فهو (٢) إخبار الرسول - ﷺ - عن الله تعالى أنه كذا وكذا، بوحي غير متلو.
وهو أنواع: كل أخبره جبريل (٣) ﵇ بشيء، لا على نظم (٤) القرآن. أو أخبره ملك آخر. أو رآه في المنام. أو بطريق الإلهام. وكذا إخباره عن الله تعالى أنه (٥) يأمر وينهي بهذا الطريق.
وكل ذلك حجة، لأنه ثبت أنه رسول الله - ﷺ -، فيكون خبره صدقًا، لكونه كل معصومًا عن الكذب والغلط والخطأ في تبليغ الشرائع، فيكون ذلك (٦) مثل الكتاب، ولكن إنما يبلغ إلينا سنته بخبر الرواة.
_________________
(١) راجع فيما تقدم في تقسيم البحث ص ٧٦. وفي الكلام على "الكتاب" ص ٧٧ - ٤١٨.
(٢) في ب: "وهو". وانظر الهامش التالي.
(٣) كذا في (أ) و(ب). مع ملاحظة ما في الهامش السابق. وفي الأصل: "أما من حيث القول فأنواع: وهو الإخبار عن الله تعالى أنه كذا وكذا، بوحي غير متلو: أعني أخبره جبريل ".
(٤) في ب كذا: "لا علم نظم".
(٥) "إخباره عن الله تعالى أنه" من ب.
(٦) "فيكون ذلك" من (أ) و(ب).
[ ٤١٩ ]
فيحتاج إلى:
تفسير الخبر لغة،
وبيان حده عند أهل الأصول،
وإلى صفة الخبر،
وإلى أقسام الخبر.
أما تفسير الخبر لغة:
فهو (١) اسم لكلام مخصوص، بصيغة مخصوصة، يتعلق (٢) به العلم بالمخبر به - بخلاف الإشارة والدلالة، لأنه ليس بكلام، وإن كان يحصل به العلم. و(٣) بخلاف الأمر والنهي والاستخبار (٤)، لأنه لم يوجد صيغة الخبر.
وأما حد الخبر عند أهل الأصول:
قال بعضهم: ما يحتمل الصدق والكذب.
وقيل: ما يدخله الصدق والكذب.
وهذان الحدان فاسدان لعدم الاطراد: فإن خبر الله تعالى وخبر رسوله - ﷺ - وخبر الأمة بأسرهم لا يحتمل الكذب ولا يدخله الكذب، وإنه (٥) خبر حقيقة. وينتقص الحد أيضًا بالكذب: فإنه خبر، ولا يحتمل الكذب (٦) ولا يدخله (٧). وكذا ينتقض بالصدق أيضًا (٨).
_________________
(١) في ب: "وهو".
(٢) في أ: "تعلق".
(٣) "و" ليست في ب.
(٤) تقدم الكلام في الإشارة والدلالة (ص ٣٩٧ وما بعدها) والأمر (ص ٨٠ وما بعدها) والنهي (ص ٢٢٣ وما بعدها) والخبر (ص ٢٤٩ وما بعدها) والاستخبار (ص ٧٩).
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فإنه".
(٦) في أ: "الصدق".
(٧) "ولا يدخله" ليست في ب.
(٨) "وكذا ينتقض بالصدق أيضًا" من ب.
[ ٤٢٠ ]
وقال بعضهم: هو كلام تعرى عن كل معنى التكليف.
وهذا حد صحيح، لما ذكرنا أن الكلام كله تعريف وتكليف والتكليف (١) هو الأمر والنهي. والتعريف هو الخبر والاستخبار والنداء والتمني، وفي ذلك كله معنى الخبر.
وقال بعضهم: حد الخبر كلام يفيد (٢) بنفسه إضافة مذكور إلى مذكور، فإن قولك (٣): "جاءني زيد" كلام (٤) هو إضافة المجيء إلى زيد، وهما مذكوران. ويقال: "هذا فعل حسن وهذا فعل قبيح" وهو (٥) إضافة مذكور إلى مذكور. ويقال: "يوم القيامة" وهو (٦) إضافة اليوم إلى القيامة. وإنما قلنا "مذكور" ولم نقل "إضافة شيء إلى شيء"، لأن المعدوم ليس بشيء فيصح (٧) الخبر عنه، كما ذكرنا في (٨) "يوم القيامة"- قال الله تعالى: "وكل أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب" (٩) ولا يلزم الأمر والنهي، فإنه كلام يفيد إضافة مذكور إلى مذكور، وهو كون المأمور به حسنًا وواجبًا ومندوبًا إليه، وليسا من باب الخبر، لأنا قلنا: كلام يفيد (١٠) بنفسه إضافة مذكور إلى مذكور، وثمة قوله "افعل": كلام (١١) لا يفيد بنفسه كون المأمور به حسنًا وواجبًا، وإنما يعرف ذلك بمقتضى حكمة الآمر - على ما ذكرنا.
_________________
(١) في (أ) و(ب): "فالتكليف".
(٢) في ب كذا: "قيد".
(٣) في النسخ كلها: "فإن قولك".
(٤) "كلام" لبست في ب.
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فهو".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل: "فهو". وليست في ب.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ويصح".
(٨) "في" من ب.
(٩) سورة النحل: ٧٧.
(١٠) في ب كذا: "لقيد".
(١١) "كلام" ليست في أ.
[ ٤٢١ ]
وأما بيان صفة الخبر - فنقول:
الخبر في حق الوصف ينقسم إلى قسمين: صدق، وكذب.
فالصدق (١) هو التكلم عن المخبر (٢) على ما هو به.
والكذب (٣) هو التكلم عن المخبر (٤) لا على ما هو به.
وقال الجاحظ (٥) من المعتزلة: إن الخبر قد يكون لا صدقًا ولا كذبًا. وهو فاسد - عرف في مساؤل الكلام وفي الشرح.
وأما أقسام الخبر:
فهو (٦) أقسام ثلاثة: الخبر المتواتر، والخبر المشهور، وخبر الواحد. فنذكر:
تفسيرها لغة، وفي عرف الفقهاء،
وشرائطها، وأحكامها.
أما الخبر المتواتر - فنقول:
في اللغة: المتواتر (٧) مشتق من التواتر والاتصال - يقال: "تواترت كتب فلان إلي" (٨) أي اتصلت وتتابعت.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فالخبر الصدق".
(٢) في ب: "بالمخبر".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "والخبر الكذب".
(٤) في ب: "بالمخبر".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "جاحظ". والجاحظ هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. كان بحرًا من بحور العلم، رأسًا في الكلام والاعتزال. عاش تسعين سنة أو يزيد. أخذ عن القاضي أبي يوسف وعن ثمامة بن أشرس وعن أبي إسحاق النظام. وصنف التصانيف الجياد. مات سنة ٢٥٠ هـ أو ٢٥٥ (ابن خلكان). ويسمى مذهبه "الجاحظية" (انظر الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ٧٥ - ٧٦. والبغدادي، الفرق بين الفرق، ص ١٧٥ وما بعدها).
(٦) في ب: "وهو".
(٧) في ب: "المتواتر في اللغة".
(٨) "إلي" من أ.
[ ٤٢٢ ]
وأما حده عند الفقهاء: فهو مأخوذ من معناه لغة، وهو الخبر المتصل بنا عن رسول الله - ﷺ - قطعًا ويقينًا، بحيث لم يتوهم فيه (١) شبهة الانقطاع.
وأما شرط المتواتر فشيئان:
أحدهما - أن يروي قوم عن قوم لا يتصور (٢) تواطؤهم على الكذب عادة، لكثرتهم ابتداء وانتهاء وفيما بينهما، بأن يكون أوله كآخره وآخره كأوله وأوسطه كطرفيه.
والثاني - أن يكون المخبر به أمرًا محسوسًا: إما حس البصر أو حس السمع. أما إذا كان أمرًا معقولا أو مظنونًا، فإن التواتر فيه (٣) لا يوجب العلم يقينًا، فإن الكفرة قالوا لي طريق التواتر: إن الله تعالى ثالث ثلاثة، وإن له شريكًا، وإنه كذب محض.
وأما حكم الخبر (٤) المتواتر:
مسألة - قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إنه يوجب العلم قطعًا بنفسه، من غير قرينة.
وقال النظام (٥) من المعتزلة: إنه لا يوجب العلم بنفسه ولكن بقرينة. وكذا قال في خبر الواحد: إنه قد يوجب العلم قطعًا بقرينة، كواحد أخبر أن فلانًا مات وازدحم الناس على بابه ويسمع صوت البكاء ويحضر الجنازة: فإن خبره يوجب العلم قطعًا بهذه القرائن، وإن كان خبر واحد.
_________________
(١) "فيه" من (أ) و(ب).
(٢) في أ: "لا يتوهم".
(٣) "فيه" ليست في ب ..
(٤) "الخبر" ليست في أ.
(٥) راجع ترجمته في الهامش ٨ ص ٢٨٦.
[ ٤٢٣ ]
ثم اختلف القائلون أبـ ن المتواتر (١) يوجب العلم قطعًا، فيما بينهم: قال عامتهم: بأنه يوجب علمًا ضروريًا.
وقال الكعبي بأنه (٢) يوجب علمًا استدلاليًا. وهو قول بعض المتأخرين من المعتزلة.
وجه قول النظام:
إن خبر اليهود نقل بطريق التواتر، على (٣) أن عيسى قتل صلبًا، وخبر المجوس نقل بطريق التواتر (٤) أن زرادشت (٥) أدخل قوائم فرسه في بطنه وبقي معلقًا في الهواء. وإنه لا يوجب العلم وثبت كذبه بدليل قطعي.
- و(٦) أما المعقول: وهو (٧) أن الخبر المتواتر ليس إلا أخبار آحاد اجتمعت، وخبر كل واحد بانفراده محتمل في نفسه، ولا يوجب العلم، فعند الاجتماع لا يزول الاحتمال على ما نذكر تقريره (٨) في فصل الإجماع.
وجه قول العامة:
هو (٩) أن العلم بوجود البلدان النائية والملوك الماضية ثابت بطريق التواتر من غي عيان ومشاهدة، كالعلم بوجود مكة وبغداد،
_________________
(١) في أ: "التواتر".
(٢) في أ: "إنه". وقد تقدمت ترجمة الكعبي في الهامش ١ ص ١٦٠. وراجع في العلم الضروري والاستدلالي فيما تقدم ص ٨ - ١٠.
(٣) "على" ليست في ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بالتواتر".
(٥) في الشهرستاني، الملل والنحل (١: ٢٣٦ وما بعدها) زردشت والزردشتية. وهم طائفة من المجوس. راجع مذهبه في الموضع المتقدم ببيانه.
(٦) "و" ليست في ب.
(٧) "وهو" من ب.
(٨) في ب: "تقديره".
(٩) في النسخ جميعًا: "وهو".
[ ٤٢٤ ]
والعلم بوجود هارون الرشيد ومحمود بن سبكتكين (١) ونحو ذلك، على وجه لو أراد أحد أن يشكك (٢) نفسه في ذلك لا يتشكك (٣). وكذا العلم للأولاد بالآباء والأمهات (٤) ثابت قطعًا، بالخبر المتواتر، لا طريق لهم سواه.
- ونوع من العقول يدل عليه، وهو أن الخبر المتواتر (٥) إما أن يكون صدقًا أو كذبًا:
• فإن كان صدقًا، فهو (٦) ما قلنا.
• وإن كان كذبًا، فهو (٧) محال:
فيجب القول بالصدق ضرورة، إذ لا واسطة بين الصدق والكذب، فإذا انتفى الكذب، يجب الصدق ضرورة.
وبيان ذلك أنه لا يخلو: إما أن يقع الكذب في الخبر المتواتر اتفاقًا، أو للتدين (٨)، أو لداع دعاهم إليه، أو لوجود المواضعة منهم (٩) على ذلك.
• والأول فاسد: فإن وجود الكذب اتفاقًا من جماعة خرجوا عن حد الإحصاء لا يتصور عادة، كما لا يتصور أن يجتمعوا على مأكل واحد ومشرب واحد في زمان واحد اتفاقًا.
• والثاني فاسد أيضًا: لأن اجتماع مثل هذه الجماعة على الكذب تدينًا مع كون العقل صارفًا (١٠) عنه، وداعيًا إلى الصدق، وانعدام دعوة الطبع
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الهامش ١ ص ٢٨١.
(٢) في ب كذا: "لو أراد أحداث يشكك .. ".
(٣) العبارة في أكذا: "لو أراد أن يشكل فيه نفسه لا يتشكل".
(٤) في أ: "للأولاد بالأمهات" ولم يذكر "بالآباء".
(٥) في ب: "خبر المتواتر".
(٦) في ب: "وهو".
(٧) في ب: "وهو".
(٨) في ب: "للتدبر".
(٩) في ب: "معهم".
(١٠) في ب كذا: "صادقًا".
[ ٤٢٥ ]
والهوى إليه، لعدم اللذة والراحة في نفس الكذب - أمر (١) غير متصور عادة.
• والثالث فاسد: فإن الداعي إلى الكذب والحامل عليه إما الرغبة أو الرهبة، فإنه يحتمل أن المرء لرغبته إلى الجاه أو (٢) المال وأنواع النفع يقدم على الكذب، أو لخوف (٣) الأضرار على نفسه وماله وأهله بالامتناع عنه ممن يأمره بذلك. وهذا الداعي مما (٤) لا يتصور شموله (٥) في الجماعة التي لا يحصى عددهم، لاستغناء البعض عن حشمة (٦) الآمر (٧) بالكذب، وجاهه وماله لكمال جاهه وكثرة أمواله. وكذا احتمال خوف الضرر معدوم، في حق البعض، لكمال قوته بنفسه وأتباعه، نحو السلاطين والأمراء والرؤساء ونحوهم (٨).
• والرابع فاسد: وهو المواضعة على اختراع الكذب، لغرض لهم في الجملة، فإن ذلك لا يتصور عادة من جماعة لا يحصى عددهم، وتفرقت أمكنتهم، واختلفت هممهم.
وإذا انتفى الكذب بهذه الطرق (٩)، ثبت الصدق ضرورة.
- وأما أخبار اليهود على (١٠) قتل عيسى وصلبه: إن كان في حد (١١) التواتر ظاهرًا، لوقوع حسهم عليه ظاهرًا، لكن قد ثبت بدليل قطعي عندنا (١٢) أن
_________________
(١) كذا في أ: "أمر". وفى الأصل و(ب): "فأمر".
(٢) الهمزة من ب.
(٣) في ب: "لحوق".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ما".
(٥) في ب: "وشموله".
(٦) في ب: "حسم" (بدون نقط السين). وحشم فلان حشومًا انقبض واستحيا، وحشم فلانًا حشمًا آذاه وأسمعه ما يكره. وأخجله وأغضبه. وحشم حشمًا خجل وغضب. والحشمة الحياء والمسلك الوسط المحمود (المعجم الوسيط).
(٧) في ب: "الأمر".
(٨) في ب: "وغيرهم".
(٩) في أ: "بهذا الطريق".
(١٠) في ب: "عن".
(١١) في ب: "في هذا".
(١٢) "عندنا" ليست في ب.
[ ٤٢٦ ]
عيسى ما قتل وما (١) صلب، ولكن قتل مثله وشبيهه صورة (٢) - قال الله تعالى: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" (٣)، وإلقاء شبه الإنسان على مثله (٤) جائز، على نقض (٥) العادة، كرامة للنبي عيله السلام وصيانة له عن استذلال (٦) الكفرة، في وقت لا يتوهمِ أن يؤمن أحد به في تلك الحالة، فكان إخبارهم بطريق التواتر موجبًا علمًا قطعيًا (٧) على قتل مثل عيسى وشبيهه (٨)، وإن كان في ظنهم أنه عيسى، باعتبار ظاهر العادة، ولا كلام في حال نقض (٩) العادة، إنما الكلام على استقرار العادة - والله أعلم.
- وأما خبر المجوس، في دعواهم ظهور المعجزات ونقض والعادة على يدي زرادشت اللعين، فليس في حد التواتر (١٠)، فإنه روي أنه فعل ذلك بين يدي الملك وخاصته، ونشروا ذلك بين يدي العامة تزويرًا (١١)، لغرض لهم في ذلك، وهو أمر معتاد فيما بين الملوك والرعية، لاستقامة أمر الملك.
ثم وجه قول من قال إنه يفيد علمًا استدلاليًا - أن ما ذكرنا من الحجة في كون الخبر المتواتر موجبًا علمًا قطعيًا نوع استدلال، فإن (١٢)
_________________
(١) "ما" ليست في ب.
(٢) في هامش أ: "جواب عن قول النظام".
(٣) سورة النساء: ١٥٧: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "جنسه".
(٥) "نقض" ليست في ب. ونقض الشيء نقضًا أفسده بعد إحكامه. يقال: نقض البناء هدمه (المعجم الوسيط).
(٦) في ب كذا: "استدلال" بالدال لا بالذال.
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "قطعًا".
(٨) في أ: "وشبهه".
(٩) في ب كذا: "نقص" بدون نقط الصاد.
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "المتواتر". وفي هامش أ: "جواب أيضًا".
(١١) في ب كذا: "ـروه ا"؟
(١٢) في ب: "وإن".
[ ٤٢٧ ]
الاستدلال ليس إلا ترتيب المقدمات الصادقة بعضها على بعض، وهذا الحد موجود في هذا النوع من الاستدلال.
وجه قول العامة (١) ما ذكرنا من حصول العلم بالملوك الماضية والبلدان النائية من غير استدلال وصنع من جهة العالم به، وهو حد العلم الضروري.
وإنما اشتغل (٢) بعض أصحابنا، بما ذكرنا، من نوع الاستدلال (٣)، للإلزام على من ينكر الضرورة تعنتًا ومكابرة، وهو يعتقد العلي الاستدلالي، فتقوم عليه الحجة - والله أعلم.
وأما الخبر المشهور
[فـ] سمي به، لغة لاشتهاره واستفاضته، فيما بين النقلة وأهل العلم.
وأما في عرف الفقهاء والمتكلمين - فهو اسم لخبر كان من الآحاد في الابتداء، ثم اشتهر فيما بين العلماء في العصر الثاني، حتى رواه جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب.
وقيل في حده: ما تلقته العلماء بالقبول.
وأما شرائطه - فما ذكرنا في المتواتر (٤)، إلا أن كثرة الرواة في الابتداء ليس بشرط.
وأما حكم المشهور:
مسألة - اختلف مشايخنا فيه، ولا رواية عن أصحابنا.
_________________
(١) في هامش أ "بأن المتواتر يوجب علمًا ضروريًا". وراجع في العلم الضروري والاستدلالي فيما تقدم ص ٨ - ١٠.
(٢) كذا في أ. وفي الأصل: "استعمل". وفي ب: "استغل". وفي البخاري على البزدوي (٢: ٣٦٧): "اشتغل" وقد نقل العبارة كلها عن "الميزان"
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "من الاستدلال".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "التواتر".
[ ٤٢٨ ]
قال بعضهم: إنه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين. وهو اختيار الشيخ القاضي الإمام (١) أبي زيد ﵀.
وقال عامة مشايخنا ﵏: إنه يوجب علمًا قطعيًا.
ووجه قول الفريق الأول: أن نسخ الكتاب لا يجوز بالخبر المشهور، ولو كان موجبًا علمًا قطعيًا لجاز، كما في الخبر (٢) المتواتر. وكذا لا يكفر جاحده، ولو كان موجبًا علمًا قطعيًا لكان يكفر جاحده (٣) كما في المتواتر. ولا يلزم أن (٤) الزيادة على النص نسخ عندكم. وهي جائزة بالمشهور، لأنا لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ من كل وجه بل هي نسخ (٥) من وجه دون وجه على كل ما نذكر في فصل النسخ. والخبر (٦) المشهور بين المتواتر وخبر الواحد، وهو فوق خبر الواحد ودون المتواتر، فجاز به النسخ من وجه، دون الفسخ من كل وجه، عملا بقدر الدليل.
ووجه قول العامة ما ذكرنا: أن الخبر المشهور ما تلقته العلماء بالقبول، فوجد (٧) إجماع أهل (٨) العصر على قبوله، فيكون حكمه حكم الإجماع، وذا موجب للعلم (٩) قطعًا - فكذا (١٠) هذا.
- قولهم بأنه (١١) لا يجوز به نسخ الكتاب فممنوع.
_________________
(١) "الإمام" ليست في ب. راجع ترجمته فيما تقدم في الهامش ٧ ص ٧٥.
(٢) "الخبر" ليست في أ.
(٣) "ولو كان جاحده" من (أ) و(ب).
(٤) "أن" من (أ) و(ب).
(٥) "عندكم. وهي جائزة بل هي نسخ" ليست في ب ففيها: " الزيادة على النص نسخ من وجه دون وجه ".
(٦) في ب: "فالخبر".
(٧) في أ: "ووجد".
(٨) "أهل" ليست في أ.
(٩) كذا في (أ) و(ب) وفي الأصل: "العلم".
(١٠) في ب: "وكذا".
(١١) في أ: "إنه".
[ ٤٢٩ ]
- قولهم بأنه لا يكفر جاحده، فنقول:
بعض مشايخنا قالوا بأنه يكفر جاحده.
وروي عن عيسى بن أبان (١) ﵀ بأنه يضلل جاحده، ولا يكفر (٢).
وهو الصحيح بخلاف المتواتر.
ووجه الفرق بينهما أن في إنكار المتواتر تكذيب الرسول - ﷺ -، لأن المتواتر بخروج روايته عن حد (٣) العد والإحصار (٤) ابتداء وانتهاء، بمنزلة المسموع من رسول الله - ﷺ -، وتكذيب الرسول - ﷺ - كفر. فأما (٥) إنكار المشهور، [فـ] ليس بتكذيب (٦) الرسول (٧) - ﷺ -، لأنه لم يسمع من الرسول عدد لا يتصور تواطؤهم على (٨) الكذب، وإنما هو خبر واحد قبله العلماء في الحصر الثاني، فيكون إنكاره تخطئة لهم عن (٩) القبول، واتهامًا لهم عن أن يتأملوا في كونه عن الرسول - ﷺ - غاية التأمل، وتخطئة جماعة (١٠) العلماء ليس (١١) بكفر، ولكنه (١٢) بدعة وضلالة (١٣). فهذا (١٤) هو الفرق بينهما - والله أعلم.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الهامش ٥ ص ١١٣.
(٢) زاد هنا في أ: "جاحده".
(٣) "حد" من (أ) و(ب).
(٤) كذا في أ. وفي الأصل: "والإحصاء" وفي ب كذا: "الإحصا". وفي المعجم الوسيط: حصر الشيء أحصاه. وفي البخاري على البزدوي (٢: ٣٦٩): " .. باعتبار أن رواته في الأصل لم يبلغوا حد التواتر".
(٥) في ب: "وأما".
(٦) في ب: "تكذيب".
(٧) في أ: "للرسول".
(٨) في ب: "عليه على".
(٩) في أ: "في".
(١٠) "جماعة" ليست في ب.
(١١) في أ: "ليست".
(١٢) في أ: "ولكنها".
(١٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ضلال".
(١٤) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "و".
[ ٤٣٠ ]
فصل - وأما خبر الواحد
فهو في اللغة مأخوذ من اسمه. وهو خبر رواه واحد عن واحد.
وفي عرف الفقهاء صار عبارة عن خبر لم يدخل في حد الاشتهار، ولم يقع الإجماع على قبوله، وإن كان الراوي اثنين أو ثلاثة أو عشرة.
وأما شرائطه فكثيرة: بعضها (١) في الراوي (٢)، وبعضها في نفس الخبر، وبعضها في شيء آخر. ثم بعض الشرائط متفق عليه، وبعضها مختلف فيه.
أما (٣) التي في الراوي: [فـ] الإسلام، والعقل، والعدالة، والضبط شرط بالاتفاق.
أما العقل - فلأنه لا صحة للكلام بدون العقل، لأن غالب كلام غير العاقل الهذيان.
وأما الإسلام - فلأن الكلام في الخبر عن أمور الدين، وقصد الكفرة وسعيهم في نقض دين الحق وتوهينه، فاتهموا فيما يرجع إليه، لاحتمال مكر وخداع في الباطن. فأما نفس الكفر فمما (٤) لا يدعو إلى الكذب ولا يمنع وجود الصدق.
وأما الضبط - فنعني به (٥) أن يسمع الحديث على وجهه ثم يحفظه حق
_________________
(١) في أ: "فبعضها".
(٢) "اثنين أو ثلاثة بعضها في الراوي" ليست في ب.
(٣) في ب: "وأما".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "مما".
(٥) "به" ليست في ب.
[ ٤٣١ ]
حفظه ثم يرويه كما سمع، ولا يكون السهو والنسيان والغفلة غالبًا عليه، حتى يترجح (١) جانب الثبوت على العدم.
وأما البلوغ - هل هو شرط؟ لا خلاف أنه (٢) ليس بشرط التحمل، فإنه إذا كان الصبي عاقلا ضابطًا يصح منه التحمل -كما في تحمل الشهادة.
وهل يقبل رواية الصبي؟
قال بعضهم: تقبل، لأن خبره مقبول في المعاملات وفي الديانات [و] يحكم (٣) الرأي فيه، كما في طهارة الماء ونجاسته - فكذا هذا.
وقال بعضهم: يشترط البلوغ، لأن غالب حاله اللهو واللعب والمسامحة والمساهلة، وربما (٤) لا يحتاط في ذلك الباب.
وأما العدالة - فشرط، لأن من ارتكب محظورًا ولا (٥) يبالي، فيحتمل أن يكذب لغرض له في ذلك، أو يحمله عليه مبتدع بالمال والجاه، فيروي ما هو مناقضة (٦) في الدين، فكان (٧) الاحتياط هو المنع.
فأما (٨) رواية أهل الأهواء والبدع (٩):
_________________
(١) في ب: "يرجح".
(٢) في أ: "لا خلاف فيه أنه".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل: "بحكم". وفي ب كذا: "يحكم" بدون نقط. وفي البخاري على البزدوي (٢: ٣٩٥): "لأن خبره في المعاملات والديانات مقبول مع تحكيم الرأي - فكذا هذا".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فربما".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل "فلا".
(٦) المناقضة لغة إبطال أحد القولين بالآخر. واصطلاحًا هي منع مقدمة معينة من مقدمات الدليل. وشرط في المناقضة أن لا تكون المقدمة من الأوليات ولا من المسلمات ولم يجز منعها. وأما إذا كانت من التجريبيات والحدسيات والمتواترات، فيجوز منعها، لأنه ليس بحجة على الغير (الجرجاني، التعريفات).
(٧) في ب: "وكان".
(٨) في (أ) و(ب): "وأما".
(٩) في هامش أ: "الخارجية والرافضية والجبرية والقدرية والمشبهة والمعطلة".
[ ٤٣٢ ]
[فـ] بعضهم قالوا: لا تقبل، لأن الفسق من حيت الاعتقاد شر من فسق التعاطي، ثم الفسق من حيث التعاطي مانع - فكذا هذا.
وقال بعضهم: تقبل، لأن في زعمهم أنهم (١) على الحق، ومن باشر شيئًا هو (٢) حق عنده، وإن كان فسقًا وباطلا عند غيره، لا يدل على أنه يباشر الكذب.
وقال بعضهم: هذا إن كان هوى لا يكفر به، أما إذا كان هوى يكفر به [فـ] يمنع، لأن الكفر مانع بالإجماع.
وأما كل ما يرجع إلى الخبر: [فمنها] (٣) أن يكون موافقًا للدليل العقلي، حتى إذا كان مخالفًا لا يقبل، كالأخبار التي وردت في التشبيه، ونحو ذلك، لأن العقل حجة من حجج الله تعالى، وإنه حكيم عالم، فلا يجوز أن تتناقض حججه. والدليل السمعي يحتمل المجاز والإضمار والكناية ونحوها، فيجب تخزيج الأخبار على موافقة العقل على ما مر.
ومنها - أن يكون موافقًا لكتاب الله تعالى وللسنة (٤) المتواترة وللإجماع (٥). فأما إذا خالف واحدًا من هذه الأصول القاطعة، فإنه يجب رده أو تأويله على وجه يجمع بينهما، لما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله تعالى فاقبلوه، وما خالف كتاب الله تعالى فردوه" (٦).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب): "أنهم". وفي الأصل: "أنه".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فهو".
(٣) في النسخ جميعًا: "وهو". انظر بقية الشروط فيما يلي.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "والسنة".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "والإجماع".
(٦) انظر السرخي، الأصول، ١: ٣٦٥ ففيه: "وقال ﵇: تكثر الأحاديث لكم بعدي. فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه واعلموا أنه مني، وما خالفه فردوه واعلموا أني منه بريء".
[ ٤٣٣ ]
ولأن خبر (١) الواحد يحتمل الصدق والكذب، والسهو والغلط، والكتاب دليل قاطع، فلا يقبل المحتمل بمعارضة القاطع، بل يخرج على موافقته بنوع تأويل.
ومنها - أن يرد الخبر في باب العمل. فأما (٢) إذا ورد في باب (٣) الاعتقادات (٤)، وهي من (٥) مسائل الكلام، فإنه لا يكون حجة، لأنه يوجب الظن وعلم غالب الرأي، لا علمًا قطعيًا، فلا يكون حجة فيما يبتني (٦) على العلم القطعي، والاعتقاد حقيقة.
ومنها - إذا ورد (٧) في حادثة تعم بها (٨) البلوى، فإنه لا يقبل، لأن الحادثة إذا كانت مما (٩) يشتهر لشدة الحاجة، لو كان الحديث صحيحًا لاشتهر لاشتهار (١٠) الحادثة، فلما روي بطريق الآحاد علم أنه غير ثابت ظاهرًا، وذلك نحو حديثِ الوضوء بمس الذكر (١١)، والاغتسمال بحمل الجنازة (١٢)، والوضوء بأكل ما مسته النار (١٣) ونحوها.
_________________
(١) في أ "الخبر".
(٢) في ب: "وأما".
(٣) "باب" من (أ) و(ب).
(٤) في أ: "الاعتقاد".
(٥) "من" من أ.
(٦) في ب: "يبنى".
(٧) ابتداء من هنا يوجد نقص في الأصل بمقدار ورقة (انظر فيما بعد الهامش ٥ ص ٤٣٨). وقد جعلنا الأصل هنا النسخة "أ".
(٨) "بها" من ب.
(٩) "مما" من ب.
(١٠) في ب: "اشتهار".
(١١) انظر ابن حجر، بلوغ المرام، رقم ٦٦ و٦٧ ص ١٢.
(١٢) انظر ابن ججر، المرجع السابق، رقم ٧٠ ص ١٢.
(١٣) انظر المرجع السابق رقم ٦٩ ص ١٢.
[ ٤٣٤ ]
والشافعي ﵀ خالف في هذا الشرط، وهو خلاف العقل والعادة.
مسألة - الإسناد هل هو شرط لقبول خبر الواحد أم لا؟
قال علماؤنا ﵏: إنه ليس بشرط، والإرسال ليس بمانع.
وقال الشافعي ﵀ بأنه شرط، والإرسال مانع (١)، إلا ما ثبت إسناده من وجه آخر. ولهذا قال: أقبل مراسيل سعيد بن المسيب فإني تتبعتها فوجدتها مسانيد.
وقال عيسى بن أبان: الراوي (٢) إن كان صحابيًا أو تابعيًا أو من تبع التابعين أو كان حافظًا معروفًا في كل عصر، يقبل، وإلا فلا.
وجه قول من أنكر قبول المرسل (٣) هو (٤):
أنا أجمعنا (٥) أن من روى حديثًا عن رجل سماه ولم يقل "هو عدل عندي": لا يقبل، مع أن السامع عرف عينه، لما لم تعرف عدالته - فإذا أرسل الحديث والسامع لم يعرف عين الخبر عنه ولم يعرف عدالته أولى أن لا يقبل. وهذا لأن السامع إما أن يعرف عدالة المرسل عنه بوجود التعديل من المرسل (٦) صريحًا، أو دلالة:
- ولم يوجد التصريح فإنه لو قال: هو عدل عندي، يقبل.
- ولا يجوز القول بأنه يوجد دلالة: على معنى أن العدل لا يرسل إلا عن عدل، فإنه ليس كذلك في الأحوال كلها، فإن كثيرًا من الثقات قد
_________________
(١) "والإرسال مانع" من ب.
(٢) "الراوي" ليست في ب.
(٣) في ب: "المراسيل".
(٤) في النسختين (أ) و(ب): "وهو".
(٥) كذا في ب. وفي أ: "جمعنا".
(٦) "عنه بوجود التعديل من المرسل" ليست في ب.
[ ٤٣٥ ]
رووا، وأرسلوا، عمن ليس بثقة. وعلى أن العدل إن كان لا يروي إلا عن عدل، ولكن عمن هو عدل عنده، وقد يكون الإنسان عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند غيره، لأن أسباب العدالة ظاهرة، والجرح مما يخفى، فيقف عليه البعض دون البعض، والناس في الغالب (١) يبنون الأمور على الظاهر، فكان جائزًا أن الذي أرسل عنه ثقة عند المرسل ولا يكون ثقة عند غيره، فلابد من تسميته بالإسناد حتى يتعرف السامع عن حاله بنفسه.
وجه قول أصحابنا ﵏:
- ما روي عن البراء بن عازب (٢) ﵁ أنه قال: "ليس كل ما حدثناكم به عن النبي ﵇ سمعناه منه، غير أنا لا نكذب".
- وكذا الإرسال من الصحابة والتابعين معروف (٣) مشهور، ولم ينكر عليهم أحد (٤)، فيكون بمنزلة الإجماع.
- والمعنى في المسألة هو (٥) أن إرسال المرسل العدل يجري مجرى إسناده، إلى من أرسل عنه وتعديله إياه، كأنه قال: "حدثني فلان (٦) وهو عدل عندي" ولو قال هكذا يقبل حديثه، فكذا (٧) إذا صار المرسل في التقدير هكذا: وجب أن يقبل. وبيانه أن المرسل إذا كان عدلا لا يستجيز من
_________________
(١) "في الغالب" ليست في ب.
(٢) البراء بن عازب بن الحارث أنصاري أوسي. له ولأبيه صحبة. استصغره رسول الله - ﷺ - هو وابن عمر يوم بدر فردهما ولم يشهداها. وغزا مع رسول الله - ﷺ - أربع عشرة غزوة وفي رواية خمس عشرة. وقيل: إنه الذي افتتح الري سنة ٢٤. وشهد مع علي الجمل وصفين وقتال الخوارج ونزل الكوفة ومات في إمارة مصعب بن الزبير وأرخه ابن حبان سنة ٧٢ (ابن حجر، الإصابة، ١: ١٤٢. وانظر الزركلى، الأعلام، ٢: ٤٦).
(٣) "معروف" ليست في ب.
(٤) "أحد" ليست في ب.
(٥) في أ: "وهو".
(٦) في ب كذا: "فلا" مع نقص النون.
(٧) في ب: "وكذا".
[ ٤٣٦ ]
نفسه (١) أن يروي عن النهي ﵇ ويقول: "قال رسول الله - ﷺ - كذا" - وإنه يتضمن إلزام حكم شرعي على من بلغه إليه مرسلا، من إيجاب عبادة أو إسقاطها، أو إثبات حل أو حرمة - إلا وله (٢) علم بذلك حقيقة، بطريق السماع عن النبي ﵇، أو بالتواتر عنه، أو بطريق الاشتهار، أو له علم من حيث غالب الرأي والظن، بأن سمع ممن يثق بقوله وثبت عنده عدالته، فلا (٣) يظن بالعدل في الرواية مرسلا إلا ما ذكرنا، فكان هذا (٤) إخبارًا منه دلالة "أني سمعته ممن هو عدل عندي"، ولو صرح بهذا فإنه يقبل حديثه، فكذا إذا ثبت من حيث الدلالة. وهذا لأنه لا خلاف بيننا وبين الشافعي أن التعديل صحيح من المعدل، من غير بيان سبب العدالة، وإن اختلفنا في الجرح: فعند الشافعي لا يصير مجروحًا ما لم يذكر سبب الجرح. وعندنا يثبت الجرح وإن لم يذكر سبب الجرح بل يجب أن لا يذكر سبب الجرح (٥)، ولكن يقول: هو مستور، أو ما يعرف به أنه ليس بعدل - فصح ما ذكرناه.
- قولهم: إن العدل قد يرسل عن (٦) غير عدل - فإنا (٧) نقول: أيش (٨) تعني بهذا: أنه يرسل عن غير عدل حقيقة وهو عدل عنده، أو عن غير عدل عنده. فإن قلت: إنه يرسل عن (٩) غير عدل عنده،
_________________
(١) "من نفسه" من ب.
(٢) في ب كذا: "لا وإنه".
(٣) في ب: "ولا".
(٤) في ب: "هو".
(٥) "وعندنا يثبت الجرح سبب الجرح" ليست في ب.
(٦) كذا في ب. وفي أ: "من".
(٧) غير ظاهرة في ب لأن الورقة مقطوعة.
(٨) أيش منحوت من "أي شيء" وبمعناه، وقد تكلمت به العرب (المعجم الوسيط).
(٩) كذا في ب. وفي أ: "من".
[ ٤٣٧ ]
فليس كذلك، ومن فعل وهو (١) ليس بعدل فلا يقبل إرساله. وإن قلت: إنه قد يرسل عمن ليس بعدل حقيقة، وهو عدل عنده، فهذا قد يكون، ولكن هذا لا يقدح في عدالة المرسل، لأنه إذا كان عدلا عنده من حيث غالب الظن، فاحتمال خلاف (٢) الظاهر لا يعارض الظاهر، ألا ترى أن المزكي للشهود إذا كان عدلا، فلا يزكي إلا لمن يعتقد عدالته من حيث الغالب، وإن جاز أن لا يكون ذلك عدلا حقيقة - فكذلك (٣) هذا.
- قولهم: إن الإنسان قد يكون عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند غيره، لخفاء أسباب الجرح، فنقول: إن التعديل متى ثبت من العدل يسقط عن السامع النظر في عدالته، كما إذا روى عن إنسان وعدله، لا يجب على السامع أن ينظر في عدالة الذي أخبره عن عدالته إذا كان الراوي عدلا.
- قولكم: إنه إذا روى عن إنسان وسماه ولم يعدله، لا يجوز له أن يروي ما لم يتعرف عدالته بنفسه - فنقول:
• بعض مشايخنا قالوا بأنه يقبل خبره (٤)، إذا كان الراوي عدلا (٥)، لما ذكرنا.
• وبعضهم فرق بين الفصلين، وهو أن من أرسل فقد حكم على النبي ﷺ أنه قال ذلك وألزمنا ما تضمنه الحديث من الأحكام - فالظاهر أن العدل المتدين لا يقدم على هذا إلا وأن يكون الراوي ثقة عنده، فيكون تعديلا منه تقديرًا (٦). بخلاف ما إذا سماه فإنه لم يحكم على
_________________
(١) كذا في ب. وفي أ: "فهو".
(٢) "هذا لا يقدح فاحتمال خلاف" ليست في ب.
(٣) في ب: "وكذلك".
(٤) "ما لم يتعرف عدالته بنفسه يقبل خبره" ليست في ب.
(٥) هنا انتهى النقص في الأصل الذي أشرنا إليه فيما تقدم في الهامش ٧ ص ٤٣٤.
(٦) "منه تقديرًا" ليست في أ.
[ ٤٣٨ ]
النهي - ﷺ - بذلك، بل نسب ذلك إلى المخبر الذي سماه، فلا يستدل به على أنه عدل عنده بطريق الغالب، بل يجوز أنه مع كونه مستورًا عنده يروي عنه (١) لسماعه منه (٢)، بناء على ظاهر حاله، وفوض تعرف حاله حقيقة إلى السامع حيث ذكر اسمه - وهو (٣) الفرق بين الأمرين.
- فإن قالوا: ما ذكرتم من العلة باطل، بشهادة الفروع مع شهادة الأصول: فإن إرسالهم الشهادة من غير ذكر الأصول، لا يجري مجرى ذكر الأصول وتعديلهم إياهم (٤)، - حتى لا تقبل (٥) شهادة الفروع إذا (٦) لم يذكروا الأصول. وما ذكرتم موجود، فإن شهود الفرع متى (٧) شهدوا عن الأصول فإنهم يعدلونهم لأنهم عدول (٨)، والعدل لا يشهد عن خبر من لم يثبت عدالته عنده بغالب الظن. ومع ذلك لم يكن ذكرهم (٩) بمنزلة ذكرهم شهود الأصل (١٠) وتعديلهم، فكذلك (١١) هذا (١٢) - قلنا: لا فرق بين الأمرين و(١٣) فيما ذكرنا من المعنى: أن بناء الشهادة على شهادة الأصول تعديل (١٤) لهم دلالة لما ذكرنا، إلا أن ذكر الأصول صريحًا ثبت شرطًا في الشهادة على الشهادة بالإجماع غير معقول المعنى،
_________________
(١) "يروي عنه" ليست في ب.
(٢) في أ: "عنه".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فهو".
(٤) في أ: "إياه" ويبدو أنها مشطوبة.
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لا يقبل".
(٦) في ب: "ما".
(٧) "متى" ليست في ب.
(٨) "لأنهم عدول" ليست في ب.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "لم يكن ذلك".
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الأصول".
(١١) في ب: "فكذا".
(١٢) في أ: "ههنا".
(١٣) "و" من ب.
(١٤) في ب: "تعديلهم".
[ ٤٣٩ ]
كما شرط لفظ الشهادة والعدد والحرية في أصل الشهادات (١) غير معقول المعنى، مع التساوي في رجحان جانب (٢) الصدق على الكذب. ثم لم يشترط في باب الرواية الحرية والعدد لما قلنا، فكذا (٣) في اشتراط ذكر الأصول. وهذا لما (٤) عرف أن ما ثبت بالنص والإجماع غير معقول المعنى يقتصر على مورده (٥) و(٦) لا يتعدى إلى غيره - والله أعلم (٧).
مسألة - نقل الحديث بالمعنى، هل يجوز أم لا؟
أجمعوا أنه إذا كان لفظًا مشتركًا أو مجملا أو مشكلا: فإنه لا يجوز إقامة لفظ آخر مقامه.
أما إذا كان لفظًا ظاهرًا مفسرًا: فإقامة لفظ آخر مثله مقامه (٨)، بأن قال: "قعد رسول الله - ﷺ - على رأس الركعتين في صلاة الظهر" مكان كل ما روي أنه "جلس على رأس الركعتين"- هل يجوز؟
فعند أصحابنا ﵏: يجوز، وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵀. وقد روي عن الحسن البصري كذلك.
وقال بعض أصحاب الحديث: إنه لا يجوز. وقيل: هو اختيار ثعلب (٩) من أئمة اللغة.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الشهادة".
(٢) في ب كذا: "جاز".
(٣) في ب: "وكذا".
(٤) في ب: "كما".
(٥) "مورده" ليست في ب.
(٦) "و" ليست في أ.
(٧) "والله أعلم" ليست في أ.
(٨) "مقامه" ليست في أ. وقد وردت في هامش الأصل على سبيل التصحيح. و"مثله مقامه" ليست في ب.
(٩) ثعلب أثنان: أشهرهما الإمام أبو العباس أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني إمام الكوفيين في النحو واللغة. له مؤلفات كثيرة. وقد توفي سنة ٢٩١ هـ. والثاني محمد بن عبد الرحمن النحوي البصري (السيوطي، بغية الوعاة) والظاهر أن الأول هو المقصود هنا.
[ ٤٤٠ ]
وحجة هؤلاء:
حديث رسول الله - ﷺ - أنه قال: "نضر (١) الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها (٢) كما سمعها". ولأن النبي - ﷺ - مخصوص بكمال الفصاحة والبلاغة، كا روي أنه قال - ﷺ -: "أنا أفصح العرب ولا فخر" وروي عنه - ﷺ - أنه قال (٣): "أوتيت خمسًا لم يؤتهن أحد قبلي" وذكر منها: "وأوتيت جوامع الكلم". وإذا كان الأمر كذلك، فلا شك أن (٤) في النقل إلى لفظ آخر احتمال الاختلال في المعنى، فيجب الاقتصار (٥) على (٦) اللفظ المنصوص عليه، وبهذا (٧) الطريق لا يجوز نقل القرآن بالمعنى - كذا هذا (٨).
وجه قول العامة:
- ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره أن النهي - ﷺ - قال هكذا أو نحوًا منه أو قريبًا منه، وهذا نقل بالمعنى وكذا مشهور من الصحابة ﵃ أنهم (٩) قالوا: أمرنا رسول الله - ﷺ - بكذا ونهانا عن كذا، وهذا نقل من حيث المعنى، وإجماع الصحابة حجة.
- والمعنى في المسألة: وهو أن الامتناع - إما إن كان لأجل اللفظ أو لأجل المعنى:
_________________
(١) في هامش أ: "نضره ونضره وأنضره نعمه فنضر ينضر ونضر ينضر كذا في الفائق". وفي المعجم الوسيط: نضر الشيء وأنضره ونضره حسنه ونعمه.
(٢) في ب كذا: "وأدها".
(٣) في ب: "وروي أنه قال ﷺ: " ".
(٤) "أن" من (أ) و(ب).
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كذا: "الاختصار".
(٦) في ب: "وعلى".
(٧) في أ: "ولهذا".
(٨) "هذا" ليست في ب.
(٩) في أ: "أنه".
[ ٤٤١ ]
• والأول فاسد - فإن سنة النبي - ﷺ - وضعت لبيان الأحكام، وهو الغرض، وهذا لا يختص بلفظ دون لفظ. ولأنه لم يتعلق شيء من الغرض بلفظ الحديث، لأنه ليس بمعجز، ولا تعلق (١) الثواب، وجواز الصلاة به، بخلاف القرآن فإنه معجز، وقد تعلق بتلاوته الثواب، وجواز الصلاة به (٢). فلئن (٣) كان لا يجوز نقل القرآن من لفظ إلى لفظ، لماذا لا يجوز في الحديث؟ مع أن ثمة (٤) جاء النقل (٥) بطريق الرخصة أيضًا، كما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سمع رجلا يقول: "طعام اليتيم" ولا يمكنه أن يقول: "طعام الأثيم" (٦) فقال له قل: "طعام الفاجر"، فلأن يجوز في الحديث أولى.
• و[الثاني:] إن كان لأجل المعنى - فالمعنى لا يختلف، ولا يختل بالنقل إلى لفظ مثله في المعنى، نحو قوله (٧): "قعد" مكان "جلس". ولهذا إن نقل كلمة الشهادة من اللفظ المروي بالعربية إلى كل لسان، جائز، لما كان الغرض هو (٨) المعنى دون اللفظ - فكذا (٩) هذا. وهذا بخلاف الأذان والتشهد حيث لا يجوز النقل عن ألفاظهما إلى غيرهما، لأن الشرع جاء بتلاوة ألفاظهما، وعلق بهما الثواب الخاص، على أن
_________________
(١) في أ: "ولا يتعلق".
(٢) "به" ليست في (أ) و(ب).
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل هكذا: "فلأن".
(٤) في ب: "ثم". وفي هامش أ: "أي في القرآن".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الفعل".
(٦) سورة الدخان: ٤٤ - وهي والتي قبلها: "إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "قولهم".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "من".
(٩) في ب: "وكذا".
[ ٤٤٢ ]
الأذان شرع للإعلام، وإنه لا يحصل إلا بالألفاظ المعروفة. ولهذا لم يجوزوا (١) النقل من (٢) اللفظ (٣) المشترك والمجمل (٤) إلى لفظ آخر، لما فيه من احتمال الاختلال بالمعنى.
- وأما الحديث فنقول: لا حجة في الحديث، لأن من نقل الحديث بالمعنى من كل وجه يقال إنه أدى كما سمع، فإنه (٥) يقال للمترجم من لغة إلى لغة: "قد أدى كما سمع". على أن المراد بالحديث. إذا كان لفظ الحديث مشتركًا أو مشكلا أو مجملا (٦)، فيكون بالنقل إلى لفظ آخر احتمال الخلل في المعنى، ونحن نمنع في مثل هذا الموضع لهذا الوهم، وفي الحديث ما يدل عليه، فإنه قال - ﷺ - (٧): "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه"، وما لا يشتبه من الألفاظ، ولا يختلف اجتهاد المجتهدين فيه، يستوي فيه الفقيه وغير الفقيه، والكامل في الفقه والناقص - والله أعلم (٨).
مسألة:
خبر الواحد إذا ورد مخالفًا للعموم من الكتاب والمتواتر - هل يجب تركه أو يخص به العموم القاطع؟ فقد ذكرنا الكلام فيه (٩).
وكذا إذا ورد مخالفًا للقياس: يقدم على القياس أو يعارضه القياس - فقد ذكرناه أيضًا (١٠).
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "لم يجوز".
(٢) في ب: "في".
(٣) "اللفظ" من (أ) و(ب).
(٤) في ب: "المجمل والمشترك".
(٥) في أ: "فإن".
(٦) في ب: "أو مجملا أو مشكلا".
(٧) "- ﷺ -" من ب.
(٨) "والله أعلم" ليست في أ.
(٩) و(١٠) راجع فيما تقدم ص ٤٣٣ وما بعدها.
[ ٤٤٣ ]
مسألة - الراوي إذا عمل بخلاف ما روى - هل يقدح في صحة ما روى أم (١) لا؟
روي عن أبي الحسن الكرخي (٢) ﵀ أنه لا يمنع، ويكون هو محجوجًا بالحديث كغيره (٣).
وقال أكثر أصحابنا ﵏: إنه يمنع ويحمل على نسخ الحديث أو تخصيصه أو تأويله.
- وهو قول الشافعي ﵀.
وجه قول أبي الحسن الكرخي (٤) - أن قول النبي - ﷺ - حجة، وعمل الراوي بخلافه محتمل، فإنه يجوز أن يكون الحديث محتملا للتأويل، فيصرفه (٥) إلى أحد وجوه الاحتمال باجتهاده، واجتهاده ليس بحجة. ويحتمل أنه ظهر له (٦) انتساخه بعد روايته بدليل (٧)، فلا يجوز العدول عن الحجة إلى غيرها (٨)، بالاحتمال.
وجه قول العامة - وهو أن عمله بخلاف ما روى: إما إن كان جزافًا، ولا يظن بالصحابي ذلك. أو كان النص محتملا، فيصرفه (٩) إلى أحد وجوهه أيضًا (١٠) باجتهاده، وهذا لا يظن به أيضًا، مع علمه أن اجتهاد غيره يجوز أن يكون بخلاف اجتهاده، مع كونه مأمورًا بالنقل في مثله، لما
_________________
(١) في ب: "أو".
(٢) تقدمت ترجمته بالهامش ٧ ص ٢١٠.
(٣) في ب: "لغيره".
(٤) "الكرخي" من أ.
(٥) في (أ) و(ب): "فصرفه".
(٦) "له" من ب.
(٧) "واجتهاده بدليل" من (أ) و(ب).
(٨) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "غيره".
(٩) في (أ) و(ب): "فصرفه".
(١٠) "أيضًا" من ب.
[ ٤٤٤ ]
روينا: "نضر الله تعالى (١) امرأ سمع مقالتي (٢) فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وإذا بطل هذان الوجهان، لم يبق إلا أنه (٣) علم نسخه (٤)، أو علم (٥) تأويله، أو (٦) تخصيصه بمشاهدة (٧) حال النبي - ﷺ -، أو (٨) سمع في ذلك نصًا جليًا يوجب تخصيصه، أو علم إجماع الصحابه على ذلك، فوجب القول به (٩).
وعلى هذا حملنا رواية أبي هريرة بغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا (١٠) على الندب، لأنه كان يقتصر على الثلاث ولا يغسل سبعًا.
مسألة - العدد هل هو شرط لقبول خبر الواحد أم لا (١١)؟
قال عامة القائلين بقبول أخبار الآحاد: إن (١٢) العدد ليس بشرط.
وقال بعضهم: يشترط عدد الاثنين. ومنعوا قبول شهادة القابلة. وتعلقوا بما روي عن النبي - ﷺ - أنه لم يعمل بخبر ذي اليدين (١٣) وحده، حيث قال:
_________________
(١) "تعالى" ليست في ب.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "منا مقالة". وراجع ص ٤٤١ و٤٤٣.
(٣) "أنه" من (أ) و(ب).
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أنه نسخه".
(٥) "علم" ليست في أ.
(٦) "تأويله أو" من أ.
(٧) في ب: "لمشاهدة".
(٨) في ب: "و".
(٩) "به" ليست في ب.
(١٠) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب": أخرجه مسلم. وفي لفظ له "فليرقه". وللترمذي: "أخراهن أو أولاهن بالتراب" (ابن حجر، بولوغ المرام، رقم ص ٣).
(١١) في ب: "هل هو شرط القبول خير الواحد؟ "، فليس فيها "أم لا".
(١٢) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "على أن".
(١٣) قيل: سمي بذلك لأنه كان بيديه طول. وقيل لأنه كان يعمل بيديه جميعًا. واسمه عمرو بن عبد ود. وقيل: عبد عمرو بن بصلة. وقيل: عمير بن عبد عمر (البخاري على البزدوي، ٣: ٦٠).
[ ٤٤٥ ]
أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله صلى الله عليك (١) وسلم؟ فقال: "كل ذلك لم يكن" - حتى سأل أبا بكر وعمر ﵄، فقالا مثل قول ذي اليدين، فحينئذ (٢) قبل.
وجه قول العامة - إجماع السلف: روي أن أبا بكر ﵁ قبل خبر بلال وحده. وقبل عمر ﵁ خبر حمل بن مالك (٣) في دية الجنين. وعملت الصحابة ﵃ بخبر أبي سعيد الخدري (٤) ﵁ في ربا الفضل. وعملت أيضًا بخبر أبي رافع في المخابرة مع تعامل فى الناس بخلافه. وكان علي ﵁ يقبل خبر الواحد ويستحلفه عليه إلا خبر أبي بكر ﵁ فإنه يقبله من غير استحلاف. والإجماع حجة قاطعة. وأما حديث ذي اليدين فلأنه خبر واحد فيما عم به البلوى، وغيره من الصحابة أولى بالتذكير للنبي - ﷺ -، فظن النبي - ﷺ - أنه غالط، وخبر الواحد في مثل هذا لا يقبل - والله أعلم.
مسألة:
- إذا قال الصحابي: أمرنا أن نفعل كذا (٥). أو أمرنا بكذا. ونهينا (٦) عن كذا:
روي عن الكرخي (٧) أنه لا يفيد (٨) أن يكون الآمر هو النبي - ﷺ -،
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "عليه".
(٢) "فحينئذ" ليست في ب.
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل؟ "حمد بن مالك". وانظر ابن حجر، بلوغ المرام، رقم ٩٩٩ ص ١٨١ وفيه: "حمل بن النابغة".
(٤) كذا في أ. و"الخدري" ليست في ب. وفي الأصل: "بن الخدري". انظر ابن حجر، المرجع السابق رقم ٦٩٥ ص ١٢٥.
(٥) في ب: "هذا".
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أو نهانا".
(٧) "روي عن الكرخي" ليست في ب.
(٨) في أكذا: "لا يقيد".
[ ٤٤٦ ]
بل يجوز أن يكون الآمر غيره، فلا يكون حجة. وعلى هذا حمل قول الراوي: أمر بلال بأن (١) يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
وقال عامة مشايخنا بأنه (٢) يكون حجة، ويحول على أمر النبي - ﷺ -، لأن غرض الصحابي من هذا تبليغ (٣) الشرع وتعليم الحكم، فيجب حمل ذلك على أمر من يصدر عنه الشرع، دون أمر الولاة والأئمة، لأن أمرهم لا يؤثر في الشرع. ولا يقال بأنه يحمل على أمر الله تعالى أو أمر الأمة، وهو الإجماع، لأنا نقول: إن أوامر الله تعالى ظاهرة (٤) للكل، فلا يستفاد من كلام الصحابي. ولو حمل على جماعة الأمة إن أفاد أن جميع الأم أمروا بذلك، وهم لا يأمرون من تلقاء أنفسهم، وإنما يأمرون بأمر النبي - ﷺ -، على أن غرضنا أنه يلزم العمل بهذا القول، ولو كان هذا حكاية عن أمر الله تعالى أو عن أمر النبي - ﷺ - أو عن الأمة، فيكون (٥) واجب العمل به (٦).
- فأما (٧) الصحابي إذا قال: أوجب علينا كذا (٨) أو حرم علينا كذا أو أبيح لنا كذا - فإنه يفهم منه أن الوجب والمحرم والمبيح هو النبي - ﷺ - بالإجماع، لأن ذلك من أمر (٩) الله تعالى على لسان النبي - ﷺ -، ولم يقل الصحابي، إلا إذا سمع لفظة (١٠) الوجوب أو الأمر الذي أريد به الوجوب،
_________________
(١) في ب: "أن".
(٢) في ب: "قال عامة أصحابنا إنه".
(٣) كذا في النسخ جميعًا.
(٤) في ب: "ظاهر".
(٥) في أ: "يكون".
(٦) "به" ليست في (أ) و(ب).
(٧) في ب: "أما".
(٨) "كذا" ليست في ب.
(٩) "أمر" من ب.
(١٠) في ب: "لفظ".
[ ٤٤٧ ]
بدلالة حال النبي - ﷺ -، أو بإجماع الصحابة، لأن الظاهر من حال (١) الصحابي الذي قصده تبليغ الشرع، [أنه] لا يبلغ مع الاحتمال إذا لم يذكر اللفظ.
- وأما (٢) إذا قال الصحابي: "من السنة كذا": [فـ] يحمل على سنة النبي - ﷺ -: فإن من قال: "إن (٣) هذا الفعل طاعة" فإنه (٤) يحمل على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فكذا لفظة (٥) "السنة" عند الإطلاق: تحمل على سنة الرسول - ﷺ -، لأنه هو المقتدى والمتبع على الإطلاق: قال الله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٦)، أي قدوة متبعة، ولا يقال إن النبي - ﷺ - قال: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" وكذا يقال "سنة العمرين"، لأنا لا ننكر جواز إطلاق (٧) اسم السنة على فعل غيره مع التقييد، وإنما نمنع أن يفهم (٨) من إطلاق اسم السنة على (٩) سنة غيره - والله أعلم (١٠).
فصل- وأما حكم خبر الواحد:
قال عامة العلماء: إنه يوجب العمل، دون العلم قطعًا (١١)، لكن يوجب علم غالب الرأي وأكثر الظن.
_________________
(١) "حال" من (أ) و(ب).
(٢) في ب: "فأما".
(٣) "إن" من أ. وليست في الأصل وب.
(٤) "فإنه" ليست في ب.
(٥) في أ: "فكذا لفظ". وفي ب: "فكذلك لفظ".
(٦) الأحزاب: ٢١: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا".
(٧) "إطلاق" ليست في ب.
(٨) "أن يفهم" ليست في ب.
(٩) "على" ليست في (أ) و(ب).
(١٠) "والله أعلم" ليست في أ.
(١١) في ب: "دون العلم والعمل جميعًا".
[ ٤٤٨ ]
وقال بعض أصحاب الظواهر: بأنه يوجب العلم والعمل جميعًا.
وقال بعض المعتزلة: بأنه لا يجب العمل به في باب الشرعيات، ويجب العمل به في العقليات.
أما من قال بأنه لا يوجب العمل - لأنا اتفقنا أنه لا يوجب العلم، والعمل بدون العلم حرام. فضلا عن الوجوب بظاهر النصوص (١) من قوله تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم" (٢) وقوله تعالى: "وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" (٣) وقوله تعالى: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" (٤) - في هذه النصوص أنه لا يجوز القول بما لا يعلم، والشهادة بما لا يعلم، وأن (٥) الاقتفاء بما لا يعلم حرام - وقد قلتم به، فيكون خلاف هذه النصوص. وكذلك قال الله (٦) تعالى: "إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا" (٧): ألحق الذم بمن اتبع الظن، وأخبر أنه لا كفاية ولا غناء (٨) بالظن فيجب العمل بعمومه: أن لا عبرة بالظن، في حق العمل والاعتقاد (٩) جميعًا.
وأما أصحاب الظواهر [فـ] قالوا: إنا (١٠) اتفقنا أن العمل به واجب، والعمل لا يجوز بدون العلم بالنصوص، فوجب (١١) القول بالعلم ضرورة.
_________________
(١) في ب: "بالنصوص".
(٢) الإسراء: ٣٦ - أي لا تتبعه ولا تسترسل في الحديث عنه (معجم ألفاظ القرآن الكريم، ٢: ٤١٠).
(٣) سورة البقرة: ١٦٩.
(٤) سورة الزخرف: ٨٦.
(٥) في ب: "ولأن".
(٦) "الله" ليست في ب.
(٧) سورة النجم: ٢٨.
(٨) في أ: "ولا غنى". وفي ب كذا: "غيره" وقد تكون "عبرة".
(٩) في ب: "الاعتقاد والعمل".
(١٠) "إنا" ليست في ب.
(١١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وجب".
[ ٤٤٩ ]
وعامة العلماء احتجوا وقالوا: إن خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب والسهو والغلط، ورد الصدق سفه، وقبول الكذب سفه، ولا (١) وجه لرد الكل لما فيه من رد الصدق، ولا وجه إلى قبول (٢) الكل لما فيه من قبول الكذب، ولا وجه إلى التوقف (٣) أيضًا لا فيه من رد الصدق أيضًا - فوجب طلب طريق يعرف به السفه من الحكمة، والكذب من الصدق، ولا طريق ههنا يوقف به عليهما بطريق الإحاطة واليقين، وفي رد الكل وقبوله لزوم السفه برد الصدق أو قبول الكذب، فيجب العمل بالراجح والغالب، لأن العمل بالراجح والغالب من باب الحكمة (٤)، بدليل الكتاب والسنة والإجماع والمعقول:
- أما الكتاب، فقوله تعالى: "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا" (٥)، وقال تعالى: "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار" (٦)، والإيمان من حيث التصديق يعرف بطريق الاجتهاد (٧). وقال الله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" (٨)، وقال تعالى: "ممن ترضون من الشهداء" (٩)، والعدالة وكون الشاهد مرضيًا إنما يعرف بالرأي والاجتهاد.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فلا".
(٢) في ب: "لقبول".
(٣) في ب: "التوقيف". و"وجه" من (أ) و(ب).
(٤) في ب: "الحكم".
(٥) سورة النور: ٣٣.
(٦) سورة الممتحنة: ١٠.
(٧) في ب: "بالاجتهاد".
(٨) سورة الطلاق: ٢.
(٩) سورة البقرة: ٢٨٢.
[ ٤٥٠ ]
- وأما السنة، فما روي عن النبي - ﷺ - أنه (١) أمر معاذًا ﵁ (٢) وغيره، بالاجتهاد في أحكام (٣) الحوادث، وهو عمل بغالب الرأي.
- وأما الإجماع، فإن الأمة توارثت قبول (٤) قول (٥) الوكلاء والأجراء وقول الناس في بيع الأملاك وإجارتها ورهنها، وكذا قبول الشهادات، في عامة (٦) الأحكام، خصوصًا في (٧) الحدود والقصاص مع احتمال الكذب، لرجحان جانب الصدق بالعدالة.
- وأما المعقول، فهو (٨) أن خبر الواحد في باب العقليات واجب العمل، لمعنى معقول، ذلك المعنى موجود في الشرعيات. وبيان ذلك: أنه عرف بالعقل (٩) وجوب التحرز عن المضار وحسن جر المنافع بطريق التيقن، فمتى ثبت بغالب الظن (١٠) ذلك، ألحق بالمتيقن، في حق وجوب التحرز
_________________
(١) "أنه" من (أ) و(ب).
(٢) "﵁" من ب. هو معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي الإمام المقدم في علم الحلال والحرام. كان من أفضل شباب الأنصار حلمًا وحياء وسخاء وجمالا ووسامة. شهد العقبة مع الأنصار السبعين. وشهد بدرًا وأحد والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -. وعد في الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله - ﷺ -. وآخى النبي - ﷺ - بينه وبين جعفر بن أبي طالب. وقد بعثه رسول الله - ﷺ - بعد غزوة تبوك قاضيًا ومرشدًا لأهل اليمن وبقي فيها إلى أن توفي رسول الله - ﷺ - وولي أبو بكر فعاد إلى المدينة. ثم كان مع أبي عبيدة بن الجراح في غزو الشام. ولما أصيب أبو عبيدة (في طاعون عمواس) استخلف معاذًا وأقره عمر. ومات في ذلك العام نفسه بالطاعون بناحية الأردن سنة ١٨ هـ أو سنة ١٧ هـ. وقيل عاش ٣٤ سنة، وقيل غير ذلك. (ابن حجر، الإصابة، ٣: ٤٢٦ - ٤٢٧. والزركلى، الأعلام، ٧: ٢٥٨).
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الأحكام الحوادث".
(٤) في أ: "من قبول".
(٥) "قول" ليست في ب.
(٦) في ب كذا: "وعلم".
(٧) "في" من أ.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وهو".
(٩) "بالعقل" ليست في ب.
(١٠) في ب: "بغالب الرأي".
[ ٤٥١ ]
وحسن الجر، ألا ترى أن من استقبله طريقان فأخبره رجل عدل أن هذا الطريق آمن وهذا الثاني فيه لصوص، يجب عليه العمل بخبره عقلا (١) لما فيه من احتمال دفع الضرر (٢) من حيث الغالب. وكذا الطبيب إذا أخبر إنسانًا بأنه غلب عليك الدم، فينبغي لك أن تفتصد (٣)، يجب عليه (٤) ذلك. إذا وكذا كان جالسًا تحت حائط مائل فأمره رجل له بصارة في ذلك الباب عن الفرار (٥) عنه، يجب عليه ذلك عملا بغالب الرأي، كما (٦) يجب العمل به عند التيقن، إلحاقًا للغالب بالمتيقن - فكذلك في الشرعيات. هذا المعنى موجود: فإن الشرائع شرعت لمصالح العباد، والمناهي وردت للامتناع عن القبائح، فيحصل له الذم والملامة في الدنيا والمعاقبة في الآخرة، فيجت أن يلحق الغالب من ذلك بالمتيقن، بطريق (٧) الأولى، لأن ضرر ذلك في الدنيا وضرر هذا في الدنيا والآخرة، ثم لما وجب إلحاق الغالب ثمة (٨) بالمتيقن، للتحرز (٩) عن ذلك الضرر - فكذلك ههنا.
وإذا ثبت بما ذكرنا من الدلائل أن العمل بالدليل الراجح واجب، فنقول:
إن خبر الواحد، العدل المتدين، راجح صدقه على كذبه، وصوابه على خطئه (١٠) وغلطه، بدلالة عقله ودينه، فوجب (١١) أن يلحق بالمتيقن،
_________________
(١) في ب: "يجب عليه عقلا العمل بخبره لما .. ".
(٢) "احتمال دفع الضرر" ليست في ب.
(٣) في أ: "تفصد".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "عليك".
(٥) في ب كذا: "الدار" بدون نقط.
(٦) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "فيما".
(٧) في أ: "بالطريق".
(٨) في ب: "ثم".
(٩) في ب كذا: "لتحر".
(١٠) في ب كذا: "وهو أنه على خطأ به"؟
(١١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "يجب".
[ ٤٥٢ ]
في حق (١) وجوب العمل. مع أن ههنا وجد رجحان الصدق (٢) من وجوه أخر، لأن الرواة ونقلة الحديث بذلوا أنفسهم وأموالهم في حفظ الأخبار، لإظهار (٣) دين الحق وإحياء سنن النبي - ﷺ -، ليعتمد عليهم الخلف (٤)، في الأخذ عنهم، فيندر (٥) غاية الندرة أن من بذل عمره وماله وأعض عن كسب حطام الدنيا لهذا الغرض، ثم يروي الحديث كذبًا، ليحصل له شيء قليل، عشر ما أنفق فيه، إلا من باع دينه بالدنيا في رواية الكذب ترويجًا لمذاهبهم الفاسدة، كالكرامية (٦) ونحوهم، ولا كلام في مثل حالهم. ولأن نقلة الحديث معروفون بالجاه والقدر عند الناس لصدقهم، وصحة حديثهم بورعهم (٧) وعدالتهم، والحديث المروي بطريق الكذب مما يعرفه أمثالهم، لاشتهار (٨) الأحاديت الصحيحة، فيظهر ذلك، فيسقط قدرهم وجاههم وخطرهم (٩) عند الناس، فكان صون الجاه حاملا لهم على الصدق، ولأن الشهادة على الله تعالى بالكذب وقصد تغيير دين الحق أمر عظيم، وبناء الشرع (١٠) في حق العمل على أخبار الآحاد، والله تعالى ضمن إبقاء (١١) الدين الحق إلى قيام الساعة، فالظاهر صيانتهم عن الوقوع في (١٢) الكذب قصدًا.
_________________
(١) "حق" ليست في ب.
(٢) في (أ) و(ب): "الرجحان للصدق".
(٣) في ب: "لحفظ".
(٤) في أكذا: "الخلق".
(٥) في ب "في الأخذ منهم ويندر".
(٦) أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام. وكان من سجستان ثم خرج إلى نيسابور وقد توفي سنة ٢٥٥ - وهم طائفة عدها الشهرستاني من الصفاتية (انظر بيان مذهبهم في: الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ١٠٨ وما بعدها والبغدادي، الفرق بين الفرق ص ٢١٥ - ٢٢٥).
(٧) في أ: "وورعهم".
(٨) في ب: "باشتهار".
(٩) "وخطرهم" ليست في ب.
(١٠) في ب: "الفروع".
(١١) في ب: "بقاء".
(١٢) "الوقوع في" ليست في ب.
[ ٤٥٣ ]
فهذه (١) وجوه من الترجيح تختص بخبر الواحد في باب الشرعيات، وخرج الجواب عن شبهة الفريقين.
وبعض المعتزلة الذين قالوا بقبول خبر الواحد خرجوا هذا الإشكال بالقول بموجب العلة: أن وجوب العمل إن (٢) كان: لابد له من العلم القطعي، ولكن العلم قطعًا ثابت في خبر الواحد في حق وجوب العمل عند ظنهم صدق الرواة باجتهادهم، فيكون وجوب العمل عليهم قطعًا ثابتًا بناء على هذا الظن، كما هو طريقهم في حصول الصواب في الاجتهاد بيقين، عند ظنهم وصفًا من أوصاف النص علة الحكم.
وهو فاسد على ما يعرف على الاستقصاء في الشرح، ونذكر (٣) شيئًا منه في باب القياس، فإنه طريق اعتمدوا عليه، ومال إليه بعض المحققين من الأشعرية - والله الهادي.
وأما (٤) النصوص فلا تلزمنا (٥)، لأنا نقول بوجوب العمل من غير أن نشهد على الله تعالى بشيء (٦)، والآيات التي تعلقوا بها وردت في حق الاعتقاد والشهادة على الله تعالى، ولكن نقول الاحتياط في (٧) أن يوجب العمل كما نقول في القياس، ولكن نعتقد على الإبهام أن
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وهذه".
(٢) في أ: "لو".
(٣) في أ: "فنذكر". وفي ب: "ويذكر".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فأما".
(٥) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "لا يلزمنا".
(٦) في ب: "شيء".
(٧) "في" من أ.
[ ٤٥٤ ]
ما أراد الله تعالى به فهو حق.- والله أعلم (١).
مسألة - خبر الواحد: هل يقبل في حق وجوب الحدود والعقوبات أم (٢) لا؟
اختلف مشايخنا ﵏ (٣):
قال بعضهم: يقبل في حق جميع الأحكام: العقوبات، والكفارات، وغيرها.
وقال بعضهم: لا يقبل في باب الحدود والقصاص.
وروي عن أبي يوسف ﵀ روايتان في الحدود.
وجه قول من قال، إنه (٤) يقبل: أن المعنى الذي لأجله (٥) قبل خبر الواحد في سائر الأحكام، وجد (٦) في الحدود، وهو أنه دليل راجح، وذلك حجة مطلقة، ألا ترى أنها تثبت بالشهادات (٧)، وهي حجة فيها شبهة، فكذا خبر الواحد.
و(٨) وجه قول الفريق الثاني: هو (٩) أن خبر الواحد فيه شبهة الغلط وشبهة الكذب، فلم يثبت كونه خبرًا عن رسول الله - ﷺ - بطريق القطع، بل مع الشبة، والنبي - ﷺ - قال: "ادرؤوا الحدود بالشبهات". فأما الشهادة فهي حجة في الإظهار. و(١٠) أما وجوب الحدود في الجملة [فقد] ثبت
_________________
(١) "والله أعلم" ليست في (أ) و(ب).
(٢) هكذا في أ. وفي الأصل: "أو".
(٣) " هل يقبل .. مشايخنا ﵏" ليست في ب.
(٤) "إنه"من ب.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "به".
(٦) في ب: "واحد".
(٧) في ب: "تقبل الشهادة".
(٨) واو العطف من أ.
(٩) في النسخ جميعًا: "وهو".
(١٠) الواو من ب.
[ ٤٥٥ ]
بدليل مقطوع به وهو الكتاب (١)، وفي مسألتنا الكلام في وجوب الحد، في حق من لم يثبت في حقه بالكتاب، فلا (٢) يمكن إيجاب الحد ابتداء مع الشبهة. ولأن الحديث عام فخص في الإثبات في الشهادات (٣)، باعتبار الحاجة إلى الحدود، وليس له طريق معتاد للظهور سوى البينة، إذ الإقرار بها نادر، فسقط اعتبار الشبهة، لأجل الحاجة إلى الاستيفاء، دفعًا (٤) للفساد عن العالم، إذ لو لم يقبل مع هذه الشبهة، تصير الشبهة (٥) ناسخة للحدود، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا - والله أعلم (٦).
[٢]