لقد امتاز «رفع الحاجب» بميّزات عديدة جعلته في مقدمة شروح «المختصر» التي عليها الاعتماد، ومن أهم هذه الميزات:
١ - اعتماده على نسخة للمختصر بخط ابن الحاجب نفسه: اعتمد التاج السبكي في هذا الشرح على نسخة ابن الحاجب نفسه، وهذه ميّزة قلَّما تجدها عند غيره من الشراح، وبذلك يكون التاج قد حفظ لنا عبارة ابن الحاجب بنصِّها دون تحريف لها، أو نقص منها أو زيادة عليها، وكثيرًا ما كان التاج السبكي يبيّن ذلك في شرحه، ويثبت الخلافات بينها وبين النسخ الأخرى، مبيّنًا في ذلك الراجح عنده من العبارات سواء أكانت نسخة ابن الحاجب أو غيرها من النسخ.
فمن النوع الأول قوله: في مسألة العام إذا ورد على سبب خاص: «والثاني ألا يكون ثمّ قرينة، كما لو روي أنّه - ﵇ - مَرّ بشاةِ ميمونة فقال ﴿أيما إهابٌ دُبِغَ فقد طَهُر﴾ (٥)، فإنّه على تقدير وقوعه لفظ عامٌّ ورد على سبب خاص بغير سؤال » ثمّ قال: «وإنّما قلنا على تقدير وقوعه، وكذا أثبت المصنِّف لفظة لو بخطه لأنّ ذلك لم يقع وفي بعض نسخ «المختصر» حذفُ لفظة لو، وليس بجيّد، فأثباتها حقٌّ كما عرفتَ وإياه فعل المصنف» (٦).
_________________
(١) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن حسن بن عبد الله السيد الشريف الحسيني الواسطي الشافعي، توفي سنة ٧٧٦هـ، من مصنفاته: كتاب في أصول الدين وكتاب في الرد على الإسنوي. انظر ابن شهبة، طبقات الشافعية (٣/ ١٦٠)
(٢) انظر ابن شهبة، طبقات الشافعية (٣/ ١٦١)، المراغي، الفتح المبين (٢/ ٢٠٤)
(٣) هو الإمام أبو عبد الله عز الدين محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن سعد الله بن جماعة المصري الشافعي العالم العلامة الحبر المفنن صاحب المؤلفات الكثيرة والمشهورة منها: شرح جمع الجوامع وشرح الأربعين النووية، توفي سنة ٨١٩هـ. انظر: ابن شهبة، طبقات الشافعية (٤/ ٦٠) الغزي، ديوان الإسلام (٢/ ١٠٦)،
(٤) انظر حاجي خليفة، كشف الظنون (٢/ ١٨٥٥)
(٥) رواه الترمذي في كتاب اللباس برقم ١٦٥٠، والنسائي في كتاب الفرع والعتيرة برقم ٤١٦٨، وابن ماجة في كتاب الفرع والعتيرة برقم ٣٥٩٩
(٦) التاج السبكي، رفع الحاجب (٣/ ١٢١) بتصرف.
[ ٨٣ ]
ومن النوع الثاني قوله معقّبًا على قول ابن الحاجب: «لو نَدَرَ المخالف مع كثرة المجمعين » إلى قوله «لم يكن إجماعًا قطعًا» (١)، قال التاج السبكي: «كذا بخط المصنف، وفي بعض النسخ قطعيا.» ثمّ قال بعد شرح المسألة: «إذا عرفت هذا فنقول: قول المصنف لم يكن إجماعًا قطعًا أي: لا نقطع بكونه إجماعًا، ومن كتب قطعيًا أراد أنّا نجزم بنفي (٢) كونه إجماعًا قطعيًا.» (٣)
ثم قال التاج مرجحًّا هذه النسخة: «وهذه النسخة عندي أولى مما كتبه المصنِّف بيده، ولعلها أُصلِحت؛ لأنّ فيها فائدة التنبيه على أنّ من قال بأنّه إجماع؛ فإنّما يجعله ظنيًا لا قطعيًا، وهو الظاهر، وبه يُشعر إيراد الآمدي، وأما قطعًا (٤) فليس فيها كثير فائدة؛ لأنّ كلّ ذي نظر يعرف أنّه إذا وقع الخلاف في أنه هل هو إجماع؛ لم يقع القطع بأنّه إجماع» (٥).
٢ - اعتماده في الشرح على نقل عبارات ابن الحاجب نفسه من مختصره الكبير الذي هو الأصل بالنسبة لهذا «المختصر»: من السِّمات البارزة في هذا الشرح أنّ التاج السبكي كثيرًا ما كان يُورِد عبارات ابن الحاجب نفسه من مختصره الكبير «المنتهى»، ليُفصِّل بها ما أجمله ابن الحاجب في مختصره هذا.
وحيثما كانت عبارة ابن الحاجب – في هذا «المختصر» – غير وافية بالغرض كان يتمِّمها التاج من «المختصر الكبير».
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قول التاج السبكي في مسألة الإجزاء هل يستلزم القضاء أو لا – بعد شرحه لقول ابن الحاجب: وقال عبد الجبار لا يستلزمه (٦) – «وقد قال المصنف في «المختصر الكبير»: إن أراد – يعني عبد الجبار – أنّه لا يمتنع أن يُراد أمرٌ بعده بمثله فمسلّم، ويرجعُ النزاع في تسميته قضاء، وإن أراد أنّه لا يدلّ على سقوطه فساقط» (٧).
ومنها قول التاج السبكي شارحًا قول ابن الحاجب في باب الترجيح: «والإجماع على ما بعده في الظني» (٨) قال: «قوله في الظّن أي: ذلك متصوَّر في الإجماع الظني دون القطعي؛ فإنّه يُظنُّ فيه التعارض، وإلا لَزِم تَعَارُض الإجماعين في نفس الأمر، وهو محال، هذا تقرير كلامه فاعتمده، وبه صرّح في «المنتهى» إذ قال: وإجماع الصحابة على من بعدهم ثمّ على الترتيب وذلك إنّما يكون في الظني، لأنّهم أعلى رتبة» (٩)
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ١٨٢)
(٢) كذا هو الصواب، غير أن ما في أصل الكتاب " نجزم بكونه إجماعا" وهو وهم ظاهر، وقد أشار المحقق الفاضل إلى وجود الصواب في نسخة أخرى أثبتها في الهامش وكان حقه أن يثبت الصواب في الأصل وينبه عليه في الهامش لا العكس.
(٣) التاج السبكي، رفع الحاجب (٢/ ١٨٧)
(٤) هذا هو الصواب، وقد ورد في أصل الكتاب "قطعيا"، وهو خطأ ظاهر إذ لا يستقيم الكلام بها. أنظر رفع الحاجب (٢/ ١٨٧)
(٥) المصدر السابق
(٦) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (٢/ ٥٤٤)
(٧) التاج السبكي، رفع الحاجب (٢/ ٥٤٦)
(٨) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (٤/ ٦٢٦)
(٩) التاج السبكي، رفع الحاجب (٤/ ٦٢٦)
[ ٨٤ ]
٣ - المقارنة بين «مختصر ابن الحاجب» وأصوله وبخاصة الآمدي: التاج السبكي في هذا الشرح – شأنه شأن شرحه السابق على «منهاج البيضاوي» – كان يُثبت في ثنايا شرحه مقارنات بين متن ابن الحاجب وأصوله المأخوذ منها: «المختصر الكبير» له و«المنتهى» و«الإحكام» للآمدي، وهو بذلك يُبَيِّنُ لنا موافقة ابن الحاجب لأصوله أو مخالفته لها.
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قول التاج السبكي معقّبًا على قول ابن الحاجب في المنع: «والصحيحُ منع السائل من تقريره؛ لأنّ المستدلَّ مُدَّعٍ فعليه إثباته لئلا ينتشر» (١)، قال التاج السبكي: «كذا بخط المصنف، وظاهره أنّها علّة واحدة لوجوب الإثبات، وفي «المنتهى» لأنّ المستدل مُدَّعٍ فعليه إثباته، ولأنّه ينتشر، والذي يظهرُ أنّ علّة وجوب إثباته على المستدل ادعاؤه، وعلّية منع المعترض من إثباته الانتشار فهما علّتان لحكمين مختلفين» (٢).
ومنها ما قاله التاج السبكي معقّبًا على تعريف ابن الحاجب للقرآن بأنه: هو الكلامُ المنزَّل للإعجاز بسورة منه (٣) حيث قال التاج: «وهذا الحدُّ من صنيع المصنف، والآمدي عرَّفه بأنّه: القرآن المنزل (٤)، وقد أخذ هو والمصنف المنزَّل قَيْدًا في التعريف؛ لأنّ الحدّ للفظ، فأراد إخراج النفساني بذلك (٥»).
ففي هذا النص ترى أنّ التاج السبكي يُبَيّن لنا مخالفة ابن الحاجب في صيغة التعريف للآمدي، وإن اتفقا في قيد المنزَّل.
٤ - كثرة الإحالات على مصنفاته الأصولية الأخرى: التاج السبكي يجعل مجموعة مصنّفاته كالمنظومة الواحدة؛ فما يُجْمله في موضع يفصِّله في موضع آخر من كتاباته، وكثيرًا ما كان يُحيل القارئ إلى مصنفاته الأخرى التي أسهب فيها الحديث حول المسألة المحالة.
وهذه ميزةٌ له في كتاباته عامة، وفي شرح ابن الحاجب خاصَّة، فقد وجدته في هذا الشرح يُكثِر من الإحالات على كُتُبه الأخرى، وبخاصّة على كتابه «التعليقة» شرحه الأول والأوسع «لمختصر ابن الحاجب»، إلا أنّه في بعض المواضع التي رأى التاج أنّه من الأهمية بمكان إعادة ما دوَّنه سابقا، وجدته مع إحالته إلى تلك المواضع كان يُلخِّص ما ذكره هناك في شرحه هذا تتميمًا للفائدة المرجوّة.
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مبحث النقض من قوادح العلّة – بعد شرحه للمذاهب التي أوردها ابن الحاجب في كونه قادحًا – قال: «ولإمام الحرمين مذهب ثامن، وللغزالي مذهب تاسع، حكيناهما في «التعليقة» وتكلَّمنا عليهما بما فيه الكفاية، وحذفناهما هنا اختصارًا» (٦)
_________________
(١) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (٤/ ٤٥٥)
(٢) التاج السبكي، رفع الحاجب (٤/ ٤٥٥)
(٣) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (٢/ ٨٢)
(٤) انظر الأمدي، الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٣٧)
(٥) التاج السبكي، رفع الحاجب (٢/ ٨٣)
(٦) التاج السبكي، رفع الحاجب (٤/ ١٩٢)
[ ٨٥ ]
ومن النوع الثاني قوله في مبحث الإجماع السكوتي: «وهنا أمورٌ مهمَّة لا يليق إهمالها، وإن كنّا بذكرها نخرج عن أسلوب الاختصار فإنّ مسألة الإجماع السكوتي من قواعد الأمهات، وإلى الشافعية مَرجِعها، وقد ذكرنا في «التعليقة» أوراقًا تَعْسُر على أبناء الزمان فليقع تلخيصها هنا» (١). ثمّ أخذ يتحدَّث عمّا ذكره هناك من مباحث تتعلَّق بالإجماع السكوتي فأخذت ثمان صفحات من الشرح (٢).
٥ - التصريح بآرائه واختياراته في أكثر المسائل المطروحة: امتاز التاج السبكي في هذا الشرح بأنّه كان شديد الوضوح والصراحة تُجاه المسائل والأدلة الأصولية المختلف فيها؛ فلا يمرُّ على مسألة فيها خلاف إلا بيَّنه، ومن ثمّ صرّح برأيه هو واختار الراجح عنده فيها (٣)، وحيثما لم يُعجِبه دليل في مسألة ما ردّه واختار ما هو الأوضح والأقوى عنده في ذلك.
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مدلول صيغة الأمر – بعد ذكر المذاهب فيها -: «وقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني وإمام الحرمين: إنّ موضوعها الطلب الجازم، وحَضِّ (٤) المأمور على الفعل، وأما ثبوت الوجوب فيقع بواسطة صدور هذا الطلب من الشارع، فُيستَفادُ الوجوب بهذا التركيب بين اللغة والشرع. [قال التاج معقّبًا على ذلك:] وهذا ما نختاره، ولا يَبْعُد أن يكون هو رأي الشافعيّ ﵁، وليس هذا مذهب القائلين بأنّ الصيغة للوجوب بالشرع، بل غيره لأنّ ذلك يَجعَل جزم الطلب شرعا، ونحن نقول: جزم الطلب لغوي، ثمّ هو إن ورد على لسان من له الإيجاب وهو الشارع أفاد الوجوب بهذه الضَّميمة» (٥).
ومن اختياراته في الأدلة، ما استدلَّ به التاج السبكي في مسألة تكليف الكفار حيث قال – بعد ذكر الأدلة التي ساقها ابن الحاجب-: «وأوضحُ من هاتين الآيتين (٦) عندي في الدلالة على تكليفهم قوله تعالى: ﴿والذين كفروا وصَدُّوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون﴾ (٧). إذ لا رَيب أنّ زيادة العذاب إنّما هو بالإفساد الذي هو من وراء الكفر.» (٨)
٦ - استدراكه على ابن الحاجب، وكثرة مناقشاته وتوجيه النقد للمتن (٩): أكثرَ التاج السبكي في هذا الشرح من مناقشة ابن الحاجب فيما يطرحه ويختار من المسائل، كما أنّه كان يستدرك عليه في بعض المواضع التي أغفلها وكان حقَّه أن يذكرها.
_________________
(١) التاج السبكي، رفع الحاجب (٢/ ٢٠٤)
(٢) حيث أخذت الصفحات ٢٠٤ – ٢١٢ من الجزء الثاني
(٣) بخلاف شرحه على المنهاج فلم يكن تصريحه بآرائه بمثل هذا الوضوح.
(٤) وردت في أصل الكتاب حصر ولعل الصواب ما أثبته
(٥) التاج السبكي، رفع الحاجب (٢/ ٥٠٢)
(٦) يشير إلى قوله تعالى: ’’ والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ‘‘ (سورة الفرقان آية ٦٨) وقوله تعالى: ’’ قالوا لم نك من المصلين ‘‘ (سورة المدثر آية ٤٣)
(٧) سورة النحل آية ٨٨
(٨) التاج السبكي، رفع الحاجب (٢/ ٥٠)
(٩) هذه الميزات من ميزة رقم ٦ إلى ميزة رقم ١٢ من الميزات المشتركة بين شرح المنهاج وشرح المختصر
[ ٨٦ ]
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله مستدركًا على ابن الحاجب في مسالك العلّة بعد ذكر ابن الحاجب مراتب النص الدال على العلّة: «وأهمل المصنف ذكر «إن» وهي أيضًا للتعليل، نحو: ﴿إنّك إن تذرهم يضلوا عبادك﴾ (١)، وقوله عليه الصلاة السلام: ﴿الثلث والثلث كثير، إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خير. . .﴾ (٢) الحديث.» (٣)
ومنها مناقشته لابن الحاجب في كون البسملة من القرآن أو لا؛ فبعد ذكره كلام ابن الحاجب في ذلك عقب عليه قائلا: «وهذا ما يتعلَّق بالأصول، ثمّ دخل المصنِّف في ما لا يعنيه وألقى بنفسه في لُجَّة لا تُنْجيه؛ فأخذ يتعصَّب لقومه، ويُقيم على أنّ البسملة ليست من القرآن دليلًا بزعمه، فورَّط نفسه في عظيم، وفوَّت نحوها سهامَ راسفين يبلغون الصَّميم.» (٤)
ثم أخذ يناقش ابن الحاجب فيما ادّعاه، وانتهى إلى أنّ الحقَّ في جانب الإمام الشافعي ﵁، هذا وقد أخذت هذه المناقشة ثمان صفحات سطَّرها التاج السبكي في كتابه هذا (٥).
وكان من الطبيعيِّ جدًّا أن يُكثر التاج السبكي من هذه المناقشات، وذلك لأنّ التاج السبكي يخالف ابن الحاجب في أمرين كانا السبب الرئيسي في هذه المناقشات:
الأمر الأول: مخالفة التاج السبكي لابن الحاجب في المدرسة الأصولية، فالتاج السبكي كما بيّنت مُنتَمٍ إلى مدرسة الإمام الرازي، في حين أنّ ابن الحاجب سائر على طريقة الإمام الآمدي ومعلوم ما بين هاتين المدرستين من فروقات واختلافات.
الأمر الثاني: مخالفة التاج السبكي لابن الحاجب في الاتجاه الفقهي الفروعي فالتاج شافعي المذهب في حين كان ابن الحاجب مالكيا.
وبالرغم من مخالفة التاج السبكي لابن الحاجب في كثير من المسائل وتوجيهه النقد اللاذع له في ذلك، إلا أنّه كان يُجلُّ ابن الحاجب كثيرًا ويعرفُ له قَدْره ويَرْفعه إلى أعلى المنازل فهو يَصِفه في «منع الموانع» بقوله: «وقد كان ابن الحاجب ﵀ إمامًا مقدمًا في الأصول والفقه، والنحو والتصريف، أمسكته البلاغة زمامها، وألقت إليه الفصاحة مقاليدها، وأعطاه الإيجاز كله، ومن بحر علمه اغترفنا، وبكثير علمه اعترفنا، فلا يُظننَّ أنّا أردنا في هذا الكتاب (٦) مطاولته، فأين الثُّريَّا من يد المتطاول، وإنّما أردنا الاقتداء به، والسير على سُننه ﵀ ورضي عنه، ما أكثرَ فائدته، وأجزلَ عائدته.» (٧)
٧ - تحرير مواضع النزاع: التاج السبكي وكعادته في شروحه يهتمّ كثيرًا بتحرير محل النزاع في المسائل المختلف فيها، وذلك بذكر مواضع الاتفاق وبيان نقطة الخلاف، وقد أكثر في «رفع الحاجب» من بيان هذه المواضع.
_________________
(١) سورة نوح آية ٢٧
(٢) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب رثاء النبي سعد برقم ١٢١٣، ومسلم في كتاب الوصية باب الوصية بالثلث حديث رقم ٤١٨٥
(٣) التاج السبكي، رفع الحاجب (٤/ ٣١٥)
(٤) التاج السبكي، رفع الحاجب (٢/ ٨٤)
(٥) انظر التاج السبكي، رفع الحاجب (٢/ ٨٤ – ٩١)
(٦) يقصد كتابه جمع الجوامع
(٧) التاج السبكي، منع الموانع ص ١٢٦
[ ٨٧ ]
ومن ذلك: قوله في مسألة عموم المقتضى: «واعلم أنّ التقديرات الصالح أحدها للإضمار قد يعمُّها لفظ، وقد لا يعمَّ متعدّدًا منها لفظ، بل تكون أمورًا متباينة، وهو الغالب. . .، وحينئذ فقد يكون بينها جميعا أو بينها وبين بعضها تناف، وقد لا يكون؛ فهذه أقسام كثيرة لن يُقَدِّم المتأمِّل لكلامنا في هذه المسألة أمثلها، ويجب عندي انتفاء الخلاف عن قسمين منها:
أحدهما: ما إذا كان اللفظ عامًّا لجميع تلك الأمور؛ فإنّ الواجب تقدير ذلك العام. . .
والثاني: أن يتنافيا، فالواجب عدم تقديرهما. . . فنخص محل الخلاف بما وراء هذين القسمين، وإذا عرفت محلّه فنقول. . .» (١) ثمّ ذكر الخلاف الوارد في هذه المسألة.
٨ - التنبيه على فوائد الخلاف: المسائل الأصولية المختلف فيها، إما أن يكون الخلاف فيها لفظيًا بحيث لا يترتب عليه أثر عملي أو يكون معنويًا بحيث يترتب عليه آثار عملية، والتاج السبكي في هذا الشرح كان ينصُّ صراحة على ذلك إن كان لفظيا، ويبيِّن آثاره إن كان معنويا.
فمن النوع الأول: قوله في مسألة الإباحة هل هي حكم شرعي أم لا – بعد شرح المسألة -: «قلنا: كلامنا في التخيير بخطاب الشارع، لا بالبراءة الأصلية، والخلاف لفظي، ناشئ عن تفسير الإباحة.» (٢)
ومن النوع الثاني: قوله في مسألة حكم الأصل ثابتٌ بالعلّة أم بالنص، بعد شرح المسألة: «فإن قلت: فهل الخلاف لفظي كما في الكتاب؟
قلت: لا، بل يترتب عليه فوائد كثيرة، لولا طلبي الاختصار في هذا الشرح لأوقفتكَ منها على العجب العجاب.
ومن أدناها: التعليل بالقاصرة. . .
ومنها: أنّه هل من شروط العلّة ألا يكون ثبوتها متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل؟» (٣)
٩ - التنبيه على المسائل التي لا جدوى منها والدخيلة على علم الأصول: إنّ بعضَ المسائل التي يطرحها الأصوليون لا علاقة لها بعلم الأصول إذ هي قليلة الجدوى والفائدة في هذا العلم، ومن ثَمّ فإنّ التاج السبكي كان يُنبِّه القارئ إلى هذه المسائل ويبين عدم جدواها في هذا المحل.
ومن الشواهد الدالة على ذلك قوله في مسألة توقيفية الألفاظ: «الصحيح عندي أنّه لا فائدة لهذه المسألة، وهو ما صححه ابن الأبياري وغيره، ولذلك قيل: ذكرها في الأصول فُضول.» (٤)
ومنها: قوله في مسألة هل ينقطعُ التكليفُ بالفعل حال حدوثه: «واعلم أنّ المسألة من عظائم الكلام، ودقائق أحكام القَدَر، وهي قليلةُ الجَدْوى في الفقه.» (٥)
١٠ - الإكثار من ذكر الفروع الفقهية: إنّ الفائدة المرجوَّة من علم الأصول هي كيفية استثماره في استنباط الأحكام الفقهية، لذا فقد وجدتُ التاج السبكي يُكثرُ من إيراد الفروع الفقهية المبنية على المسألة الأصولية؛ ليُعطيَ للقارئ بذلك منهجية واضحة في كيفية بناء الفروع على الأصول.
_________________
(١) التاج السبكي، رفع الحاجب (٣/ ١٥٤) بتصرف
(٢) المصدر السابق (٢/ ٦)
(٣) المصدر السابق (٤/ ٣٠٦) بتصرف
(٤) رفع الحاجب (١/ ٤٤٤)
(٥) المصدر السابق (٢/ ٥٧)
[ ٨٨ ]
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مقدمة الواجب من الفروع المبنية عليها: «إذا ترك واحدة من الخمس وجهل عينها وجب الخمس. . . [وقال أيضا] ومن مقدمة الواجب مؤنةُ الكيل الذي يُفتَقر إليه القبض، وهو على البائع كمؤنة إحضار المبيع الغائب. . . وإذا خَفِي عليه موضع النجاسة من الثوب أو البدن غَسَله كلّه، وإذا اكترى دابَّة للركوب أطلق الأكثرون أنّ على المكتري الإكافَ والبردعة والحزام، وما ناسب ذلك؛ لأنّه لا يتمكن من الركوب دونها» (١).
١١ - الاهتمام بتخريج الأحاديث: لم يكن التاج السبكي أصوليًا فحسب؛ بل لقد بَرَعَ في عدد من العلوم بالإضافة إلى علم الأصول، ومن أهمِّها علم الحديث، لذا وجدتُه في كتاباته عامّة إذا مرّ معه حديث تكلّم عليه بما يناسبه من تخريج له ونقد لسنده أو متنه، وكان مكثرًا لذلك في كتابه هذا.
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله على حديث ﴿لا تجتمع أُمّتي على ضلالة﴾: «روى أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿إنّ الله أجاركم من ثلاث خصال. . .﴾ وفيها ﴿وألاّ تجتمعوا على ضلالة﴾. رواه أبو داود (٢)، وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عباس عن أبيه، وهو على ضعفه؛ قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئا (٣). وروي من طريق أخرى منقطعة، وروى الدارقطني معنى الحديث بسند ضعيف.
وعن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: ﴿إنّ الله لا يَجمَعُ أُمّتي﴾، أو قال: ﴿أمة محمد على ضلالة، ويَدُ الله مع الجماعة، من شذَّ شذَّ إلى النار﴾ رواه الترمذي واستغربه (٤)، وفي سنده سليمان بن سفيان المدني ضعيف (٥)، ورواه الحاكم وفي سنده خالد بن يزيد ثمّ علله. . .» (٦)
هذه أهم الميزات التي امتاز بها «رفع الحاجب» والتي تجعله في مقدمة الشروح المعتمدة «لمختصر ابن الحاجب»، ومن هنا فإنّي ألْفِتُ نظرَ المشتغلين بأصول الفقه أن يتناولوا «رفع الحاجب» بالتدريس ويعطوه جانبًا من اهتمامهم ليستخرجوا من بين ثناياه الكثير من المعاني والفوائد التي قد لا توجد عند احد سواه، لا سيَّما وأنّ «رفع الحاجب» قد طُبع حديثًا ولم يَلْقَ من الاهتمام والشهرة بعد ما لقيه غيره من المصنفات الأصولية.