الكلام في العام في أربعة مواضع:
في بيان العام لغة.
وفي بيان حد العام وحقيقته عند الفقهاء وأهل الكلام.
وفي بيان أقسامه.
وفي بيان حكمه، وما يتصل (٢) به من المسائل.
أما بيان العام لغة:
فهو مشتق من العموم، وهو مستعمل في معنيين (٣): في الاستيعاب، وفي الكثرة والاجتماع - يقال مطر عام وخصب عام إذا عم الأماكن كلها أو عامتها. ومنه عامة الناس لكثرتهم. وكذا القرابة إذا توسعت وكثرت أشخاصها تسمى (٤) قرابة العمومة (٥).
وأما بيان حد العام وحقيقته:
فقد تكلموا فيه بألفاظ مختلفة المعاني. وقبل أن نذكرها نبدأ بذكر مسألتين اختلف أهل الأصول فيهما، وبمعرفتهما (٦) يعرف ما نذكر من حد العام أنه على الاتفاق أو على الاختلاف.
_________________
(١) راجع ص ٨٠
(٢) في أ: "حقيقة ما يتصل"
(٣) "في معنيين" من (أ) و(ب).
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "يسمى".
(٥) في أ: "العموم". قال في كشف الأسرار (١: ٣٤): "والقرابة إذا توسعت انتهت إلى صفة العمومة. فأول درجات القرابة البنوة ثم الأبوة ثم الأخوة ثم العمومة فيها تنتهي وتتوسع. وليس بعدها قرابة أخرى إذ سائر القرابات بعد هذه الأربعة فرع لهذه الأربعة. ولهذا انتهت المحرمية التي هي من أحكام القرابة إلى العمومة ولم تتعد إلى فروعها. ولم يتعرض الشيخ للخؤولة لأن الأصل قرابة الأب إذ النسب إلى الآباء".
(٦) في ب: "ومعرفتهما".
[ ٢٥٤ ]
- إحداهما، أن المعاني هل لها عموم أم لا؟ مع اتفاقهم أن الألفاظ لها عموم.
فقال الجصاص (١) وأكثر من قال بتخصيص العلة: إن المعاني لها عموم - فإنه يقال عمهم الخصب والجدب (٢) وعمهم المطر إذا كان هذا المعنى عامًا في عامة البلاد. ويقال علة عامة إذا ثبت حكمها في المنصوص عليه وفي غيره. ولهذا جوزوا تخصيص العلة لعمومها، كما يجوز تخصيص النصوص العامة (٣) بالإجماع.
وقال بعضهم: إن المعاني لا عموم لها، لأن المعنى واحد، وإنما كثرت محاله، أو يكون في كل محل معنى على حدة، وكل واحد غير الآخر، ولكن (٤) من جنسه. وقولهم (٥): عم الخصب والمطر فهو (٦) مجاز لكثرة محال ذلك المعنى.
- والمسألة الثانية، أن شرط العموم الاستغراق (٧) والاستيعاب (٨) أو الإجماع لا غير؟
فعند الجصاص وأكثر مشايخ ديارنا هو الاجتماع والكثرة دون الاستيعاب.
وقال مشايخ العراق (٩): من شرطه الاستيعاب.
_________________
(١) راجع ترجمته فيما تقدم في الهامش ٨ ص ١٤٧.
(٢) في هامش أ: "الجدب نقيض الخصب"
(٣) في أ: "النص العام".
(٤) الواو من (أ) و(ب).
(٥) في أ: "وقوله".
(٦) في ب: "وهو".
(٧) في أ: "للاستغراق".
(٨) ابتداء من هنا نقص في النسخة أحتى نشير إلى إنتهاء النقص (انظر الهامش ٥ ص ٣٠٤. وراجع الهامشين ٦ ص ٤٥ و١ ص ١).
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "مشايخنا [بـ] العراق".
[ ٢٥٥ ]
إذا ثبت هذا نذكر المشهور من (١) ألفاظ الفقهاء (٢) في حد العام.
- قال الجصاص (٣): العام ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني أى العام شيء يشمل الأشياء وينتظمها. والشامل نوعان: لفظ عام ويشمل المسميات كالرجال والنساء، أو المعنى الذي يعم المحال والأشخاص ويشملها كالخصب والجدب إذا شملا الناس - بناء على أصله: أن المعنى له مموم، كاللفظ سواء.
- وذكر القاضي الإمام (٤) أبو زيد رحمة الله عليه (٥) وقال: العام (٦) ما ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى. وفسر الأسماء بالتسميات (٧)، فإنه قال: هو كلفظ الشيء: إنه اسم لكل موجود، ولكل موجود اسم من الأرض والسماء، والمك والآدمي والجن ونحوها. وفسر المعنى: إذا عم الأعيان، نحو المطر العام ونحوه، أي لفظًا ينتظم معنى عامًا - تقول: مطر عام؛ لأنه يعم الأمكنة (٨) حلولا، لا أنه اسم جنس تحته أنواع لها أسماء، فيكون لفظ المطر يعمها.
_________________
(١) "المشهور من" من ب.
(٢) "الفقهاء" ليست في ب.
(٣) راجع ترجمته في الهامش ٨ ص ١٤٧. وانظر السرخي، الأصول، ١: ١٢٥.
(٤) "الإمام" ليست في ب.
(٥) راجع ترجمته فيما تقدم في الهامش ٧ ص ٧٥.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "العامة".
(٧) في ب: "بالمسميات" - قال السرخي في أصوله (١: ١٢٥): "وذكر أبو بكر الجصاص ﵀ أن العام ما ينتظم جمعًا من الأسامي أو المعاني، وهذا غلط منه ولكن هذا إنما يستقيم إذا قال: ما ينتظم جمعًا من الأسامي والمعاني". وانظر البزدوي والبخاري عيه، ١: ٣٣ و٣٤ حيث قال البخاري في الموضع الأخير (ص ٣٤): "واعلم أن القاضي الإمام أبا زيد ﵀ عرف العام بها عرفه الشيخ لكنه فسر الأسماء بالتسميات - كذا قال صاحب الميزان .. فسياق كلامه هذا يشير إلى أن مراده من الأسماء التسميات "
(٨) في ب: "جميع الأمكنة". وفي السرخسي (١: ١٢٥): "فإنه يقال: مطر عام لأنه عم الأمكنة"
[ ٢٥٦ ]
- وذكر مشايخنا ما ذكره القاضي الإمام (١) أبو زيد ﵀ وفسر الأسماء بالمسميات وقال: العام ما ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى. أى (٢) ما يتناول جمعًا من المسميات لفظًا كلفظ الجماعة من الرجال والنساء والبلاد والعباد، أو ما يتناول جمعًا من المسميات معنى كلفظ الفرد الذي أريد به الجمع نحو جن وإنس وكل وما ومن ونحوها.
وكل منهم من ذكر مفسرًا فقال: العام ما ينتظم جمعًا من المسميات لفظًا أو معنى.
هذه عبارات من شرط للعموم الاجتماع دون الاستيعاب.
فأما (٣) عبارات من شرط الاستيعاب:
- قال بعضهم: العام هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له.
- وقال بعضهم: هو اللفظ المتناول (٤) لجميع ما هو صالح له.
- وقال بعضهم: هو اللفظ المتناول لجميع ما وضع له.
وبعضه قريب من بعض.
وذكر أبو جعفر الخباز (٥) السمرقندي: العام هو اللفظ المستولي على أعيان جنسه المستدعي لمسمياته إلى نفسه.
_________________
(١) "الإمام" ليست في ب.
(٢) في ب: "أو".
(٣) في ب: "وأما".
(٤) عبارة "لجميع ما يصلح له وقال بعضهم: هو اللفظ المتناول" ليست في ب.
(٥) كذا في البخاري على البزدوي، ٣: ٢١٤. وفي الأصل كذا: "الحبار". وفي ب كذا: "الخبار" ولم نعثر له على ترجمة.
[ ٢٥٧ ]
وأما عبارات أصحاب الحديث:
- ذكر عن الأشعري (١) أنه قال: العام هو اللفظ المتناول لشيئين فصاعدًا.
- وبعض أصحاب الشافعي قال: العام كل لفظ اشتمل على مسميين فصاعدًا.
- وزاد بعضهم: العام هو اللفظ الواحد الدال من جملة (٢) واحدة على شيئين فصاعدًا.
وفي هذه الحدود نظر، وفي بيان وجوه الفساد فيها، تطويل لا يقبله هذا (٣) المختصر، وهو في الشرح مشروح.
والحد الصحيح للعام (٤):
- على مذهب من شرط الجمع دون الاسته هاب أن يقال: العام هو اللفظ المشتمل على أفراد متساوية في قبول المعنى الخاص الذي وضع له اللفظ بحروفه لغة.
- وعلى المذهب الثاني: العام هو اللفظ المستغرق لأفراد متساوية في قبول المعنى الخاص الذي وضع له اللفظ بحروفه لغة.
وقولنا: اللفظ المشتمل على أفراد متساوية في قبول المعنى الذي وضع له اللفظ (٥) لغة - احتراز عن قولنا: "إنسان" فإنه لفظ (٦) مشتمل على أفراد
_________________
(١) راجع ترجمته فيما تقدم في الهامش ١ ص ١٦٨.
(٢) في ب: "من جهة".
(٣) "هذا" من ب.
(٤) في ب: "العام".
(٥) "اللفظ" من ب.
(٦) "لفظ" من ب.
[ ٢٥٨ ]
وأعضاء لكن كل فرد لا يقبل المعنى الذي وضح له اسم "الإنسان" (١).
وقولنا: المعنى الخاص - احتراز (٢) عن الاسم المشترك (٣) بلفظ الجمع كقولنا "العيون" فإنه كل مشتمل على أفراد مختلفة المعنى، فإن العين قد يراد به العين الباصرة والركية (٤) والشمس والصامت (٥) ونحو ذلك. ومعانيها مختلفة حتى إذا تساوى الأفراد في قبول كل معنى منها خاص، فالاسم (٦) في حق ذلك عام كقولنا "قرت العيون".
وقولنا: المعنى الخاص الذي وضح له اللفظ (٧) لغة - فإن في قولنا "إنسان" وجود الاشتمال على أفراد متساوية في قبول معنى الوجود والشيئية ومعنى الجزئية والبعضية ولا يكون عامًا، لأن هذه المعاني ليست مما وضح له لفظ "الإنسان" لغة (٨).
وقولنا: بحروفه - احتراز عن لفظ الرجال وكل لفظ موضوع للجمع. فإن لفظ الرجال وضح في اللغة لمعنى الجمع وكل فرد من أفراد الرجال لا يقبل معنى الجمع فلا يسمي، كل فرد (٩) رجالا، ولفظ الرجال اسم عام
_________________
(١) الإنسان الكائن الحي المفكر. وإنسان العين ناظرها - وإنسان السيف والسهم حدهما. والإنسان الراقي ذهنًا وخلقًا. والإنسان المثالي الذي يفوق العادي بقوى يكتسبها بالتطور (المعجم الوسيط). وانظر العبارة بعد التالية.
(٢) في الأصل و(ب): "احترازًا".
(٣) في ب كذا: "المشتل".
(٤) الركية: البئر لم تطو (المعجم الوسيط).
(٥) الصامت من المال الذهب والفضة (المعجم الوسيط). وانظر السرخسي، الأصول، ١: ١٢٦ حيث قال: "مثل اسم العين: فإنه للناظر ولعين الماء وللشمس وللميزان وللنقد من المال وللشئ المعين لا على أن جميع ذلك مراد بملطلق اللفظ ولكن على احتمال كون كل واحد مرادًا بانفراده عند الإطلاق". البزدوي والبخاري عليه، ١: ٣٧ - ٣٨.
(٦) في ب: "والاسم".
(٧) "اللفظ" ليست في ب.
(٨) راجع فيما تقدم الهامش ١.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "فلا يسمى زايد كل فرد". والظاهر أن كلمة "زايد" هذه زائدة.
[ ٢٥٩ ]
فلا ينعكس الحد، والشرط (١) صحة الحد الاطراد والانعكاس جميعًا، لأنا قانا: العام هو اللفظ المشتمل على أفراد متساوية في قبول المعنى الخاص الذي وضع له اللفظ (٢) بحروفه لا بصيغته، ولفظة الرجال ما وضعت دلالة على معنى الجمع بحروفه، بل وضعت دلالة على معنى الجمع بصيغته، فلا يكون لازمًا على ما قلنا - والله أعلم (٣).
- وقال بعض الفلاسفة في حد العام: هو اللفظ المشتمل على مسميات متفقة الحدود. وإن شئت قلت: المشتمل على أفراد أو أشياء متفقة الحدود.
وهذا حد صحيح، وهو أوجز من الأول.
- وإن شئت قلت: اللفظ الموضوع لأفراد بمعنى واحد - و(٤) هذا أصح. والله أعلم.
وأما بيان أقسام العام - فنقول:
اللفظ العام عند من شرط للعموم (٥) الاجتماع دون الاستيعاب، على قسمين:
أحدهما - عام بنفسه وضعًا.
والثاني - عام بغيره في الوضع أيضًا.
_________________
(١) كذا في ب والأصل ..
(٢) "اللفظ" ليست في ب.
(٣) كذا في ب. وزاد هنا في الأصل: "لأنا نقول: صيغة الجمع ما وضعت لمعنى الرجولة، وإنما وضعت دلالة على الجمع. فأما الموضوع الدال على معنى الرجولية هي الحروف الخاصة. وقد قلنا: المشتمل على أفراد متساوية في قبول المعنى الخاص بحروفه لا بصيغته".
(٤) "الواو" ليست في ب.
(٥) في ب: "العموم".
[ ٢٦٠ ]
والأول قسمان:
[أحدهما]- عام بصيغته (١) وبمعناه (٢)، كقولنا: رجال ونساء ومسلمون ومسلمات.
والثاني - عام بمعناه دون صيغته، كقولنا: إنس وجن وقوم وما ومن ونحو ذلك. وكذا كل لفظ فرد دل على مطلق الجمع في أسماء الأعيان، وكالمصدر في أسماء الأفعال، كقول الرجل لامرأته: "أنت طالق طلاقًا" ونحو ذلك، حتى يصح نية الثلاث - قال (٣) الله تعالى: "لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا" (٤): وصف المصدر، وهو الثبور، بالكثرة.
ومن شرط عموم هذا النوع أن يتناول جماعة الأفراد من حيث مطلق الجمع من غير تعرض لعدد معلوم بل يتناول الثلاثة فصاعدًا، كقولك: "رأيت رجالًا" يحتمل الثلاثة والعشرة والألف وأكثر من ذلك من حيث إنه جمع لا من حيث إنه عدد معلوم، إلا (٥) أنه إذا تعلق به حكم شرعي ولم يكن له نية، يقع على الثلاثة لأنه أقل الجمع، والأقل متيقن بأن قال "لفلان علي دراهم (٦) ".
فأما اللفظ إذا تناول عددًا معلومًا بنفسه وضعًا، فهو (٧) ليس بعام،
_________________
(١) "عام بصيغته" من ب.
(٢) في ب: "ومعناه".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "وقال".
(٤) سورة الفرقان: ١٤. وفي المعجم الوسيط: ثبر فلان ثبرا وثبورا: هلك. وثبر الشيء أهلكه.
(٥) في ب: "ولا".
(٦) في ب: "درهم".
(٧) في ب: "وهو".
[ ٢٦١ ]
بل هو اسم خاص كالذود: اسم للابل من الثلاثة إلى التسعة (١)، وكأسماء الأعداد نحو العشرة والتسعة والثمانية ونحوها، فإنه يتناول الأفراد من العدد بطريق التضمن، لا بطريق العموم، لأنه اسم موضوع لعدد معلوم لا يدل بصيغته وحروفه إلا على هذا العدد، حتى إذا انتقص واحد من العشرة يتبدل (٢) الاسم من العشرة إلى التسعة (٣). وإذا زيد عليها واحد يبطل اسم العشرة ويحدث له اسم آخر (٤) وهو أحد عشر، لأن علة استحقاق هذا الاسم هو هذا القدر المعين، وعند الزيادة والنقصان يبطل علة استحقاق الاسم، فيبطل الاسم، بخلاف صيغة الجمع: فإن العلة فيها هو مطلق الاجتماع الزائد على التثنية، وذلك باق بعد الخصوص، حتى لو لم يبق بعد الخصوص تحته (٥) إلا واحد أو اثنان فيبطل الاسم العام أيضًا، فهو (٦) الفرق بينهما.
وأما النوع الآخر -[و] هو ما كان عامًا بغيره، فهو على قسمين:
أحدهما - ما يكون في نفسه مفهومًا بدون القرينة.
والثاني - ما لا يكون مفهومًا بدون القرينة.
[الأول] (٧):
_________________
(١) الذود: القطيع من الإبل بين الثلاث إلى العشر (مؤنث) يقال: خس ذود أي خمس من الذود. وفي الحديث: "ليس فيما دون خس ذود من الإبل صدقة" وفي المثل: "الذود إلى الذود إبل" يضرب في اجتماع القليل إلى القيل حتى يؤدي إلى الكثير. الجمع أذواد (المعجم الوسيط).
(٢) في ب: "يبدل".
(٣) في ب: "السبعة".
(٤) "آخر" ليست في ب.
(٥) "تحته" ليست في ب.
(٦) في ب: "وهو".
(٧) "الثاني" ص ٢٧٣ وما بعدها.
[ ٢٦٢ ]
فأما الذي يكون مفهومًا بدون القرينة، فهو على قسمين (١) أيضًا:
أحدهما - ما يكون خاصًا قبل دخول القرينة ثم يصير عامًا ولى خول القرينة (٢). كقولك "إنسان" و"رجل" إذا (٣) دخلهما لام التعريف. فقبل دخول القرينة يراد به رجل واحد أو (٤) إنسان واحد. وبعد القرينة يصير عامًا (٥) متناولا للجنس، لكن لمطاق الجنس أو لكل الجنس؟ فعلى ما نذكر من الاختلاف.
والثاني - ما يكون عامًا متناولا للجمع المطلق ثم يزداد (٦) عمومًا، بدخول لام التعريف كقولك "رجال" يدل على جمع مطلق من الذكور البالغين. وعند دخول اللام يزداد العموم، فيصير للاستيعاب أو لمطلق الجنس على الاختلاف الذي نذكر، ويبطل معنى الجمع.
وأما على قول من شرط الاستيعاب للعموم: فقبل دخول اللام فيه (٧) لا نقول هكذا إلا لمطلق الجمع (٨). وبعد دخول لام التعريف يصير للاستيعاب في صيغة الفرد والجمع جميعًا.
هذا قول عامة أهل الأصول وأهل النحو واللغة - ولكن بينهم (٩) اختلاف آخر.
_________________
(١) في ب: "ضربين".
(٢) " ثم يصير .. القرينة" ليست في ب.
(٣) في ب: "إن".
(٤) في ب: "و".
(٥) "عامًا" من ب.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "يزاد".
(٧) "فيه" من ب.
(٨) في ب: "دخول اللام فيه نقول هكذا إنه لمطلق الجمع".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "بينهما".
[ ٢٦٣ ]
قال عامتهم (١): هذا إذا لم يكن ثمة (٢) معهود. وأما (٣) إذا كان ثمة (٤) معهود يصرف (٥) إليه:
[فـ] (٦) قال بعض أهل التحقيق منهم: إنه يصرف إلى الاستيعاب واستغراق الجنس (٧) في الفصلين، إلا إذا كان لا يمكن لقيام الدليل الزائد.
وقال أبو علي الفسوي (٨) من النحويين في لفظ الجمع والفرد إذا دخله لام التعريف: إنه ينصرف إلى مطلق الجنس لا إلى كل الجنس.
وهو قول أبي هاشم (٩) من المعتزلة في قول.
وفي قول عنه: فرق بين الاسم الفرد والجمع، فقال: في الفرد يصرف إلى مطلق الجنس من غير استيعاب، وفي لفظ الجمع يحمل على مطلق
_________________
(١) في ب: "بعضهم".
(٢) في ب: "ثم".
(٣) في ب: "أما".
(٤) في ب: "ثم".
(٥) في ب: "ينصرف".
(٦) في ب: "وقال".
(٧) "واستغراق الجنس" ليست في ب.
(٨) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي النحوي. ولد سنة ٢٨٨ هـ بمدينة فسا من أعمال فارس وإليها ينسب فيقال "الفسوي". واشتغل ببغداد ودخل إليها سنة ٣٠٧ هـ. وكان إمام وقته في علم النحو. وأقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان مدة، وكان قدومه إليها سنة ٣٤١ هـ. وجرت بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس. ثم انتقل إلى بلاد فارس وصحب عضد الدولة وقويت منزلته عنده حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي على الفسوي في النحو. وصحب له كتاب "الإيضاح" و"التكملة في النحو" وكتاب "التذكرة" وكتاب "المقصور والممدود" وكتاب "الحجة في القراءات" وله كتب أخرى كثيرة. وكان متهمًا بالاعتزال. وتوفي سنة ٣٧٧ هـ ببغداد (ابن خلكان). وقال أحمد أمين في ظهر الإسلام (٤: ٦١): كان أبو علي الفارسي وتليذه ابن جني من المعتزلة وكان أبو علي يدعو إلى القياس في اللغة ويقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم.
(٩) راجع ترجمته فيما تقدم في الهامش ١ ص ١٤٦.
[ ٢٦٤ ]
الجمع، ويتناول الثلاثة فصاعدًا، ولا يبطل فيه معنى الجمع (١) ولا يحمل على الاستغراق إلا بدليل وراء لام التعريف من [الرمز] (٢) ونحوه.
وقال (٣) صاحب "المعتمد" من المعتزلة: إن اللام إذا دخل على الفرد يكون لمطلق الجنس دون الاستيعاب، وإذا دخل على الجمع يوجب الاستغراق إلا بدليل (٤).
وقال القاضي الإمام أبو زيد ﵀ بأن اللام (٥) إذا دخل على الفرد يصير للجنس، وكذا إذا دخل على لفظ الجمع يبطل معنى الجمع ويصير للجنس إلا أن اسم الجنس يتناول الكل بطريق الحقيقة، وللأدنى (٦) بطريق الحقيقة أيضًا، لكن عند الإطلاق ينصرف إلى الأدنى، وهو الواحد.
وفي ذكر شبهات كل فريق وحلها كلام كثير يعرف في الشرح إن شاء الله تعالى.
ونذكر حجة القول الصحيح، وهو قول العامة، وهو: الاستدلال باستعمال أهل اللغة، والاستدلال بإجماع أئمة اللغة، والاستدلال بالعقول اللغوي:
- أما الأول: فهو مستعمل في الكتاب والسنة:
قال الله تعالى: "يا أيها الناس" في مواضع (٧) وأراد به كل الجنس لا ثلاثة كل منهم، ولا مطلق الجنس.
_________________
(١) "الجمع" ليست في ب.
(٢) في الأصل كذا: "الرحر" وفي ب: "الرجر". وفي المعجم الوسيط: رمز إلى الشيء بكذا دل به عليه.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "فقال". ولعل المقصود أبو الحسين البصري محمد بن علي.
(٤) "إلا بدليل" ليست في ب.
(٥) في ب: "الكلام"
(٦) في ب: "والأدنى".
(٧) سورة البقرة: ٢١ و١٦٨. والنساء: ١ و١٧٠ و١٧٤. والأعراف: ١٥٨ ويونس: ٢٣ و٥٧ و١٠٤ و١٠٨. والحج: ١ و٥ و٤٩ و٧٣. وفاطر ٣ و٥ و١٥. والحجرات: ١٣.
[ ٢٦٥ ]
وقال الله تعالى (١): "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة" (٢) والمراد من منوع كله لا ثلاثة منهم.
وقال الله تعالى (٣) في اللفظ الفرد: "والنخل باسقات لها طلع نضيد" (٤) والمراد به استيعاب الجنس.
وقال الله تعالى (٥): "وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرًا" (٦) والمراد من كل واحد منهما جنسه لا فرد مخصوص.
وقال الله تعالى (٧): "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا" (٨) والمراد به ظاهرًا هو الجنس كله لا الفرد - ألا يرى (٩) أنه تعالى استثنى منه المؤمنين (١٠) واستثناء (١١) الجمع من الفرد لا يتحقق.
وقال النبي - ﷺ - (١٢): "الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل (الحديث) " (١٣) والمراد من اسم كل شيء من الأشياء الستة المذكورة في الحديث الجنس بكماله لا واحد منها.
_________________
(١) "الله تعالى" من ب.
(٢) النحل: ٨.
(٣) "الله تعالى" من ب.
(٤) سورة ق: ١٠.
(٥) "الله تعالى" من ب.
(٦) سورة يونس: ٧ وغافر: ٦١.
(٧) "الله تعالى" من ب.
(٨) سورة العصر: ١ - ٣.
(٩) في ب: "ترى".
(١٠) في ب: "المؤمن".
(١١) في ب كذا: "واستثنى".
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل: "وقال ﵇".
(١٣) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح - مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد". رواه مسلم (ابن حجر، بلوغ المرام، رقم ٦٩٦ ص ١٢٥). وهناك روايات أخرى للحديث.
[ ٢٦٦ ]
ويقال في عرف اللسان:
"كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس" والمراد به الجنس دون درهم ودينار.
ويقال: "أهلك الناس الدرهم والدينار" ويقال: "أهلك الناس اللبن" والمراد به الجنس لا الفرد.
ويقال: "الفرس أعدى من الحمار" و"الأسد أقوى من الذئب" والمراد به (١) كل الجنس لا الفرد.
- وأما إجماع أئمة (٢) اللغة:
فإنه سمى بعضهم هذه اللام "لام الجنس (٣) ".
وسمى بعضهم اللام "الموضوعة للجنس".
ونص الزجاج (٤) أن الإنسان في قوله تعالى: "والعصر إن الإنسان لفي خسر" بمنزلة قوله تعالى: إن الناس.
وعن ابن السراج النحوي (٥) أنه قال: إن عند تعارض جهتي العهد والتجنيس، الصرف إلى الجنس أولى.
_________________
(١) "به" ليست في ب.
(٢) في ب: "أهل".
(٣) في ب: "للتجنيس". وفي هامش الأصل: "التحنيس".
(٤) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد السري بن سهل الزجاج النحوي. كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين. صنف كتابًا في معاني القرآن الكريم وله كتاب "الأمالي" وكتاب "ما فسر من جامع المنطق" وكتاب "الاشتقاق" وكتاب "العروض" وكتاب "القوافي" وكتاب "الفرق" وكتاب "خلق الإنسان" وكتاب "خلق الفرس" وكتاب مختصر في النحو وغير ذك. وأخذ الأدب عن المبرد وثعلب رحمهما الله. وكان يخرط الزجاج ثم تركه واشتغل بالأدب فنسب إليه. توفي ببغداد سنة ٣١٠ (أو ٣١١ أو ٣١٦ هـ) وقد أناف على الثمانين. وإليه ينسب أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي صاحب كتاب "الحمل في النحو" لأنه كان تلميذه (ابن خلكان).
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "النحو". هو محمد بن السرى البغدادي النحوي أبو بكر بن السراج. وكان من أحداث غلمان المبرد سنًا مع ذكائه وفطنته. انتهت إليه الرياسة بعد موت الزجاج وتوفي سنة ٣١٦ هـ. وله كتاب "الأصول الكبير". وكتاب "جمل الإصول" وكتاب "الموجز"، وغيرها (ابن خلكان. والسيوطى، بغية الوعاة). وممن يعرف من النحاة بابن السراج أيضًا محمد بن الحسن بن عبد الله أبو يعلى الصيرفي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ (السيوطى، بغية الوعاة)
[ ٢٦٧ ]
وعن الفرا (١) أنه قال: إن العرب يقولون: ما كان من السباع غير مخوف - وهذا (٢) الأسد مخوفًا ويريدون بقولهم "الأسد" الجنس (٣) دون الفرد منها.
ومتى ثبت إجماع أئمة (٤) أهل الأدب على هذا فمخالفة (٥) أبي علي الفسوي لا تقدح في إجماع من تقدم من الكبار ويجب حمل قوله على الرجوع.
- وأما المعقول اللغوي فوجهان:
أحدهما: أن هذه اللام موضوعة للتعريف، فلا بد من (٦) أن يحصل بها تعريف لم يكن حاصلا قبل دخولها فيه، حتى يفيد ما وضع له، ويكون ذلك التعريف من موجباته. فأما تعريف كان حاصلا قبله فلم يكن من موجباته. ثم إذا قيل "جاءني رجل" حصل العلم للسامع بكون الجائي آدميًا ذكرًا جاوز حد الصغر، فعرف جنسه ونوعه وذكورته [و] بقي
_________________
(١) هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء البغوي الفقيه الشافعي المحدث المفسر. كان بحرًا في العلوم. أخذ الفقه عن القاضي حسين بن محمد. وصنف في تفسير كلام الله تعالى. وأوضح المشكلات من قول النبي صلى الله عيه وسلم. وروى الحديث. ودرس. وصنف كتبًا كثيرة منها: كتاب "التهذيب في الفقه". وكتاب "شرح السنة" في الحديث. و"معالم التنزيل" في تفسير القرآن الكريم. وكتاب "المصابيح" و"الجمع بين الصحيحين" وغير ذلك. وتوفي سنة ٥١٠ هـ. بمرو روذ، والفراء نسبة إلى عمل الفراء وبيعها. والبغوي نسبة إلى بلده بخراسان بين مرو وهراة يقال لها "بن" و"بغشور" وهذه النسبة شاذة على خلاف الأصل: قاله السمعاني في كتاب الإنساب (ابن خلكان).
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "فهذا".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "هو الجنس".
(٤) "أئمة" ليست في ب.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "مخالفة".
(٦) "من" ليست في ب.
[ ٢٦٨ ]
ذاته مجهولا. وكذا إذا قيل (١) "جاءني رجال" علم جنسهم ونوعهم واجتماعهم في المجيء، وبقي الذوات مجهولة لم يحصل العلم بأعيانهم.
ثم إذا دخلت اللام فيه وثم معهود يحصل تعريف الذات بسابقة ذلك العهد، فحصل تعريف لم يكن قبله حاصلا، فعملت اللام عملها. وعند انعدام العهد لا يحصل تعريف الذوات إلا وأن تصرف إلى كل الجنس، حتى يعلم أن كل واحد من الجنس مراد بهذا اللفظ. فأما متى صرف إلى مطلق الجنس، لم تصر الذوات معلومة وما وراء الذوات من كون المذكور من أي جنس كان، ووصف المذكورة (٢) والبلوغ معلوم (٣) بدون اللام، فكان (٤) الحمل عليه إلغاء لفائدة اللام، وصار وجودها كعدمها، وذلك إبطال وضع اللغة.
والثاني: أن اللام إن كانت في موضع العهد أوجبت دخول جميع أفراد المعهود، بأن كان المتكلم في ذكر رجال بين يدي سامع ثم قال: "جاءني الرجال"، عقل السامع منه جميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بصرف الاسم إليه من البعض، ولا يحمل على ثلاثة منهم أو ما ينطلق عليه اسم الرجال (٥).
وكذا إذا لم يكن ثمة (٦) معهود ودخلت (٧) على الجنس: يجب أن يراد به كل الجنس، لأن الجنس هو المتعارف إذا لم يكن ثمة (٨) معهود،
_________________
(١) في ب: "قال".
(٢) التاء من ب. وفي الأصل: "الذكور". والذكورة خلاف الأنوثة (المعجم الوسيط).
(٣) في ب: "جنس كان وصف المذكورة والبلوغ معلومًا".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "وكان".
(٥) " ولا يحمل الرجال" من ب.
(٦) في ب: "ثم".
(٧) في ب: "ووجدت".
(٨) في ب: "ثم".
[ ٢٦٩ ]
فإن الخصوم اتفقوا أن عند انعدام العهد يصرف إلى الجنس، والمعنى الجامع أنه ليس البعض بأولى (١) من البعض، بدون دليل مرجح في المعهود، فينصرف إلى كل المعهود. وهذا المعنى موجود في الجنس [فـ] يجب أن يصرف إلى كله إلا بدليل مرجح - والله أعلم.
ومن هذا القبيل: النكرة في موضع الإثبات:
وهي تخص ولا تعم عند عامة أهل الأصول.
وقال بعضهم: تعم من حيث الصلاحية.
وقالت المعتزلة: تعم على طريق البدل، كما قالوا في الأشياء الثلاثة في الكفارة.
والصحيح قول العامة:
- لأن قوله: "رأيت رجلًا"، فرد من حيث الصيغة، ولم يقترن به ما يوجب التعميم، فلا يدل على العموم: هو الأصل.
- وما ذكروا من عموم الصلاحية لكل واحد من الجملة فسلم، ولكن (٢) الكلام في عموم الأعيان. وفي قوله تعالى: "فتحرير رقبة" (٣) لا يراد به في كل حنث إلا وجوب (٤) تحرير رقبة واحدة مع عموم صلاحية الرقاب للوجوب.
- وما ذكروا من العموم على سبيل البدل: إن عنوا به أن كل واحد من الجملة يكون في الصلاحية بدلًا عن صاحبه، والداخل تحت اللفظ واحد
_________________
(١) في ب: "أولى".
(٢) في ب: "لكن".
(٣) سورة النساء: ٩٢. والمجادلة: ٣. والمائدة: ٨٩. والأولى خاصة بالقتل الخطأ. والثانية بالظهار. وآية المائدة: ٨٩: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
(٤) "وجوب" ليست في ب.
[ ٢٧٠ ]
منهم - فهو (١) قولنا. وإن عنوا أن اللفظ يتناول الكل على سبيل الإجتماع والشمول - فهو (٢) ليس قولهم (٣)، وهو فاسد، لأن الصيغة فرد، والفرد لا يتناول العدد إلا بقرينة تدل (٤) على العموم، ومن ادعى خلاف الظاهر فعليه الدليل (٥).
ومن هذا القبيل النكرة في موضع النفي:
وهي عامة بطريق الضرورة. وهي نوعان:
أحدهما - أن كلمة النفي تدخل على الفعل الواقع على النكرة كقولك: "ما رأيت رجلًا" فإن كلمة النفي تدخل على الرؤية.
والثاني - أن يدخل كلمة النفي على الاسم المنكر، كقول القائل: "لا رجل في الدار".
وفي الوجهين جميعًا يثبت النفي على العموم بطريق الضرورة، فإنه إذا قال: "ما رأيت رجلًا في هذا اليوم" (٦) - أخبر عن انتفاء رؤية رجل واحد منكر غير عين. ومن ضرورة انتفاء رؤية واحد غير عين من الرجال انتفاء رؤية جميع رجال العالم، لأنه لو رأى رجلا واحدًا عينًا يصير كاذبًا في خبره، فيتعمم بطريق الضرورة، بخلاف المعرف بأن قال: "ما رأيت اليوم زيدًا" لا يوجب انتفاء رؤية غيره، لأنه نفى رؤية ذات معين، فلو رأى غيره لا يكون كاذبًا في خبره.
_________________
(١) في ب: "وهو".
(٢) في ب: "وهو".
(٣) بين السطور في الأصل: "أي مذهبهم".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "دل".
(٥) زاد في ب: "والله أعلم".
(٦) "في هذا اليوم" من ب.
[ ٢٧١ ]
وكذا في النكرة الموصوفة بأن قال: "ما رأيت رجلًا عراقيًا أو بخاريًا" لا يعم في (١) غير هذا الموصوف، لأنه لو كان (٢) رأى رجلا غير موصوف بهذا الوصف، لا يكون كاذبًا في هذا الخبر، ولكن يوجب انتفاء الموصوف، لأنه لو رأى رجلا عراقيًا، يكون كاذبًا في خبره (٣).
وكذلك إذا قال: "لا رجل في الدار" يقتضي نفي واحد من جنس الرجال غير عين، ومن ضرورته نفي الكل حتى لا يكون كاذبًا في خبره.
ومن هذا القبيل أيضًا (٤) كلمة "كل" إذا دخل على الاسم الفرد (٥). وهو نوعان:
- إما أن يدخل على فرد منكر.
- أو على فرد معرف.
[فـ] إن دخل على فرد منكر -[فإنه] يوجب العموم، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٦)، والموت (٧) تعم النفوس كلها. وقال تعالى (٨): ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٩) وهي عامة. ويقول
_________________
(١) في ب: "وفي".
(٢) في ب: "لأنه إن كان".
(٣) في ب: "في غيره".
(٤) "أيضًا" ليست في ب.
(٥) "الفرد" ليست في ب.
(٦) سورة آل عمران: ١٨٥.
(٧) "والموت" ليست في ب.
(٨) "تعالى" من ب.
(٩) سورة المدثر: ٣٨.
[ ٢٧٢ ]
الرجل: "أكلت كل رغيف في هذا البيت" يتناول جميع الرغفان الموجودة في البيت.
وأما إذا دخل على الفرد المعرف، بأن قال: "أكلت كل هذا الرغيف" [فإنه] يتناول كل هذا الرغيف المعرف دون غيره.
والمعنى فيه أن (١) كلمة "كل" وضعت للإحاطة في اللغة: فإن دخل على النكرة يحيط بجميع الأفراد من جنسها، ومن ضرورته العموم. وإذا دخل على الفرد العرف يقتضي إحاطة أجزائه لا غير، فيوجب عموم أجزائه، لا عموم أفراد الرغفان.
[الثاني]:
وأما الذي هو عام بغيره، ولا يكون مفهومًا بنفسه، [فـ] نحو كلمة "من" و"ما" و"الذي" و"حيث" و"أين" ونحوها - وتسمى هذه الأسماء أسماء مبهمة وأسماء موصولة، لأنها لا تفهم بذواتها (٢)، وإنما تفهم بصلاتها الداخلة عليها، فيصير الكلمة المبهمة مع صلتها ككلمة (٣) واحدة. قال النبي - ﷺ -: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فيعم بعموم صلته، وهو الدخول، كأنه قال: الداخل في دار أبي سفيان آمن.
إذا ثبت هذا نقول: إن كلمة "من" هل (٤) تدخل في جميع الموجودات أو يختص تناوله البعض؟ فأهل (٥) اللغة والنحو قالوا: إن كلمة "من" تدخل في ذوات من يعقل لا غير. وكلمة "ما" يستعمل في ذوات ما لا
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "وكان المعنى فيه وهو أن".
(٢) في ب: "بذاتها".
(٣) في ب: "كلمة".
(٤) "هل" ليست في ب.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "وأهل".
[ ٢٧٣ ]
يعقل، وصفات من يعقل - يقول الرجل: "من في هذه الدار؟ " وجوابه (١): زيد وعمرو ومحمد. حتى لو قال: فرس أو حمار أو شاة، يكون مخطئًا في الجواب. وأما كلمة "ما" [فـ] تستعمل في ذوات ما لا يعقل حتى لو قال (٢): "ما في هذه الدار؟ " فيقول: زيد وعمرو، يكون مخطئًا. ولو قال: فرس أو حمار أو متاع، يكون مصيبًا. ولكن يستعمل في صفات من يعقل - يقول الرجل: "ما زيد؟ " فجوابه: إنه عالم أو خياط (٣) أو نساج أو صحيح أو مريض، لكن قد يستعمل في الكلام كلمة "ما" مكان كلمة "من" وكلمة "من" (٤) مكان كلمة "ما" و(٥) لكن ذلك بطريق الاستعارة - وما ذكرنا بيان الحقيقة (٦).
ثم كلمة "من" تستعمل في ثلاثة مواضع: في الاستفهام، وفي الشرط والجزاء، وفي الإخبار.
أما في الاستففام والشرط والجزاء، [فـ] يعم لا محالة (٧):
- تقول في الاستفهام: "من في هذه الدار؟ " و"من في هذه القرية؟ " وجوابه (٨) أن يقول: زيد وعمر ومحمد وخالد، ويعد من فيه (٩) ممن يعقل.
_________________
(١) في ب: "فجوابه".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل كذا: "حتى لو قيل أ".
(٣) "أو خياط" ليست في ب.
(٤) في ب: "ومن".
(٥) "و" ليست في ب.
(٦) زاد هنا في ب: "والله أعلم".
(٧) في ب: "ولا محالة".
(٨) في ب: "فجوابه".
(٩) في ب: "زيد وعمرو وخالد ومحمد ويقدم (؟) فيه".
[ ٢٧٤ ]
- وأما في الشرط والجزاء، [فـ] قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١). وكذا قال رسولَ الله - ﷺ - (٢) "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن": يعم كل داخل.
- وأما في الخبر، [فـ] قد يكون عامًا، وقد يكون خاصًا - قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ (٣) وهذا عام. وقال تعالى في موضع آخر (٤): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٥) وفي موضع آخر (٦): ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٧).
والحاصل ما ذكرنا: أنها من الأسماء الموصولة، فيعتبر حالها بصلتها (٨): فإن كانت الصلة عامة يتعمم بعموم صلتها، وإن كانت خاصة يتخصص بخصوص صلتها.
هذا أصل كلمة "من" وسائر الأسماء الموصولة- والله أعلم،
ثم كلمة "من" في موضع الشرط والجزاء وفي موضع الاستفهام يعم عموم الأفراد (٩)، وفي الخبر عند عموم الصلة تعم عموم الاشتمال - بيانه أنه:
- إذا قال في موضع الشرط والجزاء: "من زارني أعطه درهمًا" فإذا زاره واحد أو اثنان أو ثلاثة فصاعدًا استحق العطية.
_________________
(١) سورة الزلزلة: ٧.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "وكذا قال ﵇".
(٣) سورة الأنبياء: ٨٢.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "وقال في موضع".
(٥) سورة الأنعام: ٢٥. وسورة محمد: ١٦.
(٦) "آخر" من ب.
(٧) سورة يونس: ٤٢. وسورة الإسراء: ٤٧.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "بالصلة".
(٩) في ب: "الانفراد".
[ ٢٧٥ ]
- وأما في الخبر عند عموم الصلة نحو قوله تعالى (١): ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ (٢) - فالصلة أعني "يغوصون" صيغة الجمع، وإنها تتناول الثلاثة فصاعدًا لا ما دونها - ألا ترىَ أن الرجل إذا قال: "إن زارني رجال أعطهم درهمًا" [فـ] ما لم توجد الزيارة من الجماعة لا يستحقون العطية - بخلاف الشرط والجزاء والاستفهام.
أما في الشرط والجزاء: [فـ] إنما تعم عموم الانفراد ويتعلق الحكم بكل واحد من آحاد الجنس، لأن بالناس حاجة إلى تعليق الحكم بكل واحد من آحاد الجنس. ولو قال (٣): "إن فعل فلان فله (٤) كذا وإن فعل فلان فله كذا" يخرج عن حد الإحصاء والحصر، ووقعوا في الحرج. فأقام (٥) أهل اللغة كلمة "من" مقام تكرار حرف "إن" فيتناول كل واحد منهم بانفراده.
- وكذا في الاستفهام: إذا كان في الدار رجل، فأراد (٦) آخر أن يعلم الذي هو (٧) في الدار:
فإذا (٨) قال: أزيد في الدار أو عمرو أو محمد أو أحمد؟ يطول الأمر، فأقاموا كلمة "من" مقام تكرار حرف الاستفهام. ولو نص على تكرار حرف الاستفهام (٩) فإنه يعم عموم الانفراد - فكذا (١٠) هذا.
_________________
(١) "تعالى" من ب.
(٢) سورة الأنبياء: ٨٢.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "قالوا".
(٤) في ب: "فاعطه".
(٥) في ب: "وأقام".
(٦) في ب: "وأراد".
(٧) "هو" من ب.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "وإذا".
(٩) "ولو نص على تكرار حرف الاستفهام" ليست في ب.
(١٠) في ب: "وكذا".
[ ٢٧٦ ]
والفقه في الشرط والجزاء (١) ما ذكرنا: أنها كلمة موصولة مفردة من حيث الصيغة مبهمة (٢)، وإنما تصير معلومة (٣) بالصلة، فيصير الحاكم المتعلق بها معتبرًا بصلتها، فيصير كأنه قال: "الشخص الذي وجد منه كذا فله كذا" - والله أعلم.
ثم كلمة "من" كما تتناول المذكور تتناول الإناث - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، وقال ﵇: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن": يتناول الرجال والنساء، ويقول الرجل: "من دخل من مماليكي الدار فهو حر": يتناول العبيد والإماء جميعًا (٥) - عليه إجماع أهل اللغة.
ومن هذا القسم حروف أخر نحو "الذي" و"أين" (٦) و"حيث" و"أي" ونحو ذلك - يعرف في الشرح إن شاء الله تعالى.
و(٧) أما الكلام في حكم العام:
اختلف أهل الأصول في هذه المسألة على أقوال. وهم في الحاصل ثلاث فرق، اختص كل فريق باسم خاص: أصحاب الوقف، وأصحاب الخصوص، وأصحاب العموم.
_________________
(١) "في الشرط والجزاء" ليست في ب.
(٢) "مبهمة" ليست في ب.
(٣) في ب: "ومعلومة".
(٤) سورة الأحزاب: ٣١.
(٥) "جميعًا" ليست في ب.
(٦) "وأين" ليست في ب.
(٧) "و" ليست في ب.
[ ٢٧٧ ]
أما أصحاب الوقف:
فهم (١) الذين توقفوا في حق العمل والاعتقاد جميعًا، وهو مذهب ابن الروندي (٢) ومحمد بن شبيب (٣) وعامة المرجئة وعامة الأشعرية. وإليه مال أبو سعيد البردعي (٤) من أصحابنا. وهم فريقان:
فريق قالوا: لا حكم للفظ ما، لمجرد (٥) الصيغة، ما لم يقترن به قرينة، بمنزلة الألفاظ المشتركة من القرء والعين والجارية ونحوها (٦).
وقال بعضهم من أهل التحقيق: إن ألفاظ العموم في أصل وضع اللغة (٧) للعموم حقيقة، ولكن لكثرة استعمالها في الخصوص صارت مشتركة في عرف الاستعمال.
وأما أصحاب الخصوص:
[فـ] قالوا: يحمل على أخص الخصوص. فإن كانت صيغة فرد دخل فيها لام التعريف يحمل على الواحد. وإن كانت صيغة جمع دخلها لام
_________________
(١) في ب: "هم"
(٢) في ب كذا: "ابن الريوندي لعنه الله". راجع ترجمته فيما تقدم في الهامش ٧ ص ١٧٢.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "محمد بن شيب" قال الشهرستاني في الملل والنحل (١: ٣١) إن محمد بن شبيب من أصحاب إبراهيم بن سيار النظام المتوفى (أي النظام) سنة ٢٣١ هـ (انظر في النظام المرجع نفسه، ١: ٥٣ وما بعدها).
(٤) هو أحمد بن الحسين (وقيل هو حسن بن أحمد) أبو سعيد البردعي. كان أحد الفقهاء الكبار وأحد المتقدمين من مشايخ الخفية في بغداد. تفقه على أبي علي الدقاق وموسى بن نصر الرازي. وتفقه عليه أبو الحسن الكرخي وأبو طاهر الدباس القاضي وأبو عمرو الطبري. وقد أقام ببغداد سنين كثيرة يدرس ثم خرج إلى الحج فقتل في وقعة القرامطة مع الحجاج سنة ٣١٧ هـ. والبردعي نسبة إلى بردعة وهي بلدة من أقصى بلاد أذربيجان. وقد عاصر داود بن علي صاحب الظاهر ويروى بينهما مجادلات فقهية (القرشي، الجواهر).
(٥) في ب: "بمجرد".
(٦) انظر فيما بعد "المشترك" ومعانى هذه الألفاظ، ص ٣٣٧ وما بعدها. وخاصة الهامش ٨ و٩ ص ٣٣٨ والهامش ١٠ ص ٣٤١.
(٧) في ب: "في وضع أهل اللغة".
[ ٢٧٨ ]
التعريف يحمل على الثلاثة. ولا يحمل على ما وراء ذلك إلا بدليل. وبه أخذ أبو عبد الله الثلجي (١) من أصحابنا.
وأما أصحاب العموم: [فـ] فريقان:
- فريق قالوا بوجوب العموم عملا واعتقادًا، كأنه نص على كل فرد من أفراد العموم. وهو مذهب مشايخ العراق من أصحابنا، مثل الكرخي (٢) والجصاص (٣)، ومذهب أكثر (٤) المتأخرين من ديارنا، مثل القاضي الإمام (٥) أبي زيد (٦) ﵀، ومن تابعه.
وبه قالت عامة المعتزلة.
وذكر عبد القاهر البغدادي (٧)، من أصحاب الحديث في كتابه، أن هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأصحابه ﵏ وقدماء المتكلمين.
- وفريق من أصحاب الحديث قالوا بالعموم ظاهرًا في حق الاعتقاد والعمل، لا (٨) قطعًا. ورووا عن الشافعي.
_________________
(١) راجع ترجمته: محمد بن شجاع أبو عبد الله الثلجي، في الهامش ٦ ص ٢١١.
(٢) راجع ترجمته في الهامش ٧ ص ٢١٠.
(٣) راجع ترجمته في الهامش ٨ ص ١٤٧.
(٤) "أكثر" ليست في ب.
(٥) "الإمام" ليست في ب.
(٦) راجع ترجمته في الهامش ٧ ص ٧٥.
(٧) عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التيمي (وفي نسخة التميمي) أبو منصور الفقيه الشافعي. ولد ببغداد ونشأ بها. وسافر مع أَبيه إلى خراسان. وسكنا بنيسابور إلى أن ماتا. تفقه أبو منصور على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الاسفرايني وقرأ عليه أصول الدين وكان ماهرًا في فنون عديدة خصوصًا علم الحساب وله فيه تآليف نافعة، منها: كتاب "التكملة". وكان يدرس في سبعة وعشرين فنًا. وكان عارفًا بالفرائض والنحو والشعر. وجلس بعد أستاذه أبي إسحاق للإملاء في مسجد عقيل فأملى سنين واختلف إليه الأئمة فقرؤوا عليه، مثل: ناصر المروزي وزين الإِسلام القشيري. وتوفي سنة ٤٢٠ هـ بمدينة إسفراين ودفن إلى جانب شيخه. ومن تصانيفه "تفسير القرآن" و"تأويل متشابه الأخبار" و"فضائح المعتزلة" و"معيار النظر" و"الإيمان وأصوله" و"الملل والنحل" و"التحصيل في أصول الفقه" و"الفرق بين الفرق" و"بلوغ المدى في أصول الهدى". (فوات الوفيات، ١: ٢٩٨. وطبقات الشافعية للسبكي، ٣: ٢٣٨ - ٢٤٢).
(٨) "لا" ليست في ب. انظر السرخي، الأصول، ١: ١٣٢. والبزدوي، الأصول، ١: ٢٩٦.
[ ٢٧٩ ]
وقال مشايخ سمرقند، [و] رئيسهم الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي (١)، ﵏ بأنه يوجب العموم عملا، ويعتقد فيه على الإبهام: أن ما أراد الله تعالى منه من العموم والخصوص فهو حق.
وعلى قول مشايخ سمرقند: يصح التعليق بظواهر العمومات مع احتمال الخصوص، وبحقيقة اللفظ الخاص مع احتمال المجاز في الشرائع والأحكام، لأنها توجب العمل، والمراد من الشرائع (٢) وجوب العمل، على قول أصحاب الخصوص، والوقف لا يصح.
وجه قول الواقفية:
[الفريق الأول]: إن كون الصيغة موضوعة للعموم قطعًا إما أن يعرف ضرورة، أو نظرًا، أو نقلا.
- والأول باطل، لأن الضروريات لا يجري فيها الخلاف بين العقلاء. وفي هذه المسألة خلاف.
- والثاني باطل، لأن الحكم العقلي لا يحتمل التغير بحال، كالحركة: لما كانت علة كون الذات القايم به متحركًا لن يتصور قيام حركة بذات من غير اتصافه بكونه متحركًا. وقد وجدنا صيغة العموم ويراد بها الخاص، بل الأغلب في الاستعمال (٣) صيغة العموم في موضع الخصوص - دل أنه لم يكن بالنظر العقلي.
- والثالث باطل، فإن (٤) النقل إما أن يكون بطريق التواتر أو بطريق الآحاد. والنقل بطريق التواتر معدوم ههنا، لاختلاف العقلاء فيه،
_________________
(١) راجع ترجمته في الهامش ٥ ص (ط) من المقدمة.
(٢) في ب: "في الشرائع".
(٣) في ب: "استعمال".
(٤) في ب: "وإن".
[ ٢٨٠ ]
ولا يجري الخلاف في موضع التواتر، كما في معرفة البلدان النائية، والملوك الماضية الثابتة تواترًا، نحو مكة وبغداد، وهارون الرشيد، ومحمود بن سبكتكين (١) ونحو ذلك - لم يبق إلا النقل بطريق الآحاد، وإنه لا يوجب العلم قطعًا، والمسألة قطعية لا عملية، ولأن أصحاب الخصوص يعارضون أنه ثبت، بالنقل آحادًا، أن صيغة العموم موضوعة للأقل (٢)، ولا دليل مع قبول المعارضة.
و[الفريق] الثاني: إن كانت الصيغة موضوعة للعموم في الأصل، ولكن في عرف الاستعمال يستعمل فيهما (٣) على السواء، بل استعمالها في الخصوص أكثر، والنصوص الواردة بلفظة العموم، في الزمان الذي صارت الصيغة مشتركة في الاستعمال، فلا يعرف بها (٤) إرادة العموم قطعًا، بل الاحتمال قائم، فيبطل (٥) دعوى العموم قطعًا مع قيام الاحتمال.
_________________
(١) خلف أباه سبكتكين فلك بلاد خراسان. وانقطعت الدولة السامانية منها وذلك سنة ٣٨٩ هـ. واستتب له الملك. ثم ملك سجستان سنة ٣٩٣ هـ. ولم يزل يفتح في بلاد الهند حتى انتهى إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية. وكان السلطان محمود هذا على مذهب أبي حنيفة. وكان مولعًا بعلم الحديث. وقيل: إنه انتقل إلى مذهب الشافعي. كان محمود السيرة ومناقبه كثيرة. ولد سنة ٣٦١٠ هـ وتوفي سنة ٤٢١ هـ (أو ٤٢٢ هـ) بغزنة وكان والده سبكتكين قد ورد مدينة بخارى في أيام نوح بن منصور أحد ملوك الدولة السامانية في صحبة أبي إسحاق بلتكين وكان حاجبه فلما توفي الأمير أبو إسحاق بايع الناس سبكتكين فلما تمكن شرع في الغزو والإغارة على أطراف الهند فافتتح قلاعًا كثيرة منها. وفي آخر الأمر وصل إلى مدينة بلخ من طوس فمرض بها ولكنه خرج إلى غزنة فمات في الطريق سنة ٣٨٧ هـ وخلفه ابنه محمود. وقيل معنى سبكتكين ورقتان خضراوان (ابن خلكان). وقال الشهرستاني في الملل والنحل (١: ٣٢ - ٣٣) إن محمود بن سبكتكين السلطان قد نصر أَبا عبد الله ابن كرام (رجل من سجستان) وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم، وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج وهم مجسمة. وانظر أيضًا: أحمد أمين، ظهر الإِسلام، الطبعة الثانية، ٤: ٩٦.
(٢) في ب: "للأول".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "فيها"
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "به". ولعل الأوضح أن يقال: "لا يعرف بها".
(٥) في ب: "فبطل".
[ ٢٨١ ]
وجه قول أصحاب الخصوص:
ما ذكرنا آنفًا: أن الصيغة مشتركة في الاستعمال، فلا يجوز القول بالحكم مع التعارض، ولا معارضة في تناول الواحد في اسم الجنس، والثلاث في اسم الجمع، فيجب العمل عليه، لأن العمل باليقين واجب.
وجه قول أصحاب العموم:
إجماع الصحابة، وإجماع أرباب (١) اللغة، والمعقول:
- أما إجماع الصحابة رضىي الله عنهم (٢) - فإنه روي عن علي ﵁ أنه قال: لا يجوز الجمع بين الأختين وطئًا بسبب كملك اليمين، وقال: أحلتهما آية وهي (٣) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٤) وحرمتهما آية، وهي (٥) قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٦)، فوقعت المعارضة، والأصل في الأبضاع (٧) هو الحرمة، فيبقى ما كان على ما كان، فتكون (٨) الحرمة أولى احتياطًا. وروي عن عثمان ﵁ أنه قال: تعارضت الآيتان، والأصل هو الحل بعد وجود سبب الحل، فيترجح جانب الحل. فهما، مع اختلافهما في وجه الترجيح، اتفقا على كون العموم حجة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكر عليهما أحد منهم، فيكون إجماعًا.
_________________
(١) في ب: "أهل".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "أما الإجماع".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "وهو".
(٤) سورة المؤمنون: ٥.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "وهو".
(٦) سورة النساء: ٢٣.
(٧) أي الفروج (انظر المعجم الوسيط).
(٨) في ب: "وتكون".
[ ٢٨٢ ]
- وأما إجماع أهل اللغة، فإنه نقل عنهم أنَّهم قالوا: الكلام ثلاثة أقسام: وحدان (١)، وتثنية، وجمع - كقولنا: رجل ورجلان ورجال. وكذلك قالوا: إن كلمة "من" عامة في ذوات من يعقل، وكلمة "ما" عامة في ذوات ما لا يعقل وصفات من يعقل.
- وأما المعقول، وهو أن الأسماء وضعت أعلامًا على المسميات، لحاجة الناس إلى علم ما في ضمائرهم بدلالات تدل عليها (٢)، ومعنى العموم مقصود عند العقلاء، كمعنى الخصوص، وسائر المعاني من الأمر والنهي والاستخبار والخبر وغير ذلك: يجب أن يكون له صيغة مخصوصة، كما لسائر المعاني.
وإذا ثبت أن صيغة العموم موضوعة له لغة:
فمشايخ العراق قالوا: يجب أن يكون حقيقة له، لأن الحقيقة اللغوية ما وضعها أهل اللغة، ويجب حمل الكلام على الحقيقة حتى يقوم الدليل على المجاز. فمن حملها على الخصوص في الأصل فقد ادعى تغيير الوضع، وهذا باطل. ولأن استعمالها في موضح العموم لما كان حقيقة، فكل من سمع لفظًا عامًا من الكتاب والسنة يعتقد فيه العموم حملا له على الحقيقة، كمن سمع لفظ "الأسد" يحمله على الحيوان المخصوص دون الرجل الشجاع إلا برقينة زائدة. ولو كان المراد بالعموم الخصوص فقد اعتقد خلاف ما أراد الله تعالى. فكان ورود صيغة العام على إرادة الخصوص، من غير قرينة، يدل على (٣) توهم التلبيس على السامع تعالى الله عن ذلك. فكان (٤) هذا (٥) الدليل العقلي، وغيره يدل على أنه لا يجوز
_________________
(١) في المعجم الوسيط: الأحد الواحد. وجمعها آحاد وأحدان وأحدون. وليس فيه "وحدان". وانظر فيما يلي الهامش ١ ص ٢٩٦.
(٢) في ب: "عليهما".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "تدل عليه".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "وكان".
(٥) "هذا" ليست في ب.
[ ٢٨٣ ]
ورود العام ويراد به الخاص، ولا ورود الخاص ويراد به المجاز، من غير دليل يفهم السامع مراد (١) الخطاب، ولأن الإرادة أمر باطن لا يقف عليها السامع فيكون ساقط العبرة (٢) في حق المخاطب، ويدار الحكم في حقه على اللفظ المطلق الخالي عن القرينة، كما في الإخبار عن المحبة والبغض: أقيم مقام الحقيقة، ويسقط اعتبار الحقيقة في حق الأحكام - فكذلك هذا (٣).
ومشايخ سمرقند قالوا: إن الصيغة موضوعة للعموم في أصل الوضع، وكان في عرف الاستعمال صارت مشتركة، والنصوص الواردة في الأحكام، في الوقت (٤) الذي صارت مشتركة، والترجيح في الاستعمال للخصوص. ولهذا لم نجد في القرآن صيغة العموم يراد بها الاستيعاب إلا قليلة، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦).
ولو (٧) حمل مطلقها على العموم، فاحتماله اعتقاد الخطأ [فيه] قائم، [فـ] يجب القول بالتوقف (٨) في الاعتقاد قطعًا، والقول بوجوب العمل ظاهرًا احتياطًا. ولأن شرط العموم عندكم هو خلو الصيغة عن قرينة إرادة الخصوص، فبم (٩) عرفتم خلوها عن القرينة (١٠)؟
_________________
(١) في ب: "من".
(٢) في ب كذا: "الغيره".
(٣) في ب: "وذلك ههنا"
(٤) "في الوقت"- خبر المبتدأ وهو النصوص.
(٥) سورة البقرة: ٢٨٤. وآل عمران: ٢٩، ١٨٩. والمائدة: ١٧، ١٩، ٤٠. والأنفال: ٤١. والتوبة: ٣٩.
(٦) سورة البقرة: ٢٨٢. والنساء: ١٧٦. والنور: ٣٥، ٦٤. والحجرات: ١٦. والتغابن: ١١.
(٧) في ب: "فلو".
(٨) في ب: "بالتوقيف".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل كذا: "سم".
(١٠) "عن القرينة" من ب.
[ ٢٨٤ ]
[فـ] إن قلتم: إن لفظ العام خال عنها (١) من حيث الحس (٢) - فنقول: هذا أن لو كانت القرينة باللفظ العام (٣) هي المتصلة لا غير. وقد يكون منفصلة من آية أخرى أو خبر الرسول - ﷺ -.
وإن (٤) قلتم: لم يوجد - فالخصم يقول: لم قلتم إنه لم يوجد؟ أيش (٥) تعنون أنها لم توجد: [أ] عندكم أو عند غيركم؟. بل نعارض ونقول: بل (٦) وجدت عندي، فيكون تعلقًا بعدم الدليل، وهو باطل. ولأن القرينة غير مقصورة على اللفظية، بل قد تكون د لالة الحال، وقد تكون عقلية، وهذا مما لا يمكن نفيها قطعًا، بل احتمال الوجود قائم، ومع احتمال إرادة الخصوص كيف يثبت العلم قطعًا؟
وتبين بما (٧) ذكرنا أنه ليس فيه تلبيس (٨)، لأن الغالب إذا كان هو إرادة الخصوص في ألفاظ العموم، فكان حملها على العموم واعتقاد ذلك دون التوقف، إيقاع نفسه في الخطأ، فلا يضاف إلى الشرع، بل إلى تقصير السامع - أليس (٩) أن النص المجمل وارد ولا يقال فيه تلبيس (١٠)؟؛ لأنه لما استوى الأمران، فيتوقف لئلا يقع (١١) في الخطأ،
_________________
(١) كذا في ب. والأصل.
(٢) في ب كذا: "الحسن".
(٣) "باللفظ العام" من ب.
(٤) في ب: "فإن".
(٥) بمعنى "أي شيء" وقد تكلمت به العرب (المعجم الوسيط. والمعجم الكبير) أي ماذا تعنون من ذلك؟ أعندكم أم عند غيركم. وقد يكون الصواب: أليس تعنون ؟
(٦) "بل" من ب.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "ما".
(٨) في ب: "أنه ليس يلتبس".
(٩) "أليس" ليست في ب.
(١٠) في ب كذا: "يلتبس".
(١١) في ب: "يتوقف كي لا يقع".
[ ٢٨٥ ]
فلا ينسب صاحب الشرع إلى التلبيس، فكذا (١) إذا كان الاحتمال قائمًا حقيقة: يجب أن يتوقف لأجل الاحتمال، فمتى قطع [بـ] الاعتقاد، فهو (٢) المقصر والموقع نفسه في اعتقاد الخطأ.
قولهم: إن الإرادة أمر باطن فيسقط اعتباره، فنقول: هذا تسليم منكم بوجود (٣) الاحتمال، والقول بإسقاط الاعتبار باعتبار الحاجة، ولا (٤) حاجة، فإن الاعتقاد أمر بينه وبين الله تعالى، فيكفيه (٥) الاعتقاد مبهمًا أن ما أراد الله تعالى به حق ولا حاجة في حق (٦) العمل، لأن العمل بالدليل الراجح مع احتمال الخطأ واجب، كما في الشهادات، وخبر العدل في باب الديانات.
وأما شبهة الواقفية فالجواب (٧) عنها ما مر في صيغة الأمر: أنا لا ندعي ذلك ضرورة، ولا نظرًا، لما قلتم، ولكن نقلا بطريق التواتر، وبإجماع الصحابة.
قولكم: لو كان ثابتًا بالتواتر لما جرى الخلاف بين العلماء - فنقول: إنما لا يجري الخلاف في الضروريات. وفي كون الخبر المتواتر موجبًا علمًا خلاف بين العقلاء. فالنظام من المعتزلة (٨) يقول: ليس بحجة قطعًا.
_________________
(١) في ب: "وكذلك".
(٢) في ب: "وهو".
(٣) في ب: "لوجود".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "فلا".
(٥) في ب. وفي الأصل: "فكيفية".
(٦) "حق" ليست في ب.
(٧) في ب: "والجواب".
(٨) "من المعتزلة" من ب. وهو إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام المتوفى سنة ٢٣١ هـ. طالع كثيرًا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة وانفرد عن أصحابه بمسائل منها قوله في الإجماع إنه ليس بحجة في الشرع. وكذلك القياس في الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة، وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم. قيل له "النظام" لأنه كان ينظم الحرز في سوق البصرة، وقيل لأنه كان نظاما للكلام المنثور والشمر الموزون (انظر الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ٥٣ وما بعدها. وعبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص ١٣١).
[ ٢٨٦ ]
وقال عامة العقلاء: حجة موجبة للعلم قطعًا، ولكن (١) يوجب علمًا ضروريًا أو استدلاليًا؟ فيه خلاف أيضًا:
فيجوز أن يكون قول مشايخ العراق هذا: إنه يوجب علمًا استدلاليًا لا ضروريًا، فجوزوا الخلاف فيه، ولكن لا يخرج من أن يكون موجبًا علمًا قطعيًا. ألا ترى أن العلم بحدوث العالم وقدم الصانع وتوحيده علم قطعي مع وجود الخلاف بين العقلاء - هذا جواب مشايخ العراق.
وجواب مشايخ سمرقند عن (٢) هذه الشبهة سهل، وهو أن النقل إن كان بطريق الآحاد فخبر (٣) الواحد حجة في حق العمل، والكلام في حق العمل. وأما (٤) في حق ثبوت العلم القطعي فيتوقف فيه ويعتقد على الإبهام، كما في النص المجمل والمشترك.
مسألة - في العام إذا خص منه بعضه:
ههنا فصلان:
أحدهما - أنه هل يبقى عامًا في الباقي بطريق الحقيقة أم يصير مجازًا؟
والثاني - هل يبقى حجة في حق العلم والعمل في الباقي، أو يبقى حجة في حق العمل دون العلم، ويصح الاستدلال به بعد الخصوص، أو لا يبقى حجة أصلا؟
_________________
(١) في ب: "لكن".
(٢) في ب كذا: "غير".
(٣) في ب كذا: "فخبر، وفي".
(٤) في ب: "فأما".
[ ٢٨٧ ]
أما الأول:
فهو مبني على أن شرط اللفظ العام [هل] هو الاستيعاب والاستغراق أو (١) الاجتماع؟
فمن قال شرطه (٢) الجمع: فمادامت (٣) الصيغة متناولة لجمع مطلق وهو (٤) الثلاثة فصاعدًا - فهي عام حقيقة. وإن انتهى الخصوص إلى الاثنين (٥) والواحد، لا يبقى عامًا حقيقة.
ومن قال: إن شرطه الاستيعاب، فمتى خص واحد من الجملة لا يبقى عامًا حقيقة، لأن حقيقة اسم العام أن يكون متناولا لكل المسميات. فإذا لم يتناول مسمى واحدًا لا يبقى كلا، فلا يبقى عامًا ضرورة.
وبعض مشايخنا قالوا: هذه مسألة مبتدأة، سواء كان شرط العام الجمع أو الاستيعاب.
وقد اختلف أهل الأصول فيها:
قال عامة أصحابنا وعامة أهل الحديث بأنه يبقى حقيقة في الباقي، سواء كان دليل التخصيص (٦) متصلا به غير مستقل بذاته مفيدًا (٧) في نفسه، نحو قوله: "اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة"، أو كان منفصلا عنه. مستقلا بذاته مفيدًا (٨) في نفسه، نحو قوله: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "و".
(٢) في ب: "بشرطه".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "فمادام".
(٤) "وهو" من ب.
(٥) في ب: "اثنين".
(٦) في ب: "الخصوص".
(٧) و(٨) في ب كذا: "مقيد" - "مقيدا".
[ ٢٨٨ ]
أهل الذمة"، وسواء كان دليل الخصوص سمعيًا أو عقليًا (١) أو دلالة الحال.
وقال بعض أصحابنا - وهو قول بعض أصحاب الحديث: يكون مجازًا في الباقي، سواء كان دليل الخصوص متصلا به أو منفصلا عنه، سمعيًا أو عقليًا أو دلالة حال.
وقال بعض أهل التحقيق: الجواب ليس (٢) على الإطلاق في هذه المسألة بل على التفصيل. وفي ذلك أقوال ثلاثة:
- عن أبي الحسن الكرخي ﵀: إن كان دليل التخصيص (٣) متصلا غير مستقل ونفسه، كالاستثناء، يبقى حقيقة في الباقي. وإن كان منفصلا، يصير مجازًا.
- وقال بعضهم: إن كان دليل الخصوص لفظيًا، يبقى (٤) حقيقة في الباقي، سواء كان متصلا أو منفصلا. وإن لم يكن لفظيًا، يصير مجازًا.
- وقال بعضهم: يصير مجازًا في الأحوال كلها، إلا في الشرط والصفة (٥)، كمن قال: "اضرب عبيدي إن دخلوا الدار" أو قال: "اضرب عبيدي الطوال" - فقوله. "عبيدي" عام ثم المراد منه الخاص دون العام: فإنه خص منه القصار وغير الداخلين، وهو حقيقة في الباقي.
لكن في شرح هذه الأقوال، وبيان حجج هؤلاء، واختيار الأصح من ذلك طول، وهو مشروح في شرح المختصر.
_________________
(١) في ب: "عقليًا أو سمعيًا".
(٢) "ليس" ليست في ب.
(٣) في ب: "الخصوص".
(٤) في ب كذا: "بنفي".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "والصيغة".
[ ٢٨٩ ]
وأما الفصل الثاني:
وهو مبني في الأصل (١) على حكم العام.
فقال مشايخ سمرقند وأصحاب الشافعي: إنه حجة. ولكن يوجب العمل دون العلم، بناء على ما ذكرنا في (٢) حكم العام الذي لم يخص منه شيء: إنه لا يوجب العلم قطعًا، ولكن يصح الاحتجاج به في حق الأحكام الشرعية، لكن الاحتمال ههنا أكثر.
وأما الذين قالوا: إن العام الذي لم يخص منه شيء يوجب العلم قطعًا اختلفوا في العام المخصوص:
قال عيسى بن أبان (٣) ومحمد بن شجاع الثلجي (٤) من أصحابنا وأبو الثور (٥) من أصحاب الحديث: إنه لا يبقى حجة كيفما كان دليل الخصوص.
وقال بعضهم: يبقى حجة على عكس الأول.
وقال بعضهم: الجواب على التفصيل:
- قال الكرخي: إن كان دليل الخصوص منفصلا مستقلا بذاته مفهومًا في نفسه: لا يبقى حجة. وإن كان متصلا غير مستقل بذاته يبقى حجة،
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "فهو في الأصل مبني".
(٢) في ب: "من".
(٣) راجع ترجمته فيما تقدم في الهامش ٥ ص ١١٣.
(٤) راجع فيما تقدم ترجمته في الهامش ٦ ص ٢١١.
(٥) هو أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي. الإمام الجامع بين علمي الحديث والفقه. أحد الأئمة المجتهدين والعلماء البارعين والفقهاء المبرزين. كان أو لا على مذهب أهل الرأي، فلما قدم الشافعي بغداد حضره أبو ثور فرأى من علمه وفضله وحسن طريقته وجمعه بين الفقه والسنة ما عرفه بها كان عليه ورده إلى طريقة الشافعي. ولازم الشافعي وصار من أعلام أصحابه. وهو صاحب مذهب مستقل لا يعد تفرده وجهًا في المذهب. له كتب مصنفة في الأحكام جمع فيها بين الفقه والحديث. ومن كتبه: المبسوط على ترتيب كتب الشافعي. وأكثر أهل أذربيجان وأرمينية يتفقهون على مذهبه. وتوفي سنة ٢٤٠ هـ (النووي، التهذيب. وابن النديم، الفهرست).
[ ٢٩٠ ]
سواء كان المخصوص مجهولا أو معلومًا، في رواية. وقال في رواية: إن كان المخصوص مجهولا لا يبقى حجة، وإن كان معلومًا يبقى حجة.
- وقال بعضهم: إن كان مما يمكن (١) العمل بظاهر اللفظ العام في الباقي بعد الخصوص (٢)، من غير اشتراط شيء، يبقى حجة - كقوله (٣): "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة": فإنه يمكن العمل به فيما وراء المخصوص، بظاهر اللفظ، من غير اشتراط شيء آخر. وإن (٤) كان لا يمكن العمل بظاهره في الباقي إلا بشرط زائد، لا يبقى حجة - كقوله تعالى (٥) " ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ (الآية) " (٦): خص منها بعض السراق، ولا يمكن العمل بالباقي ظاهرًا إلا بشرط قال النصاب وكمال الحرز ونحو ذلك.
- وقال بعضهم: إن كان المخصوص معلومًا: يجب العمل بالباقي، ويجب الاعتقاد والعلم قطعًا، كيفما كان دليل الخصوص. وإن كان مجهولا، لا يبقى حجة، كيفما كان.
وهذا هو الأصح من هذه الأقوال على قول من قال إن العام يوجب العلم قطعًا - وبيانه (٧)، وهو:
_________________
(١) "مما يمكن" ليست في ب.
(٢) "بعد الخصوص" من ب.
(٣) زاد في ب: "ﷺ".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "فإن".
(٥) "تعالى" من ب.
(٦) سورة المائدة: ٣٨.
(٧) "من هذه الأقوال .. وبيانه" من ب.
[ ٢٩١ ]
إن المخصوص إذا كان مجهولا، كأنه قال: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أقوامًا (١) منهم" لا يبقى حجة (٢)، لأنه يحتمل أن المتنازع فيه ليس (٣) هو المخصوص أو من قبيل المخصوص. ويحتمل أن المتنازع فيه من قبيل المخصوص منه: إن كان من قبيل المخصوص منه يبقى حجة. وإن كان من قبيل المخصوص لا يكون حجة، فلا يكون حجة مع الاحتمال. وبهذا الطريق لا يصح الاستثناء إذا كان المستثنى مجهولا، بأن قال: "لفلان علي كذا إلا شيئًا".
• أما إذا كان المخصوص معلومًا [فـ] يبقى حجة، لأن النص العام يتناول كل واحد من الأفراد، كأنه نص عليه على ما ذكرنا. فإذا خص منه شيء معلوم يبق الباقي داخلا تحته بيقين. فإنه إذا قال: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة" فإذا خرج أهل الذمة يبقى اللفظ في الباقي قطعًا - هذا كالاستثناء: إذا قال لفلان علي عشرة إلا خمسة يبقى خمسة بيقين، لما قلنا (٤)، كالعشرة: إذا كانت موضوعة بين يدي إنسان فأخذ منها درهمين يبقى الباقي (٥) ثمانية بيقين - فكذا هذا.
وإذا ثبت هذا يجب أن يبقى حجة ودليلا قطعًا، لأن دليل الشرع ما يتوصل به إلى معرفة حكم الشرع، وبعدما خص منه شيء معلوم يمكن التوصل به إلى معرفة حكم الشرع في الباقي، يجب أن يبقى حجة، بخلاف المجهول، فإنه لا يمكن التوصل به إلى معرفة حكم الشرع في الباقي (٦) - فلهذا افترقا.
_________________
(١) في ب: "قومًا".
(٢) "حجة" من ب.
(٣) "ليس" ليست في ب.
(٤) "كالاستثناء لما قلنا" من ب.
(٥) في ب كذا: "الثاني".
(٦) "يجب أن يبقى حجة .. في الباقي" ليست في ب.
[ ٢٩٢ ]
ولا يقال بأن المخصوص إذا كان معلومًا يحتمل أن يكون معلولا بعلة عرفت بالرأي والاجتهاد الذي يحتمل الخطأ والصواب: [فـ] إن كان صوابًا، وهو موجود في غيره، يكون تخصيصًا له. وإن كان خطأ فلا. وإن لم يقف عليها، فهو معلول عند الله تعالى، فإن حكمه لا يخلو عن الحاكمة، ونعني بالعلة الحاكمة: فإن كان صوابًا يتعدى إلى غيره، وإن كان خطأ فلا. فعلى احتمال الصواب ووجوده في غيره لا (١) يبقى حجة، فلا يبقى مع الاحتمال، لأنا نقول: إما إن عرفت تلك العلة بالرأي والاجتهاد أو لم تعرف: فإن عرفت: فمن جوز تخصيص النص العام، بالقياس، قبل التخصيص، يجوز بعده بطريق الأولى. وإن (٢) وجد في غير المخصوص ثبت (٣) الحكم فيه ويكون تخصيصًا له. فمن ادعى أن المعنى موجود في الفرع، حتى يكون تخصيصًا له، فعليه الدليل. ومن لم يجوز تخصيص العام قبل الخصوص بالقياس، لم يجوز بعده أيضًا، فلا يلزم عليه هذا الإشكال. وإن (٤) كان معلولا (٥) ولم يقف على العلة، فكان وجودها كعدمها (٦) في حقنا، لأنا لا نكلف ما ليس في وسعنا، وليس في وسعنا إلا معرفة الحاكم من (٧) حيث الظاهر، فيبقى الباقي حجة، لعدم علة الخصوص في حقنا - والله أعلم.
مسألة:
قال علماؤنا ﵏: إن صيغة الجمع بدون الألف واللام نحو
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "فلا".
(٢) في ب: "فان".
(٣) في ب: "ثبت".
(٤) في ب: "فإن".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "معلومًا".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل كذا: "لعدمها".
(٧) في ب: "وليس في وسعنا معرفة الحكم إلا من".
[ ٢٩٣ ]
قولنا رجال ونساء، يتناول الثلاثة فصاعدًا، ولا يتناول ما دونها، فأقل الجمع الصحيح الثلاثة.
وقال أصحاب الشافعي، وهو مذهب الأشعرية: أقل الجمع الصحيح اثنان.
وثمرة الخلاف (١) تظهر في فصلين:
أحدهما: راجع إلى الفقه، وهو أن من نذر أن يتصدق بدراهم أو [قال:] "لفلان علي دراهم"- يقع على الثلاثة، ولو نوى ما زاد عليها تصح نيته. ولو نذر أن يتصدق على فقراء أو على مساكين، فصرف (٢) إلى ثلاثة منهم يخرج عن نذره. ولو صرف إلى اثنين كل منهم لا يخرج عن نذره، عندنا (٣) خلافًا لهم.
والثاني: يرجع إلى أصول الفقه. وهو أنه إذا انتهى الخصوص، ولم يبق تحت العام مراد سوى الاثنين أو (٤) الواحد، فإنه لا يبقى العام حقيقة، بل يصير الاسم مجازًا للباقي عندنا. وعندهم يبقى الاثنين حقيقة دون الواحد.
فهم تعلقوا بالسمع، والعة ل، واستعمال أرباب اللسان:
- أما السمع، فما (٥) روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة"، وهو أفصح العرب. ولو نقل هذا عن (٦) واحد من الأعراب يكون حجة، فعن (٧) صاحب الشرع أولى.
_________________
(١) في ب: "الاختلاف".
(٢) في ب: "فدفع".
(٣) في ب: "إلى اثنين لا يخرج، عندنا".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "والواحد".
(٥) في ب: "ما".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "من".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "فن".
[ ٢٩٤ ]
- وأما العقل، وهو أن الجمع عبارة عن الاجتماع، وهو ضم الشيء إلى مثله (١)، فمعنى الجمع موجود في الاثنين، فيكون جمعًا صحيحًا، وإن كان في الثلاث أكثر - ألا ترى أن الثلاث جمع صحيح، وإن كان معنى الاجتماع، فيما وراء الثلاث، أكثر، والكلام في أقل الجمع. هذا كالجسم: لما كان عبارة عن اجتماع أجزاء وتركيبها (٢)، فأقل الجسم جوهران لوجود معنى الجسمية فيه، وإن كان فيما وراء ذلك أكثر - كذا هذا.
- وأما استعمال أرباب اللسان، فإنهم يستعملون صيغة الجمع في التثنية نحو قولهم (٣): "نحن فعلنا" و"نحن نفعل" ونحو ذلك، في التثنية والجمع جميعًا.
ثم إن (٤) سلمنا أن الاثنين ليس بجمع صحيح وضعًا، ولكنه جمع شرعًا، فإن الشرع أعطى للاثنين حكم الجماعة في باب الميراث والحجب والشهادة ونحوها. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٥) والاثنان من الإخوة يحجبان (٦) الأم من الثلث إلى السدس. وقال: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٧): أقام الثنتين مقام الجماعة في حق استحقاق الثلثين. وكذا في الوصايا.
ولنا الاستدلال بالسنة، ووضع أهل اللغة:
- أما السنة، فما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب" - فالنبي - ﷺ - فصل بين التثنية والجمع.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "مثليه".
(٢) في ب كذا: وتركتها".
(٣) في ب: " كقولهم".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "ثم ولئن".
(٥) سورة النساء: ١١.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "يحجبون".
(٧) سورة النساء: ١٧٦.
[ ٢٩٥ ]
- وأما الوضع، فإن أهل اللغة جعلوا الكلام ثلاثة أقسام: وحدان (١)، وتثنية، وجمع. فقالوا (٢): رجل، ورجلان، ورجال. وقالوا: فعل، وفعلا، وفعلوا (٣). وكذلك قالوا في التأكيد: جاءني زيد نفسه، وجاءني زيدان أنفسهما، وجاءني زيدون أنفسهم. وكذا في النعت: جاءني رجل عالم، ورجلان عالمان. ورجال علماء.
والجواب عن كلماتهم.
- أما الحديث: فإنما أراد به في حق بعض الأحكام في (٤) الميراث والوصية ونحوهما، وما أراد بيان وضع اللغة (٥)، فإنه مبعوث لبيان الأحكام لا لبيان وضع اللغة، فإنه يشاركه كل عربي فلا يظهر الاختصاص (٦)، ألا ترى أنه لم يكن كذلك في حق جميع الأحكام، ولو كان ذلك (٧) من باب الوضع اللغوي، لثبت في حق جميع الأحكام - لما (٨) ذكرنا أن وضع اللغة يخالفه (٩).
-وهو الجواب عن قولهم إنه جمع شرعًا، فنقول: إنه ألحق بالجمع في موضع كان المعنى الذي تعلق به الحكم (١٠) في الجمع موجودًا في التثنية. ولهذا لم يلحق التثنية بالجمع في حق (١١) جميع الأحكام.
_________________
(١) في المعجم الوسيط: الأحد الواحد. وجمعها أحدان وآحاد وأحدون. وليس فيه "وحدان". (وانظر أيضًا المعجم الكبير). وراجع فيما تقدم الهامش ١ ص ٢٨٣.
(٢) في ب: "وقالوا".
(٣) في ب: "رجل فعل - ورجلا [ن] فعلا - ورجال فعلوا".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "من".
(٥) "اللغة" ليست في ب.
(٦) "فإنه يشاركه الاختصاص" من ب.
(٧) في ب: "كذلك".
(٨) في ب: "ولما".
(٩) في ب: "بخلافه".
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل: "تعلق بالحكم".
(١١) "حق" ليست في ب.
[ ٢٩٦ ]
- وأما قولهم بأن الجمع عبارة عن الضم والاجتماع وهو موجود في التثنية - بلى! مطلق الجمع ما ذكرتم، ولكن صيغة الجمع وضعت لجمع خاص، وهو ضم الشيء إلى مثليه - عرفنا ذلك بوضع أهل اللغة، ولا يجعل الثلاثة جمعًا مطلقًا (١) من حيث إن فيه معنى الجمع المطلق (٢)، بل من حيث إنه جمع خاص - والله أعلم.