وإنه يتضمن فصولا (٢):
وجملة ذلك أن الأمر من الله تعالى بالفعل لا يخلو: إما أن يكون مطلقًا عن الوقت، أو يكون أمرًا في زمان معين معلوم (٣).
أما الأول:
فنحو (٤) الأمر بالكفارات، وقضاء رمضان، والنذور المطاقة، ونحوها.
فكل (٥) من قال إن الأمر يقتضي التكرار يقول يحمل على الفور، وهو وجوب الفعل في أول أوقات الإمكان. وأما من قال إنه (٦) يقتضي الفعل مرة اختلفوا فيه:
روى الكرخي (٧) ﵀ عن أصحابنا ﵏ أنه على الفور - وهو قول عامة أهل (٨) الحديث.
_________________
(١) انظر تقسيم البحث فيما تقدم ص ٨٠. وبدء القسم الأول ص ٨١. والثاني ص ١٦٢. والثالث ص ١٦٧. والرابع ص ١٨٤.
(٢) في ب كذا: "حصولا".
(٣) في ب: "معلوم معين". وانظر فيما بعد ص ٢١٤.
(٤) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "نحو".
(٥) في أ: "وكل".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ان".
(٧) هو عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم أبو الحسن الكرخي. من كرخ جدان (أو حران) بالعراق. سكن بغداد. وأخذ الفقه عن أبي سيد البردعي عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن حماد عن أبي حنيفة. انتهت إليه رياسة الحنفية بعد أبي حازم وأبي سيد البردعي. تفقه عليه أبو بكر الرازي وأبو عبد الله الدامغافي وأبو علي الشاشي وأبو القاسم التنوخي وأبو الحسين القدوري. وكان واسع العلم والرواية. صنف المختصر وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير أو دعها الفقه والحديث والآثار والمخرجة بأسانيدها. ولد سنة ٢٦٠ هـ وتولى سنة ٣٤٠ هـ (اللكنوي، الفوائد. وابن قطلوبغا، تاج التراجم).
(٨) في ب: "أصحاب".
[ ٢١٠ ]
وذكر أبو سهل الزجاجي (١) في الحجج (٢) اختلافًا بين (٣) أصحابنا:
عند أبي يوسف ﵀ (٤): إنه (٥) على الفور.
وعند محمد والشافعي رحمهما الله: على التراخي.
وروى عن أبي حنيفة رحمة الله عليه مثل قول أبي يوسف ﵀.
وذكر محمد بن شجاع الثلجي (٦) عن أصحابنا أنه يجب في أول الوقت وجوبًا موسعًا.
وهو قول بعض أصحاب الحديث.
وتفسير وجوب الموسع عندهم أنه يجب في أول أوقات الإمكان، حتى إنه كل متى أدي في أي وقت يقع واجبًا، ولا يأثم بالتأخير إلى آخر العمر. فأما إذا (٧) كان غالب ظنه الموت إما بسبب المرض أو بسبب الهرم فإف يتضيق عليه الوجوب، حتى لو مات يأثم بتركه عن ذلك الوقت.
_________________
(١) أبو سهل الزجاجي بضم الزاي وفتحها نسبة إلى عمل الزجاج. تفقه على أبي الحسن الكرخي وتفقه به أهل نيسابور من الحنفية، له كتاب الرياض ودرس عليه أبو بكر الرازي. كان قوي النفس حسن الجدل. تارة يذكر بالغزالي وتارة بالفرضي وتارة بالزجاجي. (الجواهر، ٢: ٢٥٤. وتاج التراجم ص ٨٨).
(٢) في ب كذا: "الحج".
(٣) في ب: "عن".
(٤) "﵀" من (أ) و(ب).
(٥) "أنه" من ب.
(٦) في أ: "الشجاع" وفي ب كذا: "ابن شجاع البلخي". وهو محمد بن شجاع أبو عبد الله الثلجي نسبة إلى ثلج. ابن عمرو بن مالك بن عبد مناف وليس إلى بيع الثلج. ويقال البلخي وغلطه القرشي في الأنساب وقال إنه تصحيف. من أصحاب الحسن بن زياد. وكان فقيه أهل العراق في وقته. مات سنة ٢٦٦ هـ. روى عنه يحيى ابن آدم ووكيع وقرأ على اليزيدي وروى عن ابن علية. وله كتاب المناسك وكتاب تصحيح الآثار وكتاب النوادر وكتاب المضاربة وكتاب الرد على المشبهة وله ميل إلى مذهب المعتزلة (ابن قطلوبغا، تاج التراجم. واللكنوي، الفوائد. والقرشي، الجواهر).
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "فإذا". وفي أ: "وإذا".
[ ٢١١ ]
وقال (١) عامة مشايخنا: إنه يجب على التراخي. وتفسيره أنه يجب مطاقًا عن الوقت، وكان خيار التعيين حسن إليه. ففي (٢) أى وقت شرع فيه يتعين للوجوب (٣). وإذا لم يشرع يتضيق الوجوب في آخر عمره في زمان يتمكن من الأداء فيه (٤)، قبيل موته، حتى إذا مات قبل الأداء يأثم بتركه.
واختلف المعتزلة فيما بينهم:
قال بعضهم: يجب على الفور.
وقال بعضهم مثل قولنا: إنه يجب في مطلق الوقت، والخيار إليه.
وقال بعضهم: يجب في جيمع الأوقات على طريق البدل، على معنى أن الأداء في كل وقت يقوم كل مقام وقت آخر في المصلحة. فمتى أدى في وقت سقط الوجوب عنه في أوقات أخر (٥)، ولا يجوز تركها (٦) عن الأوقات كلها، كما قالوا في الكفارات الثلاث (٧)؛ لأنهم لا يرون الأمر بتحصيل فعل مجهول، ولا يجوزون التخيير في مثل هذا حتى يتعين بالاختيار ممن عليه.
ومذهب شيخنا الإمام الزاهد (٨) أبي منصور الماتريدي (٩) ﵀ أنه لا يعتقد فيه بالفور ولا بالتراخي إلا بدليل زائد وراء الصيغة، ولكن
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وقالت".
(٢) في ب: "وفي".
(٣) في أ: "الوجوب". وفي ب كذا: "الوجوت" ولعلها خطأ في النقط.
(٤) "فيه" ليست في أ.
(٥) في ب كذا: "الآخر".
(٦) في أ: "تركه". وفي ب: "تأخيره عن".
(٧) في ب: "الثلاثة".
(٨) "الإمام الزاهد" من ب.
(٩) "الماتريدي" ليست في أ.
[ ٢١٢ ]
يجب عليه تحصيل الفعل في أول أوقات الإمكان من حيث الظاهر، لا من طريق الحقيقة والقطع (١) مع الاعتقاد مبهمًا إلا بدليل زائد (٢).
وقالت الواقفية: يتوقف في وجوب العمل والاعتقاد جميعًا، في حق الفور والتراخي، إلا بدليل زائد وراء الصيغة.
والصحيح مذهب عامة المشايخ ﵏؛ لأن الأمر مطلق عن الوقت، وليس البعض بأولى من البعض، في جب عليه الفعل في (٣) مطلق الوقت، ولا يجوز التقييد إلا بدليل.
ولا يقال: إن (٤) التقييد ثبت بدليل، فإن الواجب ما يأثم بتركه ولا يباح تأخيره، فيكون ما قلتم مناقضة لحد الواجب، ويكون إلحاقًا للواجب بالنافلة؛ لأن ما قلتم حد النقل؛ لأنا نقول ما ذكرتم حد الواجب المضيق المعين. ونحن (٥) نقول بالوجوب في مطلق الوقت، أو بالوجوب على سبيل (٦) التوسع، حده ما إذا (٧) أدى يقع مستحقًا لا تبرعًا، أو ما يأتم بتركه في الجملة، بخلاف النفل: فإنه لا يأثم بتركه أصلًا.
وقد (٨) ذكرنا هذه المسألة على الوجه في الشرح - والله الموفق.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "لا بطريق القطع".
(٢) " زائد" من أ.
(٣) "في" ليست في ب.
(٤) في أ: "بأن".
(٥) "نحن" من (أ) و(ب).
(٦) "سبيل" ليست في أ.
(٧) في أ: "مالوا".
(٨) "قد" ليست في ب.
[ ٢١٣ ]
[وأما الثاني]:
وأما (١) إذا كان الأمر لي الفعل (٢) في زمان معين - فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه (٣):
- إما إن كان لا يتسع للفعل (٤) المأمور به (٥)، ولكن يتصور فيه بعضه (٦).
- و(٧) إما إن كان يتسع للفعل المأمور به (٨)، على طريق الاستغراق، ولا يفضل (٩) عنه.
- وإما إن كان يتسع له ويفضل (١٠) عنه.
- أما الأول:
[فـ] لا يجوز أن يرد التكليف بالفعل كله فيه، لأنه تكليف ما ليس في الوسع (١١). ولكن يجوز أن يرد التكليف بالفعل في وقت لا يتمكن من أداء كله فيه، ليؤدى بعضه فيه ويؤدى (١٢) الباقي في الوقت الذي يليه، إما أداء أو (١٣) قضاء. كن أحرم بحجتين في وقت واحد: يلزمه
_________________
(١) في ب: "أما".
(٢) في ب "الفعل". وفي هامش أمتن أ: "الأمر". راجع ص ٢١٠
(٣) "أوجه" ليست في ب. وراجع ص ٢١٠.
(٤) في ب: "الفعل".
(٥) "به" ليست في ب.
(٦) "بعضه" ليست في ب.
(٧) "و" ليست في ب.
(٨) في ب كذا: "إما إن كان لا يتصل الفعل المأمور به".
(٩) في ب كذا: "لفصل".
(١٠) في ب كذا: "ولفصل".
(١١) في ب: "في الفعل".
(١٢) في ب: "فيؤدي".
(١٣) في ب: "و".
[ ٢١٤ ]
حجتان: إحداهما (١) في هذه السنة، والثانية في السنة الثانية، فيكون (٢) إيجابًا في السنتين (٣). وكمن صار أهلا لوجوب الصلاة في آخر الوقت بحيث لا يتمكن كل من أداء كل الصلاة فيه، بل مقدار ركعة أو مقدار التحريمة، كالحائض تطهر في آخر وقت الظهر، والصبي يبلغ، والكافر يسلم: فإنه يجب عليهم الصلاة بعضها في الوقت أداء وبعض في الوقت (٤) الذي يليه قضاء - وهذا (٥) عندنا، خلافًا لزفر: فإن عنده لايجب كل ما لم يتمكن من أداء كل صلاة (٦) الظهر فيه، لأن صلاة الظهر لا تجب في وقت (٧) غير وقت الظهر، ولا يمكن إيجاب أداء الكل فيه، لأنه تكليف ما ليس في الوسع، فسقط (٨) أصلا.
وقلنا نحن: لا يجب عليه كل الصلاة في وقت الظهر، حتى (٩) يكون تكليف ما ليس في الوسع، ولكن يجب بقدر ما يقبله الوقت، ويكون أداء، وما زاد عليه في الوقت الذي يليه قضاء، ويجوز أن يكون الصلاة الواحدة بعضها أداء وبعضها قضاء (١٠)، كاللاحق بركعتين في صلاة الظهر: كل مؤد للبعض وقاض (١١) للبعض. ونحو ذلك - بخلاف ما إذا زالت (١٢) هذه الموانع بعد خروج الوقت، لأن هذه الموانع مانعة من
_________________
(١) في ب: "أحدها".
(٢) في أ: "ويكون".
(٣) في ب كذا: "في الستين".
(٤) "أداه وبعضها في الوقت" ليست في ب.
(٥) في ب كذا: "فصار هذا".
(٦) "صلاة" ليست في أ.
(٧) "وقت" ليست في ب.
(٨) في ب: "فيسقط".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "في الوقت حتى".
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بعضها قضاه وبعضها أداء".
(١١) في ب: "مؤديًا للبعض وقاضيًا للبعض". وفي أكذا: "وقابض للبعض".
(١٢) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "زال".
[ ٢١٥ ]
وجوب القضاء، بحكم الحرج، وليس بعض الأوقات بأولى من بعض (١)، فأما الوقت الذي أمكنه أداء البعض فيه لم يلحق بالباقي، لإمكان بعض الأداء فيه، احتياطًا في العبادة، لمفارقته غيره (٢)، فيكون له حكم على حدة.
ولهذا قلنا في الجنون القصير، في حق صوم شهر (٣) رمضان: يجب على المجنون القضاء في الأداء، والأداء في البعض - وصوم رمضان بمنزلة صلاة (٤) الظهر في المعنى.
- وأما (٥) [الثاني:] إذا كان الوقت مما يتسع للفعل المأمور به على طريق الاستغراق ولا (٦) يفضل عنه:
كاليوم (٧) في حق الصوم، فإنه يجب عليه (٨) كل الصوم في كل اليوم، فيجب في كل جزء من الوقت جزء (٩) من الفعل. وكذا في صوم رمضان في كل يوم - فيكون تكليف ما في الوسع إن (١٠) اعتبرنا الوجوب بالخطاب وكون (١١) كل جزء سببًا لوجوب جزء من (١٢) الفعل وشرطًا لأدائه في الموضع الذي اعتبر السبب، وهذا ممكن موافق لأصول الشريعة (١٣) من غير تناقض. وما قيل فيه خلاف ما قلنا، فهو تكليف (١٤) من غير حاجة، مع أنه مخالف للأصول، متناقض في نفسه.
_________________
(١) "من بعض" من أ. وفي ب: "من البعض".
(٢) "غيره" ليست في ب.
(٣) "شهر" من ب.
(٤) "صلاة" من ب.
(٥) في (أ) و(ب): "أما". وراجع ص ٢١٤.
(٦) في ب: "فلا".
(٧) في ب كذا: "كالنوم".
(٨) "عليه" من ب.
(٩) "من الوقت جزء" من (أ) و(ب).
(١٠) في ب: "إذا".
(١١) في (أ) و(ب): "ويكون".
(١٢) "من" ليست في أ.
(١٣) في ب: "الشرع".
(١٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "تكلف".
[ ٢١٦ ]
- وأما (١) [الثالث:] إذا كان الوقت مما يتسع له ويفضل عنه: كوقت صلاة الظهر والعصر ونحوهما (٢) - فقد اختلف فيه:
اتفق أصحابنا ﵏ (٣) أنه إذا تضيق الوقت، ومن عليه أهل، يتعين ذلك الوقت للوجوب حتى لو أخر عنه فإنه (٤) يأثم.
واختلفت (٥) الرواية عن أصحابنا في أول الوقت ووسطه وآخره قبل أن يتصق الوقت:
فعن (٦) الكرخي ثلاث روايات عن أصحابنا ﵏:
روى عنه الجصاص (٧) أن الوقت كله وقت (٨) الفرض، وعليه أداؤه في وقت مطلق عن جميع الوقت، وهو مخير في الأداء، وإنما يتعين الوجوب إما بالأداء أو بتصيق الوقت. فإن أدى في أوله يكون واجبًا، وإن أخر لا يأثم؛ لأنه لم يجب عليه (٩) قبل التعيين. وإن لم يؤد حتى لم يبق من الوقت إلا بقدر ما يؤدي فيه (١٠)، يتعين الوجوب، حتى يأتم بالتأخير (١١) عنه - وهذه الرواية هي المعتمد عليها.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فأما". وراجع فيما تقدم ص ٢١٤ و٢١٦.
(٢) في أ: "وغيرهما".
(٣) "﵏" من أ.
(٤) "فإنه" من ب.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "واختلف".
(٦) "فعن" ليست في ب. وراجع ترجمة الكرخي في الهامش ٧ ص ٢١٠.
(٧) راجع ترجمته في الهامش ٨ ص ١٤٧.
(٨) في ب: "الوقت".
(٩) "عليه" من أ.
(١٠) في ب: "منه".
(١١) في ب: "بالتأخر".
[ ٢١٧ ]
وروى عن الكرخي ﵀ (١) أيضًا أنه (٢) إذا أدى في أوله، فهو موقوف: فإن وفي على صفة المكلفين إلى آخر الوقت (٣)، بأن بقي حيًا عاقلًا (٤) مسلمًا ونحو ذلك (٥) - يقع واجبًا. وإن فات شيء من شرائط التكليف، يكون نفلًا.
وفي رواية أخرى عنه أنه (٦) إذا أدى في أوله يقع نفلًا، لكن إن بقي إلى آخر الوقت، بصفة المكلفين، يكون ذلك النفل مانعًا لوجوب في آخر الوقت (٧)، ويكون مسقطًا للفرض عن ذمته (٨). وهذه الرواية مهجورة.
وروى عن (٩) محمد بن شجاع (١٠) عن أصحابنا ﵏ أن الصلاة في أول الوقت واجبة على طريق التوسع.
وهو مذهب عامة المتكلمين من أصحاب الحديث.
وهو مذهب الشافعي ﵀ إلا في مسألة (١١) الحج: فإنه روى عنه أنه قال بالتراخي.
_________________
(١) "﵀" من أ. وراجع ترجمته في "الهامش ٧ ص ٢١٠.
(٢) "أنه" ليست في ب.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "إن بقي إلى آخر الوقت بصفة المكلفين".
(٤) في أ: "قادرًا".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ونحوها".
(٦) "أنه" ليست في أ.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "في آخره".
(٨) "عن ذمته" من ب.
(٩) "عن" من ب.
(١٠) في ب: "بن شجاع البلخي". راجع ترجمته في الهامش ٦ ص ٢١١.
(١١) "في" ليست في ب، و"مسألة" من ب
[ ٢١٨ ]
وفائدة الخلاف تظهر في المرأة إذا حاضت في آخر الوقت: لا يلزمها قضاء تلك الصلاة عندنا.
وعند الشافعي ﵀: إن أدركت من (١) أول الوقت مقدار ما تصلي فيه الظهر، ثم حاضت، يلزمها القضاء بعد الطهر. وإن أدركت من أول الوقت أقل (٢) من ذلك، فأصحابه مختلفون في وجوب القضاء.
واختلف المعتزلة فيه:
بعضهم قالوا مثل قولنا.
وقال بعضهم: يجب الصلاة في أول الوقت، لكن يباح له التأخير.
لكن عند بعضهم ببدل، هو العزم على الأداء. وعند بعضهم بغير بدل. وبه قال أصحاب الشافعي أيضًا.
وقال بعض المعتزلة: إنه يجب الصلاة في جميع الوقت على طريق البدل، حتى إنه إذا أدى في شيء من الوقت يسقط (٣) عنه الواجب. وإن أخر عن الوقت كله، فإنه يأثم، ويكون الأداء في أوله ووسطه وآخره في المصلحة على السواء.
والصحيح مذهبنا: إنها تجب (٤) في مطلق الوقت مع التخيير، لأن الله تعالى أمر بالصلاة في مطلق الوقت بقوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل" (٥) فلا يجوز التقييد بأوله وأمكن القول به بواسطة التخيير، فيتعين (٦) الوجوب في الوقت الذي يؤديه. وإذا تضيق الوقت
_________________
(١) في ب: "في".
(٢) "أقل" ليست في ب.
(٣) في ب: "سقط".
(٤) في ب كذا: "إنما يجب".
(٥) سورة الإسراء: ٧٨.
(٦) في ب: "فيعتبر".
[ ٢١٩ ]
يسقط خيار التعيين، ويتعين الوجوب، فمن ادعى التقييد بأوله فلا بد له (١) من الدليل (٢).
مسألة - في الأمر الموقت إذا خرج الوقف قبل تحصيل الفعل حتى وجب عليه القضاء: هل يجب بالأمر السابق أو بأمر مبتدأ (٣)؟
اختلف مشايخنا فيه:
قال بعضهم: يجب بالأمر السابق.
وقال بعضهم: يجب بأمر مبتدأ.
وجه قول الأولين: إن الواجب هو العبادة لله تعالى في هذا الوقت، إما بحق العبودية، أو بحق الشكر، أو بحق التكفير عن الخطايا التي تجري (٤) على يد (٥) المرء بين الوقتين (٦). وفي هذا الغرض (٧) الأوقات كلها (٨) سواء - ألا ترى أن الأمكنة فيها سواء، ولا يختص بمكان دون مكان، وصار كمن أمر عبده بأن يتصدق بدرهم (٩) من ماله باليد اليمنى فشلت يده اليمنى، يجب عليه أن يتصدق باليسرى، ولا يتقيد باليمنى لأن الغرض لا يختلف - فكذا هذا.
وإذا ثبت هذا فالوجوب الثابت بالأمر لا يسقط إلا بالأداء أو بالقضاء أو بالإبراء من صاحب الحق، فلا حاجة إلى أمر آخر.
_________________
(١) "له" ليست في أ.
(٢) في ب: "دليل - والله أعلم".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "إنه يجب بالأمر السابق أو يجب بأمر مبتدأ".
(٤) في ب: "الخطايا والسيئات حتى جرت".
(٥) في أ: "يدي".
(٦) في ب كذا: "المدمين المومنن".
(٧) في أ: "الغرض".
(٨) " كلها" ليست في أ.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "درهمًا".
[ ٢٢٠ ]
ووجه (١) قول الآخرين: إن الأمر بالفعل في وقت كل معين (٢) ينتهي بانتهاء ذلك (٣) الوقت، والأمر بالعبادة في وقت لا يكون أمرًا بالعبادة في وقت آخر، كمن قال لعبده: "افعل كذا في يوم الجمعة": لا يتناول ما عدا الجمعة بحكم الصيغة، إلا أن يدل دليل آخر (٤) زائد يعم الأوقات كلها بدلالة الحال - بخلاف فصل التصدق، لأن الغرض ثمة إيصال النفع (٥) إلى الفقير، ليحصل له الثواب بالتقرب (٦) إلى الله تعالى، وذلك لا يختلف باختلاف آلة الإيصال (٧). أما ههنا (٨) [فـ] يحتمل أن يكون التعيين لمعنى يختص بالوقت من زيادة فضيلة (٩) له أو نحو ذلك، مما لا نعرفه بعقولنا، والآمر هو العالم بمصالح الأوقات، فلا يعرف أن الفعل في وقت آخر مثل الفعل في الوقت (١٠) الأول في المعنى الذي تعلق بالأول (١١)، فلا يقوم مقامه إلا بدليل.
هذا الذي ذكرنا في الأمر المعين.
فأما في الأمر المطلق عن الوقت إذا فات عن (١٢) أول أوقات الإمكان - فيجب عليه في الوقت الثاني (١٣) بذلك الأمر أم (١٤) بأمر مبتدأ؟
_________________
(١) في أ: "وجه".
(٢) في ب: "متعين".
(٣) "ذلك" ليست في (أ) و(ب).
(٤) "آخر" من أ.
(٥) في أ: "المنفعة".
(٦) في ب: "له الأجر والثواب والتقرب".
(٧) في ب كذا: "الا له با فضاله".
(٨) في ب: "هنا".
(٩) في ب كذا: "فصليه".
(١٠) "الوقت" من أ.
(١١) في أ: "بالأول بالأول" والظاهر أنه تكر من الناسخ.
(١٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كأنها: "من".
(١٣) في ب كذا: "في الوقت الوقت الثاني".
(١٤) في ب: "أو".
[ ٢٢١ ]
فمن قال بالتراخي يقول بالأمر الأول، لأن الأمر المطلق لا يتعين له الوقت إلا باختيار من عليه أو بتضيق (١) الوقت أو بالموت، فلا ينتهي الأمر (٢) الأول ما لم يمت.
وعلى أصل المعتزلة: يجب في الأوقات كلها على طريق البدل.
واختلف القائلون بالفور:
قال بعضهم: يحتاج في الوقت الثاني إلى أمر آخر، كما في الأمر في وقت بعينه.
وقال بعضهم: بالأول، لأن تقدير (٣) الأمر بالصلاة صيغة (٤): "أد في الوقت الأول، فإن أخرت ففي الثاني والثالث إلى آخر الوقت" - بخلاف الأمر بوقت (٥) معين مضيق أو موسع، لأن في الفصل الأول الوقت (٦) غير معين نصًا، وإنما يتعين الأول (٧) كي لا ينعدم معنى الوجوب أو احتياطًا عن الفوت، وكل (٨) وقت بعده في الأداء سواء، فإذا فات الأول يقوم الثاني مقامه. فأما في الوقت المعين يحتمل الاختصاص لمعنى في الوقت ولا (٩) يعرف أن الفعل في الوقت (١٠) الثاني هل هو مثل الأول في المصلحة حتى يقوم مقامه، فلا بد من أمر آخر أو (١١) دليل آخر (١٢) أنه مثل الأول - والله أعلم.
_________________
(١) في ب كذا: "غلبه أو يضيق".
(٢) "الأمر" ليست في ب.
(٣) في ب كذا: "تقدم".
(٤) "صيغة" من أ.
(٥) في أ: "في وقت".
(٦) "الوقت" ليست في أ.
(٧) في هامش أ: "أى أول أوقات الإمكان".
(٨) في ب: "فكل".
(٩) في ب: "فلا".
(١٠) "الوقت" من ب.
(١١) في ب: "و".
(١٢) "آخر" من أ.
[ ٢٢٢ ]