أما منهجنا في نشر هذا الكتاب فهو المنهج نفسه الذي اتبعناه في نشر "تحفة الفقهاء" للمؤلف نفسه (علاء الدين السمرقندي). وهو الاقتصار على تحقيق النص وإخراجه كما صدر من مؤلفه بقدر الإمكان، وبيان ما بين النسخ من خلاف. وفي داخل هذا الإطار صدرنا عن الفكرتين الآتيتين:
١ - أنا لا ننشر النسخة التي اعتبرناها أصلًا، وإنما ننشر "الميزان" معتمدين على ما اعتبرناه أصلًا مقارنين بالنسخ الأخرى. وقد ترتب على ذلك أنا قد جعلنا ما اعتبرناه أصلًا هو المتن وأثبتنا الخلافات بينه وبين النسخ الأخرى في الهامش. ولكنا رفعنا إلى المتن ما وجدناه في النسخ - الأخرى يكمل المعنى أو وجدناه هو الصحيح من حيث المعنى أو اللفظ أو أصح أو أوضح أو أسهل مع الإشارة إلى كل ذلك بالتفصيل في الهامش. ولم نرد أن نضع بين علامتين هكذا [. . .] ما نأخذه من نسخة أُخرى غير الأصل لتحقق الغاية بالإشارة في الهامش والبعد عن عيوب كثرة هذه العلامة بين العبارات.
٢ - أنا ننشر كتابًا في أُصول الفقه، ولا ننشر كتابًا لغويًا أو أدبيًا يكون للفظ فيه الاعتبار الأول. وقد ترتب على هذا أنا لم نذكر كثيرًا من الخلافات اللفظية البحتة بين الأصل وبين النسخ الأخرى اللهم إلا إذا كان الخلاف - وإن كان لفظيًا - مفيدًا في ناحية ما، أو يحتمل أن يكون كذلك فإنا نشير إليه. ومما قوى لدينا هذا المسلك كثرة الخلافات اللفظية البحتة بين النسخ بحيث لو أشرنا إلى كل خلاف في الهامش لطغى الهامش على المتن طغيانًا كبيرًا جدًا ولصارت معظم الصفحة هامشًا ولشغل الباحث بهذا الخلاف اللفظي البحت عن العلم نفسه. وماذا يفيد الباحث من أن نضع في المتن "ثم" ونشير في الهامش إلى أن في نسخة أُخرى "ثمة" أو أن يكون عبارة الأصل "ولكن" وعبارة النسخة الأخرى: "لكن". أو أن يكون في الأصل "غير واجب" وفي نسخة أُخرى: "ليس بواجب". ويدخل في الخلافات اللفظية البحتة اختلاف التركيب مثل أن يكون في الأصل: "ثم تنتقض طهارتها" وفي نسخة أُخرى: "ثم طهارتها تنتقض" أو مجرد تقدم كلمة على كلمة في مجرد معرض العطف بالواو مثلًا كأن يكون في الأصل: "القرح والجرح" وبالنسخة الأخرى: "الجرح والقرح" دون
[ ٣١ ]
أن يقصد بذلك غير مجرد العطف، أو اإختلاف صيغة الفعل حيث تصح الصيغتان مثل أن يكون في المتن "وجب" وفي نسخة أُخرى "يجب".
أهملنا الإشارة إلى الخلاف حيث لا يحتمل أبدًا أن يكون هناك أي خلاف في المعنى، فإذا بدا لنا إحتمال ذلك ولو حتى من حيث الدقة أو السهولة، أثبتنا كل خلاف. وقد أخذنا بالأحوط، وهو بالإثبات لا بالترك.
هذا في غير الأحاديث. أما في الأحاديث فقد حرصنا على إثبات كل خلاف بين النسخ، ولو كان لفظيًا، مهما كان يسيرًا.
ونحن بهذا المسلك قد رفعنا عن عاتق القارئ عبئًا ومشغلة تحت مسؤوليتنا.
ولا شك أنه كان الأيسر والأحوط لنا الإشارة إلى كل خلاف مهما كان لفظيًا بحتًا. وأن هذه التصفية قد احتاجت منا جهدًا لم نبخل ببذله رعاية لوقت القارئ وفائدته.
٣ - وقد رأينا من الخير أن نشير في الهامش إلى موضع الآيات القرآنية من حيث السورة والرقم في المصحف، مع إيرادها كاملة في الهامش. وقد نورد آية أو أكثر قبلها أو بعدها إذا إحتاج ذلك الإحاطة بالمعنى.
٤ - كما عنينا بشرح الألفاظ الغامضة. وكذلك بشرح العبارات المبهمة مستندين في ذلك إلى الكتب المعتمدة من لغوية وأُصولية وفقهية.
٥ - وترجمنا في الهامش للأعلام التي ورد ذكرها، الترجمة التي يحتملها المقام، وتتناسب مع المترجم له. فلم نوجز الإيجاز الشديد الذي لا يغني، ولم نطل الإطالة التي تبعد عن الموضوع. وأشرنا عقب كل ترجمة إلى المصدر الذي اعتمدنا عليه.
٦ - وطبعي أن تقسيم الكلام إلى فقرات تبدأ كل فقرة من أول السطر من عندنا. فالكتاب من أوله إلى آخره الكتابة فيه متتابعة.
وكذا تقسيم الكلام، بفواصل من شولة وشرطة من عندنا. وكذا الفصل بالنقط. ونحن نرى أن هذا العمل مهم جدًا فعليه يتوقف سهولة الإلمام بالموضوع.
[ ٣٢ ]
٧ - كما ننبه إلى أن النقط لم يكن كاملًا في بعض النسخ، فكنا نرجع في ذلك إلى النسخ الأخرى أو إلى سياق العبارة، ولم نجد حاجة إلى الإشارة إلى ذلك في كل موضع.
٨ - وفي مرات قليلة احتاجت العبارة كي تؤدي المعنى إلى إضافة كلمة ليست في "الأصل" ولا في النسخ الأخرى، فكنا نبذل جهدنا كي نأتي بهذه الكلمة من الكتب الأخرى ناسبينها إليها مع ظهورها على سبيل التحرز.
٩ - وكذا قد تحتاج صحة العبارة لغة إلى إضافة حرف كالفاء في جواب "أما" مثلًا فكنا نضيفه، ووضعنا هذا وذاك بين علامتين هكذا [] ولم يحتج الأمر معه إلى أن نشير في كل موضع إلى أن ما بينهما من عندنا.
١٠ - وقد اكتفينا عند اختلاف النسخ في كلمة أو عبارة بأن نذكر في الهامش الكلمة أو العبارة المخالفة فقط، ولم نر حاجة إلى تكرار الكلمة أو العبارة المستبدلة اعتمادًا على فطنة القارئ.
نسأل الله تعالى العون والتسديد فهو نعم المولى ونعم النصير.
[ ٣٣ ]
وَبَعْد
فهذا هو "ميزان الأصول في نتائج العقول" تصنيف الشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي صاحب "التحفة": حققت نسبته إلى صاحبه، وحققت ألفاظه ومعانيه، وحملت عبئه سنين: قمت فيها بنسخه بنفسي ثم مقارنته بالنسخ الأخرى وحدي ثم بشرحه والتعليق عليه وكان يلازمني في كل وقت: في السفر والإقامة، في العمل والراحة. وبذلت من صحتي وجهدي ما الله يعلمه، فما قصدي غير وجهه الكريم، وهو القادر على الجزاء.
ولست أدعي الكمال فالكمال لله وحده. فإن كنت وفقت كان عملًا صالحًا آمل أن يرفعه الله إليه، وإن كانت الأخرى فحسبي أني انتويت نية طيبة وبذلت جهدي فعسى الله أن يجزيني على جهدي ويغفر لي الذنب والتقصير.
وإنى لأرجو من يرى خطأ أو عيبًا أن يدلني عليه - خدمة للعلم - لتلافيه في طبعة لاحقة إن شاء الله.
وإني لأشكر أساتذتي وإخواني الذين كنت أرجع إليهم إذا أشكل علي لفظ، وأخص بالشكر منهم أُستاذي الجليل الشيخ علي الخفيف طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه فقد قرأ الكتاب من أوله لآخره وأبدى ما عنده من ملاحظات قيمة أُفدت منها.
وليس لي بعد ذلك من كلمة سوى الدعاء إلى الله ﷾ أن يجعل عملي كله خالصًا لوجهه الكريم وأن يرفعه إليه - إنه سبحانه الهادي إلى سبل الرشاد، وهو الغفار الرحيم جل وعلا علوًا كبيرًا.
الدكتور محمد زكي عبد البر
القاهرة في (ربيع الأول سنة ١٤٠١ هـ - يناير سنة ١٩٨١ م)
[ ٣٤ ]
جَدولْ الرِّمُوز
" الأصل " هو المخطوط ٧١٩ بمكتبة مراد مله باستامبول.
"أ" هو المخطوط ٩٧ بمكتبة رواق الأروام بالجامع الأزهر الشريف.
"ب" هو المخطوط ٧٧٨ أُصول فقه بدار الكتب المصرية بالقاهرة.
[] الكلمات أو الحروف التي بداخل هذين القوسين غير مأخوذة من إحدى النسخ. فهي إما من كتب أُخرى غير الميزان. وهذا هو الأعم، وإما من عندنا وهذا قليل في حدود الضرورة.
١: ١٠: ٥ الجزء الأول، الصفحة العاشرة، السطر الخامس (على سبيل المثال).
[ ٣٥ ]
«المختصر»
[ ٣٢ ]