فمنها - أن اسم الأمر ولفظه على ماذا يقع بطريق الحقيقة؟
قال عامة العلماء: إنه (١) يقع على القول في المخصوص، الذي هو أمر، على الحقيقة، على كل ما نبين حقيقته. ويقع (٢) على الصيغة الموضوعة الدالة على الأمر لغة أيضًا. فهو (٣) مشترك بين هذين الأمرين (٤). ويقع على الفعل، والشأن، والصفة، والحال ونحوها بطريق المجاز.
وقال بعض أصحاب الشافعي، ﵀: إنه اسم مشترك بين القول المخصوص والفعل، فيكون حقيقة لهما، ويقع على الباقي بطريق المجاز (٥).
وقال بعض أهل التحقيق: إنه (٦) مشترك بين الكل بطريق الحقيقة - ويروى عن الشافعي. وهو قول بعض المتكلمين (٧).
وكلام أصحابنا يخرج على هذين (٨) الطريقين (٩):
وفائدة الخلاف تظهر في أفعال النبي - ﷺ -: هل هي موجبة مثل أوامره؟
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأنه".
(٢) في ب: "الذى هو أمر حقيقة ويقع" - انظر المسألة التالية (ص ٨٣).
(٣) في ب: "وهو".
(٤) "الأمرين" من ب.
(٥) زاد هنا في ب عبارة "يقال: أمر فلان مستقيم، ويراد به أفعاله وأحواله". وقد وردت هذه العبارة في الأصل وأ في موضع تال سنشير إليه في الهامش (٨) ص ٨٢.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأنه".
(٧) "ويروى عن الشافعي المتكلمين" من أ.
(٨) "هذين" من أ.
(٩) "وقال بعض أهل التحقيق الطريقين" وردت في ب في موضع تال سنشير إليه في الهامش (٥) ص ٨١.
[ ٨١ ]
فعندهم (١) موجبة.
وعند بعض أصحابنا: غير موجبة.
فهم تعلقوا (٢) بقو له تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره" (٣) - ألحق الوعيد بمن خالف أمر النبي - ﷺ - (٤)، واسم الأمر يقع على فعله حقيقة، كما يقع على قوله (٥) - يقال: أمور فلان حسنة (٦) مستقيمة - ويراد بها (٧) أفعاله وأحواله (٨).
وكذلك قد يظهر في التعلق (٩) بلفظة الأمر الواردة في الأحكام.
والصحيح قولنا: فإن العلم الفاصل بين الحقيقة والمجاز:
_________________
(١) في ب: "فعنده".
(٢) كذا في ب وفي الأصل وأ. "وتعلقوا".
(٣) سورة النور: ٦٣.
(٤) في هامش أ: "أي فعله" والظاهر أنها ليست من الكتاب.
(٥) هنا وردت في ب عبارة: "وقال بعض أهل التحقيق بطريق الحقيقة وكلام أصحابنا على الطريقين" المتقدمة - انظر فيما تقدم الهامش ٩ ص ٨١.
(٦) "حسنة "من أ.
(٧) كذا في أ. وفي الأصل: "به".
(٨) "يقال: أمور فلان وأحواله" في الأصل وأ مع بعض خلاف. ووردت في ب قبل هذا - انظر فيما تقدم الهامش ٥ ص ٨١. وانظر السرخي، الأصول، ١: ١١ - ١٢. ملاحظة: عبارة: "يقال أمور فلان حسنة مستقيمة ويراد بها أفعاله وأحواله" وردت هنا في الأصل وأ مع خلاف لفظي يسير بينهما. ووردت مع خلاف لفظي يسير أيضا في ب قبل هذا قبل قوله: "وقال بعض أهل التحقيق". وقد رأينا التنبيه إلى مكاني العبارة في ب وفي الأصل وأ لتكون تحت نظر القارئ كما هي في النسخ جميعًا، وإن كنا نرى أن موضعها الأنسب تبعًا لبعض الأصولين هكذا: "وقال بعض أهل التحقيق: إنه مشترك بين الكل بطريق الحقيقة - يقال: أمر فلان مستقيم ويراد به أفعاله وأحواله - ويروى عن الشافعي. وهو قول بحض المتكلمين" (انظر السرخي، الأصول، ١: ١١ - ١٢. وتهذيب شرح الإسنوى على البيضاوي، ٢: ٧. وفواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت أسل المستصفى، ١: ٣٦٧ وما بعدها. والبخاري على البزدوي، كشف الأسرار، ١: ١٠٠ وما بعدها).
(٩) في هامش أ: "أي تعلق الحكم" والظاهر أنها ليست من الكتاب.
[ ٨٢ ]
- أن الحقيقة لا يجوز نفيها عن المسمى بحال، والمجاز يجوز نفيه: فالجد يسمى أبا ويجوز نفيه عنه فيقال: إنه جد وليس بأب (١)، والوالد يسمى أبا ولا يجوز نفيه بحال. وكذا هذا في إطلاق اسم الأسد على الرجل الشجاع والحيوان المخصوص. وههنا اسم الأمر لا يجوز نفيه عن القول المخصوص المطلق بحال ويجوز نفيه عن الفعل.
- ومن علامة الحقيقة والمجاز أيضًا أن نافي الحقيقة يكذب، ونافي المجاز لا يكذب. وههنا نافي اسم الأمر عن القول المخصوص المطلق يكذب، ونافيه عن الفعل لا يكذب، فإن السلطان إذا لم يصدر منه صيغة الأمر في يوم يقال إن السلطان لم يأمر اليوم بشيء، وإن وجد (٢) منه أفعال كثيرة - فبطل (٣) كلامهم. والله الموفق.
مسألة - في بيان حد الأمر وحقيقته:
يجب أن يعلم (٤) أن (٥) الصيغة المخصوصة وهي قوله "افعل" (٦) في الحاضر، و"ليفعل" (٧) في الغائب، ليس بأمر حقيقة، في الشاهد والغائب جميعًا، وإنما هي دلالة عليه لغة (٨)، عند عامة (٩) أهل السنة والجماعة.
وعند المعتزلة حقيقة الأمر هو (١٠) نفس هذه الصيغة.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "إنه جده وليس بأبيه".
(٢) في ب: "وإن كان قد وجد".
(٣) في ب: "فيبطل".
(٤) في أ: "نعلم".
(٥) في ب: "إن هذه".
(٦) في أهكذا: "أفعل" بهمزة.
(٧) انظر فيما بعد ص ٨٧ - ٨٨.
(٨) "لغة" من (أ) و(ب) وليست في الأصل.
(٩) "عامة" من أ.
(١٠) "هو" ليست في أ. وفي ب: "هي".
[ ٨٣ ]
وهذه المسألة فرع مسألة أخرى، وهي معرفة حقيقة الكلام وحده (١)، لأن (٢) الأمر من باب الكلام.
وعندنا: الكلام معنى قائم بالمتكلم ينافي صفة السكوت والآفة، أو صفة يصير الذات بها (٣) متكلمًا في الشاهد والغائب جميعًا. وهذه (٤) العبارات المنظومة والأصوات المقطعة بتقطيع خاص، دلالات عليه.
وعندهم: الكلام في الشاهد والغائب جميعًا هو (٥) هذه العبارات المنظومة.
ومن هذا نشأ الخلاف المعروف بيننا وبينهم في قدم كلام الله تعالى وحدوثه:
- فقالوا: إن كلام الله تعالى مخلوق محدث، لأنه عبارة عن هذه العبارات المنظومة، وهي مخلوقة.
- وقلنا: إن كلام الله تعالى غير مخلوق لأن كلامه صفته، وهو تعالى (٦) قديم، وصفاته قديمة، والعبارات المنظومة، دالة عليه، لا أنها (٧) عين كلامه.
وهي مسألة من مسائل الكلام تعرف ثمة (٨) إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في ب: "معرفة حد الكلام وحقيقته".
(٢) في ب: "فإن".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "به".
(٤) "هذه" من (أ) و(ب).
(٥) "هو" ليست في أ.
(٦) "تعالى" من ب.
(٧) في أ: "لأنها".
(٨) في ب: "هنالك".
[ ٨٤ ]
إذا (١) ثبت هذا نذكر حقيقة الأمر وحده (٢) - فنقول:
اختلفت (٣) عبارات أهل السنة فيه:
قال الشيخ الإمام الزاهد (٤) أبو منصور الماتريدي ﵀: إن الأمر حقيقة هو القول الذي هو دعاء إلى تحصيل الفعل، على طريق العلو والعظمة، دون التضرع.
وقيل: هو القول الذي هو طلب تحصيل الفعل، على طريق الاستعلاء، دون التذلل.
وقيل: هو الاستدعاء على طريق الاستعلاء قولا.
وقيل: هو اقتضاء الطاعة من المأمور بإتيان (٥) المأمور به قولا.
وهذه العبارات متقاربة من حيث المعنى (٦).
و(٧) لا يلزم على هذه الحدود السؤال والدعاء في الشاهد (٨) بأن قال الرجل (٩) لغيره: "اعطني درهمًا" أو قال: "اللهم اغفر لي" لأن هذا طلب الفعل على طريق التذلل، لا على طريق الاستعلاء.
وإنما ذكرنا القول احترازًا عن الإشارة في الشاهد، وعن (١٠) فعل النبي - ﷺ - فإنهما يدلان على طلب التحصيل، وليسا بأمر، واحترازًا عن قول (١١) الذي هو مفترض الطاعة للمكلف [مثل]: "أوجبت عليك أن تفعل
_________________
(١) في ب: "وإذا".
(٢) في ب كذا: "وحد الأمر وحقيقته".
(٣) فى أ: "اختلف".
(٤) "الإمام الزاهد" ليست في ب.
(٥) في ب: "بإثبات".
(٦) في ب: "متقاربة المعاني".
(٧) "و" من أ.
(٨) "في الشاهد" من أ.
(٩) "الرجل" ليست في أ.
(١٠) "عن" من ب - راجع فما تقدم ص ٨١.
(١١) في أ: "القول".
[ ٨٥ ]
كذا" أو "أوجبت (١) عليك فعل كذا" أو "أطلب منك أن تفعل كذا" أو "أريد منك فعل كذا" - إن هذا كله طلب تحصيل الفعل، وليس (٢) بأمر، لأنا نقول: هذا ليس بدعاء، ولا طلب بنفسه، وإنما هو خبر عن طلب الفعل، أو دليل عليه.
وقيل: طلب الفعل ممن له ولاية الطلب.
وهذا ليس بصحيح، فإن الأمر من السلطان، بالقتل ظلمًا، وبالزنا، وباللواطة (٣)، أمر حقيقة، حتى إنه (٤) إذا امتنع المأمور عن الفعل- يقال له (٥) إنه (٦) خالف أمر السلطان، وإنه طلب شيء ليس له ولاية طلبه شرعًا.
وقيل: طلب الفعل ممن هو دونه في الرتبة أمر، وممن هو مثله سؤال، وممن هو فوقه شفاعة.
وهذا لا يصح، فإن طلب الفعل ممن هو دونه على طريق التضرع لا يكون أمرًا بل يكون شفاعة وسؤالا. وكذا طلب الفعل (٧) ممن هو فوقه على طريق الاستعلاء يكون أمرًا حتى ينسب الطالب إلى الحمق أو (٨) سوء الأدب، فيقال: إنه أمر من هو فوقه، ولكن الشرط هو الاستعلاء.
_________________
(١) في (أ) و(ب): "واجب عليك ".
(٢) "و" ليست في ب.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "واللواطة".
(٤) "إنه" من أ.
(٥) "له" ليست في (أ) و(ب).
(٦) "إنه" من (أ) و(ب).
(٧) "ممن هو دونه طلب الفعل" ليست في ب.
(٨) في ب: "و".
[ ٨٦ ]
وأما حد الأمر (١) وحقيقته عند المعتزلة فقد اختلفت عباراتهم فيه (٢):
قال أكثر البصريين من المعتزلة: لابد من شرائط ثلاثة لصيرورة الكلام (٣) أمرًا:
أحدها - أن يكون طلب الفعل بالصيغة الموضوعة له لغة وهو قولك: "افعل" في المخاطبة و(٤) "ليفعل" في المغايبة، حتى لو كان الطلب بصيغة الخبر بأن قال: "أطلب منك (٥) أن تفعل كذا" أو "أريد منك فعل كذا" (٦) لا يكون أمرًا. وكذا بصيغة (٧) النهي لا يكون أمرًا بأن قال له (٨): "لا تتحرك" لا يكون أمرًا بالسكون، وإن وجد منه طلب فعل السكون.
والثاني - أن يكون الطلب (٩) على طريق العلو، لا على وجه التذلل (١٠).
والثالث - إرادة وجود الفعل المأمور به، من المأمور.
وقالوا في تحديد الأمر: إنه قول (١١) يقتضي استدعاء الفعل بنفسه، لا على جهة التذلل.
وقال بعض البصريين من المعتزلة: يشترط لصيرورة هذه الصيغة (١٢) أمرًا ثلاث إرادات من الآمر:
_________________
(١) في ب: "وإنما حد للأمر".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فيها".
(٣) في ب: "هذه الصيغة".
(٤) في أ: "أو".
(٥) "منك" من (أ) و(ب).
(٦) "أو أريد منك فعل كذا" من ب.
(٧) في ب: "صيغة".
(٨) "له" من ب.
(٩) "الطلب" ليست في ب.
(١٠) في ب: "العلو دون الذلل".
(١١) في ب: "وقالوا في تحديده: قول".
(١٢) "الصيغة" ليست في ب.
[ ٨٧ ]
إحداها (١) - إرادة إحداث هذه الصيغة، لأن الآمر هو الموجد للكلام عندهم، والأمر حقيقة (٢) من باب الكلام.
والثانية - إرادة كون هذه الصيغة أمرًا، فإن المتكلم قد يريد بهذه الصيغة التهديد والإباحة ومعاني ليست بأمر.
والثالثة - إرادة وجود المأمور به.
وقال البغداديون من المعتزلة: إن الأمر أمر لعينه (٣) وصيغته (٤)، وإنما يحمل على غيره بدليل، ولا يشترطون الإرادة، لأنهم ينكرون (٥) الإرادة صفة الله تعالى.
وكذا قالت النجارية (٦): إن الأمر أمر لصيغته وعينه (٧)، وإن كانوا، هؤلاء (٨)، يثبتون الإرادة صفة لله تعالى لذاته.
_________________
(١) في ب: أحدها".
(٢) "حقيقة" ليست في (أ) و(ب).
(٣) في متن أ "لعينه" وعلى هامشها تصحيح كذا: "بعينه".
(٤) "وصيغته" من ب.
(٥) في ب: "لا يريدون"- قال الشهرستاني في الملل والنحل (١: ٧٧ - ٧٨): "وانفرد الكعبي عن أستاذه (الخياط) (وهما من معتزلة بغداد) بمسائل: كل منها قوله إن إرادة الباري تعالى ليسث صفة قائمة بذاته ولا هو مريد لذاته، ولا إرادته حادثة في محل أو لا في محل، بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه عالم قادر غيرمكره في فعله ولا كاره. ثم إذا قيل هو مريد لأفعاله، فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه. وإذا قيل هو مريد لأفعال عباده فالمراد به أنه أمر بها راض عنها .. ". وقال الشهرستاني (١: ٥٥) إنه أخذ ذلك عن النظام إذ أن النظام يقول في الإرادة: "إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة. فإذا وصف بها شرعًا في أفعاله فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشئها على حسب ما علم. وإذا وصف لي كونه مريدًا لأفعال العباد فالمعنى به أنه آمر بها وناه عنها وعنه أخذ الكعبي مذهبه في الإرادة".
(٦) النجارية طائفة من المعتزلة هم أصحاب الحسين بن محمد النجار وقد مات في حدود سنة ٢٣٠ هـ (انظر في مذهبهم: الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ٨٨ - ٩٠) وفي تعريفات الجرجاني أنهم أصحاب محمد بن الحسين النجار.
(٧) في أ: "بصيغته وعينه". وفي ب: "لعينه وصيغته".
(٨) "هؤلاء" من ب.
[ ٨٨ ]
وقال بعض النجارية: الأمر يكون أمرًا، لإرادة كون هذه (١) الصيغة أمرًا.
* * *
هذا هو تحديد الخصوم للأمر، وبيان (٢) شرائط حقيقته.
- ثم ما شرطوا من صفة (٣) الاستعلاء فهو متفق عليه.
- وما شرطوا من طلب الفعل بالصيغة الموضوعة له لغة، فهو مبني (٤) على مذهبهم، على ما قلنا، إن نفس هذه الصيغة أمر عندهم. وعندنا طلب الفعل بالقول المخصوص هو الأمر، وإنما الصيغة دالة عليه (٥)
- وما شرطوا (٦) من إرادة وجود المأمور به (٧)، فهو مبني على مذهبهم أيضًا (٨). فأما عند أهل السنة والجماعة: [فـ] هذا ليس بشرط (٩).
وهذا فرع مسألة أخرى: أنه هل يجوز أن يأمر الله تعالى بفعل لا يريد وجوده، بل يريد (١٠) عدمه؟
فعند أهل السنة والجماعة: هذا جائز (١١)، كما أمر فرعون بالإيمان ولم يرد منه الإيمان، بل أراد منه الكفر، لأن ما أراد الله تعالى يكون، لا محالة، عندنا.
_________________
(١) "هذه" ليست في ب.
(٢) في ب: "هذا تحديد الخصوم وبيان".
(٣) "صفة" من ب.
(٤) في ب: "فهذا ينبني"
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فأما طلب الفعل بالقول المخصوص [فـ]، هو الأمر عندنا والصيغة دالة عليه".
(٦) في ب: "وما شرطوه".
(٧) في ب كذا: "وجود الفعل من المأمور به". ولعل "من" زائدة.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فهو مذهبهم".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فأما عند أهل السنة [فـ] ليس بشرط".
(١٠) "يريد" ليست في ب.
(١١) كذا في ب. وفي الاْصل و(أ): "فعند أهل السنة جائز".
[ ٨٩ ]
وعندهم لا يجوز الأمر بشيء لا يريد وجوده، والله تعالى عندهم أراد إيمان فرعون وما أراد وجود الكفر منه، لكنه لم يفعل فرعون ما أراد الله تعالى منه، لشؤم طبعه وسوء اختياره (١) - وهذه من مسائل الكلام تعرف هنالك إن شاء الله تعالى (٢).
مسألة - في بيان أن هذه الصيغة المخصوصة موضوعة للأمر حقيقة على طريق الخصوص أو هي مشتركة (٣):
قال عامة الفقهاء وبعض المتكلمين: إن هذه الصيغة موضوعة للأمر حقيقة، على طريق الخصوص دون الشركة (٤).
لكن عند المعتزلة: هذه الصيغة نفس الأمر.
وعند أهل السنة والجماعة (٥): دلالة (٦) على الأمر - على ما مر.
وقال أكثر الواقفية (٧) إنه (٨) لا صيغة للأمر بطريق التعيين (٩)، بل هي صيغة مشتركة بين معنى الأمر وبين المعاني التي تستعمل فيها، فهي موضوعة للكل جقيقة بطريق الاشتراك، وإنما تتعين للبعض بالقرينة- وهم بعض الفقهاء، وأكثر المتكلمين.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "لسوء اختياره وشؤم طبعه".
(٢) "تعرف تعالى" من ب.
(٣) كذا في ب. وفي أ: "أم تكون مشتركة". وفي الأصل: "أم يكون مشتركة".
(٤) "على طريق الخصوص دون الشركة" من (أ) و(ب) وليست في الأصل.
(٥) "والجماعة" من ب.
(٦) في ب: "دالة". وراجع فيما تقدم ص ٨٣.
(٧) في ب: "الرافضة". والواقفية فرقة من المتصوفة والمبطلة. وأما الرافضة ففرقة من الشعية تجيز الطعن في الصحابة. سموا بذلك لأن أوليهم رفضوا زيد بن على حين نهاهم عن الطعن في الشيخين (المعجم الوسيط. والشهرستاني، ١: ١٥٥).
(٨) كذا في ب وفي الأصل و(أ): "بأنه".
(٩) في أ: "التعين".
[ ٩٠ ]
وقال بعض الواقفية (١): إن الصيغة موضوعة للأمر في أصل اللغة، لكن بحكم الاستعمال، في غيره من المعاني، صارت مشتركة.
وبعضهم قالوا بأنها مشتركة بين معنى الإيجاب والندب لا غير، بطريق الحقيقة، وفي غيرهما (٢) تستعمل مجازًا.
وبعضهم قالوا بأنها (٣) مشتركة بين المعاني الثلاثة: الإيجاب، والندب، والإباحة.
وقال مشايخ سمرقند بأن (٤) حقيقة الأمر هو (٥) الطلب، ومعناه يشمل الندب والإيجاب.
وشبهتهم في ذلك (٦) أن هذه الصيغة مستعملة في هذه المعاني، بمنزلة اسم القرء للحيض والطهر، واسم العين لعان كثيرة، من غير أن يكون بين معنى الأمر وبين هذه المعاني مشابهة تصلح طريقًا للمجاز، فيجب القول بطريق الاشتراك ضرورة.
والصحيح قول العامة، فإن عامة (٧) أئمة اللغة قالوا: الأمر قول القائل لمن دونه في الرتبة "افعل". وقالوا: إن (٨) أقسام الكلام أربعة: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار. فالأمر كقولك: "افعل"، والنهي كقولك (٩): "لا تفعل"، ولأن العلم الفاصل بين الحقيقة والمجاز
_________________
(١) في ب: "بعض المتكلمين الواقفية".
(٢) في ب: "غيرها".
(٣) "بأنها" ليست في ب.
(٤) "بأن" ليست في ب.
(٥) في ب: "هي".
(٦) "في ذلك" من ب.
(٧) "عامة" من ب.
(٨) "إن" ليست في ب.
(٩) "كقولك" من ب.
[ ٩١ ]
والمشترك أن الحقيقة ما تسبق (١) إليها أفهام الناس من غير قرينة، والمشترك ما يحتمل الأشياء المختلفة احتمالا على السواء من غير أن يسبق إلى الأفهام بعضها، والمجاز ما يتناول غير الموضوع لنوع مشابهة بينهما (٢)، بطريق الخصوص. ومن سمع قول القائل لغيره "افعل" فإنه يسبق (٣) إلى فهمه الأمر الذي هو طلب تحصيل (٤) الفعل، دون الإباحة التي هي تخيير بين الترك والتحصيل، ودون التهديد (٥) الذي هو عبارة عن [طلب] (٦) ترك الفعل. وخرج الجواب عن شبهتهم بما ثبت من وضع أهل اللغة [أن] هذه الصيغة للأمر على طريق الخصوص دون الشركة، وبما ذكرنا من الاستعمال الخاص (٧) على وجه تسبق (٨) أفهام الناس إليه من غير قرينة (٩).
مسألة:
اختلف غير الواقفية فيما بينهم:
قال عامتهم: إن هذه الصيغة أمر أو دلالة على (١٠) الأمر، لعينها وصيغتها، ومتى اقترنت بها قرينة يحمل (١١) عليها بدليل مجازًا.
_________________
(١) كذا في أو ب. وفي الأصل: "ما يسبق".
(٢) في ب: "غير الموضوع له المشابهة بينهما". ولعل الصحيح فيها: "لمشابهة".
(٣) في ب: "افعل: سبق".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "إلى فهمه الأمر وطلب تحصيل".
(٥) في (أ) و(ب): "والتهديد".
(٦) قال في فواتح الرحموت (١: ٣٧٣): " لأنه (أي الأمر) يجيء لمعان كثيرة منها التهديد وفيه المطلوب الترك".
(٧) في ب كذا: "عن شبهتهم لما ثبت وضع أهل اللغة ولما ذكرنا من الاستعمال الخاص". وفي أ: "لما ثبت وضع اللغة الأمر على طريق الخصوص دون الشركة، ولما ذكرنا من استعمال الخاص".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "يسبق".
(٩) "إليه من غير قرينة" ليست في أ. وأضاف في أ: "والله أعلم".
(١٠) "على"، من ب.
(١١) في أ: "تحمل".
[ ٩٢ ]
وقال أهل التحقيق منهم: إن هذه الصيغة لم تكن أمرًا، أو (١) دلالة على الأمر لعينها فإن عينها توجد في موضع القرينة ولا تكون أمرًا، ولكن تكون أمرًا لتعريها وتجردها عن القرائن (٢) الصارفة عن معنى الأمر.
وهذا أصح (٣)، لأن الحكم المتعلق بالعين ثابت ما بقيت (٤) العين، وإن انضم إليه غيره.
مسألة:
ثم إذا اقترنت (٥) بالصيغة قرينة تعين بها معنى الإباحة أو التهديد، هل يكون اللفظ بطريق الحقيقة أم بطريق المجاز (٦)؟ - اختلفوا فيه:
قال أكثر الفقهاء: إنه بطريق المجاز.
وقال بعض أصحاب الحديث: إنه بطريق الحقيقة.
كما قالت الواقفية، لا بالطريق الذي قالوا، لكن قالوا: الصيغة المفردة المطلقة (٧) غير الصيغة المقيدة بالقرينة، فتكون الصيغة المطلقة وحدها حقيقة للأمر، ومع قرينة الإباحة للإباحة حقيقة (٨)، ومع قرينة التهديد للتهديد حقيقة- نظيره ما قال أهل اللغة والفقهاء بأجمعهم (٩) إن اللفظ مع الاستثناء حقيقة للباقي وبدون الاستثناء حقيقة للكل، فإنه إذا قال لفلان "علي عشرة إلا خمسة" تجب خمسة - فالعشرة وحدها بدون
_________________
(١) في أ: "-"
(٢) في ب: "ولا تكون أمرًا لتعريها عن القرائن".
(٣) في ب: "صحيح".
(٤) كذا في ب وفى الأصل و(أ): "ما بقي".
(٥) كذا فى أ. والأصل، و(ب): "إذا اقترن".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أو التهديد [أ] يكون اللفظ له بطريق المجاز أم بطريق الحقيقة".
(٧) في ب: "المطلق".
(٨) "حقيقة" من (أ) و(ب).
(٩) في ب: "بأسرهم".
[ ٩٣ ]
الاستثناء موضوعة للعدد الخاص وهو العشرة (١)، ومع الاستثناء موضوعة للخمسة، فيكون لهذا العدد الخاص (٢) اسمان: خمسة وعشرة إلا خمسة - فكذلك هذا.
ووجه قول العامة إنه لما ثبت أن هذا اللفظ للأمر حقيقة، فإذا اقترن به دليل الإباحة أو غيره، فقد تغير معنى الأمر، فيجب الحمل على المجاز ضرورة.
وما قالوه فاسد، فإنه (٣) يؤدي إبطال القول بالمجاز، فإن المجاز لابد له من قرينة، فمتى صار حقيقة مع القرينة كان الكلام كله قسمًا واحدا (٤)، فيكون خلاف إجماع أهل اللغة فإنهم قسموا الكلام إلى قسمين (٥): حقيقة ومجاز.
ثم هؤلاء لم يقولوا: إن اسم الأسد إذا أريد به الرجل الشجاع بقرينة يكون الاسم للشجاع حقيقة، وكذا اسم الحمار للبليد، ولا فرق بين الفصلين - والله أعلم (٦).
مسألة:
- ثم هذه الصيغة، بشرط تعريها عن الصوارف، تكون (٧) فى دلالة على الأمر، عندنا.
_________________
(١) "وهو العشرة" عن ب.
(٢) "الخاص" ليست في ب.
(٣) في أ: "لأنه"
(٤) "كان الكلام قسمًا واحدًا" ليست في (أ) و(ب). وربما في الأصل: "واحدًا فحسب".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أهل اللغة أن الكلام قسمان".
(٦) "والله أعلم" ليست في ب.
(٧) في أ: "يشترط تعريها عن الصوارف لتكون".
[ ٩٤ ]
لكن قد (١) تعرف حقيقة الأمر بغيرها من الدلائل، لأنها دليل على الأمر، لا حقيقة الأمر (٢) وحده - وشرط صحة الدليل الاطراد دون الانعكاس، وإنما الاطراد والانعكاس جميعًا (٣) شرط في الحقائق والحدود (٤) دون الدلائل (٥)، وهذه الصيغة المطلقة مطردة في كونها دليل الأمر، فإنه لا توجد (٦) هذه الصيغة (٧) المطلقة إلا ويكون (٨) دليلا على الأمر.
وعند المعتزلة: لما كانت هذه الصيغة حقيقة الأمر (٩)، وشرط صحة حقيقة الشيء (١٠) أن تكون مطردة ومنعكسة (١١)، لا جرم يلزمهم أن يقولوا: لا يجوز أن توجد هذه الصيغة إلا أمرًا، ولا يجوز أن يوجد أمر بدون هذه الصيغة، وإلا فتلزمهم (١٢) المناقضة، وقد ناقضوا - حيث قالوا بوجود (١٣) هذه الصيغة في مواضع، ولا يكون (١٤) أمرًا، وحملوا على المجاز فلم يوجد الاطراد، وقالوا لم تكن حقيقة مع وجود ذات الحقيقة، وهذا تناقض بين.
_________________
(١) "قد" ليست في أ. وفي ب: "لكن جاز أن يعرف حقيقة .. ".
(٢) في ب: "للأمر".
(٣) "جميعًا" من ب.
(٤) في ب: "في الحدود والحقائق".
(٥) "دون الدلائل" من ب.
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لا يوجد".
(٧) "الصيغة" ليست في ب.
(٨) في أ: "إلا وأن تكون".
(٩) في أ: "للأمر".
(١٠) في ب: "الحقيقة".
(١١) في أ: "مطردة منعكسة".
(١٢) كذا في أوفي ب: "يلزمهم". وفي الأصل: "فيلزمهم".
(١٣) في ب كذا: "يوجد".
(١٤) في أ: "ولا تكون".
[ ٩٥ ]
ثم بيان دلائل أخر على أن (١) أمر الله تعالى غير (٢) هذه الصيغة، فإن خبر الله تعالى عن أمره دال عليه، نحو قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (٣). وكذا خبر الرسول - ﷺ -: "أن الله تعالى (٤) أمر بكذا" دليل عليه أيضًا (٥). وكذا إجماع الأمة على الأمر دليل عليه أيضًا.
وكذا لفظة (٦) الإيجاب، والفرض، والإلزام، والكتابة، ونحوها - دليل على الأمر.
وكذا صيغة النهي دليل على الأمر بضده.
وكذا يعرف أمر الله تعالى بالعقل في الأشياء التي تعرف بمجرد العقل، قبل بلوغ الدعوة، وقبل مبعث الرسول - ﷺ - زمان الفترة. وكذا في الشاهد: يعرف الأمر بالخبر والرمز والإشارة بأن قال: "أمرتك بكذا" أو "أطلب (٧) منك كذا" - والله أعلم.
مسألة: في بيان حكم الأمر المطلق الصادر من مفترض الطاعة
قالت الواقفية: إنه (٨) لا حكم له بدون القرينة، على ما ذكرنا.
وقال عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين، سوى (٩) الواقفية، بأن حكمه وجوب العمل والاعتقاد قطعًا - وهو قول مشايخ العراق من أصحابنا.
_________________
(١) "أن" من أ.
(٢) في ب: "سوى".
(٣) سورة النحل: ٩٠.
(٤) "تعالى" ليست في ب.
(٥) "أيضا" ليست في ب.
(٦) في ب: "وكذلك لفظ".
(٧) في الأصل: "وأطلب". وفي أ: "إذا طلب".
(٨) "إنه" ليست في ب.
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "غير".
[ ٩٦ ]
وقال مشايخ سمرقند، [و]، رئيسهم الشيخ (١) الإمام (٢) أبو منصور الماتريدي ﵀ بأن حكمه الوجوب من حيث الظاهر، عملا لا اعتقادًا، على طريق التعين (٣)، وهو أن لا يعتقد فيه بندب ولا إيجاب قطعًا (٤)، على طريق التعين (٥)، ويعتقد على طريق (٦) الإبهام أن ما أراد الله تعالى به (٧) من الإيجاب القطعي (٨) والندب فهو حق، ولكن يأتي بالفعل لا محالة، حتى إنه إذا أريد به الإيجاب على سبيل القطع (٩) يخرج عن عهدته (١٠)، وإن أريد به الندب يحصل له الثواب، وهو تفسير الوجوب في عرف الفقهاء عندنا (١١)، كا قال أبو حنيفة رحمة الله عليه في الوتر: إنه واجب.
والخلاف بين أصحابنا في الاعتقاد (١٢)، لا في وجوب العمل. ويكون التعلق بظواهر الآيات الواردة في الأمر صحيحًا في حق وجوب العمل. أما وجوب الاعتقاد [فـ] أمر بين العبد وبين الله تعالى، فيكفيه مطلق (١٣) الاعتقاد أن ما أراد الله تعالى به فهو حق (١٤)، كما في النص المجمل والمتشابه.
_________________
(١) "الشيخ" من أ.
(٢) "الإمام" من ب.
(٣) في أ: "التعيين".
(٤) "قطعًا" ليست في أ.
(٥) في أ: "التعيين".
(٦) "طريق" من ب.
(٧) "به" ليست في أ.
(٨) "القطعي" من ب.
(٩) "على سبيل القطع" من ب.
(١٠) في ب: "العهدة".
(١١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "عند الفقهاه كما قال .. ". راجع فيما سبق ص ٢٥ - ٢٦.
(١٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كذا: "الاعتداد".
(١٣) "مطلق" ليست في ب.
(١٤) في أ: "ما أراد الله تعالى فهو حق" وفي ب: "ما أراد الله به حق".
[ ٩٧ ]
وقال بعض الفقهاء: حكمه الإباحة، لأنه أدنى ما يحتمله اللفظ، فيكون متيقنًا (١).
وقال بعضهم: حكمه الندب. وروي هذا عن (٢) الشافعي ﵀. وبه قال أكثر الأشعرية والمعتزلة مع اختلاف أصولهم:
- فإن معتزلة البصرة قالوا: مقتضى صيغة الأمر مطلقًا كون الفعل المأمور به مرادًا، وكون الأمر مريدًا له (٣). ثم إن كان الآمر حكيمًا يقتضي كون الفعل حسنًا، إما واجبًا أو ندبًا، لأن الحكيم لا يريد إلا الحسن، فيكون الحسن من مقتضى الحكمة، لا من مقتضى الصيغة، فإن قام الدليل على الوجوب يحمل عليه، وإن لم يقم يتعين الندب مرادًا به (٤) لكونه متيقنًا (٥).
- ومن توقف كل من الأشعرية هذه الصيغة، لكونها مشتركة بين الندب والإيجاب فحسب، قالوا: إن صيغة الأمر عند الإطلاق موضوعة للطلب لغة، لكن الطلب من الحكيم يقتضي كون المطلوب حسنًا، والمطلوب الحسن كل مطلقًا هو المندوب، فأما الواجب ففيه (٦) زيادة أمر (٧) وراء الحسن، فيكون مقيدًا. فعند الإطلاق يحمل على الندب، وعند القرينة يحمل على الوجوب.
فاتفق (٨) الفريقان على الندب مع الاختلاف في العلة.
_________________
(١) في ب كذا: "مسفيا". انظر فيما يلي الهامش ٥ ـ.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل وأ "ويروى عن".
(٣) "له" ليست في أ.
(٤) "مرادًا به" من ب.
(٥) في ب كذا: "مسفيا". انظر فيما سبق الهامش ١.
(٦) كذا في أ. وفي الأصل وب "فيه".
(٧) "أمر" ليست في ب
(٨) في ب: "فإذا اتفق".
[ ٩٨ ]
وجه قول العامة: الكتاب، والسنة، ودلالة الإجماع، والمعقول:
أما الكتاب - فقوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (١). والمراد بالآية أمر الرسول ﵇، فإنه بناء على قوله تعالى: "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم لي بعضًا" (٢)، والدعاء على طريق العلو والعظمة (٣)، ممن هو مفترض الطاعة، أمر. فالاستدلال بالآية (٤): أن الله تعالى ألحق الوعيد الشديد (٥) بمخافة (٦) أمر النبي - ﷺ - مطلقًا، ومخالفة أمره هو ترك ما أمر به، إذ افى المخالفة ضد الوافقة، وموافقة أمره ﵇ هو إتيان (٧) ما أمر به، فالمخالفة، على مضادته، ترك المأمور به -[دل] (٨) أن مخالفة أمر الرسول - ﷺ - (٩) مطلقًا حرام، وإلا لما ألحق الوعيد الشديد (١٠) به. وإذا كان مخالفة أمره، وهو ترك المأمور به مطلقًا، حرامًا، يكون إتيان (١١) المأمور به واجبًا ضرورة. وإذا كان إتيان (١٢) ما أمر به الرسول ﵇ واجبًا، فكذا إتيان (١٣) ما أمر الله تعالى به، [يكون]، واجبًا، لأن (١٤) أمر الرسول أمر المرسل.
_________________
(١) سورة النور: ٦٣ - والآية: "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم لي بعضًا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
(٢) سورة النور: ٦٣. وتقدمت كاملة في الهامش السابق.
(٣) "والعظمة" من ب.
(٤) "بالآية" من ب وفيها: " والاستدلال".
(٥) "الشديد" من أ.
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لمخالفة".
(٧) في ب: "إثبات".
(٨) في الأصل وغيره كذا: "لولا" - انظر السياق فيما يلي.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "مخالفة أمره مطلقًا".
(١٠) "الشديد" من ب.
(١١) و(١٢) في ب: "إثبات".
(١٢) في ب: "كان".
(١٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ما أمر به الله تعالى لأن"
[ ٩٩ ]
وأما السنة - فما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال (١): "لولا أن أشق (٢) على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وفي رواية: "عند كل وضوء" (٣) - أخبر - ﷺ - (٤) أن أمره إياهم بالسواك عند كل صلاة أو عند كل وضوء (٥)، مطلقًا، سبب المشقة (٦) عليهم، والمشقة إنما تكون (٧) بترك الواجب، بترك المندوب [فـ]، دل أن مطلق (٨) أمره للوجوب.
وأما دلالة الإجماع - فإن الأمة أجمعت على وجوب طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله - ﷺ -، ولا شك أن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله فيما أمرا (٩) بالفعل، هو تحصيل الفعل لا تركه - فوجب القول بلزوم الفعل الذي هو طاعة، إلا أن يقوم الدليل على غيره.
وأما المعقول فمن وجوه (١٠):
أحدها (١١) - وهو (١٢) أن صدور هذه الصيغة ممن هو من (١٣) أهل الأمر، على طريق الاستعلاء، مطلقًا، يكون إلزامًا وإيجابًا (١٤) للفعل كل من حيث اللغة، لأنها موضوعة لطلب الفعل لا محالة، لأنها لطلب
_________________
(١) "أنه قال" ليست في ب.
(٢) في هامش أ: "أي أثقل".
(٣) "وفي رواية عند كل وضوء" من ب.
(٤) "ﷺ" من ب.
(٥) "أو عند كل وضوء" من ب.
(٦) في ب "المشقة".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وذاك يكون".
(٨) في ب: "يطلق".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "أمر". وفي أ: "أمرنا".
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وجهين". انظر فيما يلي الهامش ١١ و٩ ص ١٠١.
(١١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أحدهما".
(١٢) "وهو" ليست في ب.
(١٣) "من" ليست في ب.
(١٤) في أ: " إلزامًا إيجابًا".
[ ١٠٠ ]
الفعل (١) حقيقة، وطلب الفعل لا محالة هو طلب الفعل كل من كل وجه.
أما الطلب على وجه فيه رخصة الترك، وهو الندب، [فـ] يكون طلبًا من وجه دون وجه، والموضوع للشيء محمول (٢) على الثابت من كل وجه: [فهذا] هو الأصل.
والثاني - وهو (٣) أن الأمر أحد تصاريف الفعل، ثم في سائر (٤) تصاريف الفعل (٥) من الماضي والمستقبل والفاعل والمفعول: إذا كان الإخبار (٦) على وجه الصدق، يقتضي وجود الفعل لا محالة - فكذا إذا كان طلب الفعل على وجه (٧) الجد: يقتضي وجود الفعل لا محالة (٨). وكلامنا في الصيغة الواردة ممن يستحيل عليه الهزل والهزء، كما يستحيل عليه الكذب - فيكون أمره لطلب الفعل لا محالة،كما يكون خبره للصدق لا محالة، وطلب الفعل لا محالة بطريق العلو ممن هو من أهل الأمر حقيقة [في الإلزام]، والإلزام والإيجاب سواء في اللغة.
والثالث (٩) - وهو (١٠) أن موجب الأمر هو (١١) الائتمار لغة - يقال: أمرته فائتمر ونهيته فانتهى - كما يقال: كسرته فانكسر وهدمته فانهدم. وإذا كان حكمًا له لم (١٢) يتصور إلا واجبًا به، كأحكام سائر العلل، إلا أن وجود الفعل تراخى، لأن حصوله من في المختار، فتراخى إلى حين الاختيار. وإذا كان تراخي الائتمار عن الأمر لضرورة وجود (١٣)
_________________
(١) "من حيث اللغة لطلب الفعل" ليست في ب.
(٢) في ب: "يحمل".
(٣) "وهو" ليست في ب.
(٤) و(٥) "سائر" ليست في أ. والجملة كلها: "ثم في سائر الفعل" ليست في ب.
(٥) "الإخبار" ليست في ب.
(٦) في أ: "وكذا إذا كان الطلب على وجه".
(٧) "فكذا إذا كان لا محالة" ليست في ب.
(٨) في الأصل: "والثاني". راجع الهاش ١٠ ص ١٠٠.
(٩) كذا في الأصل وأ و(ب): "وهو".
(١٠) "هو" من ب.
(١١) في أ: "لا يتصور".
(١٢) "وجود" ليست في ب.
[ ١٠١ ]
الاختيار من الأمور، ولا ضرورة في الوجوب، فإنه يثبت (١) جبرًا من الله تعالى، شاء العبد أو أبى، فلا معنى للتأخير.
قال (٢): والصحيح ما قاله مشايخ سمرقند، وهو أن حقيقة هذه الصيغة للطلب لغة. ومعنى الطلب موجود في المندوب، لأن الله تعالى رغبنا في تحصيله، حيث وعد الثواب به، فثبت أنه مطلوب (٣)، فكانت (٤) محتملة للندب والإيجاب حقيقة (٥). وكذا يستعمل مطلقها (٦) في معان أخر، مجازًا (٧)، والمجاز مستعمل في الكلام كالحقيقة، بل أغلب - فما قولكم في الأمر المطلق عن قرينة الإيجاب: هل يكون فيه احتمال الندب وإرادة المجاز قائم (٨) أم لا؟
فإن قلتم: قائم - فمع احتمال غير الوجوب، لا يجوز اعتقاد الوجوب، لما فيه من احتمال اعتقاد غير الواجب واجبًا، وهذا كفر فضلا عن الخطأ.
وإن قلتم: إن (٩) احتمال الندب وإرادة المجاز أمر باطن، فيسقط اعتباره شرعًا - فنقول: إسقاط اعتبار الحقيقة في أصول الشريعة (١٠) باعتبار الحاجة، ولا حاجة إلى اسقاط اعتبارها (١١) ههنا، لأن الاعتقاد أمر بين
_________________
(١) في أ: "ثبت".
(٢) "قال" ليست في ب.
(٣) "ومعنى الطلب موجود فثبت أنه مطلوب" من أ.
(٤) في أ: "وكانت".
(٥) زاد هنا في أ: "لغة".
(٦) في أ: "مطلقا".
(٧) "مجازًا" ليست في أ.
(٨) في أ: "قائمًا"
(٩) "إن" ليست في ب.
(١٠) في ب: "الشرع".
(١١) في أ: "إلى إسقاطها".
[ ١٠٢ ]
المأمور وبين الله تعالى (١)، فيكفيه مطلق الاعتقاد أن ما أراد الله تعالى به فهو حق، ولا يجوز إسقاط اعتبار الاحتمال كمال من غير حاجة، فلا يجب الاعتقاد بطريق التعيين.
وإن قلتم: إن ورود الصيغة، متجردة عن صوارف الوجوب كل من الله تعالى، دليل على الوجوب قطعًا، إذ لا يجوز أن تكون الصيغة مطلقة ولا يراد بها الوجوب - فهذا (٢) تحكم على الله تعالى وحجر عليه، وهو فاسد. ولأن عين الصيغة ليس بدليل، فإن عينها (٣) يوجد، ولا تكون دليلا على الوجوب، وإنما الصيغة المتجردة عن القرائن دليل عندكم، فبم عرفتم أنها متجردة عن القرية (٤)؟
فإن قلتم: إنها ليست بمقرونة (٥) بالصيغة، لعدمها حسًا - فهو فاسد، لأن القرينة قد تكون بيان الرسول (٦) - ﷺ -، فلم قلتم إنه (٧) لم يوجد البيان منه، على إرادة الله تعالى الندب من الصيغة. وقد تكون القرينة عقلية لا لفظية - فلم قلتم إنه (٨) لم يوجد الدليل العقلي مقارنًا لأمر على إرادة الله (٩) الندب، ولا شك أن هذا في حد الجواز والإمكان، فيكون دعوى تجرد الصيغة عن القرينة الى الصارفة عن الوجوب باطلا.
ولكن (١٠) نحن نقول بالوجوب ظاهرًا مع الاحتمال، في حق العمل. فيجب عليه العمل لا محالة، مع الاعتقاد مبهمًا على أن (١١) ما أراد الله تعالى
_________________
(١) في ب: "بين الله تعالى وبين المأمور"
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وهذا".
(٣) في ب: "عندنا".
(٤) في أ: "القرائن".
(٥) في ب: "مقرونة".
(٦) في ب: "بيان النبي". وفي أ: "ببيان الرسول".
(٧) في أ: "بأنه".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأنه".
(٩) "الله" من أ.
(١٠) "لكن" ليست في ب، ففيها: "ونحن".
(١١) في ب كذا: "منهما أن".
[ ١٠٣ ]
به فهو حق. وهو تفسير الوجوب عند الفقهاء (١). وهذا لأنه إن (٢) كان واجبًا حقيقة عند الله تعالى (٣)، فإنه يأثم بتركه، لأن في وسعه أن يأتي به، فيخرج عن عهدة الوجوب. وإن كان غير واجب يثاب على تحصيله، والاحتراز عن الضرر واجب شرعًا وعقلا:
أما الشرع -[فـ] ماروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا ومرفوعًا إلى رسول - ﷺ - أنه قال: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرام الحلال".
وأما العقل - وهو أن كل من دخل في طريق فأخبره عاقل أن في الطريق لصوصًا، فدخل، فأخذ، فإن الناس يلومونه.
فثبت أن التحرز عن احتمال الضرر واجب عقلا وشرعًا (٤)، فوجب القول بوجوب الفعل احتياطًا، فيكون الأمر لي طريق الندب حقيقة، كالأمر الموجب فيما اقترن به الوعيد: يجب حمله على الوجوب بالقرينة (٥).
والجواب عما تعلق به العامة بطريق الوعيد سهل، لأن الدلائل تعارضت:
فما ذكر الفريق الأول يدل على الوجوب في حق الاعتقاد والعمل (٦).
وما ذكر الفريق الثاني يدل على نفي وجوب الاعتقاد دون وجوب العمل، فوقع التعارض في حق وجوب الاعتقاد لا غير، فوجب القول بسقوط وجوب الاعتقاد عينًا لي التعارض، ولا تعارض في حق (٧) وجوب العمل (٨)، فوجب القول به.
_________________
(١) راجع فيما تقدم ص ٢٥ - ٢٦ و٢٨ وما بعدها.
(٢) في أ: "وإن".
(٣) "تعالى" من ب.
(٤) "أما الشرع عقلا وشرعًا" من أوليست في الأصل وب.
(٥) "فيكون الأمر على الوجوب بالقرينة" من ب.
(٦) في ب: "العمل والاعتقاد".
(٧) "حق" من أ.
(٨) "لا غير فوجب وجوب العمل" ليست في ب.
[ ١٠٤ ]
وأما الانفصال بطريق التحقيق ففيه (١) طول وغور، ولكنا (٢) نشير إلى ذلك:
فالحاصل (٣) عن التعلق بالنصوص جوابان:
- أحدهما: أن المراد بهذه النصوص الوجوب، لا بظاهر الصيغة، ولكن باقتران الوعيد بها، لما ذكرنا أن هذه الصيغة موضوعة لطلب الفعل (٤)، فيكون الأمر بطريق الندب حقيقة، كالأمر الموجب، فما اقترن به الوعيد يجب حمله على الوجوب بالقرينة (٥)، إذ لا وعيد يستحق بترك المندوب، وفي قوله تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره" (٦) ونحوه من الآيات اقترن به الوعيد وهو قوله تعالى (٧): "أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (٨) والمحتمل يتعين أحد وجوهه بالدليل، فيكون المراد به (٩) التحذير عن مخالفة (١٠) الأمر الموجب. على أن الحذر عن أمره المطلق واجب، لأن الظاهر هو الوجوب، فكان خوف الإثم قائمًا ظاهرًا، وهذا لا يدل على الوجوب قطعًا (١١).
_________________
(١) في ب: "فيه".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "لكن". وفي أ: "ولكن".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "والحاصل".
(٤) في أ: "للطلب حقيقة".
(٥) "بها لما ذكرنا الوجوب بالقرينة" ليست في ب.
(٦) سورة النور: ٦٣. وبقية الآية: "أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" وقد تقدت كاملة في الهامش ١ ص ٩٩.
(٧) "تعالى" من ب.
(٨) راجع فيما تقدم الهامش ٦.
(٩) "به" ليست في أ.
(١٠) "مخالفة" ليست في ب.
(١١) "على أن الحذر عن أمره الوجوب قطعًا" من أ، والعبارة: " فيكون المراد الوجوب قطعًا " وردت في هامش أعلى سبيل الاستدراك.
[ ١٠٥ ]
وكذا في قوله ﵇: "لولا أن أشق على أمتي" لأن المشقة في ترك الواجب، لا في ترك المندوب، فكان المراد هو الأمر، بطريق الإيجاب.
- والثاني، نقول: الموافقة للرسول ﵇ واجبة، ومخالفته (١) حرام، ولكن الكلام في تفسيرهما، فنقول: الموافقة في الاعتقاد أن يعتقد العاقل (٢) الشيء كما اعتقده الرسول ﵇: إن كان واجبًا فواجبًا، وإن كان ندبًا فندبًا. والموافقة من حيث الفعل (٣) أن يفعله على الوجه الذي فعله بوصفه (٤) الخاص كل من الواجب والمندوب والمباح. وأما المخالفة [فـ]، هو (٥) أن يعتقد ويفعل على عكس اعتقاده وفعله.
وتحقيق الموافقة وترك المخالفة فيما قلنا من الاعتقاد مبهمًا (٦) مع إثبات (٧) الفعل لا محالة. فأما الاعتقاد، على أحد الوجهين عينًا، وكذا الفعل على قصد أحد الوجهين عينًا -[فـ] فيه احتمال المخالفة وترك الموافقة، فكان ما قلناه (٨) أحق.
وهو الجواب عن دلالة الإجماع: أن تفسير الطاعة هو إتيان (٩) ما أمر به، على الوصف الذي أمر به، من واجب وندب - فإن الطاعة موافقة الأمر، والمعصية مخالفة الأمر، وذلك فيما قلنا.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "والمخالفة".
(٢) "العاقل" ليست في ب.
(٣) في ب: "من حيث الفعل في الفعل".
(٤) في أ: "بوصف".
(٥) في أ: "والمخالفة هو". وفي الأصل: "وهو".
(٦) في ب كذا: "منهما".
(٧) في أ: "إتيانه". ولعل الصحيح: "إتيان الفعل" راجع فيما تقدم ص ٩٩.
(٨) كذا فى (أ) و(ب). وفي الأصل: "ما قلنا".
(٩) في ب: "إثبات".
[ ١٠٦ ]
وأما ما ذكروا من وجهي المعقول فلا حجة فيهما:
- قولهم: إن صدور هذه الصيغة، ممن هو من أهل الأمر، على طريق الاستعلاء، للإيجاب والإلزام لغة - فممنوع.
- قولهم (١): إنها وضعت لطلب الفعل لا محالة - قلنا: ممنوع (٢) أيضًا. أليس أن الأمر بطريق الندب أمر حقيقة، وأنه ليس طلب الفعل لا محالة.
- قولهم: إن الطلب بطريق الندب مع رخصة الترك لا يكون طلبًا على الكمال - فنقول:
الطلب على وجه الندب طلب كل من كل وجه، فإنه ترجح جانب الوجود بالترغيب في الثواب الجزيل، وإن كان فيه رخصة الترك، لكن الطلب لا محالة قد يكون أكمل، والمطلق لا يشترط فيه الكمال، لأن وصف الكمال قيد، والمطلق اسم للذات كل من كل وجه، كل من غير تعرض لصفة الكمال والنقصان (٣).
على أن الإجماع انعقد (٤) بيننا أن هذه الصيغة لا تكون لطلب الفعل (٥) لا محالة ولا إيجابًا، إذا اقترن بها قرينة الندب أو الإباحة (٦). فما لم يثبت الخصم خلو الصيغة عن القرينة الصارفة عن الإيجاب، لا يستقيم كلامه، ولا يمكنه (٧) ذلك على ما مر. والاعتماد على تصاريف الفعل لا يصح، فإن الخبر من جملتها و(٨) الكذب خبر حقيقة كل من حيث اللغة، وإن
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "قولكم".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "لا محالة ممنوع"
(٣) في ب: "تعرض للكمال والنقصان".
(٤) في ب كذا: "لعقد".
(٥) كذا في أ. وفي الأصل: "طلب الفعل". وفي ب: "طلبًا للفعل".
(٦) في ب: "قرينة الإباحة أو الندب ونحوه".
(٧) في ب: "ولا يمكن".
(٨) "و" ليست في ب.
[ ١٠٧ ]
لم يوجد المخبر به، والأمر بطريق الندب طلب على وجه الجد (١) وليس بطلب الفعل (٢) لا محالة، فبطل هذا الكلام.
- قولهم: إن (٣) الائتمار موجب الأمر - قلنا: ليس كذلك (٤)، فإن موجب الشيء أن يثبت به جبرًا كالانكسار والانهدام، وموجب العلل كلها لا يتوقف على اختيار العباد، والائتمار فعل فاعل مختار، فكيف يكون موجبًا للأمر؟
- وقولهم: إنه (٥) يقال أمرته فائتمر، كما يقال كسرته فانكسر- فنقول (٦): كما يقال (٧) أمرته فائتمر، يقال أيضًا (٨) أمرته فعصى. فليس (٩) العصيان موجب الأمر. ولأن الأمر لا يصلح علة الائتمار، لأن العلة في اللغة وفي عرف المتكلمين اسم للحادث الذي يتغير به حال المحل الذي يحله، وأمر الله تعالى قديم، فاستحال عليه الحدوث (١٠)، مع أن الانكسار الذي جعلوه (١١) نظيرًا للائتمار (١٢) ليس موجب الكسر حقيقة ولا من آثاره، بل هو محض فعل الله تعالى، وهي (١٣) مسألة
_________________
(١) في ب: "الحد".
(٢) في ب: "للفعل".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأن".
(٤) في الأصل و(أ): "موجب الأمر فليس كذلك".
(٥) "إنه" ليست في أ.
(٦) في ب: "قلنا".
(٧) في أ: "يقول".
(٨) "أيضًا" ليست في ب.
(٩) في (أ) و(ب): "وليس".
(١٠) "فاستحال عليه الحدوث" من ب.
(١١) في أ: "جعلوها".
(١٢) في ب: "نظير الائتمار". وفي أ: "نظيرًا للأمر فليس".
(١٣) في ب: "وهو".
[ ١٠٨ ]
المتولدات (١)، ولأن في جعل الأمر علة الائتمار، ولا ائتمار في الحال (٢)، يكون قولا بتخصيص العلة، وهو فاسد، على ما يعرف إن شاء الله تعالى - والله الموفق.
مسألة:
وينبني (٣) على ما قلنا:
إذا اقترن بصيغة الأمر قرينة الندب أو الإباحة أو التهديد: لا يكون
_________________
(١) مسألة "التولد" هذه ذهب إليها المعتزلة، تأييدًا أو تفسيرًا لرأيهم في حرية الإرادة الإنسانية ونسبة ما ينشأ أو ما يتولد عن فعله من أفعال إليه، طالما كان تحقيقه ناتجًا عن غاية محددة من قبل، فجعلوا الأسباب متصلة بمسبباتها وحققوا هذه الفكرة فيما يخص الإنسان. وقد عبر التهانوي في "كشاف اصطلاحات الفنون" عن التولد بأنه: "هو الفعل الصادر عن الفاعل بواسطة ويقابله المباشر". وحدده بعض المعتزلة بأنه "الفعل الذي يكون سببه مني ويحل في غيري". وحدده آخرون بأنه "الفعل الذي أوجدت سببه، فخرج من أن يمكني تركه، وقد أفعله في نفسي وأفعله في غيري.". وفسره آخرون بأنه "الفعل الثالث الذي يلي مرادي مثل الألم الذي يلي الضربة، ومثل الذهاب الذي يلي الدفعة". وقال الإسكافي أحد شيوخ المعتزلة بأنه: "كل فعل يتهيأ وقوعه على الخطأ دون القصد إليه والإرادة له، فهو متولد. وكل فعل لا يتهيأ إلا بقصد يحتاج كل جزء منه إلى عزم وقصد إليه وإرادة له، فهو خارج عن التولد". ولم يقبل الأشاعرة فكرة التولد لأن الفاعل عندهم هو الله ولأن أفعال الله لا يحدها سلطان ولا تخضع لقانون (انظر: القاضي أبو الحسن عبد الجبار"٤١٥ هـ"، المغني، جـ ٩، التوليد، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر. وعلي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، الطبعة السابعة، ١: ٤٧٩ وما بعدها. والمراجع المشار إليها فيه ومنها: الأشعري، مقالات الإسلاميين). ولعل فكرة التولد هذه تقابل أو تقارب في الفقه الإسلامي: التسبب المقابل للمباشرة فى مجال ضمان المتلفات.
(٢) في (أ) و(ب): "للحال".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ويبتني".
[ ١٠٩ ]
أمرًا حقيقة (١) عند من قال موجبه الوجوب عينًا لانعدام حكمه، وهو الوجوب (٢)، بل إطلاق لفظة (٣) الأمر عليها بطريق المجاز.
وعلى قول الواقفية، تكون (٤) صيغة (٥) الأمر حقيقة في الندب والإباحة والتهديد وغيرها، لأن صيغة الأمر مشتركة عندهم بطريق الحقيقة، لكل ما يستعمل فيه، فيتعين بالقرينة.
وعلى قولنا في الندب، يكون أمرًا حقيقة، لأن حقيقة الأمر (٦) هو الطلب، ومعنى الطلب موجود فيه. فأما في الإباحة [فـ] ليس معنى الطلب فيها، لأنها (٧) عبارة عن التخيير بين الشيئين إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. وكذا معنى التهديد: ترك الفعل، ويذكر (٨) ويراد به الزجر والردع، دون طلب التحصيل - فيكون استعمال صيغة (٩) الأمر [فيهما] (١٠) بطريق المجاز، على ما ذكرنا.
ثم هذا الفصل حجة على من قال حقيقة صيغة (١١) الأمر للوجوب، لا للندب، وإنما يستعمل للندب (١٢) بطريق المجاز، لأن النوافل مأمور بها (١٣)، فلو (١٤) لم يكن صيغة الأمر للندب بطريق الحقيقة، لم يكن
_________________
(١) "حقيقة" من ب.
(٢) "وهو الوجوب" من ب.
(٣) في ب: "لفظ".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "يكون".
(٥) في ب: "حقيقة".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "حقيقته".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "معنى الطلب فإنها عبارة".
(٨) "ويذكر" من ب.
(٩) في ب: "حقيقة".
(١٠) في الأصل وغيره: "فيها" والكلام هنا في الإباحة والتهديد.
(١١) "صيغة" ليست في أ.
(١٢) في ب: "الندب".
(١٣) في أ: "مندوب إليها".
(١٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ولو".
[ ١١٠ ]
النوافل مأمورًا بها. فإذا (١) لم يكن مأمورًا بها لا يكون النوافل من العبادات طاعات (٢) لله تعالى، لأن الطاعة موافقة الأمر، لا موافقة الإرادة، عند أهل السنة والجماعة (٣)، خلافًا للمعتزلة. ولا خلاف بين الأمة أن النوافل من العبادات طاعات لله تعالى يجب القول بكونها مأمورًا بها بطريق الحقيقة، فبطل قولهم إن حقيقة الأمر للوجوب لا غير - والله أعلم.
مسألة: - في الأمر بعد الحظر:
قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إن (٤) الأمر بعد الحظر وقبله (٥) سواء - وقد ذكرنا الجواب فيه.
وقال بعض أصحاب الشافعي ممن قال بالوجوب قبل الحظر: إنه (٦) إذا ورد بعد الحظر يحمل على الإباحة، ويكون وروده بعد الحظر قرينة الإباحة، لأن الظاهر أن المراد منه رفع الحظر - قال الله تعالى: "وإذا حللتم فاصطادوا" (٧) أراد رفع الجناح عن الاصطياد بعد ما ثبت الحظر بسبب الإحرام.
والصحيح قول العامة، لما ذكرنا (٨) أن الأمر طلب واستدعاء، والإباحة تخيير بين التحصيل والترك (٩)، فلم (١٠) يتحقق فيه معنى الأمر،
_________________
(١) في (أ) و(ب): "وإذا".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "طاعة".
(٣) كذا العبارة في ب. وفي أ: "موافقة الأمر عند أهل السنة والجماعة لا موافقة الإرادة" وفي الأصل: "موافقة الأمر عند أهل السنة لا موافقة الإرادة".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأن".
(٥) في ب: "قبل الحظر وبعده".
(٦) "إنه" ليست في ب.
(٧) سورة المائدة: ٢.
(٨) في ب: "لما قلنا".
(٩) "بين التحصيل والترك" من ب.
(١٠) في أ: "ولم".
[ ١١١ ]
فكان الحمل عليه بطريق المجاز، وترك الحقيقة لا يجوز كل من غير دليل. وفي النصوص الواردة بصيغة الأمر بعد الحظر يثبت الإباحة بدليل آخر وراء الصيغة، وهو أن الإباحة الشرعية كانت بدليل (١)، ثم الحرمة ثبتت بعارض الإحرام، فإذا زال العارض عادت الإباحة الأصلية الثابتة بالشرع، كا كانت، بدليلها، لا (٢) أن ذلك موجب الأمر. على أن صيغة الأمر بعد الحظر كا وردت للإباحة فقد وردت للوجوب، فإن الأمر بقتل شخص (٣)، حرام القتل بالإسلام أو الذمة، بارتكاب أسباب موجبة للقتل، من الحراب والردة وقطع الطريق، يكون للوجوب وإن وردت بعد الحظر، وإذا كانا في الاستعمال على السواء فكيف تجعل قرينة الإباحة مع الاحتمال.
مسألة - الأمر بالفعل هل يقتضي الدوام والتكرار أم يقع على الفعل مرة (٤)؟
الخلاف (٥) في هذه المسألة مع القائلين بالوجوب في (٦) الأمر المطلق، و(٧) مع الواقفية (٨)، دون من قال بالإباحة والندب.
والواقفية توقفت في الصيغة المطلقة (٩) في مقدار الفعل حتى يقوم الدليل على المرة أو الكل أو على مقدار معلوم، كما توقفت فيها (١٠) في تناول الوجوب والندب والإباحة إلا بدليل.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لدليل".
(٢) في أ: "إلا".
(٣) في أ: "بالقتل في شخص". وفي ب: "بالقتل من شخص".
(٤) في ب: "والتكرار أو يقع على البعض؟ ".
(٥) في ب: "والخلاف".
(٦) في ب: "من".
(٧) "و" ليست في أ- انظر الهامش التالي.
(٨) "ومع الواقفية" ليست في ب.
(٩) في ب: "والواقفية في الصيغة المطلقة توقفت".
(١٠) في ب: "كما مر فيها من تناول".
[ ١١٢ ]
وقال بعض الواقفية إنه يحتمل الفعل الواحد، ويحتمل الكل، لكن (١) يصرف إلى الأقل إلا بدليل.
وقال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي ﵀ إنه (٢) يحمل على الدوام والتكرار (٣) إلا بدليل - ويروى هذا (٤) عن الشافعي ﵀. وهو قول بعض أصحاب الحديث من المتكلمين.
وقال عيسى بن أبان من أصحابنا (٥): إن كان فعلا له نهاية يمكن تحصيل جملته، فإنه (٦) يقع على الكل، حتى يقوم الدليل على الأقل. وإن كان فعلا (٧) لا نهاية له، فإنه يقع على الأقل دون الكل.
وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين إنه (٨) يقع على الفعل مرة، من حيث
إنه مطلق الفعل، لا من حيث (٩) إنه مرة، حتى يقوم الدليل على الدوام.
ومذهب شيخنا أبي منصور الماتريدي (١٠) ﵀: أنه لا يعتقد فيه (١١) المرة الواحدة (١٢) ولا الدوام والتكرار قطعًا (١٣) على طريق التعيين (١٤) لكن
_________________
(١) في ب: "لكن لا يصرف".
(٢) في ب: "لا يحمل".
(٣) "والتكرار" من ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل وأ كذا: "ويروون [هذا] عن الشافعي".
(٥) "من أصحابنا" من ب. وعيسى بن أبان: تفقه على محمد بن الحسن. وله كتاب "الحجج". ومن تلاميذه أبو حازم (أو أبو خازم) القاضي أستاذ الطحاوي. وتوفي سنة ٢٢١ هـ بالبصرة وهو قاض عليها (القرشي، الجواهر. واللكنوي، الفوائد).
(٦) في ب: "يمكن تحصيله فإنه .. ".
(٧) "فعلا" من أ.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأنه".
(٩) "حيث" ليست في أ.
(١٠) "الماتريدي" من أ.
(١١) "فيه" ليست في أ.
(١٢) "الواحدة" من ب.
(١٣) "والتكرار قطعًا" من ب.
(١٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "التعين".
[ ١١٣ ]
يعتقد على (١) الإبهام: أن ما أراد الله تعالى به من الدوام والتكرار أو المرة الواحدة فهو حق (٢)، ويأتي بالفعل على الترادف احتياطًا، ما لم يقم الدليل على أن المراد به الفعل مرة واحدة.
واستعمال لفظة التكرار ههنا لا يراد به حقيقة التكرار عند الفقهاء، وهو عود عين الفعل الأول، لأنه لا يتحقق عند أكثر (٣) المتكلمين، وإنما يراد به تجدد أمثاله على الترادف، وهو معنى الدوام في الأفعال عندهم.
وجه قول من ادعى التكرار: الاستدلال بالدلائل السمعية، والاستدلال بالوضع اللغوي، والاستدلال بالأحكام اللغوية:
- أما الأول، [فـ] قوله تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (٤)، وقوله تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٥)، ونحوها - دل (٦) أن المراد به (٧) الدوام و(٨) التكرار والعموم بقدر الممكن (٩) الذي لا حرج فيه، دون المرة الواحدة. وفي آية الحج وهي قوله تعالى (١٠): "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" (١١) قام الدليل على
_________________
(١) "على" ليست في ب.
(٢) "أن ما أراد الله فهو حق" من ب.
(٣) في ب: "عند بعض".
(٤) البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠. والنساء: ٧٧. والنور: ٥٦. والمزمل: ٢٠. وفي كل النسخ: "أقيموا" دون حرف العطف.
(٥) البقرة: ١٨٥.
(٦) "دل" من أ.
(٧) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "بها".
(٨) "الدوام و" من ب.
(٩) في ب: "بقدر الإمكان".
(١٠) "وهي قوله تعالى" من ب.
(١١) آل عمران: ٩٧.
[ ١١٤ ]
أن المراد به الفعل مرة واحدة (١). ونحن نسلم أنه قد يحمل على المرة الواحدة (٢) بدليل (٣). وروي أنه لما نزلت (٤) آية الحج قال الأقرع بن حابس ﵁ (٥): "ألعامنا هذا يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم - (٦) أم للأبد؟ " فقال ﵇: "للأبد"، وكان هو (٧) كل فصحاء العرب، فلو (٨) كان مدلول اللفظ لغة هو (٩) المرة، لجرى (١٠) على ظاهر اللفظ، حتى يجيء خلاف الظاهر بقول رسول الله صلى الله عليه، ولكان لا يسأل عن ذلك (١١)، وإنما سأل وأشكل عليه، لأنه عرف أن مدلول اللفظ التكرار والدوام (١٢) وعرف أن الحرج منفي في الدين (١٣)، فدل أنه للتكرار في الأصل.
- وأما الاستدلال بالوضع اللغوي، وهو أن صيغة الأمر وضعت لطلب الفعل بطريق الاختصار، ومعناها: "حصل الفعل" فكانت دالة (١٤) على الصدر المحذوف، والمحذوف لغة والمذكور سواء، والمصدر اسم جنس يتناول
_________________
(١) "واحدة" من ب.
(٢) "الواحدة" من ب.
(٣) "بدليل" ليست في ب.
(٤) في ب: "نزل".
(٥) الأقرع بن حابس ﵁ من أصحاب رسول الله - ﷺ -. شهد معه فتح مكة وحنينًا وحصار الطائف. وشهد مع خالد بن الوليد فتح العراق والأنبار. واسمه "فراس" ولقب "الأقرع" لقرع أصابه في رأسه. وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام (النووي).
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "صلى الله عليه".
(٧) "هو" ليست في ب.
(٨) كذا في ب. وفي أ: "ولو". وفي الأصل: "لو".
(٩) في ب: "مدلول الصيغة هو".
(١٠) في أو ب: "فيجري".
(١١) "عن ذلك" من ب.
(١٢) "والدوام" من ب.
(١٣) في ب: "والدوام وأن الحرج في الدين منفي".
(١٤) في ب: "دلالة".
[ ١١٥ ]
كل الجنس حقيقة والبعض (١) مجازًا، كما (٢) في أسماء أجناس الأعيان، على ما نذكر في باب العموم إن شاء الله تعالى، ولأنه لا خلاف بيننا أن صيغة الأمر واسم الجنس يقع على الكل بطريق الحقيقة، حتى لو نوى الثلاث في قوله: "طلقي نفسك" وفي (٣) قوله: "أنت طالق طلاقًا" لصح (٤). وإذا كان الاسم متناولا للكل، بطريق الحقيقة، فمن الضرورة تناولها للفرد (٥) بطريق المجاز.
- و(٦) أما الاستدلال بالأحكام اللغوية:
• فلأن صيغه النهي تحمل على التكرار والدوام (٧) بالإجماع، فكذا صيغة الأمر، لأن كل واحدة (٨) منهما موضوعة لطاب الفعل (٩)، إلا أن الأمر طلب (١٠) تحصيل الفعل والنهي طلب ترك الفعل، فيكون وضع صيغة النهي للتكراوالعموم وضعًا لصيغة الأمر للتكرار والعموم (١١) دلالة.
• ولأنه يحسن استفسار المأمور من (١٢) الآمر: "إنك أردت بأمرك هذا الفعل مرة أو أكثر"، ولو كانت موضوعة (١٣) للفعل مرة لغة
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وللبعض".
(٢) "كما" ليست في ب.
(٣) "في" من ب.
(٤) في (أ) و(ب): "يصح".
(٥) في ب كذا: "تناولها للكل للفرد".
(٦) "و" ليست في أ.
(٧) في ب: "على الدوام والتكرار".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "واحد".
(٩) في أ: "موضوعة للطلب".
(١٠) "طلب" ليست في أ.
(١١) "للتكرار والعموم" من ب.
(١٢) في أكذا: "والآمر".
(١٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ولو كان موضوعًا".
[ ١١٦ ]
لكان (١) لا يحسن الاستفسار (٢)، كما إذا قال: "افعل مرة": لا يصح الاستفهام.
• وكذا يصح (٣) الاستثناء الأمر بالفعل مطلقًا بأن قال: "صم إلا يوم السبت أو يوم الفطر". ولو لم يكن محتملا للتكرار، ويكون موضوعًا للفعل مرة، لما صح الاستثناء (٤)، كما إذا قال: "صم يومًا إلا يومًا"، وكما إذا قال: "لفلان علي درهم إلا درهمًا" (٥).
• وكذا يصح النسخ من (٦) الأمر بالفعل المطلق. ولو كان موجب الأمر هو الفعل مرة (٧)، لما صح النسخ، لأنه يؤدي إلى البداء (٨)، إذ الفعل الواحد لا يجوز أن يكون حسنًا وقبيحًا في زمان واحد.
وجه قول أصحابنا ﵏ ومن تابعهم: الاستدلال بالمعقول اللغوي، والاستدلال باستعمال أهل اللسان، والاستدلال بنظائر صيغة الأمر من تصاريف الفعل.
_________________
(١) في ب كذا: "لكن".
(٢) "الاستفسار" من أ.
(٣) في ب: "ومنها أنه يصح".
(٤) "الاستثناء" من ب.
(٥) في ب: "إلا درهم".
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "في".
(٧) في ب: "هو. المرة الواحدة".
(٨) قال الشهرستاني في الملل والنحل (١: ١٤٨ - ١٤٩): "والبداء له معان: البداء في العلم، وهو أنه يظهر له خلاف ما علم، ولا أظن عاقلا يعتقد هذا الاعتقاد (بالنسبة إلى الله تعالى). والبداء في الإرادة، وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم. والبداء في الأمر، وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك ". وفي المعجم الوسيط: "البداء ظهور الرأي بعد أن لم يكن. واستصواب شيء علم بعد أن لم يعلم. ويقال: بدا لي في هذا الأمر بداء، أي ظهر لي فيه رأي آخر". وفي اللسان: "البدء. استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم وذلك على الله غير جائز".
[ ١١٧ ]
- أما الأول، وهو أن الأمر طلب الفعل لغة، وحكمه شرعًا وجوب الفعل (١). وفائدته هو (٢) الأداء في حق كل من أراد الله تعالى منه الفعل، والامتناع في حق من أراد منه الترك - وهذا كله يحصل بفعل واحد، فإن اللفظ دال على الفعل، فأما تكرار الفعل (٣) [فـ] عبارة عن إعداد (٤) الفعل، واسم الفعل لا يتناول العدد، فإن العدد إنما يعرف باسم موضوع للعدد أو (٥) للعموم، ولم يوجد صيغة اسم العدد ولا صيغة العموم، وعند تكرار الفعل وتعدده يحصل تكرار الفائدة، واللفظ موضوع لأصل (٦) الفائدة لا لتكرار الفائدة. وبيان ذلك أن قوله (٧): "ادخل الدار" يدل على حركات تسمى بجملتها دخولا، فمتى وجدت تكون دخولا تامًا، فأما الدخول ثانيًا وثالثًا كل من باب عدد الدخلات، فلا يثبت إلا باللفظ الموضوع للعدد. وكذا قوله "صم" أو "صل": فالصوم شرعًا (٨) عبارة عن إمساك مقدر من أول النهار إلى آخره، والصلاة عبارة عن أفعال معلومة (٩) معهودة (١٠). فمتى وجد (١١) بحده يكون فعلا تامًا، وما بعد التمام إلا العدد - ولهذا إذا وجد منه الفعل مرة سمى (١٢) الذات الذي وجد منه الفعل: داخلا، وصائمًا، ومصليًا، فيكون عدد الفعل فضلا (١٣) في حق صحة الاسم بكونه فاعلا، والفاعل لا يكون بدون الفعل.
_________________
(١) في ب: "وحكمه الوجوب شرعًا".
(٢) "هو" ليست في ب.
(٣) "فأما تكرار الفعل" ليست في ب.
(٤) أعددت لغة في عددت (انظر اللسان)، وعدد الشيء عده وجعله ذا عدد (المعجم الوسيط).
(٥) في ب: "و".
(٦) كذا في أو ب. وفي الأصل: "لأجل" ..
(٧) في أ: "قولك".
(٨) "شرعًا" ليست في ب.
(٩) "معلومة" ليست في ب.
(١٠) "معهودة" من أو ب
(١١) في أ: "وجدت".
(١٢) في ب: "ويسمى".
(١٣) في ب كذا: "فصلا".
[ ١١٨ ]
- وأما استعمال أهل اللسان، فإن من قال لعبده: "اسق الأرض" أو قال: "اشترلي لحمًا" (١)، أو قال لرجل: "طلق امرأتي" - يقع على الفعل مرة. ولو نوى ثنتين (٢) لا يصح، لأنه نوى العدد، ولفظ الأمر لا يدل عليه لغة (٣). ولو قال: "اشتر لي عبدًا" ونوى شراء عبيد أو شراء بعد شرا (٤) - لا يصح. وكذا لو قال لعبده: "صم" (٥) فصام يومًا - يكون ممتثلًا أمرمولاه، ولا يلزمه الزيادة (٦) عليه، وإن نوى. فإذا (٧) كان لفظ الأمر، في استعمال أهل اللغة، على كل ما قلنا، يجب حمل صيغة الأمر الوارد (٨) في الشرع على ما يتعارفه الناس.
- وأما الاستدلال بنظائره من تصاريف الفعل، فإن الأمر أحد التصاريف المأخوذة من (٩) المصدر، ثم (١٠) من (١١) الخبر في (١٢) الماضي والمسقبل، ونعت الفاعل (١٣) والمفعول، نحو قولهم ضرب ويضرب وضارب ومضروب لا يدل على التكرار وضعًا، فكذا (١٤) قوله "اضرب" يجب أن يكون هكذا، حتى يكون موافقًا لنظائره.
_________________
(١) كذا في أو ب. وفي الأصل كذا: "اشتر الحمار" وقد تكرر المثال كما أثبتناه في المتن عن (أ) و(ب) (انظر فيما يلي ص ١٢٧).
(٢) في ب كذا: "نيتين".
(٣) في ب: "ولفظ الأمر لا يتناول العدد".
(٤) في ب كذا: "شرًا بعد شرًا".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "صم يومًا".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "ولا يلزم زيادة عليه". وفي أ: "ولا يلزم الزيادة عليه".
(٧) في (أ) و(ب): "وإذا".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الواردة".
(٩) في ب: "عن".
(١٠) "ثم" ليست في ب.
(١١) "من" من ب.
(١٢) "في" ليست في ب.
(١٣) "الفاعل" من (أ) و(ب). وفي الأصل: "الفعل".
(١٤) في ب: "وكذا".
[ ١١٩ ]
ولا يلزم النهي حيث يتكرر، وهو من تصاريف الفعل، لأن ثم (١) التكرار ليس موجب الصيغة على ما نذكر.
والجواب عن شبهاتهم:
- أما التعلق بالنصوص، [فـ] لا حجة لهم فيها: لأنه ليس فيها (٢) بيان تكرار ودوام (٣)، مع أن ظواهر النصوص متعارضة، فإن في باب الحج يقتضي الفعل مرة، فإن قاتم: ثمة قام الدليل، فنحن نقول: هنا (٤) في هذه الأوامر كذلك.
أما (٥) لا يلزمنا أنها (٦) لا تقع على الفعل مرة، لأنا إنما ندعي ذلك بموجب اللفظ لغة.
أما (٧) يجوز أن يثبت الزيادة على المرة بدليل، وقد ورد (٨) من حيث التوقيف، والعقل:
• أما من حيث التوقيف (٩) - فما (١٠) روي عن عبادة بن الصامت (١١)
_________________
(١) في ب: "ثمة". وانظر فيما بعد ص ١٢٣ وما بعدها.
(٢) في أ: "فيه".
(٣) في ب: "التكرار والدوام".
(٤) "هنا" من ب.
(٥) أما: تكون حرف استفتاح مثل ألا، نحو: أما والله ما فعلت هذا. وحرف عرض، مثل، أما تأكل معنا؟. وتكون بمعنى حقًا، نحو: أما أنك مصيب (المعجم الوسيط).
(٦) في أ: "أنه".
(٧) راجع فيما تقدم الهاش ٥.
(٨) في ب: "وجد".
(٩) "من حيث "من ب.
(١٠) في ب: "ما".
(١١) في أ: "صامت". وهو عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي. صحابي شهد العقبة الأولى والثانية مع رسول الله - ﷺ -. وشهد بدرًا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد. وكان أحد النقباء ليلة العقة. وقد استعمله النبي - ﷺ - على الصدقات. وكان يعلم أهل الصفة القرآن. ولما فتح الشام أرسله عمر بن الخطاب ومعاذًا وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفهموهم، فأقام عبادة بحمص ومعاذ بفلسطين وأبو الدرداء بدشق. ثم صار عبادة إلى فلسطين. وروي له عن رسول الله - ﷺ مائة وواحد وثمانون حديثًا اتفق البخاري ومسلم على ستة منها وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بآخرين. =
[ ١٢٠ ]
﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله تعالى أوجب عليكم خمس (١) صلوات في كل يوم وليلة". وقال الله (٢) تعالى في الصوم: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٣).
• وأما الدليل العقلي- فلأن العبادات وجبت إظهارًا للعبودية أو لشكر المنعم (٤)، وذلك يقتضي الدوام بقدر الممكن إلا ما ثبت العفو والإسقاط من صاحب الحق، وهو الله تعالى (٥)، بفضله وكرمه، على ما أراد (٦) - والله أعلم.
- وأما حديث الأقرع بن حابس (٧) - فهو كا يلزمنا يلزمكم (٨)، فإنه لو كانت (٩) صيغة الأمر للتكرار لغة، يجب أن لا يشكل عليه ولا يسأل. وكل (١٠) عذر لكم فهو عذر لنا (١١). ثم نقول: إنما سأل لأنه عرف الأوامر في سائر العبادات موجبة للتكرار بمقادير معلومة، ولم (١٢) تقتصر على موجب اللفظ لغة، فقاس أمر الحج عليه، ثم
_________________
(١) = روى عنه أنس وجابر وأبو أمامة وغير هم. قال الأوزاعي: أول من ولي قضاء فلسطين عبادة. وكان فاضلا خيرًا جميلا طويلا جسيمًا. توفي ببيت المقدس وقيل بالرملة سنة ٣٤ هـ. وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقيل: توفي سنة ٤٥ هـ. والأول أشهر (النووي، التهذيب).
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "عن النبي - ﷺ - أن الله تعالى فرض خمس .. ".
(٣) "الله" ليست في ب.
(٤) سورة البقرة: ١٨٥.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "أو شكرًا للنعم". وفي أ: "أو شكرًا للمنعم". وفي الكتاب الكريم: "رب أوزعني أن أشكر نعمتك" (النمل: ١٩. والأحقاف: ١٥). "واشكروا نعمة الله" (النحل: ١١٤). "أن اشكر الله" (لقمان: ١٢). "أن اشكر لي" (لقمان: ١٤). "واشكروا لي" (البقرة: ١٥٢) "واشكرو الله" (البقرة: ١٧٢).
(٦) "وهو الله تعالى" من ب.
(٧) في أ: "ما أراد به".
(٨) تقدمت ترجمته في الهامش ٥ ص ١١٥.
(٩) في أ: "فيلزمكم".
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "كان".
(١١) في (أ) و(ب): "فكل".
(١٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "عذرنا"
(١٣) في أ: "ولا".
[ ١٢١ ]
أشكل أمر الحج (١) عليه لزيادة مشقة في الحج فى حق البعيد عن مكة، فسأل لإزالة إشكاله (٢) ببيان صاحب الشرع - ﷺ -.
-[وأما] قولهم: إن المصدر صار مذكورًا لغة بذكر الأمر - فالجواب عنه (٣) من وجهين:
أحدهما - أنا (٤) لا نسلم بأن (٥) المصدر يصير مذكورًا لغة في سائر تصاريف الفعل، بل صيغة الأمر وحدها وضعت لطلب الفعل في المستقبل، وصيغة الماضي وضعت للإخبار عن الفعل في الماضي. وقولك "فاعل" اسم لذات قام به الفعل. ولهذا قلنا إن (٦) في قوله: "أنت طالق" أو "طلقتك" ونوى الثلاث لا يصح، لأن المصدر الذي يحتمل الواحد والكل (٧) غير مذكور، فلا يصح النية. وفي قول الرجل لامرأته "طلقي نفسك" تصح نية الثلاث، لا (٨) لأن المصدر صار مذكورًا لغة، لكن صيغة الأمر وضعت لطلب الفعل في المستقبل، والفعل (٩) كل وفرد وعدد، وصيغة الفعل تصلح دلالة على الفعل الواحد وعلى الكل، ولا تصلح دلالة على العدد، لكن عند الإطلاق يحمل على الفرد، الذي هو الأقل، لكونه متيقنًا، وتصح نية (١٠) الكل. ولو نوى الثنتين لا يصح، لأنها كل من باب العدد، وصيغة الفعل لا تتناول العدد.
_________________
(١) "أمر الحج" من أ.
(٢) في أ: "الإشكال".
(٣) "عنه" من ب.
(٤) كذا في أ. وفي الأصل: "ان".
(٥) في ب: "ان".
(٦) "إن" ليست في ب.
(٧) في ب: "الكل والواحد".
(٨) "لا" ليست في أ.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وللفعل".
(١٠) في أ: "نيته".
[ ١٢٢ ]
والثاني - إن سلمنا أن المصدر صار مذكورًا لغة، وأنه اسم (١) جنس، بمنز لة اسم الجنس في الأعيان، ففيه (٢) اختلاف بين كل مشايخنا على ما نذكر في باب العموم إن شاء الله تعالى. والمختار في المصدر (٣) أنه يقع على كل الجنس إذا كان معرفًا، وإذا كان منكرًا يقع على الأقل. فعلى هذا قالوا في قول (٤) الرجل: "أنت طالق طلاقًا". فالمنكر يقع على الواحد في موضع الإثبات. وكذا في قوله "طلقي نفسك" - لأن المصدر المنكر يصير مذكورًا، لا المعرف، لأن التنكير أصل في الكلام (٥). وإنما يصح فيه (٦) نية الثلاث لما قلنا إنه كل الفعل لا باعتبار العدد. وأما (٧) إذا قال: "أنت طالق الطلاق": [فـ] إن لم يكن له نيه يقع على الأقل" بدلالة الحال، لأن إيقاع الثلاث جملة مكروه، فلا يمكن صرفه (٨) إلى الكل، برلالة حال المسلم المتدين، فيقع على الواحد الذي هو مسنون. وإذا نوى الثلاث يقع على كل الجنس، لأنه نوى كل ماهو حقيقة كلامه. وإذا نوى الثنتين لا يصح، لأنه بعض الجنس، فلا يقع عليه الإسم حقيقة على ما نذكر.
- وأما النهي، فثمة لا نسلم (٩) أن موجب النهي هو وجوب (١٠) الانتهاء
_________________
(١) "اسم" ليست في أ.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وفيه".
(٣) "في المصدر" من أ. وفي ب كذا: "والمختار في أن المصدر يقع".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "قالوا إن في قول".
(٥) في ب: "لأن التنكير في الكلام أصل".
(٦) "فيه" من ب.
(٧) في أ: "فأما". وفي ب: "أما".
(٨) في ب: "مكروه على أصحابنا ﵏ ولا يمكن صرفه".
(٩) في ب: "وأما النهي قلنا لا نسلم".
(١٠) "هو وجوب" ليست في ب.
[ ١٢٣ ]
على سبيل الدوام والتكرار (١) لغة، بل موجبه الانتهاء (٢) مرة، كالأمر (٣) سواء، لكن صيغة النهي تقتضي مصدرًا محذوفًا منكرًا، كالأمر سواء، كأنه قال: "صم صومًا ولا تصم صومًا"، والنكرة في موضع الإثبات تخص، وفي موضح النفي تعم، كقولك: "رأيت رجلا" و"ما رأيت رجلا"، بطريق الضرورة، على ما نذكر في باب العموم إن شاء الله تعالى.
-[أما] قولهم إنه (٤) وصح الاتفسار: أنك أردت به الفعل مرة أو مرارًا (٥) - فنقول: هذا الكلام مشترك الدلالة، فإن عندكم يحسن أن يقول أردت به التكرار. ولو كان كل قتضاه التكرار يجب أن لا يحسن. وكل عذر هو لكم فهو عذر لنا (٦)، وكل دليل هو في حد التعارض لا (٧) يكون حجة. ثم العذر للفريقين أنه إنما يحسن ذلك طلبًا لتأكيد العام أو الظن.
-[و] قولهم (٨) إنه يصح الاستثناء (٩) والنسخ، وذلك لا يتحقق إلا فيما له دوام وعموم (١٠) - فنقول:
• إنما يجوز النسخ والاستثناء فيما قام الدليل على أنه أريد (١١) به الدوام
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "على التكرار والدوام".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "بل للانتهاء". وفي أ: "بل الانتهاء".
(٣) في ب: "كما في جانب الأمر".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأنه".
(٥) "أو مرارًا " من ب. وفيها: "أردت الأمر مرة أو مرارًا" ر اجع فيما تقدم ص ١١٦ - ١١٧.
(٦) في ب: "فكل عذر لكم هو عذر لنا". وفي الأصل و(أ): "وكل عذر هو لكم فهو عذرنا". فعبارة "عذر لنا" من ب.
(٧) كذا في ب: "لا يكون". وفي الأصل و(أ): "فلا يكون".
(٨) في ب: "قولكم".
(٩) في أ: "للاستثناء".
(١٠) في ب: "عموم ودوام".
(١١) في أ: "أراد".
[ ١٢٤ ]
والتكرار إلى وقت النسخ، حتى (١) يكون النسخ بيانًا أن (٢) المراد به بعض المرات، فيكون الاستثناء استخراجًا (٣) للبعض. فأما، إذا كان الأمر مطلقًا، ولم يقم الدليل على أن المرد به الدوام، [فـ] لا يجوز ورود النسخ [عليه] (٤). كما إذا قام الدليل على (٥) أن المراد به (٦) مرة واحدة (٧): لا يجوز النسخ [عليه] (٨)، لأنه يؤدي إلى البداء (٩)، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (١٠). وكذا في الاستثناء: يكون تعطيلا للكلام، لا ستخراجًا للبعض.
• والثاني إن الأمر المطلق إذا اتصل به الاستثناء أو (١١) النسخ يستدل به على أنه أريد به التكرار، لما قلتم (١٢) إنه لا يجوز الاستتناء والنسخ في الفعل الواحد، فكان ورود الاستثناء والنسخ (١٣) قرينة الدوام والعموم (١٤)، ولا كلام في الأمر الذي اقترن به دليل العموم والتكرار، وإنما الكلام في الأمر (١٥) الطلق - والله أعلم.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "به التكرار والدوام حتى".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بأن".
(٣) في ب: "ويكون الاستثناء إخراجًا".
(٤) في الأصل وغيره: "عنه".
(٥) "على" ليست فى ب.
(٦) "به" ليست في أ.
(٧) في ب: "المرة الواحدة".
(٨) في الأصل و(أ): "عنه". وليست في ب.
(٩) راجع في تعريف البداء الهامش ٨ ص ١١٧.
(١٠) "علوًا كبيرًا" من ب. وفى الأصل: "تعالى الله عن ذلك".
(١١) في ب: "و".
(١٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كذا: "لم".
(١٣) في ب: "النسخ والاستثنا".
(١٤) في ب: "العموم والدوام".
(١٥) "الأمر" من ب.
[ ١٢٥ ]
مسألة - في الأمر المعلق بالشرط، والمضاف إلى الوقت، والمقيد بالصفة:
اختلف في هذه المسألة:
- من قال إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار:
قال بعضهم بأنه يقتضي التكرار عند تكرر الشرط والصفة والوقت (١).
وقال عامتهم بأنه (٢) لا يقتضي التكرار (٣) إلا بدليل.
احتج من قال بالتكرار بظواهر النصوص من (٤) قوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل" (٥). وقال تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٦). وقال تعالى: "الزانيه والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (٧). وقال تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" (٨) إلى غير ذلك (٩). والالستدلال (١٠) أن التكرار ثبت في هذه الأوامر بتكرر الوقت والشرط والصفة، فيجب القول به.
- والصحيح قولنا، وهو أن الأمر وحده لا يوجب التكرار على ما مر.
وكذلك الشرط وحده - فإن من (١١) قال لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت طالق" فدخلت مرة تقع طلقة واحدة، ولو دخلت مرارًا لا يقع
_________________
(١) في ب: "والوقت والصفة".
(٢) في ب: "إنه".
(٣) "التكرار" من ب.
(٤) في أ: "و".
(٥) الإسراء: ٧٨.
(٦) البقرة: ١٨٥.
(٧) النور: ٢.
(٨) المائدة: ٣٨.
(٩) "إلى غير ذلك" من ب.
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فالاستدلال".
(١١) "من" من أ.
[ ١٢٦ ]
شيء. فلا يتكرر (١) الحكم بتكرر الشرط وحده. والعارض ههنا هو التعليق، وهو قران (٢) الشرط بالأمر، وأثره هو منع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط عندنا، وعند الخصم أثره تأخير الحكم السبب مع انعقاده علة (٣) شرعًا. وهذا لا يغير حكم الأمر والشرط عما كان، فيبقى حكم الأمر والشرط (٤) على ما كان قبل التعليق.
و(٥) لأن أهل اللسان، كما استعملوا الأمر المطلق وما أرادوا به الدوام والتكرار، كذلك استعملوا (٦) لأمر المعلق بالشرط والمضاف إلى الوقت (٧) والمقيد بالصفة وما أرادوا به الدوام والتكرار، فإن (٨) الرجل يقول لغيره: "طلق امرأني إن دخلت الدار"، ويقول لعبده: "اشتر اللحم إن دخلت السوق"، ويقول السلطان للجلاد: "اجلد فلانًا الزاني إذا حضر عندك"، فإنه لا يراد (٩) به التكرار بالإجماع، وأوامر الشرع يحمل على كل ما يتعارفه أهل اللسان.
ولا يقال: إن (١٠) الشرط في معنى العلة، لأنا نقول: ليس كذلك، لأن العلة هي (١١) المؤثرة في الحكم، فجاز أن يتكرر الحكم بتكررها، أما الشرط فما يمنع انعقاد المؤثر عن العمل لا غير، فإن كان المؤثر
_________________
(١) في ب: "فدخلت مرة طلقت، ولو دخلت ثانيًا وثالثًا لا تطلق ولا يتكرر .. ".
(٢) في ب: "اقتران".
(٣) "علة" من ب.
(٤) "عما كان والشرط" ليست في ب.
(٥) "و" ليست في أ.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الأمر المطلق ولم يريدوا به التكرار، استعملوا".
(٧) "والمضاف إلى الوقت" من ب.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ولم يريدوا به التكرار فإن".
(٩) في ب: "لا يريد". وراجع ص ١١٩.
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بأن".
(١١) "هي" ليست في ب.
[ ١٢٧ ]
موجودًا يعمل فيه بالمنع عن العمل وكونه سببًا وعلة للحكم. وإن (١) لم يكن فوجوده وعدمه بمنزلة سواء (٢).
وفيما ذكروا من النصوص قام الدليل، بخلاف ظاهر الصيغه، على أنه قد (٣) قام الدليل عندنا على (٤) أن الوقت وشهود الشهر سبب لوجوب الصلاة والصوم، وكذا (٥) الزنا علة لوجوب الجلد، والسرقة علة لوجوب القطع، والحكم (٦) يتكرر بتكرر العلة. فمن ألحق الشرط بالعلة فلا بد له من دليل جامع (٧) - والله أعلم.
مسىألة - في حكم الأمر بأحد الأشياء (٨) غير عين:
كما في قوله تعالى في كفارة اليمين: "فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة" (٩).
قال عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين: إن (١٠) الواجب واحد منا غير عين، والمأمور مخير في تعيين واحد منها فعلا، ويتعين ذلك باختياره فعلا.
_________________
(١) في أ: "فإن".
(٢) "بمنزلة" من ب. و"سواء" ليست في ب. انظر في معنى الشرط والعلة فيما سيأتي ص ٦١٥ وما بعدها. فالشرط "ما يوجد الحكم عند وجوده وينعدم عنده عدمه" فهو "اسم لما يضاف إليه الوجود دون الوجوب، بخلاف العلة فهي اسم لما يضاف إليه الوجوب دون الوجود".
(٣) "قد" من (أ) و(ب).
(٤) "على" ليست في أ.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "سبب الوجوب وكذا".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وكذا الزنا علة الوجوب والحكم".
(٧) في ب: "بتكرر العلة من ادعى الشرط في معنى العلة يحتاج إلى الدليل" اهـ.
(٨) في ب: "الأشياء الثلاثة".
(٩) المائدة: ٨٩.وهي بكاملها: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأن".
[ ١٢٨ ]
وتكلموا في كيفية هذا القول:
قال بعضهم: إنه واجب عند الله تعالى عينا، وإن كان مجهولا في حق العباد. والله (١) تعالى عالم بأن من عليه يختار ما هو (٢) الواجب عنده، فيخيره، ليستوفي الواجب عنده (٣).
وقال بعضهم: إنه (٤) للحال غير واجب عند الله تعالى، وإنما يصير واجبًا عند اختيار العبد فعلا، كأن الوجوب عليه معلق بشرط الاختيار أو (٥) عند سقوط خيار (٦) التعيين.
وقالت المعتزلة: إن (٧) الكل واجب، على طريق البدل، على معنى (٨) أنه لا يجب عليه الإتيان بالكل (٩)، ولا يجوز ترك الكل. وإذا أتى بواحد من الجملة، يجوز له ترك الباقي، إذ ما هو القصود يحصل بالواحد (١٠).
وهذه المسألة، بيننا وبينهم، فرع لمسألة (١١) أخرى، وهو (١٢) أن التكليف يبتنى (١٣) على حقيقة العلم عندهم، دون السبب الموصل إليه،
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فالله".
(٢) "ما هو" ليست في ب.
(٣) "عنده" من ب.
(٤) في أ: "إن".
(٥) "أو" ليست في ب.
(٦) في أ: "اختيار".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأن".
(٨) في ب: "ومعنى ذلك".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "لا يجب تحصيل الكل".
(١٠) في ب: "وإذا أتى بالواحد يخرج عن العهدة ويجوز له ترك الباقي أو ما هو المقصود من الكل يحصل بالواحد"
(١١) في ب: مسألة".
(١٢) "وهو" ليست في ب.
(١٣) كذا في أ. وفي الأصل: "يبنى". وقي ب: "ينبني".
[ ١٢٩ ]
وإيجاب واحد من الأشياء (١) غير عين تكليف بما لا علم للمكلف به، لأن الواجب مجهول حالة التكليف في حق المكلف (٢)، فيكون تكليف ما ليس في الوسع. وعند نا التكليف يبتنى على سبب العلم، لا على حقيقة العلم (٣). كما يبتنى على سبب القدرة لا على حقيقة القدرة (٤). وههنا (٥) طريق العلم قائم، وهو الاختيار، فلا يكون تكليف العاجز.
وشبهتهم أن الأمر بأحد الأشياء على سبيل التخيير إما أن يكون موجبه ثبوت الحكم في واحد منها عينًا، أو في واحد غير عين، أو في الكل على سبيل الجمع أو على سبيل البدل.
لا وجه للأول (٦)، لأنه خلاف الصيغة، وخلاف الإجماع.
ولا وجه للثاني، لأنه تكليف بما هو غير معلوم، للمأمور، وقت التكليف. والتكليف بإتيان (٧) المجهول تكليف ما ليس في الوسع، وهو (٨) باطل.
ولا وجه للثالث (٩): إلى وجوب الكل بطريق الاجتماع (١٠)، لأنه خلاف ظاهر الكتاب (١١)، والإجماع أيضًا.
_________________
(١) في ب: "من الأشياء الثلاثة".
(٢) "في حق المكلف" من ب.
(٣) في أ: "لا على حقيقته".
(٤) في أ: "لا على حقيقتها".
(٥) في ب: "وهنا".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل: "إلى الأول".
(٧) في ب: "بإثبات".
(٨) في أ: "وهذا".
(٩) "للثالث" من ب.
(١٠) "بطريق الاجتماع" ليست في ب.
(١١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الظاهر بالكتاب".
[ ١٣٠ ]
فتعين القول بوجوب (١) الكل على طريق البدل ضرورة، وإنه طريق مشروع موافق للأصول: وهو فرض الكفاية من الجهاد وصلاة الجنازة ونحوهما (٢): فإنه يجب على الكل بطريق البدل، حتى إنه (٣) إذا قام به البعض سقط (٤) عن الباقين، فكذلك (٥) هذا.
وجه قولنا: الكتاب، والمعقول، والأحكام:
- أما الكتاب، فقوله (٦) تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٧) ذكر بحرف "أو"، وحرف "أو" متى دخل بين أفعال، كان المراد به (٨) واحدًا كل منها غير عين في الإخبار والإيجاب جميعًا (٩). تقول في الإخبار: "جاءني زيد أو عمرو" و(١٠) يكون الجائي أحدهما. وكذا في الإيجاب:
إذا قال لرجل: "بع هذا العبد بألف درهم أو هذا العبد" (١١) يكون توكيلا ببيع أحدهما. فمن قال بأن المراد به (١٢) الكل على طريق البدل، فقد خالف موجب اللغة.
- وأما المعقول، وهو أن الأمر بالأشياء، على سبيل التخيير، صحيح، بالإجماع، حتى لو ترك الكل فإنه يأثم - فإما أن يكون (١٣) أمرًا بأحدها (١٤)
_________________
(١) في ب كذا: "والإجماع أيضًا. وإذا انتدب [لعلها انتفت] الأقسام تعين القول بوجوب".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ونحوها".
(٣) "إنه" من ب.
(٤) في أ: "يسقط".
(٥) في ب: "فكذا"
(٦) في ب: "قوله".
(٧) سورة المائدة: ٨٩. وتقدم نصها كاملا في الهامش ٩ ص ١٢٨.
(٨) في ب: "منه".
(٩) "جميعًا" ليست في ب.
(١٠) "و" من ب.
(١١) في ب: "هذا العبد أو هذا العبد بألف درهم".
(١٢) في ب: "منه".
(١٣) في ب: "كان".
(١٤) في (أ) و(ب): "بأحدهما".
[ ١٣١ ]
عينًا، أو بالكل على سبيل الجمع، أو بالكل على سبيل البدل، أو بأحدها (١) غير عين:
لا (٢) وجه للأول، فإن التخيير ثابت للمأمور بالإجماع (٣)، ومع تعين (٤) الفعل المأمور به (٥) للمأمور (٦)، على سبيل الوجوب، لا يثبت التخيير.
ولا وجه للثاني، فإنه (٧) خلاف الإجماع، إذ لا خلاف بين العلماء أنه لو أتى بواحد منها، فإنه (٨) يخرج عن عهدة الأمر (٩).
ولا وجه للثالث، فإن الوجوب إنما يعرف بحده وأثره، وهو استحقاف الذم والملامة في الدنيا، واستحقاق (١٠) العذاب في الدار (١١) الآخرة. ولو ترك المأمور، الكل، لا يأثم إلا إثم ترك واحد (١٢) من الكفارات. ولو أتى بالكل، فإنه لا يثاب إلا ثواب فرض واحد، ويثاب (١٣) بأداء الباقين ثواب التطوع، ولو كان الكل واجبًا لكان الأمر بخلافه.
_________________
(١) كذا في ب والأصل. وفي أ: "بأحدهما" ..
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ولا".
(٣) "بالإجماع" من ب.
(٤) في أ "ومع" غير واضحة. وفي ب: "ومع تعيين".
(٥) "المأمور به" ليست في ب ..
(٦) "للمأمور" من ب.
(٧) في ب: "لأنه".
(٨) "فإنه" ليست في ب.
(٩) في ب: "عن العهدة".
(١٠) "استحقاق" ليست في ب، ففيها: "والعذاب".
(١١) "الدار" من ب.
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الواحد".
(١٣) "واحد ويثاب" ليست في ب، ففيها: "ثواب فرض بأداء".
[ ١٣٢ ]
فإن قلتم: إن حكم وجوب الكل على سبيل البدل هذا - فقد ناقضتم في حد الواجب، وهو كل ما يستحق بتركه (١) الذم والملامة في الدنيا (٢) والعقاب في الآخرة (٣) وذلك لم يوجد في الكل.
فإذا (٤) بطلت (٥) هذه الوجوه تعين ما قلنا: إنه أمر بأحد الأشياء غير عين.
- وأما الأحكام، فإن من أعتق إحدى إمائه أو طلق إحدى نسائه - لو كان هذا إعتاقًا أو (٦) تطليقًا للكل على سبيل البدل، ويكون خيار التعيين إليه: ينبغي أن لا يصح: لأن (٧) العتاق والطلاق، بعد وقوعهما في محك، لا يصح النقل عنه. ولأنه لا (٨) علم (٩) له بالمعتقة والمطلقة، كيف يصح البيان بإثبات الخيار. وفيه احتمال إباحة الحرة الأجنبية، وذلك (١٠) باطل.
وكذا إذا وكل رجلا ببيع إحدى جاريتيه (١١)، فباع إحديهما (١٢) غير عين، على أن له الخيار بين أن يمسك إحديهما ويدفع الأخرى إلى
_________________
(١) كذا في أوفي الأصل و(ب): "به".
(٢) "والملامة في الدنيا" من ب.
(٣) "في الآخرة" من ب.
(٤) في (أ) و(ب): "واذا".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بطل".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "و".
(٧) في ب: "لأنه".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ولا"، فليس فيه "لأنه".
(٩) في ب كذا: "لا يحكم".
(١٠) في ب: "وإنه".
(١١) في ب كذا: "جاريته".
(١٢) في ب: "أحدهما".
[ ١٣٣ ]
المشتري (١)، أو باع المالك (٢) إحدى أمتيه (٣) على هذا الوجه: فإنه يجوز (٤)، وفيه احتمال تسليم غير (٥) المبيعة لو كان الأمر على ما ذكرتم.
وكذا لو أتى المكفر (٦)، بالكل جملة، بأن يعتق في الحال التي (٧) يطعم ويكسو بنية الكفارة، فإن الكل ينفذ في ساعة واحدة، و(٨) لو كان الكل واجبًا على طريق البدل، وليس البعض بأولى من البعض في هذه الحالة، [فإنه] ينبغي أن يكون الجميع (٩) عن الكفارة، ومع هذا [فـ] الكفارة واحدة (١٠) منها.
[وبهذا] علم أن الواجب واحد منها غير عين.
والجواب عما ذكروا من التقسيم - فنقول:
الواجب عندنا واحد من الأشياء غير عين.
-[أما] قولهم إن (١١) هذا تكليف بالمجهول، فيكون تكليف ما ليس في الوسع - فنقول: شرط صحة التكليف سبب العلم وطريقه، لا حقيقة
_________________
(١) في ب: "على أنه بالحيار في إمساك إحديهما وتسليم الأخرى للمشتري".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أو المالك باع".
(٣) "إحدى أمتيه" ليست في ب.
(٤) قال في الكفاية (٥: ٥٢٢ - ٥٢٣): "فإن حصل البيع بشرط خيار التعيين للبائع بأن قال البائع" بعتك أحد هذين الثوبين على أني بالخيار أعين البيع في أحدهما دون الآخر": لم يذكر محمد ﵀ هذه المسألة لا في بيوع الأصل ولا في الجامع الصغير. وذكر الكرخي ﵀ في مختصره أنه يجوز استحسانًا - قالوا وإليه أشار في المأذون، لأن هذا البيع يجوز مع خيار المشتري، فيجوز مع خيار البائع قياسًا على خيار الشرط. وذكر في المجرد أنه لا يجوز لأن هذا البيع مع خيار المشتري إنما يجوز بخلاف القياس باعتبار الحاجة إلى اختيار ما هو الأرفق بحضرة من يقع له الشراه، وهذا المعنى لايتأتى في جانب البائع، لأنه لا حاجة إلى اختيار الأرفق، لأن المبيع كان معه قبل البيع فيرد جانب البائع إلى ما يقتضيه القياس".
(٥) في ب: "عين".
(٦) في ب: "بالمكفر".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الذي".
(٨) "و" من أ.
(٩) في ب: "الجمع".
(١٠) "واحدة" ليست في ب.
(١١) في أ: "بأن".
[ ١٣٤ ]
العلم (١)، كما أن من (٢) شرطه القدرة من حيث السبب، لا نفس القدرة الحقيقة. وفي مسألتنا وجد سبب حصول العلم بالواجب عينًا، وهو اختيارالمكلف: فإنه إذا اختار المكفر أحد الأشياء الثلاثة، وشرع فيه فيؤدي الواجب (٣) والاختيار بيده، فيكون تكليف القادر، لا تكليف ما ليس في الوسع.
- ولا يقال بأنه لا يمكن القول بالتخيير مع القول بوجوب أحدها (٤) غير عين، لأنه يكون تخييرًا بين الواجب وغير الواجب، وإنه يتضمن إباحة ترك (٥) الواجب، فيكون فاسدًا (٦)، كالتخيير بين أداء الظهر وبين (٧) التطوع - لأن عند بعض مشايخنا إنما يجب عند الاختيار لا قبله، ويكون اختياره علمًا على الوجوب، فلا يكون تخييرًا بين الواجب وغير الواجب. وعلى قول الآخرين من كل مشايخنا (٨): لا يلزم، لأنه إذا كان في علم الله تعالى أنه يختار الواجب لا محالة، فكان (٩) اختياره علمًا على تعين (١٠) الواجب في حق المكلف من الأصل، والله (١١) تعالى يرشده إلى ما هو الواجب عنده، فلا يكون اختياره متضمنًا ترك الواجب، وإنما الا يجوز التخيير بين الواجب وغير الواجب، لاحتمال أنه ربما يختار غير الواجب، في فيتضمن ترك الواجب، و(١٢) هذا المعنى معدوم ههنا.
_________________
(١) "العلم" ليست في ب.
(٢) "من" ليست في ب.
(٣) في أ: "وشرع فيه فقد أتى بالواجب".
(٤) في ب: "أحدهما".
(٥) "ترك" ليست في ب.
(٦) "فيكون فاسدًا" ليست في ب.
(٧) "بين" ليست في أ.
(٨) "من مشايخنا" ليست في أ.
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وكان".
(١٠) في (أ) و(ب): "تعيين".
(١١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فالله".
(١٢) "و" ليست في ب.
[ ١٣٥ ]
- ولا يقال بأنه إذا ترك الكل يأثم بأن مات قبل الفعل، ولو صار واجبًا عند الاختيار ينبغي أن لا يأثم، لأنه لم يوجد ترك الواجب - لأنا نقول (١):
• هذا لا يلزم على قول الفريق الثاني، لأنه واجب، لكونه متمكنًا من الأداء بواسطة الاختيار.
• وعلى قول الفريق الآخر لا يلزم أيضًا لوجهين:
أحدهما - أنا لا نقول إنه (٢) يأثم بترك الواجب، وهو الكفارة، وإنما يأثم بترك الاختيار الذي هو (٣) وجب عليه علمًا على وجوب الكفارة.
والثاني - أن الوجوب إنما تعلق باختياره (٤) واحدة (٥) منها، بشرط (٦) أن لا يفوت عن العمر، كما إذا كان مطلقًا من الوقت. فإذا صار إلى حال لو لم يختر يفوت الفعل بأن حكم عليه بالموت بعده، يتعين عليه الوجوب في ذلك الوقت في واحد منها الذي هو الأيسر (٧) عليه بحكم الحال، لأنه إنما لا يجب ويتعلق الاختيار تيسيرًا عليه ليختار أحد الأشياء الذي هو الأيسر (٨) عليه (٩) باختلاف الأحوال، فإذا لم يختر إلى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب في الأيسر في الحال، فيأثم بترك ذلك لقيام الوجوب عليه، مع القدرة على الأداء.
_________________
(١) "لأنا نقول" من ب.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأنه".
(٣) "هو" ليست في (أ) و(ب).
(٤) الهاء من (أ) و(ب).
(٥) في ب: "واحد". وفي هامش أ: " أي من الأشياء الثلاثة".
(٦) في ب: "شرط".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أيسر".
(٨) "بحكم الحال الأيسر" من (أ) و(ب).
(٩) "عليه" من ب.
[ ١٣٦ ]
وأما فرض الكفاية:
[فـ] بعض مشايخنا قالوا: لا فرق بين المسألتين، فإن ثمة (١) يجب على طائفة قدروا على الدفع (٢) غير عين.
وبعضهم فرقوا وقالوا: ثمة (٣) لا يمكن الإيجاب على المجهول، فوجب على الكل، بطريق الاجتماع، تم يسقط الباقين بأداء البعض، لحصول القصود، وههنا أمكن القول بالإيجاب لأن من عليه الواجب متعين، لكن الواجب مجهول، وجهالة الواجب لا تمنع كل من تحصيل المقصود إذا كان له طريق الوصول - فهو (٤) الفرق بلأنهما - والله أعلم.
مسألة - الأمر هل يدل على إجزاء الفعل الأمور به، وعلى خروج المأمور من عهدة الأمر إذا أتى بالفعل المأمور به على الوجه الذي أمر به من غير خلل (٥)؟
قال (٦) عامة الفقهاء: بأنه يدل على الإجزاء.
وقال بعض العتزلة: لا يدل على الإجزاء، وإنما يثبت الإجزاء بدليل زائد وراء الأمر.
وحاصل اخلاف في تفسير الإجزاء، والجواز، والصحة في العبادات:
فعندنا: هو حصول الامتثال بإتيان (٧) ما أمر به على الوجه الذي أمر به، ثم سقوط وجوب الإعادة (٨) في الوقت المعين، وسقوط القضاء في وقت
_________________
(١) في ب: "ثم".
(٢) في ب: "الرفع".
(٣) في ب: "ثم".
(٤) في ب: "وهو".
(٥) "من غير خلل" ليست في ب.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فقال".
(٧) في ب: "بإثبات".
(٨) في ب: "الذي أمر به ووجوب الإعادة".
[ ١٣٧ ]
آخر. بناء عليه: فإن أداه على وجهه، لا يجب اقضاء، لوجود الأداء. وإذا ترك في وقته المعين، أو أتى به مع نقصان فاحش حتى ألحق (١) بالعدم، تجب عليه الإعادة في الوقت، أو القضاء خارج الوقت.
وعندهم: تفسير الإجزاء والجواز هو سقوط القضاء عنه، وذلك لا يعرف إلابدليل زائد.
وجه قولهم: إن حصول الامتثال لا ينافي وجوب القضاء: فإن من جامع امرأته (٢) قبل الوقوف بعرفة (٣) حتى فسد حجه، يجب عليه المضي في الحج، ويكون ذلك طاعة ويعد ممتثلا للأمر، ومع ذلك يلزمه القضاء في السنة القابلة. وكذا من صلى في آخر الوقت على ظن أنه توضأ بماء طاهر ثم ظهر أن الماء نجس، فإنه يجب عليه القضاء، وما صلى بناء على ظن الطهارة يكون مأمورًا به حتي يثاب عليها (٤)، ولو ترك مع التحري على الطهارة يأثم. ولأن النهي عن الفعل الشرعي لا يدل على الفساد، حتى لو صلى في الدار المغصوبة يقع مجزئة، فإذا كان كان النهي لا يدل على الفساد، فالأمر لا يدل على الجواز والإجزاء (٥).
ووجه قولنا: وهو أن المأمور إذا (٦) أتى بالفعل المأمور به على الوصف (٧) الذي أمر به، ومع وجود شرائط الصحة: لو لم يسقط عنه (٨) القضاء ولم (٩) يخرج عن عهدة الأمر، يبقى تحت التكليف أبدًا، وهو تكليف ما ليس في الوسع.
_________________
(١) في أ: "التحق".
(٢) "امرأته" من ب.
(٣) "بعرفة" من ب.
(٤) في أ: "عليه".
(٥) "والإجزاء" من ب.
(٦) "إذا" ليست في ب.
(٧) في ب: "على الوجه".
(٨) في أكذا: "عند".
(٩) "لم" ليست في ب، فقيها: "ويخرج".
[ ١٣٨ ]
- وأما الحج إذا فسد، [فـ] لا يحكم بجواز ما أمر به، لأنه لم "يؤده على الوصف الذي أمر به، فبقي تحت الأمر، فيجب عليه في السنة القابلة حج صحيح خال (١) عن الجماع. فأما الفاسد [فقد] أمر بالمضي فيه بأمر جديد، على وجه النقصان، لكون الإحرام لازمًا شرعًا، فإذا أتمه يخرج عن عهدة (٢) هذا الأمر أيضًا، لأنه أتى به على الوجه الذي أمر به مع الفساد أي مع النقطان (٣).
- وفي الصلاة بغير طهارة لا نقول بأنها مجزئة، لأنه ظهر أن الماء نجس، والواجب عليه الوضوء بالماء الطاهر حقيقة، بطريق التحري والاجتهاد، والمجتهد يخطئ ويصيب عندنا (٤). فمتى ظهر أنه نجس تبين أنها غير مجزمة، لعدم الطهارة حقيقة، فبقي (٥) تحت التكليف، لكن لو مات لا يؤاخذ به، لأنه كل معذور لإتيانه بجميع ما في وسعه.
- وما قالوا إن النهي لا يدل على الفساد، فليس كذلك، بل يدل على فساد المنهي، وإنما يجوز الصوم والصلاة التي (٦) أضيف النهي إليهما (٧)، كالصلاة في الأرض الغصوبة، وصوم يوم النحر، على تقدير أنهما مشروعان، غير منهي عنهما، لا أن (٨) الجواز والشروعية ثابت مع قيام النهي.
هذا هو الذهب الصحيح على ما نذكر في باب النهي إن شاء الله تعالى.
مسألة - الأمر بالشيء، هل يدل على وجوب ما لا يصح إلا به؟ نقول:
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "حجا صحيحًا خاليًا".
(٢) "عهدة" من (أ) و(ب).
(٣) في ب: "أو مع النقصان". وليست في أ.
(٤) "عندنا" ليست في أ.
(٥) في (أ) و(ب): "فيبقى".
(٦) في أ: "الذي"، ولعل الصحيح: "اللذان".
(٧) في ب: "إليها".
(٨) في ب كذا: "لأن".
[ ١٣٩ ]
إن الأشياء التي لا تصح العبادة والفعل المأمور به إلا معها على قسمين: منها - ما لا صحة للمأمور به إلا بتحصيلها، من غير أن يكون طريقًا ووسيلة إليه.
ومنها - ما يكون طريقًا ووسيلة إليه (١)، بأن كان سابقًا عليه أو (٢) مقارنًا له.
أما القسم الأول - نحو الأمر بستر الركبة (٣): يكون أمرًا بستر شيء من الساق ضرورة (٤)، لأن الركبة مركبة من الفخد والساق بحيث لا يتميز (٥) أحدهما من (٦) الآخر. وكالأمر لي بغسل الوجه: يكون أمرًا بغسل شيء من الرأس، لأنه لا يمكن إلا به. ونحو الأمر بالامتناع عن استعمال (٧) الطاهر لاختلاط النجس به، والأمر بالامتناع عن العبادة لمجاورتها المعصية (٨)، كالصلاة في الأرض المغصوبة (٩). وهذا لأن الأمر، لما ورد (١٠) بتحصيل ذلك الفعل مطلقًا، ولا (١١) يتحقق تحصيله (١٢) على الكمال (١٣) إلا بتحصيل غيره، وفي وسعه تحصيله، كان أمرًا به، ضرورة العمل بإطلاقه.
_________________
(١) "ومنها - ما يكون طريقًا ووسيلة إليه" ليست في ب.
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "و".
(٣) "الركبة" من ب. وفي الأصل و(أ): "الفخذ".
(٤) "ضرورة" من ب.
(٥) كذا في (أ) و(ب) مع ملاحظ ما ورد في الهامش السابق. وفي الأصل: "بستر شيئ من الساق لأنه لا يتميز".
(٦) في أ: "عن".
(٧) "استعمال" ليست في ب.
(٨) كذا في (أ) و(ب): "بمعصية". وفي الأصل: "بالمعصية".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: " بالأرض المغصوبة". وفي أ: " في أرض مغصوبة".
(١٠) في ب: "قرن".
(١١) في ب: "فلا".
(١٢) كذا في (أ) و(ب): "تحصيله". وفي الأصل: "بتحصيله".
(١٣) في ب: "على التمام".
[ ١٤٠ ]
وأما القسم الثاني، فنوعان:
أحدهما - ما ليس في وسع المكلف تحصيل العمل بإطلاقه، نحو الطريق (١) والوسيلة والقدرة (٢) من حيث الأسباب، كسلامة الجوارح وسلامة العقل في العبادات (٣). وفي هذا لا يكلف المرء بالفعل، حتى لا يكلف الأعمى الإبصار ولا الرمي، ولا المقعد المشي، لانعدام (٤) الآلة، وليس في وسعهما تحصيلها، لأنه تكليف كل ما ليس في الوسع.
وعلى هذا قالت المعتزلة: إن القدرة الحقيقية يجب أن تكون سابقة على الفعل، حتى لا يكون تكليف كل ما ليس في الوسع، لأنه ليس في وسع المكلف تحصيل القدرة الحقيقية عند الفعل، كما في القدرة من حيث الأسباب.
إلا أنا نقول: وجود القدرة الحقيقية لأجل وجود الفعل. وإذا (٥) كانت القدرة من حيث الأسباب ثابتة سابقة على الفعل، فالقدرة الحقيقية توجد عند الفعل لا محالة، بإجراء الله تعالى (٦) العادة في حق من أراد منه وجود الفعل، فتوجه (٧) التكليف، وإن لم يكن تحصيل القدرة (٨) في وسع المكلف. فأما في القدرة من حيث الأسباب [فـ] ما أجرى (٩) الله تعالى العادة على تخليق (١٠) السلامة في أعضاء الزمن و(١١) المقعد والأعمى،
_________________
(١) في ب: "تحصيل الطريق" فليس فيها: "العمل بإطلاقه نحو".
(٢) في ب: "والوسيلة نحو القدرة".
(٣) في ب: وسلامة العقل في الآفات في العبادات".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "حتى لا يكلف الأعمى والمقعد بالفعل لانعدام".
(٥) في أ: "فإذا".
(٦) "تعالى" من ب.
(٧) لعل الصحيح: "فيتوجه".
(٨) في ب: "وإن لم تحصل القدرة".
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كذا: "ما أجر".
(١٠) في ب: "بتخليق".
(١١) "الزمن و" من ب. والزمن هو المريض مرضًا يدوم زمانًا طويلا (المعجم الوسيط).
[ ١٤١ ]
فلا يتوجه التكليف بدونها، حتى لا يكون تكليف ما ليس في الوسع - حتى لوثبت بقول نبي من الأنبياء ﵈ علم وجود سلامة البنية ووجود البصر وزوال العمى عند الفعل يجوز التكليف به (١)، وإن لم يكن في وسعهما تحصيلها، لحصول العلم بوجودها (٢) بقول الصادق.
وأما الثاني (٣) - وهو ما يكون وسيلة وطريقًا إلى تحصيل الفعل، وفي وسع المكلف تحصيله، فهو (٤) على نوعين:
أحدهما - أن يكون الأمر بالفعل كل معلقًا بوجود ذلك الشيء، كما لو قال المولى لعبده: "اصعد السطح إن كان السلم منصوبًا". فإن كان السلم منصوبًا (٥) يجب عليه الصعود (٦). وإن لم يكن لا يجب عليه نصب السلم، لأن المعلق بالشرط لا حكم له قبل الشرط، فإذا لم يجب عليه الصعود عند عدم (٧) الشرط، فلا يجب عليه ما هو من ضرورات الخروج عنه (٨).
والثاني - أن يكون الأمر مطلقًا بأن قال المولى لعبده: "اصعد السطح"، فإنه يجب عليه الصعود إن كان السلم منصوبًا. وإن لم يكن، يجب عليه نصب السلم إذا كان متمكنًا من نصب السلم، بأن كان حاضرًا ثمة وله قدرة نصبه، ويجب عليه الصعود، بناء عليه، لأن حكم الأمر
_________________
(١) "به" ليست في ب. وفي أ: "يكلف به".
(٢) في أ: "بوجودهما".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وأما القسم الثاني" وقد آثرنا الأخذ بما فى ب لأن هذا هو النوع الثاني من القسم الثاني كما هو ظاهر.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "وهو". وفى أ: "فهى".
(٥) كذا في أ. و"فإن كان السلم منصوبًا" ليست في الأصل: انظر الهامش التالي.
(٦) في ب: "السلم منصوبا يجب عليه الصعود إذا كان السلم منصوبًا".
(٧) كذا في أ. وفي الأصل الكلمة ناقصة ففيه كذا: "م".
(٨) كذا في الأصل وب وهامش أ. وفي متن أ: "الصعود عليه".
[ ١٤٢ ]
المطلق هو تحصيل المأمور به (١)، على كل حال، عملا بإطلاقه، ولا يمكنه، على جميع الأحوال، إلا بتحصيل كل ما هو من ضروراته ووسائله، وفي وسعه ذلك، فيجب عليه. ولهذا قلنا: إن الأمر بالحج (٢) في حق المستطيع، وإن كان كل مطلقًا عن السعي، والأمر بالجمعة كذلك، [فإنه] يجب عليه السعي إذا كان لا يتصور الأداء بدونه لما قلنا.
مسألة - الأمر بالفعل هل هو نهي عن ضده، والنهي عن الفعل هل هو أمر بضده؟.
ههنا فصلان:
أحدهما - الأمر (٣) بالفعل هل هو نهي عن ضده؟
والثاني - النهي عن الفعل هل هو أمر بضده؟
أما الأول:
قال عامة مشايخنا وأصحاب الحديث: إن الأمر بتحصيل الشيء يكون نهيًا عن ضده إذا كان له ضد واحد، كالأمر بالإيمان ونحوه. وإن كان له أضداد، كالأمر بالقيام، فإن له أضدادًا من القعود والركوع والسجود والاستلقاء ونحوها - اختلفوا فيما بينهم:
قال بعضهم: يكون نهيًا عن الأضداد كلها.
وقال بعضهم: يكون نهيًا عن واحد كل من الأضداد غير عين.
ثم قال بعض أصحاب الحديث: هذا في الأمر الذي هو أمر إيجاب.
فأما (٤) أمر الندب (٥)، [فـ] لا يكون نهيًا عن ضده.
_________________
(١) "به" ليست في ب.
(٢) في أزاد هنا عبارة" والسعي والصدقة" فصارت العبارة: "بالحج والسعي والصدقة".
(٣) في أ: "إن الأمر".
(٤) الفاء من (أ) و(ب).
(٥) في ب: "أمر النهي".
[ ١٤٣ ]
وقال عامتهم بأن الأمر بالفعل يكون نهيًا عن ضده (١) مطلقًا، لكن على (٢) حسب الأمر: إن كان أمر إيجاب يكون النهي عن ضده نهي تحريم، وإن كان الأمر (٣) أمر ندب يكون النهي (٤) عن ضده نهي ندب - حتى يجب الامتناع عن المنهي عنه في الأول، وفي الثاني يندب إلى (٥) الامتناع، حتى يكون إتيان النوافل (٦) أولى من الأفعال المباحة، ويصير كل منهبًا عنها نهي ندب من حيث إنه ترك للمندوب (٧) لا لعينه، فيندب الامتناع عنها إذا لم يكن له حاجة إلى مباشرتها.
وأما الثاني:
وهو أن (٨) النهي عن الفعل (٩) - هل يكون أمرًا بضده؟
أجمعوا أنه إذا كان له ضد (١٠) واحد، يكون أمرًا بضده - كالنهي عن الكفر: يكون أمرًا بضده وهو الإيمان (١١)، والنهي عن التحرك: يكون أمرًا بضده وهو السكون (١٢). فأما إذا كان له أضداد كالنهي عن القيام ونحوه اختلفوا فيه:
قال بعض أصحابنا وبعض أصحاب الحديث: يكون أمرًا بالأضداد كلها، كما في جانب الأمر.
_________________
(١) "وقال عامتهم نهيًا عن ضده" ليست في ب.
(٢) "على" ليست في ب.
(٣) "الأمر" من ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "نهيًا".
(٥) "إلى" ليست في (أ) و(ب).
(٦) في ب: "الإثبات بالنوافل".
(٧) كذا في ب وأ. وفي الأصل: "ترك المندوب".
(٨) "أن" من أ.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فعل"
(١٠) في ب: "أصل".
(١١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أمرًا بالإيمان".
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أمرًا بالسكون".
[ ١٤٤ ]
وقال عامة أصحابنا وعامة أصحاب (١) الحديث: بأنه يكون أمرًا بواحد من الأضداد غير عين.
و(٢) قال الشيخ الإمام (٣) أبو منصور الماتريدي ﵀: لا فرق بين الأمر والنهي في أن لكل واحد منهما ضدًا واحدًا (٤) حقيقة، وهو تركه، فالأمر بالفعل نهي عن ضده، وضده تركه. غير أن الفعل قد يكون تركه بفعل واحد (٥) من الأفعال بطريق التعين (٦) كالتحرك: يكون تركه بفعل واحد متعين، وهو السكون، وقد يكون تركه بأفعال كثيرة، كالأمر بالقيام: يكود نهيًا عن ضده، وضده (٧) تركه، وذلك بأفعال كثيرة من قعود واضطجاع واستلقاء وغير ذلك (٨). وكذلك (٩) النهي عن الفعل: أمر ضده، وهو تركه، وذلك بأنواع من (١٠) الأفعال التي ذكرناها هنا (١١).
هذا هو بيان الاختلاف بين أهل السنة.
فأما عَند العتزلة: [فـ]، الأمر بالشيء لا يكون نيهيًا عن ضده، والنهي عن الشيء لا يكون أمرًا بضده.
ثم اختلفوا فيما بينهم: أنه هل له حكم في ضده؟
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أهل".
(٢) الواو من (أ) و(ب).
(٣) "الإمام" من ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ضد واحد".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بواحد".
(٦) في ب: "التعيين".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وهو".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وغيرها".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "وهكذا". وفي أ: "وكذا".
(١٠) "من" ليست في أ.
(١١) "هنا" من ب.
[ ١٤٥ ]
قال بعضهم: وهو اختيار أبي هاشم (١)، ومن تابعه (٢) من (٣) متأخري المعتزلة، إنه لا حكم له في ضده بل هو مسكوت عنه (٤).
وقال عامتهم: بأن الأمر له حكم في ضده وهو الحرمة. لكن قال بعضهم: إن الأمر (٥) يوجب حرمة ضده. وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده. وقال بعضهم: يقتضي حرمة ضده (٦).
وقال بعض مشايخنا: إنه يقتضي كراهة ضده.
ثم عندهم: هذا إذا كان للفعل (٧) ضد واحد، فأما إذا كان له أضداد: فإن قام دليل أن بعض أضداده يقوم مقام المأمور به في المصاحة، [فـ] لا يحرم ذلك الضد، بل يكون المأمور به هذا (٨) الفعل، وذلك الضد على سبيل البدل لتساويهما في وجه المصلحة. وإن لم يقم الدليل، اقتضى قبح أضداده جميعًا (٩)، لأن كل واحد من ذلك وبانفراده
_________________
(١) هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد الجبائي بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان ﵃. وهو المتكلم الشهور العالم ابن العالم. كان هو وأبوه من كبار المعتزلة. ولهما مقالات على مذهب الاعتزال. وكتب الكلام مشحونة بمذهبهما واعتقادهما. وقد ولد أبو هاشم سنة ٢٤٧ هـ. وتوفي سنة ٣٢١ هـ. ببغداد. والحبائي نسبة إلى قرية من قرى البصرة خرج منها جماعة من العلماء. وقيل إنها كورة وبلد ذات قرى وعمارات من نواحي حوز بغداد. وله من الكتب: كتاب الأبواب الكبير. كتاب الأبواب الصغير. كتاب الجامع الكبير. كتاب الجامع الصغير. كتاب الإنسان. كتاب العوض. كتاب المسائل العسكريات - كتاب النقض على ارسطاليس في الكون والفساد - كتاب الطبائع والنقض على القائلين بها. كتاب الاجتهاد (ابن خلكان. وابن النديم. وانظر في آرائه: الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ٧٨ - ٨٥).
(٢) في ب: "تابعهم".
(٣) في أ: "ومتأخري".
(٤) في ب كذا: "مسكون عنه". وفي أ: "عن ضده".
(٥) في ب: "إنه".
(٦) قال البخاري في كشف الأسرار (٢: ٣٢٩): " .. فذهب أبو هاشم ومن تابعه من متأخري المعتزلة إلى أنه لا حكم له في ضده أصلا بل هو مسكوت عنه وذهب بعضهم منهم عبد الجبار وأبو الحسين إلى أن الأمر يوجب حرمة ضده. وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده. وقال بعضهم: يقتضي حرمة ضده - هكذا ذكر في الميزان".
(٧) في ب: "له".
(٨) في ب: "ذلك".
(٩) في ب: "قبح جميع أضداده".
[ ١٤٦ ]
يمنعه (١) من (٢) تحصيل الفعل (٣) المأمور به، فيصير محرمًا تحقيقًا لإتيان (٤) الواجب.
وقالوا في النهي عن الشيء: يكون أمرًا بضده (٥) من حيث المعنى إن (٦) كان له ضد واحد. وإن كان له أضداد، بأن كان يتحقق بكل واحد من الأفعال (٧) تركه ولا يتصور الجمع بينه وبين ذلك، فالنهي عنه يكون أمرًا بجميع أضداده على سبيل البدل.
وقال الجصاص (٨): إن الأمر بالفعل يدل على حرمة ضده، والنهي يدل على وجوب تحصيل ضده إذا كان له ضد واحد (٩). فأما إذا كان له أضداد: فالأمر بالفعل (١٠) يكون نهبًا عن الأضداد كلها (١١)، فأما النهي عن فعل [فـ] لا يكون أمرًا بالأضداد كلها.
_________________
(١) في ب: "يمنع".
(٢) في أ: "عن".
(٣) "الفعل" من ب.
(٤) في ب: "لإثبات".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "في النهي عن الشيء. أمر بضده".
(٦) في ب: "إذا".
(٧) في ب: "الأضداد".
(٨) هو أحمد بن علي أبو بكر الرازي. و"الجصحاص" لقب له. ولد سنة ٣٠٥ هـ. سكن بغداد. وعنه أخذ فقهاؤها. وإليه انتهت رياسة الحنفية. وكان مشهورًا بالزهد. وخوطب في أن يلى القضاء فامتنع. تفقه على أبي سهل الزجاج صاحب كتاب "الروضة". وعلى أبي الحسن الكرخي وبه انتفع وعليه تخرج. وتفقه عليه أبوبكر أحمد بن موسى الخوارزمي وأبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الفقيه الجرجاني شيخ القدوري وأبو جعفر محمد بن أحمد النسفي وأبو الحسين محمد بن أحمد بن أحمد الزعفراني. وله من المصنفات "أحكام القرآن" و"شرح مختصر شيخه أبي الحسن الكرخي" و"شرح مختصر الطحاوي" و"شرح الجامع لمحمد بن الحسن" و"شرح الأسماء الحسنى". وله كتاب مفيد في أصول الفقه. وله جوابات عن مسائل وردت عليه. توفي سنة ٣٧٠ هـ عن ستنين سنة (القرشي، الجواهر. وابن قطلوبعا، تاج التراجم).
(٩) "واحد" ليست في أ
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بفعل".
(١١) "كلها" من ب.
[ ١٤٧ ]
وحاصل الخلاف بيننا وبين العتزلة يرجع إلى كل ما ذكرنا في (١) تفسير الأمر والنهي:
فعندهم:
الأمر والنهي حقيقة هو صيغتهما، لأن الكلام، حقيقة (٢) عندهم في الشاهد والغائب جميعًا، هو (٣) الحروف المنظومة والأصوات المقطعة المسموعة. وهما مختلفان كل من حيث الصيغة. وكذا مختلفان (٤) من حيث الوصف ولحكم.
أما من حيث الصيغة: فلأن صيغة "افعل" تخالف (٥) صيغة "لا تفعل".
وأما من حيث الوصف والحكم (٦) الراجعان إلى المأمور به (٧) والمنهي عنه: فإن المأمور به موصوف بالحسن، والمنهي عنه موصوف بالقبح. وكذا حكم الأمر وجوب تحصيل الفعل المأمور به (٨)، وحكم النهي (٩) وجوب الامتناع عن الفعل النهي عنه (١٠) - فكان بين الأمر والنهي مضادة، فكيف يكون أحدهما هو الآخر؟
_________________
(١) في ب: "من". راجع الأمر فيما سبق: ص ٨٠ وما بعدها. والنهى فيما يلى ص ٢٢٣ وما بعدها.
(٢) "حقيقة" ليست في ب.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "هذه".
(٤) في ب: "وكذلك يختلفان".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "الصينة فهو أن صيغة: "افعل" خلاف" انظر الهامش التالي.
(٦) "أما من حيث الصيغة الوصف والحكم" ليست في أ. راجع الهامش السابق.
(٧) "به" ليست في ب.
(٨) "المأمور به" من ب.
(٩) في ب: "المنهي".
(١٠) "المنهي عنه" من ب.
[ ١٤٨ ]
وقلنا نحن:
إن الأمر والنهي كلام الله تعالى (١)، ولله تعالى كلام واحد هو صفة له (٢) أزلية. وهو أمر ونهي وخبر واستخبار على طريق (٣) التقرير - لكنه أمر باعتبار الإضافة إلى شيء، ونهي باعتبار الإضافة إلى شيء، وخبر بجهة، واستخبار بجهة، مع كون الكلام متحدًا في نفسه - على ما عرف في مسائل الكلام.
وإذا ثبت أن كلام الله تعالى واحد، فلا يكون بين الأمر والنهي مضادة لأن التضاد يكون بين شيئين، وهما شيء (٤) واحد من حيث ذات الكلام.
وكذا لا تضاد من حيث المعنى، وهو أن الأمر طلب تحصيل الفعل، والنهي طلب الامتناع عن الفعل، والتنافي إنما يكون عند اتحاد الجهة، فلا يجوز أن يكون الكلام الواحد طلبًا لتخصل فعل و(٥) طلبًا للامتناع عن ذلك الفعل في زمان واحد في حق شخص واحد، لاتحاد الجهة. فأما لا مضادة بين أن يكون طلبًا لتحصيل فعل وطلبًا للامتناع عن فعل آخر- أليس أن (٦) بين الأبوة والبنوة منافاة عند اتحاد الجهة لا عند الاختلاف، فإن الشخص الواحد لا يجوز أن يكون أبًا لشخص (٧) وابنًا له أيضًا. ومن حيث الضرورة إذا كان له ولد (٨) أن يكون أبا لشخص و(٩) ابنًا لشخص آخر.
_________________
(١) "تعالى" من ب. وغير ظاهرة في الأصل.
(٢) "له" من أو ب.
(٣) في أ: "على سبيل".
(٤) "شيء" من ب. وفي أ: "بين الشيئين وهو واحد".
(٥) "و" ليست في ب.
(٦) "أن" ليست في أ. وفي ب: "لأن بين".
(٧) في أ: "لشخص واحد".
(٨) في أ: " أما يجوز" بدلا من "ومن حيث الضرورة .. ولد". والعبارة في ب: "وهو ابن لذلك الشخص بعينه أما يجوز" بدلا من "وابنًا له أيضًا .. له ولد".
(٩) "و" ليست في ب.
[ ١٤٩ ]
وكذا (١) المنافاة من حيث الوصف والحكم إنما تتحقق في محل واحد لا في محلين، وههنا (٢) كذلك: فإن الأمر يقتضي حسن المأمور به، وقبح ضده، ويوجب تحصيل المأمور به (٣) والامتناع عن ضده، لا عن نفسه، فبطل دعوى التضاد بينهما.
هذا من حيث حقيقة الكلام القائم بالنفس في الشاهد والغائب جميعًا (٤).
أما من حيث الكلام الدال على ما هو كلام النفس، وهو صيغة الأمر والنهي -[فـ] لا مضادة بينهما ولا منافاة عند بعض مشايخنا، وإن اختلفا من حيث العبارة واللفظ، فإن اللفظ الواحد يجوز أن يكون علمًا على حكمين مختلفين، لغة وشرعًا (٥). أما لغة (٦) فإن لفظ "القرء" في اللغة موضوع (٧) للطهر والحيض جميعًا (٨)، ولفظ الشرا جعل علمًا، لشيئين (٩) شرعًا في للقريب: على التمليك في زمان واحد، والعتق في زمان بعده (١٠). فيجوز (١١) أن يكون صيغة "افعل"
_________________
(١) في ب: "وكذلك".
(٢) في ب: "وهنا".
(٣) "وقبح ضده المأمور به" مكررة في الأصل.
(٤) "جميعًا" من ب.
(٥) "لغة وشرعًا" من (أ) و(ب).
(٦) "أما لغة" من ب.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "لفظة موضوعة". وفي أ: "لفظ هي موضوعة".
(٨) "جميعًا" من ب.
(٩) "لشيئين" من أ.
(١٠) بيانه أن من اشترى ذا رحم محرم منه ملكه وعتق عليه لأن شراءه جعل إعتاقًاشرعًا (انظر في تفصيله: الكاساني، البدائع، ٤: ٤٧)
(١١) في أ: "ويجوز".
[ ١٥٠ ]
علمًا على طلب (١) تحصيل فعل وعلمًا على طلب الامتناع عن ضده، وكذلك صيغة النهي وهو قوله: "لا تفعل".
وبعض مشايخنا سلموا أن بينهما (٢) منافاة من حيث الصيغة. ولكن قالوا لا منافاة بيهما (٣) من حيث المعنى. فإن قوله "تحرك" طلب التحرك، وهو بعينه نهي عن السكون. وقوله "اسكن" طلب للسكون (٤) وطلب ترك التحرك الذي هو ضده لا غير - بمنزلة انتقال الشخص من مكان إلى مكان: [فـ]، هو تفريغ للمكان الأول وشغل للثاني (٥). وقرب الشمس إلى المغرب (٦) عين البعد عن المشرق (٧) لكن باعتبار الإضافة إلى المكان شغل (٨) وبالإضافة إلى الثاني تفريغ (٩)، وبالإضافة إلى المغرب قرب، وبالإضافة إلي المشرق بعد. فكذلك طلب واحد (١٠): بالإضافة إلى الحركة أمر، وبالإضافة إلى السكون نهي. وهذا لأن الغيرين ما يتصور مفارقة (١١) أحدهما صاحبه بحال، أو ما (١٢) يتصور وجود أحدهما بدون صاحبه (١٣)، ولم يوجد هذا الحد ههنا، فإن الأمر الذي هو إيجاب الفعل لن يتحقق
_________________
(١) "طلب" ليست في ب.
(٢) في ب: "أن ما بينهما".
(٣) "بينهما" من ب.
(٤) "وهو بعينه نههي طلب للسكون" ليست في ب. وعبارة "وقوله اسكن طلب للسكون" ليست في أ.
(٥) في ب: "الثاني".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "الغروب". وانظر الهامش التالي.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "الشرق". والعبارة في أ: "وقرب الشمس من المغرب عين بعدها عن المشرق ولكن". راجع الهامش السابق.
(٨) و(٩) في أ: "تفريغ شغل". والظاهر لنا أن ما في المتن خاص بقوله: "اسكن" وما في أخاص بقوله: "تحرك".
(٩) في هامش أ: "الطلب الواحد".
(١٠) كذا في أ: "مفارقة". والعبارة في ب: "لأن الغيرين لا يتصور مفارقة". وفي الأصل: "مقارنة".
(١١) "ما" من (أ) و(ب).
(١٢) في الأصل و(أ): "بدون الآخر".
[ ١٥١ ]
بدون تحريم الضد (١) والمنع عنه، فإنه إذا لم يثبت الحرمة يكون مباح الترك، والواجب ما يكون حرام الترك - دل أن الأمر ليس غير النهي معنى. ولهذا قلنا إن إرادة الشيء كراهة لضده، لأنه لا يتصور أن يكون الإنسان مريدًا لشيء ولا يكون كارهًا لضده (٢) - فكذا (٣) هذا.
وإذا ثبت أصل الخلاف بيننا وبين القوم (٤) في أصل مسألة الأمر ومعرفة حقيقته، [فـ] لا يمكنهم أن يقولوا في هذه المسألة: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده ولا النهيء عن الشيء أمر بضده، فتفرقوا في جواب ذلك:
فقال أبو هاشم (٥) ومن تابعه: إنه لا حكم للأمر في ضده أصلا، بناء على أصل له (٦) تفرد به (٧)، وهو أن القادر على الفعل يجوز أن يخلو عن الفعل وضده أزمنة (٨) كثيرة، فلا يوجد فيه لا الحركة ولا السكون بصفة (٩) الاختيار، فلم يكن صيغة الأمر (١٠) موجبة حرمة الضد لغة، لأنها ما وضعت إلا لما يتناوله (١١) اللفظ لغة (١٢)، فيكون الأمر مسكوتًا عن حكم الضد، فإن قول القائل لغيره (١٣)
_________________
(١) في ب: "لم يتحقق بتحريم الضد".
(٢) في أ: "ضده".
(٣) في ب: "وكذا".
(٤) في أ: "المعتزلة".
(٥) في أ: "قال أبو هاشم". راجع في ترجمة أبي هاشم الهامش ١ ص ١٤٦.
(٦) "له" ليست في ب.
(٧) في أ: "أصل انفرد به".
(٨) في أ: "لأزمنة".
(٩) في ب: "لصفة".
(١٠) في ب: "للأمر".
(١١) في (أ) و(ب): "تناوله".
(١٢) "لغة" من ب.
(١٣) "لغيره" من ب.
[ ١٥٢ ]
"تحرك" غير موضوع للمنع عن السكون، كأنه قال "لا تسكن"، وليس بموجب للحرمة كل من حيث الضرورة، فإنه يجوز عنده أن يوجد (١) الفعل ولا يوجد ضده، بل إن باشر الضد (٢) فقد ترك الواجب، عن اختيار وقصد (٣)، فيأثم لي تركه (٤). وإن لم يباشر فيأثم، لانعدام الفعل المأمور به عنه (٥)، لا بتركه بمباشرة ضده (٦)، فلا يكون كل من ضرورة وجوب الفعل حرمة ضده عنده.
وعامة المعتزلة قالوا: إن القادر على الفعل لا يجوز أن يكون خاليًا عن الفعل وضده، ولا يخلو القدرة (٧) عن الفعل زيادة على زمان واحد، فإن عندهم الاستطاعة قبل الفعل، وهي استطاعة فعل يوجد (٨) بعدها.
وعندنا الاستطاعة كل قارنة للفعل، [فـ] لا يجوز أن يكون القادر على الفعل (٩) خاليًا عن الفعل زمانًا (١٠) واحدًا، ولا يتصور خلو القدرة عن الفعل أبدًا.
وإذا (١١) سلم هؤلاء أن القادر على الفعل لا يجوز أن يكون خاليًا عن الفعل وضده، اضطروا (١٢) إلى القول بحرمة ضده، لما قلنا، وعندهم
_________________
(١) في هامش أزيد: "لا" فصارت: "لا يوجد".
(٢) "الضد" عن (أ) و(ب).
(٣) في ب: "عن قصد واختار".
(٤) "بتركه" ليست في ب.
(٥) "عنه" ليست في ب.
(٦) في ب: "لا يترك مباشرة ضده". وفي أ: "عنه لا يترك ضده".
(٧) في ب: "والقدرة لا تخلو".
(٨) "يوجد" من ب.
(٩) "على الفعل" ليست في أ.
(١٠) في ب كذا: "برمانا"
(١١) في ب: "وإن".
(١٢) في ب: "اضطرارًا".
[ ١٥٣ ]
أن الأمر بالشيء ليس ونهي عن ضده، والنهي عن الشيء ليس بأمر بضده - فلزمهم التناقض (١)، إذ ليس تفسير النهي إلا حرمة الفعل، فتكلفوا لدفع التناقض:
فقال بعضهم: إن حرمة الضد لم يثبت بموجب الأمر وصيغته حتى يكون نهيًا عن ضده، ولكن ثبت (٢) ضرورة حكمه، فلا يكون مضافًا إلى الأمر.
وقال بعضهم: يقتضي حرمة ضده. والمقتضي يثبت زيادة على اللفظ بطريق الضرورة (٣).
وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده، كالنهي عن التأفيف: يدل على حرمة الضرب، وليس ذلك (٤) من موجبات اللفظ أعني (٥) لفظ التأفيف (٦).
ولكن هذا دفع (٧) التناقض (٨) من حيث الصورة، لا من حيث المعنى، فإن النهي ليس إلا حرمة الفعل، فمتى قالوا حكم الأمر وجوب الفعل ومن ضرورته (٩) حرمة الفعل الذي هو ضده - يعرف ذلك ببديهة العقل، فيكون مضافًا إليه ضرورة، وضرورة العقل فوق موجب الصيغة. وكذا ما كان دليلا على الشيء فالعلم (١٠) بالمدلول يضاف إلى الدليل، كا في الدخان مع النار - دل أن التناقض قائم.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل ومتن أ: "بضده وقعوا في التناقض". وفي هامش أتصحيحًا: "فلزمهما التناقض".
(٢) في ب: "يثبت".
(٣) "وقال بعضهم: يقتضى حرمة ضده بطريق الضرورة" ليست في ب.
(٤) في أ: "حرمة الضرب وإن لم يكن".
(٥) "اللفظ أعني" من ب.
(٦) في هامش أ: "أي دفع التأفف".
(٧) في ا: "وقع".
(٨) "التناقض" من ب.
(٩) في ب: "ضرورة".
(١٠) في ب: "والعلم".
[ ١٥٤ ]
وما قاله أبو هاشم: إن كان خروجًا عن وصمة (١) التناقض في هذه المسألة، فهو مخالف (٢) لإجماع (٣) الأمة في (٤) أنهم قالوا إن القادر لا يخلو عن الفعل وتركه، وهو يقول بجواز ذلك، وهذا شر (٥) من التناقض، مع أن هذا منه مناقضة (٦) في مسألة خلق الأفعال حيث قال ثمة (٧): لا يجوز أن يخلق الله تعالى الكفر والمعاصي في العبد (٨) ثم يعذبه على ما ليس بفعل منه (٩)، ثم قال هنا إن من عليه صلاة الظهر إذا لم يصل الظهر (١٠) واشتغل بضدها، فالضد ليس بالحرام (١١) الذي هو فعله حتى يعاقب عليه، ولكن يعاقب لأنه لم يفعل الصلاة الواجبة في جوز (١٢) العقاب على ما ليس بفعل له. وهذا تناقض ظاهر. وعوار (١٣) مذهبه في هذا (١٤) يعرف في مسائل الكلام، وقد أوضحته في شرح هذا المختصر.
وما قاله بعض المشايخ: إنه يقتضي كراهة ضده فهو خلاف الرواية - فإن ترك (١٥) صلاة الفرض والامتناع عن تحصيلها حرام يعاقب عليه، والمكروه لا يعاقب على تركه.
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل "وخيمة". وفي ب: "وجه". والوصمة العيب. ووخيمة أي رديئة من وخم الأمر ثقل وصار رديئا فهو وخم ووخيم وهي وخمة ووخيمة (المعجم الوسيط).
(٢) في أ: "مخالفة".
(٣) في ب: "إجماع".
(٤) "في" ليست في ب.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وهو يقول بالجواز وهو شر".
(٦) في أ: "تناقض".
(٧) في ب: "ثم".
(٨) في ب: "في حق شخص".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "على غير فعل منه".
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ثم قال ههنا إذا لم يصل صلاة الظهر".
(١١) كذا في هامش الأصل وأ وب. وفي متن الأصل: "بحرام".
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل: "فجوز". وفي أ: "وجوز".
(١٣) العوار العيب (انظر القاموس).
(١٤) "في هذا" ليست في ب.
(١٥) في ب: "فإن من ترك".
[ ١٥٥ ]
الفصل الثاني (١) -[حجج كل فريق]:
وجه قول من سوى بينهما، في أن الأمر والنهي يتناول (٢) الأضداد كلها، أن الحكم لو لم يثبت في ضده (٣) كل من الوجوب والحرمة، لا ويتحقق كل معنى الأمر والنهي في الوجوب والحرمة على ما بينا، وليس البعض بأولى من البعض، فيتناول الكل (٤).
وجه قول الفريق الثاني أن النهي إنما يجعل أمرًا بضده بطريق الضرورة. وكذلك الأمر (٥) - وهي تندفع بثبوت الوجوب والحظر (٦) في واحد غير عين، فلا يجعل أمرًا ونهيًا بجميع الأضداد من غير ضرورة.
وكذا يقول من فرق بين الأمر والنهي: إن الأمر في الحقيقة من حيث الصيغة (٧) نهي عن واحد من الأضداد غير عين. وكذا النهي أمر بواحد من الأضداد غير عين، إلا أن النهي (٨) نكرة في موضع النفي فتعم، والأمر نكرة في موضع الإثبات فلا عموم له (٩).
والجصاص يقول: إن النهي عن الشيء لو كان أمرًا بجميع أضداده (١٠) يؤدي إلى أمر محال، لأن ضد الشيء ما يترك به ذلك الشيء والمنهي عنه
_________________
(١) "الفصل الثاني" ليس تابعًا للتقسيم الوارد في ص ١٤٣. وإنما هو فصل خاص ببيان حجج كل فريق.
(٢) في ب كذا: "في أن الأمر الأضداد يتناول".
(٣) في ب: "في الضد".
(٤) "وليس البعض الكل" لم ترد في ب هنا، وإنما وردت ناقصة كلمة "الكل" فيما بعد، بعد عبارة: "وكذلك الأمر". انظر الهامش التالي.
(٥) في ب: "وكذلك الأمر وليس البعض بأولى من البعض فيتناول" - انظر الهامش السابق.
(٦) في ب: " بثبوت الحظر والوجوب" ..
(٧) كذا في ب وهامش الأصل. وفي متن الأصل: "من حيث الحقيقة". و"من حيث الصيغة" أو "من حيث الحقيقة" ليست في أ.
(٨) في أ: "في النهي".
(٩) في ب: "الإثبات فيخص".
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أمرًا بأضداده".
[ ١٥٦ ]
قد (١) ويترك بالمنهي عنه أيضًا (٢): كالزنا ويترك باللواط (٣)، فيصير اللواط مأمورًا به (٤)، وهذا (٥) محال، بخلاف ما إذا كان له ضد واحد، لأنه لا يتأتى هذا النوع من الإحالة (٦).
ولكن الصحيح ما قاله الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀: إن ضد الشيء تركه، و(٧) لكن الترك قد يكون بسبب واحد وقد يكون بأسباب كثيرة (٨)، فالأمر (٩) بالشيء يكون نهيًا عن ضده، وضده (١٠) تركه، والنهي عن الشيء يكون أمرًا بضده وهو تركه (١١). ثم إن كان يترك وبسبب واحد اتصف ذلك السبب بالوجوب أو (١٢) الحظر. وإن كان يترك بأسباب اتصف (١٣) الكل بذلك على طريق الانفراد على حسب الحال (١٤).
وما قاله الجصاص من الفرق بين الأمر والنهي لا يستقيم (١٥)، لأن المعنى الذي تعلق به الحظر أو (١٦) الوجوب في الضد لا يوجب الفصل،
_________________
(١) "قد" ليست في ب.
(٢) "عنه أيضًا" من ب.
(٣) في أ: "باللواطة".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فيصير اللواطة مأمورًا بها".
(٥) في ب: "وذلك".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فإنه لا يؤدي إلى الإحالة".
(٧) "و" من ب.
(٨) "كثيرة" من ب.
(٩) كذا في (أ) و(ب): "فالأمر". وفي الأصل: "والأمر".
(١٠) "ضده وضده" من ب. وفي الأصل و(أ): "يكون نهيًا عن تركه".
(١١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "يكون أمرًا بتركه".
(١٢) كذا في ب: وفي الأصل و(أ): "و".
(١٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "يتصف".
(١٤) في أ: "على حدة".
(١٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "من الفرق بين الأمرين فهو فاسد".
(١٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "و".
[ ١٥٧ ]
فيكون الفرق مناقضة. وما ذكر من الإحالة في جانب النهي فهو لازم (١) في جانب الأمر، فإن المأمور به قد يترك (٢) بمأمور مثله (٣)، كمن أمر بصلاة الظهر في آخر الوقت على طريق التضيق فاشتغل بصلاة النفل وقراءة القرآن وأداء الزكاة المفروضة فكيف (٤) يكون الأمر بصلاة الظهر (٥) نهيًا عن أداء الزكاة وقراءة القرآن. فكل (٦) عذر له في جانب الأمر فهو عذر لنا (٧) في جانب النهي. وحقيقة ذلك أنه إنما يؤدى إلى ذلك أن لو كان هذا أمرًا مقصودًا بضده أو نهيا مقصودًا عن ضده، وهو عندنا أمر بتركه ضرورة تحقيق حكم النهي وكذا في جانب النهي، فيثبت بقدر ما يندفع به الضرورة ولا يثبت مطلقًا، فيزيد الحكم على العلة، وإنه فاسد (٨).
ومشايخنا ﵏ وإن أطلقوا أن النهي عن الشيء الذي له أضداد يكون أمرًا بالأضداد كلها. وكذا في الأمر: نهي عن الأضداد كلها. والشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀ وإن أطلق أيضًا أن النهي (٩) عن الشيء يكون أمرًا بتركه، ولتركه أسباب، يكون أمرًا
_________________
(١) في ب: "في جانب النهي "موجود".
(٢) في ب: "فإن الماْمور يترك".
(٣) "بماْمور مثله" من ب. وفي الأصل و(أ): "يترك بإتيان المأمور به"
(٤) في ب: "بمأمور مثله كالأمر بالصلاة في آخر الوقت يترك بالزكاة وبقراءة القرآن وبالنافلة وغير ذلك فكيف ".
(٥) في ب: "بالصلاة".
(٦) في ب: "الزكاة أو غيرها من العبادات فكل".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فهو عذرنا".
(٨) "وإنه فاسد" من ب.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وأطلق الشيخ أبو منصور الماتريدي ﵀ أن النهي" إلا أن "الماتريدي" لم ترد في الأصل وب.
[ ١٥٨ ]
بما يتركه ويمنعه - فهو مساهلة (١) وتوسع. و(٢) في الحقيقة عندنا على التفصيل، ومرادهم أنه (٣) يكون أمرًا بالضد الذي يصلح أن يكون مأمورًا به، ويكون نهيًا عن الأضداد التي تصلح أن يكون (٤) منهيا عنها، لا ما لا يصلح، لأن الضرورة تندفع بصرف الأمر إلى ترك هو (٥) مباح أو طاعة، فلا يصرف إلى المعصية - فلا يكون النهي عن الزنا (٦) أمرًا بما هو معصية من اللواطة وغيرها. وكذا في جانب الأمر (٧) بالصلاة في آخر الوقت يكون نهيًا عن فعل مباح أو حرام، فلا ضرورة في (٨) صرفه إلى فعل هو عبادة أو فرض - نظيره أن الله تعالى أمر بالصلاة بقوله (٩): "أقيموا الصلاة" (١٠) وهذا لا يكون أمرًا بالصلاة في الأرض المغصوبة، وكذا الأمر بالوضوء لا يكون أمرًا لي الوضوء بماء مغصوب (١١) - لما قلنا.
فإن (١٢) قالوا: إذا كان النهي عن الشيء أمرًا بما هو مباح، يصير المباح مأمورًا به، فيخرج عن حد المباح، فيخرج المباح عن (١٣) أقسام
_________________
(١) في ب كذا: "مستاهله".
(٢) "و" ليست في ب.
(٣) في أ: "ان".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الأضداد الصالحة التي يكون".
(٥) في ب كذا: "ترك ما هو". وربما "ما" مشطوبة.
(٦) في ب كذا: "الربا".
(٧) في ب: "ان الأمر".
(٨) في ب: "إلى".
(٩) في أ: " لقوله تعالى". وفي ب: "هو عبادة ومن نظيره قال الله تعالى".
(١٠) البقرة: ٤٣ و٨٣ و١١٠. والنساء: ٧٧. والأنعام: ٧٢. والنور: ٥٦.
(١١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): " أمرًا بالصلاة في دار مغصوبة وبالوضوء بماء مغصوب".
(١٢) "فإن" ليست في أ.
(١٣) في ب: "من".
[ ١٥٩ ]
المشروع، ويؤدي إلى قول الكعبي (١): إن المباح مأمور به - قلنا إن (٢) المباح يصير مأمورًا به لغيره، لا لعينه، فيكون عينه مباحًا، ويكون مأمورًا به من حيث إنه (٣) ترك الحرام (٤). وكذا في الجانب الآخر (٥): فالفعل مباح في نفسه، حرام لغيره، من حيث إنه ترك للواجب (٦)، ويجوز أن يكون الفعل الواحد مأمورًا به لعينه ولغيره، كالإيمان: مأمور به لعينه، ولكونه تركًا للكفر. وكذا الكفر: حرام لعينه، وحرام من حيث إنه ترك للإيمان (٧) الواجب. وكذا الطلاق في حالة الحيض: مباح لعينه، منهي لغيره. وإنما يشكل ما قالوا أن يكون الفعل مباحًا لعينه ومأمورًا به (٨) لغيره (٩)، ولا كلام فيه.
وما زاد على هذا فهو مذكور في الشرح على الاستقصاء فإنه فصل مشكل - والله أعلم.
_________________
(١) هو عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي من بي كعب البلخي الحراساني أبو القاسم. أحد أئمة المعتزلة. كان رأس طائفة منهم تسمى الكعبية. له آراه ومقالات في الكلام انفرد بها. وهو من أهل بلخ. أقام ببغداد مدة طويلة. وتوفي ببلخ. له كتب منها التفسير وتأييد مقالة أبي الهذيل وأدب الجدل وتحفة الوزراء ومحاسن آل طاهر ومفاخر خراسان والطعن على المحدثين. أثنى عليه أبو حيان التوحيدي. وقال الخطيب البغدادي: صنف في الكلام كتبًا كثيرة. وانتشرت كتبه ببغداد. وقال السمعاني: من مقالته أن الله تعالى ليس له إرادة وأن جميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة ولا مشيئة منه لها. توفي سنة ٣٢٩ هـ (أو ٣١٩ هـ أو ٣٠٩ هـ) (القرشي، الجواهر، في الأنساب، ٢: ٣٤٢ والزركلي، الأعلام. وانظر ما خالف فيه البصريين من المعتزلة: الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ٧٧ - ٧٨).
(٢) "إن" ليست في ب.
(٣) "إنه" ليست في ب.
(٤) في أ: "للحرام".
(٥) في هاش أ: "جانب الآخر". وفي ب: "جانب الأمر".
(٦) في ب: "الواجب".
(٧) في أ: "ترك الإيمان". وفي ب: "كونه تركًا للإيمان".
(٨) "به" من أ.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "لعينه".
[ ١٦٠ ]
مسألة:
أمر الله تعالى أزلي (١) عند عامة أهل السنة والجماعة (٢).
وقال بعض أصحاب الحديث: إن كلام الله تعالى أزلي، ولكنه (٣) يصير أمرًا عند بلوغه إلى المأمور (٤)، وتوجهه عليه. كما يصير خطابًا عند توجه الوجوب فيكون حادثًا، ولكن هذا لا يوجب التغير، لأنه من الأوصاف (٥) الإضافية، كما قلنا في التكوين والمكون.
ولكن الصحيح قول العامة، لأن الأمر وصف ذاتي للكلام، لكونه قولا مخصوصًا، والوصف الذاتي لا يجوز عليه التغير.
وتكلم (٦) المشايخ في أنه خطاب في الأزل أم لا:
بعضهم قالوا: لا، لأن الخطاب اسم للمشافهة، فلابد من حضرة المأمور، فيكون حادثًا.
وقال عامتهم: إن الخطاب والأمر سواء، فيكون أزليًا، لكن خطاب - الرسول واللفظ الدال على خطابه الأزلي حادثان (٧) على ما نذكر - والله الموفق.
_________________
(١) الأزل بالتحريك لقدم وما لا أول له. والأزلي القديم العريق وما لا أول له (المعجم الوسيط. القاموس).
(٢) "والجماعة" من ب.
(٣) في ب: "ولكن".
(٤) في أ: "المأمور به".
(٥) في ب: "لأن هذا من باب الأوصاف"
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل "فتكلم".
(٧) في ب: "حادث".
[ ١٦١ ]
[٢]