الكلام فيه في ثلاثة (٨) مواضع:
في بيان حد الخبر وحقيقته.
وفي بيان أقسامه.
وفي بيان حكمه.
ونذكر حده، وأقسامه، في باب الأخبار (٩) إن شاء الله تعالى.
ونبين ههنا حكم الخبر، فنقول:
إن (١٠) خبر الله تعالى وخبر الرسول ﵇ حجة ودليل على
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "إلا إذا قام دليل الإجماع"، فليس فيهما: بها الدليل أعني".
(٢) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "هو الاستقصاء".
(٣) في أ: "على ما نراه".
(٤) في ب: "ولكن هذا القدر".
(٥) في أ: "بينهما".
(٦) "كله" ليست في أ.
(٧) انظر في تقسيم البحث فيما تقدم ص ٨٠. وفي فصل الأمر ص ٨٠ وما بعدها. وفي فصل النهي ص ٢٢٣ وما بعدها.
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ثلاث".
(٩) انظر فيما بعد في الكلام على "السنة" ص ٤١٩ وما بعدها.
(١٠) "إن" ليست في ب.
[ ٢٤٩ ]
حكم الله تعالى، من الفريضة والواجب والحلال والحرام ونحوها - لما عرف أن الموجب للأحكام هو الله تعالى، وصيغ (١) الأمر والنهي والخبر دلالات عليها لكونها غيبًا (٢) عن العباد، وذلك نحو قوله تعالى: "كتب عليكم القصاص في القتلى" (٣). وقوله تعالى (٤): "كتب عليكم الصيام" (٥). وقوله تعالى (٦): "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا" (٧). وقوله تعالى: "حرمت عليكم أمهاتكم (الآية) ". وقوله تعالى (٨): "حرمت. عليكم الميتة والدم (الآية) " (٩). وقوله تعالى (١٠): "وأحل الله البيع وحرم الربا (الآية) " (١١)، ونحو ذلك. وقال ﵇: "حرمت عليكم (١٢) الخمر لعينها". وكذا خبر الرسول - ﷺ - أن الله تعالى (١٣) أمركم بكذا ونهاكم عن كذا. أو قال - ﷺ - (١٤): "هو واجب عليكم" أو قال - ﷺ - (١٥): "هذا (١٦) حرام عليكم".
_________________
(١) في (أ) و(ب): "وصيغة".
(٢) "غيبًا" ليست في ب.
(٣) سورة البقرة: ١١٨.
(٤) "قوله تعالى" من ب.
(٥) سورة البقرة: ١٨٣.
(٦) "وقوله تعالى" من ب.
(٧) سورة البقرة: ١٠٣.
(٨) وقوله تعالى: "حرمت عليكم أمهاتكم .. الآية، وقوله تعالى": من ب.
(٩) المائدة: ٣. والنحل: ١١٥.
(١٠) "وقوله تعالى" من ب.
(١١) سورة البقرة: ٢٧٥. وكلمة "الآية" من ب.
(١٢) "عليكم" ليست في ب. وكذا في السرخي (الأصول، ١: ١٩٥): "حرمت الخير لعينها".
(١٣) "تعالى" من أ.
(١٤) و(١٥) "ﷺ" من ب.
(١٥) في أ: "هو".
[ ٢٥٠ ]
وهذا لأن خبر الله تعالى وخبر الرسول - ﷺ - (١) صدق محض، فيثبت به المخبر به، من الحل والحرمة، والوجوب ونحوها: قطعًا إن ثبت الخبر بدليل مقطوع به. ويثبت من حيث الظاهر إن ثبت بدليل من حيث الظاهر - على ما يعرف إن شاء الله تعالى.
فصل:
ثم الحرمة والحل ونحوهما (٢) إذا أضيف إلى الأعيان هل يكون وصفًا للأعيان بطريق الحقيقة أو يوصف بهما (٣) مجازًا؟
بعضهم قالوا (٤): يوصف بهما (٥) مجازًا، وإنما الحرمة والحل (٦) والوجوب أوصاف الفعل في حق أهل التكليف، فيجب (٧) عليهم تحصيل الواجب والامتناع عن الحرام، ورفع الحرج في حق مباشرة الحلال - وهذا لا يتحقق في حق الأعيان، وبه قال أهل الاعتزال.
وقال مشايخنا بأنها تكون أوصاف الأعيان كما تكون أوصاف الأفعال، فيوصف المحل (٨) بكونه حلالا لصيرورته محلا للحل (٩) شرعًا، ويوصف بالحرمة لخروجه من أن يكون محلا له شرعًا (١٠). ومتى أمكن العمل
_________________
(١) "ﷺ" من ب.
(٢) في ب: "ثم الحل والحرمة ونحوها".
(٣) في ب: "بها".
(٤) في الأصل بين هذا السطر والذي فوقه كلمة: "الوجوب". وفي هامش أ: "وهم العراقيون كذا ذكر شمس الأئمة السرخي في أصوله في باب الحقيقة" (انظر السرخي، الأصول، ١: ١٩٥).
(٥) في ب: "بها".
(٦) في ب: "الحل والحرمة".
(٧) في ب: "ويجب".
(٨) في ب: "الفعل".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "للفعل".
(١٠) "ويوصف بالحرمة شرعًا" ليست في ب.
[ ٢٥١ ]
بحقيقة الإضافة إلى الأعيان، فلا معنى لإضمار الفعل، كأنه قال تعالى (١): "حرمت عليكم نكاح أمهاتكم" أو "وطأهن والاستمتاع (٢) بهن"، وكأنه (٣) قال تعالى (٤): "حرمت عليكم أكل الميتة" وكأنه جل وعلا (٥) قال: "أحل لكم أكل الطيبات" إذ الإضمار ضروري يصار إليه (٦) عند استحالة العمل بظاهر اللفظ، كقوله تعالى: "واسأل القرية .. (الآية) " (٧) ونحو ذلك. ولأن الحرمة عبارة عن المنع فيوصف الفعل بالحرمة على معنى أنا منعنا عن اكتساب ذلك الفعل وتحصيله، فيصير الفعل ممنوعًا عنا تحصيلا واكتسابًا - فكذا معنى حرمة العين: أن العين منع عنا، تصرفًا فيه، فيكون ممنوعًا عنا، وذلك نظير الحماية في الأعيان، في قال: "فلان في حماية فلان" أى صار محميًا بحيث صار ممنوعًا عن كل قاصد (٨)، لحرمة الحامى وإنه (٩) وصف له حقيقة. وجاء في الحديث في حق النحل أن صاحبها قال: "يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم -: احمها لي"، فحماها له (١٠)، وأوجب العشر فيَ عسلها، وأثر ذلك في خروج العين عن محلية تصرف الغير فيه. ومنه تحريم السلطان الكلأ على (١١) العامة وحمايتها لدوابه، حتى جاء المنع عن ذلك (١٢) شرعًا بقوله
_________________
(١) "تعالى" من ب.
(٢) في ب كذا: "وطيهن أو الاستمتاع بهن".
(٣) في ب: "فكأنه".
(٤) "تعالى" من ب.
(٥) "جل وعلا" من ب.
(٦) "يصار إليه" ليست في (أ) و(ب).
(٧) سورة يوسف: ٨٢.
(٨) في ب: "واحد".
(٩) في أ: "فإنه".
(١٠) "له" ليست في أ.
(١١) في ب: "عن".
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ذاك".
[ ٢٥٢ ]
﵇: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، وإلى هذا المعنى أشار النبيﷺ - حيث قال: "ألا إن لكل ملك حمى وإن حمى الله تعالى (١) محارمه، فمن حام حول الحصى يوشك أن يقع فيه".
وإنما أنكرت المعتزلة حرمة الأعيان احترازًا عن مناقضة مذهبهم الفاسد (٢) في نفي خلق أفعال العباد عن الله تعالى، بقولهم إن منها ما يوصف بالقبح والحرمة، مثل الكفر و(٣) المعاصي، ولا يجوز نسبة خلق القبيح (٤) إلى الله تعالى، فيلزمهم خلق الأعيان القبيحة المستقذرة من الأنجاس والجعلان (٥) والخنافس والقرود (٦) والخنازير ونحوها، فأنكروا (٧) وقالوا: إنها ليست بقبيحة، وأنكروا المحسوس و(٨) الثابت ببدائه العقول، فأنكروا (٩) حرمة الأعيان حتى لا توصف (١٠) بالقبح، فإن (١١) كل محرم يكون موصوفًا بالقبح.
وعندنا الأعيان نوعان: قبيحة وحسنة. كالأفعال نوعان: حسنة وقبيحة. ونوع متوسط في الأعيان والأفعال لا ينفر عنها الطباع ولا تميل إليها فتوصف (١٢) بالحل والإباحة - والله المستعان.
_________________
(١) "تعالى" ليست في ب. وفي الأصل: "حوم الحمى".
(٢) في أ: "مذاهبهم الفاسدة".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أو".
(٤) كذا في ب والأصل. وفي أ: "القبح".
(٥) الجعلان جمع الجعل وهو حيوان كالخنفساء يكثر في المواضع الندية (المعجم الوسيط).
(٦) في ب: "والقردة".
(٧) في ب: "وأنكروا".
(٨) الواو ليست في أ.
(٩) في أ: "وأنكروا".
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لا يوصف".
(١١) في أ: "وإن".
(١٢) كذا في أ. وفي ب: "ولا يميل إليها فيوصف" وفي الأصل "فيوصف".
[ ٢٥٣ ]