فنقول:
فعل النبي - ﷺ - ينقسم إلى قسمين في الأصل:
الأول (٧) - ما خرج بيانًا لمجمل كتاب الله تعالى (٨).
وحكمه حكم الكتاب، من حيث (٩) الوجوب والندب والحرمة والكراهة ونحوها - لأن البيان متى ألحق (١٠) بالمجمل صار كأنه ورد مفسرًا من الأصل.
_________________
(١) "وهو الكتاب" من أ.
(٢) في ب: "ولا".
(٣) في (أ) و(ب): "بالشبهات". وفي هامش أ: "أي الشبهة التي في البينة".
(٤) في أ: "فرفعًا".
(٥) "تصير الشبهة" ليست في ب.
(٦) في أ: "والله الهادي".
(٧) "الأول" ليست في ب.
(٨) كذا في ب: "لمجمل كتاب الله تعالى". وفي الأصل و(أ): "لمجمل الكتاب".
(٩) "حيث" من ب.
(١٠) في (أ) و(ب): "التحق".
[ ٤٥٦ ]
والقسم الثاني - ما ليس ببيان للكتاب (١). وهو نوعان:
أحدهما - ما عرف، بقرينة ودليل، أنه واجب عليه أو مندوب إليه أو سنة (٢) أو مباح.
والثاني - ما لم يقم الدليل على ذلك.
واختلف العلماء في وجوب المتابعة علينا (٣) في أفعاله والاقتداء به (٤) فيها:
- قالت الواقفية بأنه يتوقف في ذلك عملا واعتقادًا، إلا إذا قام الدليل. فإن قام الدليل على (٥) أنه واجب عليه، لا على طريق الخصوص، أو مباح له لا على طريق (٦) الخصوص: فإنه يجب المتابعة فيه على الأمة. أما إذا ثبت الخصوص في الواجب، كصلاة الليل أو في المباح، كحل تسع نسوة وما زاد عليها: فإنه لا يجب المتابعة فيه.
- واختلف أصحابنا في ذلك:
قال مشايخ العراق، مثل الكرخي وغيره: إنه يحمل على الإباحة، إلا بدليل. بخلاف أوامره ونواهيه، فإنها محمولة على الوجوب إلا بدليل.
وقال مشايخ سمرقند بأنها محمولة على الوجوب عملا، ويتوقف في الاعتقاد عينًا، لكن يعتقد على (٧) الإبهام أن ما أراد الله تعالى منه فهو حق، وسووا بين أفعاله وأقواله (٨).
_________________
(١) في ب: "الكتاب".
(٢) "سنة" غير واضحة في أ.
(٣) في أ: "عليه".
(٤) "به" ليست في ب.
(٥) "الدليل على" من أ.
(٦) "طريق" من أ.
(٧) في الأصل و(أ): "مع ".
(٨) في ب: "أقواله وأفعاله".
[ ٤٥٧ ]
- واختلف أصحاب الحديث والفقهاء من أصحاب الشافعي:
من قال إن أمره مطلقًا محمول على الوجوب إلا بدليل، قالوا إن أفعاله موجبة (١) إلا بدليل، وهو اختيار الجصاص ﵀ من أصحابنا.
ومن قال بالتوقف في أوامره، يتوقف (٢) في أفعاله في حقنا.
ومن قال بالندب في أمره، يقول بالندب في فعله.
ومن قال بالإباحة في أمره، يقول بالإباحة في فعله في حقنا. أما أفعاله في حقه [فـ] توصف (٣) بالإباحة، لا محالة، لكونه معصومًا عن المعاصي والقبائح.
وجه قول الواقفية أن فعله محتمل في نفسه: يجوز أن يكون واجبًا، ويجوز أن يكون مندوبًا إليه، ويجوز أن يكون مباحًا، وما هو واجب أو مباح في حقه يجوز أن لا يكون واجبًا ولا يكون (٤) مباحًا في حقنا، كصلاة الليل وحل ما زاد على الأربع، والمحتمل غير معلوم، فيجب التوقف فيه عملا واعتقادًا، حتى يقوم دليل العلم، كما قالوا في أقواله.
وجه قول من قال إنه يحمل على الإباحة، ما ذكرنا: أنه لما كان محتملا في نفسه بين كونه واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا (٥)، يجب التوقف في كونه واجبًا ومندوبًا، أما نعلم يقينًا أنه مباح، لأنه معصوم عن مباشرة الحرام فيجب القول بما هو المتيقن، والتوقف في المشكوك والمحتمل، بخلاف أوامره ونواهيه، لأن ثمة قام (٦) الدليل على (٧) أن صيغة الأمر موضوعة للوجوب لغة وشرعًا، والحقيقة هي (٨) الأصل حتى يقوم الدليل على المجاز.
_________________
(١) في ب: "لا دو جب".
(٢) في ب: "يقول بالتوقف".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "يوصف".
(٤) "يكون" من أ.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ومندوبًا ومباحًا".
(٦) في أ: "لأنه قد قام".
(٧) "على" من أ.
(٨) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "هو".
[ ٤٥٨ ]
وجه قول من قال بالوجوب في الأصل: النصوص المحرمة لمخالفة (١) الرسول - ﷺ -، و(٢) النصوص الموجبة لطاعته ومتابعته والاقتداء به:
قال الله تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره .. (الآية) " (٣):
حذر الله تعالى عن (٤) مخالفة أمر رسول الله (٥) - ﷺ -، والتحذير عن مخالفة أمر الرسول ﵇ أمر بالوافقة والمتابعة له في فعله وقوله جميعًا، لأن اسم الأمر يقع على القول والفعل جميعًا.
وقال الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول .. (الآية) " (٦): أمر بطاعة الرسول ﵇، وطاعته في موافقته في فعله وقوله، وذلك أن يفعل مثل فعله.
وكذا قال الله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٧) أي قدوة حسنة (٨) متبعة، والاقتداء به (٩) في أفعاله أن يأتي بها إلا (١٠) ما ثبت خصوصه، فكان الأصل هو وجوب المتابعة إلا ما قام الدليل.
وجه قول مشايخ سمرقند: أن (١١) الأصل هو وجوب (١٢) الاقتداء والمتابعة في أفعاله التي ليست من حوائج نفسه وأمور الدنيا، بالنصوص التي
_________________
(١) في ب كذا: "المجمعه بمخالفه".
(٢) "و" ليست في ب.
(٣) سورة النور: ٦٣ - " فيحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
(٤) "عن" ليست في ب.
(٥) في ب: "الرسول".
(٦) سورة النساء: ٥٩ - "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا.". وانظر: المائدة، ٩٢: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ". والنور: ٥٤. ومحمد: ٣٣. والتغابن: ١٢
(٧) سورة الأحزاب: ٢١.
(٨) "حسنة" من ب.
(٩) "به" من (أ) و(ب).
(١٠) "إلا" ليست في ب.
(١١) "أن" ليست في أ.
(١٢) "وجوب" من أ.
[ ٤٥٩ ]
تلونا، إلا أن احتمال الخصوص ثابت في بعض الواجبات والمباحات، على ما ذكرنا - فقلنا بوجوب المتابعة في الفعل دون الاعتقاد عينًا، لاحتمال أنه (١) يعتقد ما ليس بواجب واجبًا، وما ليس بمباح في حقه مباحًا: وأما (٢) الفعل، فمما (٣) لا خطر فيه، فإنه: إن كان واجبًا، فقد أتى بما عليه، وخرج (٤) عن عهدة الواجب، وأسقط الإثم عن نفسه. وإن لم يكن واجبًا، فقد أحرز الثواب بالفعل، وقضى حق الاعتقاد بالإبهام - والله ولي الإنعام.
[٣]