قلت: هذه دعوى مجردة عن الدليل والبرهان ولي عليها بعض الملاحظات:
الأولى: أنّ عددًا كبيرًا من العلماء الأجلاء قد أثنوا على «جمع الجوامع» واعتبروه من أهم المتون في أصول الفقه، ومنهم الإمام السيوطي حيث يقول موضحًا سبب نظمه «لجمع الجوامع»: «والباعث على ذلك أنّي لم أجد من سبقني إلى نظمه مع نظمهم «مختصر» ابن الحاجب و«منهاج» البيضاوي، وهذا الكتاب أولى بذلك إذ لم يؤلف قبله ولا بعده مثله، لما انطوى عليه من العلم الكثير، واللفظ الوجيز، والتحقيقات البديعة، والنكت المنيعة» (٤).
فإذا كان الإمام السيوطي - وهو من هو - يرى ذلك في «جمع الجوامع» فهل يحق للشيخ درّاز والخضري - مع كل التقدير والاحترام لهما - أن يقولا ما قالاه.
_________________
(١) المصدر السابق
(٢) عبد الله دراز، مقدمة كتاب الموافقات للشاطبي (١/ ٩)
(٣) محمد الخضري، أصول الفقه ص ١٢
(٤) السيوطي، شرح الكوكب الساطع (١/ ٣٦)
[ ١٠١ ]
ويقول الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن صاحب كتاب «الترياق النافع بإيضاح وتكميل جمع الجوامع»: «كتاب «جمع الجوامع» للعلامة تاج الدين السبكي ﵀ في أصول الفقه والدين؛ كتاب أجمع فحول صيارفة التحقيق على بلوغه في الاختصار الدرجة التي لا ترام، واتفق عدول سماسرة التدقيق على أنّه من الجمع والتهذيب بأرفع مقام» (١).
وأضيف قائلًا: إن كان «جمع الجوامع» قليل الفائدة فهل يعقل أنّ أمثال الجلال المحلي (٢)، والزركشي (٣)، والعراقي (٤)، وابن جماعة، وشيخ الإسلام زكريا المتوفى سنة ٩٢٦هـ، وعدد كبير من فحول العلماء (٥) يُضيّعون أوقاتهم بشرح متن لا فائدة منه؟!
الثانية: أنّ الشيخ درّاز قد اعترف أنّ «جمع الجوامع» كان هو الكتاب المعتمد للتدريس لعدّة قرون خلت، وأنّه الكتاب المقرّر للدراسة في الأزهر، ومعلوم أنّ كبار العلماء قد تخرّجوا من الأزهر، والقائمين عليه هم من أكابر العلماء، فهل يُعقل أن يُقرّروا كتابًا للتدريس قليل الفائدة عديمَ الجدوى؟! لا أظن أنّ هذا مما يختلف عليه اثنان!
الثالثة: أنّ «جمع الجوامع» منذ ظهوره قد أكبَّ العلماء على درسه وتدريسه، بل وحتى حفظه فلم يتخرج أي عالم إلا بعد قراءته «جمع الجوامع»، وكان العلماء يوصون تلامذتهم بقراءة «جمع الجوامع» في بداية تحصيلهم، فهل هم من السذاجة بمكان حتى يوصوا بقراءة كتاب لا يفيد سامعًا ولا قارئاَ؟!
_________________
(١) نقلًا عن مقدمة الكوكب الساطع للدكتور محمد إبراهيم الحفناوي (١/ ١٣)
(٢) هو الإمام العلامة جلال الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم المحلي الشافعي، تفتازاني العرب، الفقيه الأصولي المشهور، توفي سنة ٨٦٤هـ، من مصنفاته: شرح الورقات، شرح المنهاج. انظر: ابن العماد، شذرات الذهب (٧/ ٤٤٢)
(٣) هو الإمام العالم العلامة المصنف المحرر أبو عبد الله بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي، توفي سنة ٧٩٤هـ، من مصنفاته: البحر المحيط في أصول الفقه، وتكملة شرح المنهاج للإسنوي. انظر: ابن شهبه، طبقات الشافعية (٣/ ٢٢٧)
(٤) هو الإمام العلامة الحافظ الفقيه المصنف قاضي القضاة ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي المصري الشافعي، توفي سنة ٨٢٦هـ، من مصنفاته: شرح البهجة، والتوشيح. أنظر ترجمته في: ابن شهبة، طبقات الشافعية (٤/ ١٠٣)
(٥) انظر العلماء الذين شرحوا «جمع الجوامع» واهتموا به في المبحث القادم
[ ١٠٢ ]
الرابعة: ما قاله الشيخ الخضري من أنّ «جمع الجوامع» عبارة عن جمع الأقوال المختلفة بعبارة لا تفيد قارئًا ولا سامعًا؛ منقوضة بأنّ التاج السبكي قد وضّح أنّه أراد جمع الأقوال في كتاب واحد وقد رتبها ترتيبًا علميًا لبيان تطور الأقوال أولًا أو غرابة قول ثانيًا، أو مخالفة قول ثالثا ً، أو وقوع غلط فيه رابعا، ومن يُنعِم النظر في ترتيب التاج السبكي للأقوال يقضي بأنّ جمعه الأقوال وترتيبها لم يأتي عبثًا وإنّما كان لغاية وهدف كما بيّنتُهُ، وفي ذلك يقول التاج السبكي: «ولو أنّ الفَطِنَ تأمَّل صنيعي في هذا المجموع الصغير الذي سميته «جمع الجوامع» وجعلت اسمه عنوانًا على معناه، وترتيبي الأقوال وقائليها والمسائل وفروعها والقائلين وتعديدَهم، واطَّلع على مغزايَ في ذلك لقضى العجب العجاب وعلم كيف أَمَطْنا القشر عن اللباب» (١).
الخامسة: وأما الاعتراض بكون «جمع الجوامع» يخلو من الأدلة؛ فأمر عجيب ذلك أنّ هذا المتن شأنه الاختصار، فلو أكثر فيه من ذكر الأدلة لخرج عن حد الاختصار، ثمّ إنّ التاج السبكي إنّما أراد في هذا المتن وضع زُبدة علم الأصول بعد ما تقرّرت لديه، وأما الأدلة فقد ذكر التاج أدلة هذه المسائل كلها في كتبه الأخرى وبخاصة «رفع الحاجب»، ولم يُرِد إعادتها في هذا المتن، ثمّ إنّ التاج قد بيّن لنا منهجه في ذلك واضحًا حيث يقول: «فربما ذكرنا الأدلة في بعض الأحايين، إما لكونها مقرّرة في مشاهير الكتب على وجه لا يَبين أو لغرابة أو غير ذلك مما يستخرجه النظر المتين» (٢).
ومن ثمّ فإنّي أقول: إنّ أمثال هذه المتون لا يعيبها عدم ذكر الأدلة، إذ أنّ ذكر الدليل إنّما هو لوظيفة الشارح ألصَقُ منه للماتن.
وبعد: فقد لاحَ بما ذكرتُهُ وَجهُ سقوط الدعوى المذكورة، وبقيَ «جمع الجوامع» سليمًا عن هذه الاعتراضات، غنيًا بالمعلومات يوفّر لطالب العلم الكثير من الوقت والجهد، وأما سبب صعوبته على الكثيرين فهو بسبب ضعف الهمم وقصور الفهم والابتعاد عن العلوم التي من شأنها أن تذلِّلَ هذه الصعاب، وعلى رأسها علم الكلام والمنطق اللذان يعينان كثيرًا على عملية الفهم وكيفية التفكير السليم، وكذا علوم العربية وعلى رأسها علم البلاغة والنحو، فمن كانت لديه معرفة بهذه العلوم لا أظنه يَستصعبُ شيئًا من المتون العلمية المتقدمة من أمثال «جمع الجوامع» والله الموفق للصواب.
_________________
(١) التاج السبكي، منع الموانع ص ٣٦٩، وسيأتي مزيد بحث لهذه القضية في المنهج العام فانظره هناك
(٢) التاج السبكي، جمع الجوامع ص ٢٠٣
[ ١٠٣ ]