اعلم أن (١) العلم المحدث نوعان: ضروري، واستدلالي:
فالضروري ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون للعالم فيه فعل الكسب والإختيار ولا (٢) قدرة التحصيل والترك.
والإستدلالي ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه (٣)، وللعالم فيه فعل الكسب والإختيار وقدرة التحصيل أو (٤) الترك.
نظيره: الفعل المحدث وينقسم (٥) إلى نوعين: ضروري وإختياري:
فالضروري ما حصل (٦) في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون للذات فيه فعل الكسب والإختيار، ولا قدرة التحصيل والترك، نحو حركة المرتعش وسكون اليد الشلاء وغيرهما.
والفعل الإختياري ما حصل في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه أيضًا، لكن للذات فيه فعل الكسب والإختيار، وله (٧) قدرة التحصيل أو (٨) الترك، كالذهاب والمجيء والقيام والقعود.
* * *
ثم العلم الضروري أنواع ثلاثة:
- العلم الحاصل بالحواس الخمس.
- والعلم الحاصل بالأخبار المتواترة، نحو العلم بالبلدان النائية والملوك الماضية.
_________________
(١) كذا في ب وفي الأصل "بأن".
(٢) "لا" ليست في ب فقيها: "وقدرة".
(٣) "وتخليقه" من ب.
(٤) في ب: "و".
(٥) في ب: "نظيره للفعل المحدث: فإنه ينقسم".
(٦) في ب: "ما يحصل".
(٧) "له" من ب.
(٨) في ب: "و".
[ ٨ ]
- والعلم الحاصل ببدائه العقول، من غير تأمل ونظر (١) في الأصول، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وما يحدث فيه من الألم واللذة، وأن كل الشيء أكبر وأعظم (٢) من جزئه، ونحو ذلك.
وأما العلم الإستدلالي فنوعان: عقلي وسمعي:
- فالعقلي ما يعرف بمجرد العقل، بالتأمل والنظر في المحسوسات والبدائه (٣)، من غير واسطة الدليل السمعي، كالعلم بحدوث (٤) العالم وثبوت الصانع وقدمه وتوحيده، ونحو ذلك.
- والسمعي ما يعرف بالنظر العقلي في المسموعات، ولا يعرف بالعقل وحده بدون واسطة (٥) السمع، كالعلم بالحلال والحرام، وسائر ما شرع الله تعالى من الأحكام.
فالعلم العقلي يوجب العلم (٦) قطعًا ويقينًا (٧)، وهو يسمى "علم الكلام" و"علم التوحيد" و"علم أصول الدين" في عرف لسان الفقهاء والمتكلمين.
وأما العلم السمعي فنوعان:
أحدهما - ثابت بطريق القطع واليقين، وهو ما ثبت بالنص المفسر (٨) من الكتاب، والخبر المتواتر والمشهور (٩)، والإجماع (١٠).
_________________
(١) في ب: "من غير نظر وتأمل".
(٢) في ب: "وأن الشيء أعظم".
(٣) "في المحسوسات والبدائه" ليست في ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "بحدث".
(٥) في ب: "إلا بواسطة".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل "الحكم".
(٧) "ويقينًا" ليست في ب.
(٨) "المفسر" ليست في ب. وانظر فيما بعد ص ٣٥١ وما بعدها.
(٩) انظر في - حكم المشهور: هل يوجب علم طمأنينة أو علمًا يقينيًا - ٤٢٨ - ٤٣٠
(١٠) سيأتي بيان كل هذه الألفاظ. انظر فيما بعد ص ٣٥٦ وما بعدها و٤٢٢ وما بعدها و٤٢٨ وما بعدها. ٤٨٩ وما بعدها.
[ ٩ ]
والثاني - ثابت بطريق الظاهر، بناء على غالب الرأي وأكبر الظن. وهو ما ثبت بظواهر الكتاب والسنة المتواترة (١)، وما ثبت بخبر الواحد، والقياس الشرعي (٢).
وهذا النوع بقسميه يسمى "علم الشرائع والأحكام" ويسمى "علم الفقه" في عرف الفقهاء وأهل الكلام، وإن كان اسم الفقه لغة وحقيقة لا إختصاص له بهذا النوع من العلم، بل هو اسم للوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به علم (٣) يحتاج فيه (٤) إلى النظر والإستدلال مطلقًا، كعلم النحو واللغة والطب وغيرها (٥) - يقال "فلان فقيه في النحو والطب واللغة" (٦) إذا كان قادرًا على الإستنباط والإستخراج في ذلك (٧).
وكذا الدلائل السمعية (٨) التي تعاق بها هذا العلم يسمى "أصول الفقه" في عرف الشرع.
وكذا الكتاب الذي يذكر فيه تقسيم هذه الأحكام ووجوه (٩) تعلقها بهذه الأصول وكيفية إستخراج المعاني المسماة بالفقه من الأصول - يسمى "أصول الفقه" في عرف الفقهاء.
_________________
(١) أي وبظواهر السنة المتواترة.
(٢) انظر فيما بعد: ص ٤٤٨ وما بعدها وص ٥٥١ وما بعدها.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل "الذي تعلق به حكم".
(٤) "فيه" ليست في ب.
(٥) في ب: "وغيرهما".
(٦) "واللغة" من ب.
(٧) في القاموس والمصباح: الفقه بالكسر العلم بالشيء والفهم له والفطنة. وقال ابن فارس: وكل علم لشيء فهو فقه ولكنه غلب على علم الدين لشرفه. فالفقه على لسان حملة الشرع علم خاص.
(٨) راجع ما تقدم عن العلم الإستدلالي السمعي (ص ٩ - ١٠)
(٩) في ب: "وجوه".
[ ١٠ ]