الكلام في هذا الفصل في موضعين في الأصل.
أحدهما - في تفسير الحكم.
والثاني - في بيان أنواعه.
وكل قسم من هذين القسمين ينقسم إلى البيان:
* من حيث وضع اللغة.
* ومن حيث عرف الشرع.
* ومن حيث الحد والحقيقة: عند الفقهاء، والمتكلمين.
أما الأول وهو تفسير الحكم
أما من حيث اللغة:
فيستعمل في مواضع:
- يذكر ويراد (١) به المنع والصرف - يقال: حكمت الرجل عن رأيه، وأحكمته، وحكمته- أي (٢) منعته وصرفته عن رأيه. ومنه يقال: حكمت الفرس وأحكمته إذا جعلـ[ـت] له حكمة (٣) تمنعه عن
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "فيراد".
(٢) في ب: "إذا".
(٣) حكمة اللجام الحديدة المانعة للدابة عن الخروج (انظر القاموس، والمعجم الوسيط).
[ ١٥ ]
الجموح والعدو وتصرفه عن المشي طبعًا. ومنه سمي (١) الرجل حكيمًا لأنه يمنع نفسه ويردها ويصرفها (٢) عن هواها.
- ويذكر ويراد به الإحكام والإتقان. ومنه قوله تعالى: "ألر كتاب أحكمت آياته" (٣). ومنه "الحكيم" من أسماء الله تعالى - فعيل بمعنى مفعل أي محكم للعالم الدال على قدرته وعلمه؛ لكونه محكمًا متقنًا.
- ويذكر ويراد به الحكمة، وهو وضع الشيء في موضعه. وفي الحديث: "وإن من الشعر لحكمًا" أي من أنواع الشعر ما هو حكمة.
وأمَّا من حيث عرف الشرع:
[فـ] يستعمل (٤) على وضع اللغة في الوجوه الثلاثة:
- فإن الله تعالى شرع الأحكام داعية إلى مصالح العباد، ومانعة عن أنواع العبث (٥) والفساد.
- وكذا شرعت مبنية على الحكمة (٦) البالغة والمعاني المستحسنة.
- وكذا هي محكمة متقنة، بحيث لو تأملها العاقل حق التأمل لعرف أنها مما ينبغي أن يكون كذلك.
_________________
(١) في ب: "يسمى".
(٢) "ويصرفها" من ب.
(٣) هود: ١.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "مستعمل".
(٥) في ب: "العيب".
(٦) في ب: "الحكم".
[ ١٦ ]
وأما بيان حده وحقيقته عند الفقهاء والمتكلمين:
فقال أصحابنا ﵏ بأن حكم الله تعالى صفة أزلية (١) له: هو (٢) فعله، وكون الفعل الحادث واجبًا وحسنًا وحرامًا وقبيحًا محكوم الله تعالى (٣) يثبت بحكمه، وهو إيجاده الفعل الحادث (٤) على هذا الوصف، وهو بناء على مسألة التكوين والمكون، فإن التكوين والإيجاد والإحداث والتخليق عبارات (٥) عن صفة أزلية لله تعالى وهو فعله حقيقة، والمكون مفعوله وحادث بإحداثه الأزلي لوقت وجوده- ولهذا قلنا: إن الله تعالى خالق لم يزل، ولله تعالى فعل واحد لكن تختلف تسمياته باعتبار الإضافة إلى وصف المفعول، فإن كان وصف المفعول كونه حادثًا يسمى فعله "إحداثًا" وإن كان أثره الوجوب يسمى "إيجابًا"، وإن كان أثره الحرمة يسمى "تحريمًا"- وهذا لأن خالق الحوادث كلها هو الله تعالى لا خالق سواه ولا صانع غيره، سواء كان الحادث جسمًا أو جوهرًا أو عرضًا حقيقيًا أو حكميًا من الحسن والقبح والحرمة وغيرها.
لكن في عرف الفقهاء وأهل الكلام يسمى كون الفعل واجبًا أو مندوبًا أو حسنًا أو قبيحًا أو محرمًا، حكم (٦) الله تعالى، لكن (٧) المراد به محكومه عندنا بطريق المجاز، إطلاقًا لاسم الفعل على المفعول.
ثم (٨) المحكوم: كونه حسنًا وواجبًا، أو (٩) الوجوب والحسن ونحو ذلك، لا نفس الفعل الذي اتصف بها، لأن نفس الفعل حصل
_________________
(١) الأزل القدم. قال الجرجاني في تعريفاته: الأزل استمرار الوجود في أزمنة ممقدرة غير متناهية في جانب الماضي. كما أن الأبد استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل. (وانظر المعجم الوسيط).
(٢) في ب: "وهي".
(٣) "تعالى" من ب.
(٤) "الحادث" من ب.
(٥) في ب: "عبارة".
(٦) في ب: "أو قبيحًا ونحوها حكم".
(٧) في ب: "والمراد".
(٨) في ب: "و".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "و".
[ ١٧ ]
باختيار العبد وقدرته الحادثة، وإن كان الخالق له هو الله تعالى (١). ومحكوم الشرع ما يثبت (٢) بإثبات الشرع، جبرًا، شاء العبد أو أبي.
هذا هو بيان مذهبنا.
فأمَّا على أصل المعتزلة والأشعرية وأكثر المتكلمين:
[فـ] التكوين عين المكون، فيكون الإيجاب عين الواجب، والحكم عين المحكوم، والتحسين عين الحسن، والتحريم عين الحرمة - فيكون إطلاق اسم الحكم على المحكوم عندهم بطريق الحقيقة.
وقال بعض المتكلمين:
إن الحكم هو كون الفعل على وصف حكمي، بأن كان موصوفًا بكونه واجبًا ومندوبًا وحسنًا ومحرمًا، لا نفس الفعل، فإن كون الصَّلاة فرضًا، وكون التصدق بالمال حسنًا (٣)، وكون الزنا (٤) حرامًا - حكم شرعي، لا نفس هذه الأفعال (٥)، لما ذكرنا أن حكم الله تعالى ما يثبت جبرًا، شئنا أو أبينا، والعبد مختار في أفعاله.
وهذا الحد صحيح إن أراد بالحكم المحكوم مجازًا. وإن أراد به، نفس الحكم حقيقة فيكون الحد (٦) على رأي من قال إن (٧) التكوين عين المكون.
_________________
(١) "تعالى" من ب.
(٢) في ب: "ما ثبت".
(٣) "ومحرمًا لا نفس الفعل بالمال حسنًا" ليست في ب.
(٤) في ب: "الربا".
(٥) "الأفعال" ليست في ب.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "التحديد".
(٧) "إن" ليست في ب.
[ ١٨ ]
وقال (١) بعض (٢) المعتزلة:
إن حكم الله تعالى هو إعلامه إيانا بكون (٣) الفعل واجبًا ومندوبًا ومباحًا وحرامًا ونحوها؛ وهو إيجابه وتحريمه وإباحته. وإنما قالوا إن الحكم هو إعلام الله تعالى إيانا بذلك، لا إحداثه (٤) وإيجاده وصف الحسن والقبح والوجوب والحرمة في الفعل، وإن كان عندهم الإحداث والحادث واحدًا، [لأنهم] (٥) يقولون إن حدوث الحوادث بإرادة الله تعالى الحادثة، وكونه قادرًا - لكن الداخل تحت الإرادة وكونه قادرًا، هو نفس المحدث من الأجسام والجواهر والأعراض، فأمَّا الأوصاف التابعة للحدوث من كونه جسمًا وجوهرًا وسوادًا وحموضة وحلاوة، وكون الفعل قبيحًا وحسنًا لم يدخل تحت الإرادة وكونه قادرًا، ولم يتعلق وجوده بالفاعل، فلا يمكنهم إضافة ذلك إلى الإرادة الحادثة وكونه قادرًا.
وقال بعض أصحاب الحديث من الأشعرية:
الحكم هو الخبر عن المحكوم على ما هو عليه في ذاته إذا كان صدقًا، أي الحكم الحق الصواب. فأمَّا الحكم الباطل فهو الخبر عن المحكوم على خلاف ما هو (٦) عليه في ذاته، لأنه كذب.
وقالوا (٧): حكم الله تعالى هو خبره (٨) عن المحكوم على ما هو عليه في ذاته، لأن خبره صدق لا محالة.
_________________
(١) كذا في ب وفي الأصل: "فقال".
(٢) "بعض" ليست في ب.
(٣) في ب: "كون".
(٤) في ب: "لإحداثه".
(٥) في الأصل و(ب): "لكنهم". ويظهر لنا أن العبارة الصحيحة ما أثبتناه في المتن لتكون جوابًا لقوله قبيل ذلك: "وإنما قالوا إن الحكم هو إعلام الله تعالى إيانا بذلك "
(٦) "هو" من ب.
(٧) في ب: "وقال".
(٨) في ب: "خبر".
[ ١٩ ]
وقال بعض الأشعرية أيضًا:
إن حكم الله تعالى ما استحقه المحكوم مما عليه من الوصف الذي أخبر الله تعالى عنه (١) بذلك.
وهذا حد صحيح عندهم، لأن الأوصاف التابعة للحدوث، عندهم، حادثة بإحداث الله تعالى في الجواهر والأجسام والأعراض والأفعال الاختيارية من العباد بمنزلة أعيان الحوادث، لأن كل ذلك بتكوين الله تعالى وإحداثه، وإن كان التكوين عين (٢) المكون، ولكن حدوث الحوادث كلها تعلق بقدرة الله تعالى أو بخطاب "كن"، فيكون الحكم والمحكوم هو كون الفعل على ما هو (٣) عليه من الوصف حقيقة. لكن إنما تعلقوا (٤) بالأخبار، لأن الأحكام الشرعية التي ذكرنا (٥) لا تعرف عندهم إلا بخبر الله تعالى، لا بالعقل، فحسن الأشياء عندهم يعرف بالشرع لا بالعقل، وإنما ذكر المعتزلة لفظ (٦) الإعلام (٧) دون الخبر حتى يدخل تحته العقل، لأن به عندهم يعرف كثير من المحاسن والمقابح من الأحكام الشرعيّة على ما يعرف في أصول الكلام، ونذكر شيئًا من ذلك ههنا في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
وقال عامة الأشعرية:
إن حكم الله تعالى هو خطابه الذي تعلق بأفعال المكلفين، وهو أمره ونهية، إيجابًا (٨) وندبًا وتحريمًا وكراهة، وخبره أيضًا بالحل والحرمة، وسائر الأحكام الشرعية (٩). فالواجب ما هو مأمور به حتمًا، والمندوب
_________________
(١) "عنه" ليست في ب.
(٢) لعل الصححيح: "غير".
(٣) "هو" من ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "علقوا".
(٥) في ب: "التي ذكر".
(٦) في ب: "لفظة".
(٧) راجع ما تقدم في الصفحة السابقة.
(٨) في ب: "أمره نهيًا وإيجابًا".
(٩) "الشرعية" من ب.
[ ٢٠ ]
ما هو مأمور به ندبًا، والمباح ما يقال فيه للمكلف "إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل"، والحرام ما يجب الامتناع عنه. والمكروه ما يندب إلى الامتناع عنه.
وهذا الحد ليس بصحيح عندهم على ما نذكر. ولكن الحد الصحيح عندهم ما ذكرنا من القولين عنهم، فإن الفعل موصوف بكونه حسنًا حقيقة عندهم، فإن صفات الأفعال الراجعة إليها حادثة بإحداث الله تعالى، فيكون خالق الفعل بوصف الحسن هو الله تعالى، لكن (١) الأمر دليل الحسن، والنهي دليل القبح. وكذا الخبر عنهما دليل عليهما - لا أنه يثبت الحسن والقبح بالأمر والنهي والخبر.
فإن قيل: فيما ذكرتم إشكالان:
أحدهما - أن الفعل عرض، وأنه صفة، والصفة لا تقوم بالصفة (٢)، فكيف يصح قولكم (٣) بأن الفعل موصوف بالحسن والقبح والوجوب حقيقة؟
والثاني -أن الفعل قبل الوجود يوصف بكونه واجبًا وحسنًا وحرامًا- والمعدوم كيف يقبل الصفة حقيقة؟
[و] الجواب:
عن [الإشكال] الأول- إن (٤) هذا إشكال على الكل، فإنه لا شك في كون الإيمان حسنًا، وكون الكفر قبيحًا، وكون الزنا حرامًا،
_________________
(١) في ب: "ولكن".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "لا تقوم به الصفة".
(٣) في ب: "قولهم".
(٤) "إن" من ب.
[ ٢١ ]
وكون صلاة الظهر فرضًا. فإما أن يوصف بذلك مجازًا أو حقيقة. والقول يكون الإيمان حسنًا والكفر قبيحًا بطريق المجاز، وحش (١) من القول يرده العقل والشرع. ولأن علامة الحقيقة ما لا يجوز نفيها (٢) عن الموصوف بحال، والمجاز ما يجوز نفيه، ونفي الحسن عن الإيمان ونفي القبح عن الكفر، لا يجوز بحال. وإذا بطل الوصف بالمجاز ثبت أنه بطريق الحقيقة.
ثم لتخريجه طرق ثلاثة:
أحدها - أن تكون صفات الفعل راجعة إلى الذات، كالوجود مع الموجود، والحدوث مع الحادث، وكالعرض (٣) الواحد الذي يوصف بأنه موجود ومحدث ومصنوع وعرض (٤) وصفة ولون وسواد ودليل على ثبوت الصانع - فيكون هذه الصفات راجعة إلى الذات لا معاني زائدة عليها (٥).
والثاني - يوصف الفعل بأنه واجب، لدخوله تحت إيجاب الله تعالى. ويوصف بأنه مندوب لدخوله تحت ندبه. ويوصف بأنه حسن لدخوله تحت تحسين الله تعالى. ويوصف بكونه محرمًا (٦) لدخوله تحت تحريم الله تعالى، كما يوصف الفعل بأنه محدث وحادث لدخوله تحت إحداث الله تعالى، لا أنه محدث لحدوث قام به، لأن ذلك الحدوث محدث، فيحتاج إلى حدوث آخر فيؤدي إلى القول بمعان لا نهاية لها، وإنه باطل.
_________________
(١) الوحش جمع وحشي. وهو مالا يستأنس من دواب البر وكل شيء يستوحش عن الناس. والوخش (بالخاء المعجمة) الرديء من كل شيء ورذال الناس وسقاطهم (القاموس والمصباح). وقد تقدم في الهامش ٦ ص ٣.
(٢) في ب: "نفيه".
(٣) في ب: "والعرض".
(٤) في ب: "ومحدث وعرض ومصنوع".
(٥) في ب: "عليه".
(٦) في ب: "حرامًا".
[ ٢٢ ]
والثالث - أن هذه صفات إضافية، وأسماء نسبية، والصفات الإضافية ليست بمعان قائمة بالذات، فيكون (١) الذات موصوفًا بها على الحقيقة. وإنما يقتضي وجود غير يكون علقة (٢) بين الصفة والموصوف، والاسم والمسمى- كما في لفظ الأب والابن والأخ، فالذات موصوف بهذه الصفات، حقيقة لا مجازًا، وإن (٣) لم يكن الأبوة والبنوة والأخوة معاني قائمة بالذات زائدة عليها.
وقد ذكرنا على الاستقصاء في أصل هذا المختصر وفي كتب الكلام - وفي هذا القدر كفاية.
وأما الإشكال الثاني- فسهل، لأنا نصف المعدوم بهذه الصفات على طريق المجاز، على الطريق الأول والثاني، لأن صفات الذات لا يتصور وجودها قبل وجود الذات، وكذا الإحداث لا يتعلق بالمعدوم إلا حالة الحدوث. وأمَّا على الطريق الثالث، وهو الإضافة، [فـ] يكون الوصف له بطريق الحقيقة، كوصف المعدوم بأنه معلوم ومذكور ومخبر عنه.
والله أعلم.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "ويكون".
(٢) أي علاقة (القاموس والمصباح). وفي تعريفات الجرجاني: "العلاقة بكسر العين يستعمل في المحسوسات. وبالفتح في المعاني. وفي الصحاح: العلاقة بالكسر علاقة القوس والسوط ونحوهما. وبالفتح علاقة الخصومة والمحبة ونحوهما".
(٣) "وإن" من ب.
(٤) "و" من ب.
[ ٢٣ ]