند ذوي البلاغ بلاغ.
فلو كان ذا لسان لادّعى أنّه نفيس عمري ونخبة فكري، والذي شمرت فيه عن ساق الجد، وقد عُدِمت في الديجور (٣) أعوانًا على سهري» (٤).