فنقول:
الفاسد منها أنواع (١):
منها - ما ذكرنا من قياس الشبه (٢).
ومنها - ما ذكرنا من قياس الطرد من غير بيان الأثر (٣).
ومنها - التعليل بالنفي. وهو وجهان: أحدهما فاسد، والثاني (٤) صحيح.
- أما الأول، وهو أن يعلل لنفي الحكم، بنفي وصف من أوصاف المنصوص عليه.
وهو فاسد، لأنه يجوز أن يكون الحكم متعلقًا بوصف آخر غيره. وهذا في الحقيقة تعليل بعلة قاصرة. ويجوز أن يكون الحكم في النص ثابتًا بعلل.
ونظيره ما قال الشافعي ﵀ فيمن ملك أخاه: لا يعتق عليه، لأنهما شخصان ليس بينهما بعضية، فلا يعتق أحدهما على صاحبه إذا ملكه، كابني العم. بخلاف الوالدين والمولودين، لأن ثمة بينهما بعضية. لأنا نقول في الولاد (٥): العلة ثمة (٦) ليست هي البعضية، ولو كانت علة،
_________________
(١) (*) راجع ص ٥٥١ حيث جعل ذلك من موضوعات القياس.
(٢) قال الإمام أبو زيد الدبوسي في "تقويم الأدلة" (المخطوط ٢٥٥ - أصول فقه بدار الكتب المصرية، ص ٧٩٧): "القول في أسماء الحجج التي هي مضلة - هذه الأسماء أربعة: التقليد، ثم الإلهام، ثم استصحاب الحال، ثم الطرد".
(٣) راجع ص ٥٧٣ و٦٠٨ وما بعدها.
(٤) "ومنها ما ذكرنا من قياس الطرد الأثر " من ب. راجع ص ٥٧٣ و٥٩٩ وما بعدها و٦٠٥ وما بعدها.
(٥) في ب: "والآخر".
(٦) في ب: "في الولادة". في المعجم الوسيط: ولدت الأنثى قلد ولادًا وولادة: وضعت حملها فهي والد ووالدة. ويقال: ولدت الجنين.
(٧) "ثمة" من ب.
[ ٦٥٦ ]
لا ينفي وجود علة أخرى، وهي القرابة المحرمة القطع. وفي الفرع: إن انعدمت إحداهما (١)، وهي البعضية، فلا (٢) تنعدم الأخرى.
- وأما الثاني، وهو أن يكون الحكم ثابتًا بعلة متعينة (٣)، ليس له علة أخرى، كضمان الغصب: لا يجب بدون الغصب، وحد السرقة: لا يجب بدون السرقة، فكان نفي الحكم، بنفى الغصب والسرقة، نفيًا (٤) صحيحًا. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ (٥): لما كان التحريم لا يعرف إلا بالوحي، فينعدم عند عدم الوحى.
ومنها (٦):
استصحاب الحال (٧)
فيحتاج إلى:
تفسير استصحاب الحال.
وبيان أنواعه.
وبيان حكم كل نوع.
_________________
(١) في ب: "أحدهما".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "لا".
(٣) في ب: "معينة".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "يكون نفيًا".
(٥) سورة الأنعام: ١٤٥ - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
(٦) في ب: "مسألة - ومنها" أي من "القياس والاستدلال الفاسدين" - يراجع فيما تقدم ص ٦٥٦.
(٧) انظر البخاري، على البزدوي، ٣: ٣٧٧ وما بعدها. وفيه: "وسمي هذا النوع "استصحاب الحال" لأن المستدل يجعل الحكم الثابت في الماضي مصاحبًا للحال أو يجعل الحال مصاحبًا لذلك الحكم".
[ ٦٥٧ ]
[١]
أما تفسير استصحاب الحال
[فـ] هو التمسك بالحكم الثابت في حالة البقاء - مأخوذ من المصاحبة، وهو ملازمة ذلك الحكم، ما لم يوجد دليل مغير (١).
[٢ و٣]
وأما بيان أنواعه، [وحكم كل نوع]
فنقول:
إنه أنواع: بعضها واجب العمل به، والبعض جائز العمل به، والبعض غير جائز العمل به.
أما الأول:
فهو نحو استصحاب الحكم العقلي - وهو كل حكم عرف وجوبه أو امتناعه، وحسنه أو (٢) قبحه، بمجرد (٣) العقل.
وكذا استصحاب الحكم السمعي، الذي ثبت بدليله على طريق التأبيد نصًا، أو على التأقيت نصًا، أو ثبت مطلقًا في حال حياة النبي - ﷺ - وبقى بعد وفاته - ﷺ -.
_________________
(١) انظر البخاري على البزدوي، ٣: ٣٧٧.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "و".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "لمجرد".
[ ٦٥٨ ]
فإن هذا واجب العمل به، لقيام دليل البقاء، وانعدام الدليل (١) المزيل قطعًا (٢).
وأما القسم الثاني:
[فـ] ما هو جائز العمل به بالاتفاق بين مشايخنا (٣).
ولكن اختلفوا في وجوب العمل به: وهو أن (٤) كل حكم ثبت وجوبه بدليل مطلق، لا يتعرض للبقاء والزوال، والمجتهد طلب الدليل الزيل، بقدر ما في وسعه، ولم يظفر به:
فقال (٥) بعضهم: لا يكون حجة أصلا، لا لإبقاء ما كان على ما كان، ولا لإثبات أمر لم يكن. لأن حكم الدليل هو الثبوت، فأما البقاء [فـ] لا يضاف إليه، فلم يكن على البقاء دليل، فيكون تمسكًا بالحكم بلا دليل. أو محتمل (٦) أن ذلك الدليل يوجب البقاء بقرينة تنضم إليه، ويحتمل أن الدليل المزيل قد قام ولكن لم يبلغ إليه (٧) لتقصير في الطلب. والمحتمل لا يصلح أن يكون دليلا في حق العمل والاعتقاد جميعًا.
وقال أكثر المتأخرين من الفقهاء: إنه حجة يجب العمل به (٨)، في حق نفسه، لإبقاء ما كان على ما كان. أما لا يصلح حجة في حق الإلزام على
_________________
(١) كذا في ب وهامش الأصل. وفي متن الأصل: "دليل".
(٢) في البخاري على البزدوي (٣: ٣٧٧): "قطعيًا".
(٣) "بالاتفاق بين مشايخنا" من ب.
(٤) "أن" ليست في ب.
(٥) في ب: "قال".
(٦) في ب: "يحتمل".
(٧) في ب: "لم يبلغه".
(٨) "به" من ب.
[ ٦٥٩ ]
الخصم، ولا (١) لإثبات أمر (٢) لم يكن، لأن الظاهر أن الحكم متى ثبت يبقى، وإن كان الدليل المثبت لا يوجب البقاء، والظاهر يكفى حجة لإبقاء ما كان (٣)، لا للإلزام على الغير، كظاهر اليد: يصلح حجة للدفع دون الإلزام (٤). وكحياة المفقود: لما كان الظاهر بقاؤها، صلحت حجة لإبقاء ما كان على ما كان (٥)، حتى لا يورث ماله. ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن، حتى لا يرث من الأقارب، والثابت (٦) لا يزال بالشك، وغير الثابت لا يثبت بالشك.
ولكن مشايخنا ﵏ قالوا: إن هذا القسم يصلح حجة على الخصم في موضع النظر، ويجب العمل به على كل مكلف (٧) إذا لم يجد دليلا فوقه من الكتاب والسنة. [فـ] لا يجوز (٨) تركه بالقياس - كذا ذكر الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀ في كتاب "مآخذ الشرائع" (٩). وهذا لأن الحكم متى ثبت شرعًا، فالظاهر هو (١٠) دوامه، لما تعلق به من المصالح الدينية والدنيوية (١١)، ولا تتغير المصلحة في زمان قريب، وإنما يحتمل التغير عند تقادم العهد، فمتى طلب المجتهد الدليل
_________________
(١) "لا" من ب.
(٢) في ب كذا: "ام".
(٣) في ب: "لإبقاه على ما كان".
(٤) انظر في مجلة الأحكام العدلية م ١٧٥٤ وما بعدها.
(٥) "على ما كان" من ب.
(٦) في ب: "فالثابت".
(٧) في ب: "على كل من كلف".
(٨) كذا في البخاري على البزدوي (٣: ٣٧٧: السطر الأسفل). وفي الأصل: "فأما لا يجوز". وفي ب: "فأما ما لا يجوز".
(٩) كذا أيضًا في البخاري على البزدوي (٣: ٣٧٧ س ٣ من أسفل - ٣٧٨) حيث قال: "وهو اختيار صاحب الميزان".
(١٠) "هو" ليست في ب.
(١١) كذا في ب. وفي الأصل كذا: "والدنياوية".
[ ٦٦٠ ]
المزيل بقدر وسعه ولم يجده، فالظاهر هو عدم المزيل. وهذا نوع اجتهاد. فإذا كان البقاء ثابتًا بالاجتهاد، فلا يترك باجتهاد مثله، ما لم يوجد الترجيح، ويكون حجة على الخصم، كمن اعتقد حكمًا بقياس صحيح مؤثر عنده، وعمل به زمانًا، ثم ظهر له قياس آخر أوجب حكمًا بخلافه، فإنه لا يجوز له أن يعتقد خلاف ذلك الحكم، ما لم يظهر (١) رجحان القياس (٢) الثاني على الأول، بدليل مرجح، بل يجب عليه العمل بالأول، لأن ذلك حكم ثبت، وثبت بقاؤه بالاجتهاد، فلا يزول إلا بدليل يترجح على الأول، وإن كان أوجب شبهة في الأول - و(٣) هذا معنى قول الفقهاء: إن ما أمضى بالاجتهاد (٤) لا ينقض باجتهاد مثله، ولأن هذا هو الموافق للأصول والأحكام، فإن الحكم المطلق في حال حياة النبي - ﷺ - محتمل للنسخ (٥)، ثم هو ثابت في حق من كان بعيدًا عنه، في حق وجوب العمل به، والإلزام على الغير، ودعوة الناس إلى ذلك، وفي حق إثبات أمر لم يكن بمنزلة الحكم الثابت بالنص (٦).
وكذلك: استصحاب الحكم الثابت بظاهر العموم: واجب مع احتمال الخصوص.
وكذا: استصحاب الحكم الثابت بمطلق النص الخاص: واجب مع احتمال المجاز والنسخ (٧)، لما قلنا.
_________________
(١) في ب: "يعتقد حكمًا بخلاف ذلك ما يظهر".
(٢) في ب: "الدليل".
(٣) "و" ليست في ب.
(٤) في ب: "باجتهاد".
(٥) في ب: "يحتمل النسخ".
(٦) العبارة كلها نقلها البخاري في كشف الأسرار (٣: ٣٧٩).
(٧) "والنسخ" ليست في ب.
[ ٦٦١ ]
وأما الأحكام:
- فإن من شك في الحديث بعد ما توضأ، فإنه على الطهارة مع احتمال الحدث.
- وكذا من شك في طلاق امرأته، وعتاق (١) عبده وجاريته، فإنه يباح له الانتفاع به مع الاحتمال.
- وكذا من اشتري دارًا أو ورثها، ومضي على ذلك (٢) زمان طويل، ثم بيعت دار يجنبها، فإنه يثبت له حق الشفعة، والشراء يوجب الملك دون البقاء، واحتمال زوال الملك قائم بالهبة والبيع، وإن كان ظاهر اليد قائمًا، لما ذكرنا أن الثابت لا يزول بالشك (٣) والله أعلم.
أما القسم [الثالث]- الذي لا يجوز العمل باستصحاب الحال فيه - فأنواع، منها (٤):
[الأول]- استصحاب الحكم الشرعي المبني على العقل عند المعتزلة. فإن عندهم للعقل حكمًا في بعض الأشياء إلى أن يرد الدليل السمعي، إما مقررًا (٥) لحكم العقل أو مغيرًا. فيقولون نحن نستصحب الحكم العقلي إلى أن يرد الدليل السمعي. وهذا فاسد عندنا، فإنه لا حكم للعقل في الشرعيات عندنا. وعند أصحاب الحديث لا حكم للعقل أصلا في في الوجوب والتحريم، لا في العقليات ولا في الشرعيات.
_________________
(١) في ب: "أو عتق".
(٢) "على ذلك" من ب.
(٣) انظر البخاري، على البزدوي، ٣: ٣٧٨ س ٥ من أسفل - ٣٧٩. والبزدوي، على هامش البخاري، ٣: ٣٧٩.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "الحال فيه: فمنها".
(٥) في ب كذا: "مققرا".
[ ٦٦٢ ]
والثاني - ما قال بعض أصحاب الحديث: إن العقل دليل على انتفاء الأحكام، لأن الأحكام الشرعية تثبت بخطاب صاحب الشرع، ولا يثبت الخطاب قبل بعث الرسول - ﷺ -، وإذا عدم دليل الحكم ثبت انتفاء الحكم ضرورة، وعدم الدليل ثابت بالعقل، فإن به يعرف أن لا دليل قبل مجيء الرسول - ﷺ - في الشرعيات (١). وإذا كان العقل دليلا على انتفاء (٢) الأحكام، وعلى براءة الذمم عن الوجوب، فنحن نستصحب الحكم الثابت بالعقل، وهو انتفاء الحكم إلى أن يرد الدليل السمعي. وهذا حكم بالدليل، وهو العقل، فإنه إن لم يكن دليلا على ثبوت الأحكام الشرعية، فهو دليل على النفي، فيكون الاستصحاب على النفي حجة يجب العمل به.
وهذا أيضًا مع هذا التحقيق فاسد عندنا، في حق وجوب العمل به، في حق نفسه وفي حق الإلزام على الغير، لأنا إن عرفنا انتفاء الأحكام الشرعية بالعقل لانعدام دليل الثبوت، وهو ورود الشرع، ولكن الكلام بعد ورود الشرع، فيجب على المكلف طلب (٣) الحكم الشرعي بعد ورود الشرع (٤) من صاحب الشرع ومن يقوم مقامه في تبليغ الشرع عنه، لا أن يستصحب النفي (٥) الثابت بعدم الدليل. وهذا لأن العقل كما لاحظ له في إثبات الحكم الشرعي (٦)، لا حظ له في نفي الحكم الشرعي، لكن قبل ورود الشرع، لم يثبت الحكم لعدم دليله، وعرف عدم
_________________
(١) "ﷺ في الشرعيات" من ب.
(٢) في ب كذا: "انتقال".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "الشرع يجب طلب".
(٤) "بعد ورود الشرع" من ب.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "لا أنه لا يستصحب حالة النفي".
(٦) "الشرعي" ليست في ب.
[ ٦٦٣ ]
الدليل بالعقل. فأما بعد ورود الشرع، لم يعرف بالعقل عدم الدليل، فإن قول صاحب الشرع وفعله وسكوته حجة في إثبات الحكم والنفي جميعًا، فكما ثبت وجوب صوم رمضان ووجوب الصلوات الخمس، بقوله وفعله (١)، ثبت انتفاء وجوب صوم شوال ووجوب الصلاة السادسة، بتركه وسكوته عند امتناع الناس عن صوم شوال، والسكوت عند الحاجة إلي البيان بيان (٢).
وإذا ثبت هذا، فكان التمسك باستصحاب حال العقل في انتفاء الأحكام وبراءة الذمم عن الشغل بالوجوب، تمسكًا بالجهل الثابت بعدم الدليل، مع ورود الدليل الشرعي بعد المبعث، وإنه فاسد.
ومن ذلك [ثالثًا]- استصحاب الحكم الثابت بالإجماع عند تغير الحالة، نحو إجماع الأمة على انتقاض طهارة التيمم عند رواية الماء خارج الصلاة. ويقول الشافعي، لا ينتقض برؤية الماء في حال الصلاة. فتلق (٣) بعض أصحابنا باستصحاب حكم الإجماع، وقال: أستصحب على الحكم الثابت بالإجماع، وإن تغيرات تلك الحالة بحالة الصلاة (٤)، فيكون الإجماع ثم إجماعًا (٥) في هذه الحالة، لأن حكم الشرع من حيث الظاهر لا يغير بتغير الأحوال إلا نادرًا، والعمل بالظاهر واجب، كما ذكرنا من الحكم الثابت بالنص المطلق، والقياس يجب التمسك به ما لم يقم الدليل بخلافه.
_________________
(١) "وسكوته حجة بقوله وفعله" ليست في ب.
(٢) م ٦٧ من مجلة الأحكام العدلية: "لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان".
(٣) في ب: "وتعلق".
(٤) في ب: "بحاله والصلاة".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "ثم يكون إجماعًا".
[ ٦٦٤ ]
ونظيره: من قال بجواز بيع أم الولد: إن الإجماع كل منعقد على جواز بيع هذه الجارية في قبل الاستيلاد، فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد. وهذا فاسد أيضًا، لأنه: إن كان الإجماع بناء على حديث مطلق أو القياس: فإن (١) كان ويتمسك بالنص فنقول: إن النص مطلق ويتناول الحالة الأولى والثانية بإطلاقه، أو لا ويتعرض للأحوال على حسب ما قيل فيه، فهو تمسك بالنص، لا باستصحاب الحال. وإن قال: الإجماع معقول المعنى، وذلك (٢) المعنى باق بعد تغير تلك الحالة، فهذا تمسك بالقياس دون الحال. وإن قال: إن الإجماع في تلك الحالة (٣) إجماع بعد تغير تلك الحالة، فهو (٤) ممنوع، فإن الإجماع على حكم في حالة مخصوصة، لا يكون إجماعًا في غير تلك الحالة، فإن الخصم نازع في هذه الحالة، ولا يعد الخصم مخالفًا للإجماع، فإن الإجماع على انتقاض التيمم برؤية الماء في خارج الصلاة، ولا إجماع في حالة الصلاة. فالدليل الذي به يثبت (٥) الحكم في تلك الحالة، وهو الإجماع، لم يبق في هذه الحالة، لوجود الخلاف بين العلماء، بخلاف ما إذا كان الحكم ثابتًا بمطلق النص، لأن ذلك النص يتناول الأحوال كلها، أو لا يتعرض (٦) للأحوال، ومطلق كلام صاحب الشرع - ﷺ - (٧) حجة، فأما الإجماع، [فـ] يكون حجة بدليل سمعي، وهو قوله ﵇: "لا تجتمع أكل أمتي على الخطأ"، فما لم يوجد اجتماع الأمة كلها، لا يكون إجماعًا، فلا يكون حجة.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "بأن".
(٢) في ب: "فذلك".
(٣) في ب: "الحال".
(٤) في ب: "تلك الحال فهذا".
(٥) في ب: "ثبت".
(٦) في ب: "كلها أولى أو لا يتعرض".
(٧) "ﷺ" من ب.
[ ٦٦٥ ]
ومنها [رابعًا]- ما قال القاضي الإمام أبو زيد ﵀: إن استصحاب الحكم الثابت، مع تغير الحالة، قبل التأمل في أصول (١) الشرع، لمعرفة (٢) الدليل المزيل وقبل طلبه، لا يكون حجة. ولكن الأصح أنه يكون حجة، لأنه ويتمسك بظاهر النص أو بظاهر القياس، وهو تمسك بدليل شرعي، فلا يبطل العمل به، باحتمال قيام الدليل المزيل، كمن تعلق بعموم النص: يكون تعلقه صحيحًا، ويكون حجة على الخصم، وإن لم يطلب دليل الخصوص، وإن كان احتمال الخصوص قائمًا، لما ذكرنا - فكذا هذا (٣)، والله أعلم.
ومنها (٤) [خامسًا]- أنه هل (٥) على النافي دليل أم لا؟
أجمعوا أن من قال: لا أعلم لله تعالى (٦) حكمًا في هذه الحادثة، أنه لا يطاب منه الدليل، لأن الجاهل بحكم الله تعالى جاهل بدليله، وكمن جهل دليل شيء وأقر به، يكون طلب الدليل منه سفهًا. فأما إذا اعتقد وقال: أعلم أن حكم الله تعالى في هذه الحادثة نفي الوجوب، أو أعتقد أن لا حكم لله تعالى في هذه الحادثة من (٧) وجوب فعل أو ترك، نحو أن يقول: إنه لا تجب الزكاة على الصبى والمجنون، ويدعي ذلك مذهبًا ويدعو (٨) غيره إليه - فهل عليه دليل إذا طالبه من يدعي الوجوب بدليل (٩)
_________________
(١) في ب كذا: "في أحوال".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "بمعرفة".
(٣) "فكذا هذا" ليست في ب.
(٤) في ب: "مسألة - ومنها".
(٥) "هل" ليست في ب.
(٦) "تعالي" ليست في ب.
(٧) "من" من ب.
(٨) في ب كذا: "ويدعوا".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "دليل".
[ ٦٦٦ ]
النفي؟ أو (١) هل يجوز له (٢) أن يعتقد نفي حكم شرعي بلا دليل، في غير موضع المناظرة أيضًا؟
قال بعضهم: لا دليل على معتقد النفي لا في حق نفسه، ولا عن مطالبه لا الخصم عند المناظرة.
وقال عامتهم بأنه لا يجوز أن يعتقد الإنسان نفي حكم إلا بدليل. وعليه إقامة الدليل إذا ناظره (٣) غيره ودعاه إلي مذهبه، كما على المثبت.
وقال بعضهم: في العقليات على النافي دليل، دون الشرعيات.
وقال بعضهم: ليس على نافي الشرعيات دليل سمعي: أما عليه دليل وله دليل، وهو العقل في معرفة انتفاء الأحكام الشرعية.
أما من قال: لا دليل على النافي [فقد] احتج بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "البينة على المدعي" - جعل جميع البينات على المدعين، والنافي منكر وليس بمدع (٤)، ولأن الأمر المعتاد المعروف في أصول الشرع أن الحجة علي من يدعي أمرًا خفيًا لا علي من تمسك بالظاهر - ألا ترى أن كل من تمسك بالعام لا يحتاج إلى الدليل على أنه عام، وإنما الدليل على من يدعي الخصوص. وكذا من تمسك بظاهر الكلام لا يحتاج إلى الدليل على أنه حقيقة، وإن كان يحتمل المجاز في الجملة، لأن الظاهر هو الحقيقة، وإنما الدليل على من يدعي المجاز. وكذا البينة على الخارج لا علي صاحب اليد، لأن (٥) صاحب اليد تمسك بالظاهر، والخارج يدعي أمرًا خفيًا، فكذا النافي متمسك
_________________
(١) في ب: "و".
(٢) "له" من ب.
(٣) في ب: "ناظر".
(٤) في ب كذا: "مدعي". وقد تكون كذلك في الأصل.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "لما أن".
[ ٦٦٧ ]
بالظاهر، فإن الأصل هو عدم وجوب الحقوق، والمدعي يثبت أمرًا خفيًا يزيل الظاهر، [فـ] يجب أن يكون الدليل على المثبت دون المنكر، حتي يكون علي موافقة الأصول، ولأن الدليل إنما يطلب ممن يدعي حكمًا شرعيًا وهو الوجوب والندب، والإباحة ونحو ذلك. أما انتفاء الوجوب [فـ] ليس بحكم شرعي، فإن النفي عبارة عن عدم محض، والعدم. ليس بشيء، فمطالبته النافي بإقامة الدليل، لا علي شيء، يكون سفهًا.
ووجه قول من فرق بين العقليات والشرعيات أن (١) الكلام ثمة (٢) يقع حقيقة النفي والإثبات، وكلاهما حقيقة، فإن قول القائل "زيد في الدار" حقيقة، وقوله "زيد ليس في الدار" حقيقة، فيكون مدعي النفي والإثبات مدعيًا حقيقة الوجود أو (٣) العدم، فيطالب بالدليل. فأما في الشرعيات فمدعي الإثبات (٤) وهو وجوب شيء أو (٥) إلي [أ] وندبه، يدعي (٦) حكمًا شرعيًا، فأما النافي (٧) [فـ] منكر (٨) وجود الوجوب ويدعي انتفاءه، وذلك ليس بحكم شرعي، فكيف يطالب بالدليل، إنما المطالب من يدعي الوجوب.
وجه قول العامة: النص، والمعقول:
- أما النص، فقوله تعالى (٩): "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا
_________________
(١) في الأصل و(ب): "والشرعيات هذا أن".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "أن ثم الكلام". والظاهر أن المقصود هنا العقليات.
(٣) في ب: "و".
(٤) "فمدعي الإثبات" ليست في ب.
(٥) في ب: "و".
(٦) كذا في ب وفي الأصل: "فيدعي".
(٧) في ب: "فأما في النافي".
(٨) في ب كذا: "سكر".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "أما النص قول الله تعالى"
[ ٦٦٨ ]
أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (١) - أخبر الله تعالى عن اليهود أنهم نفوا دخول المسلمين الجنة، وأثبتوا دخول اليهود والنصارى الجنة، ثم أمر النبي - ﷺ - بطلب الحجة منهم (٢)، والبرهان (٣) على النفي والإثبات جميعًا.
- وأما المعقول، [فـ] إن النافي (٤) إذا كان يعتقد نفي حكم شرعي يقال له: هل علمت انتفاء هذا الحكم بيقين حتي يكون اعتقادك علمًا لا جهلا؟ لأن الجهل اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به، فإن قال: نعم - فيقال له: هل (٥) علمت بطريق الضرورة أو (٦) بالتقليد أو بالاستدلال؟ فإن ادعيت الضرورة، فهو فاسد (٧)، لأن الضروري يشترك فيه العقلاء كلهم، ولم يحصل لنا العلم بانتفائه ضرورة. وإن ادعيت التقليد، فالتقليد ليس طريق العلم، فإن المقلد لا يدعي العام بنفسه، وإنما يدعيه بغيره، والخطأ على ذلك الغير جائز، إذ الكلام في اتباع غير النبي - ﷺ - (٨) المعصوم. وإن ادعيت طريق النظر والاستدلال، فقد أقررت أنك تعتقد نفي الحكم بدليل، فلابد من بيانه.
- فإن قالوا: نحن نقول: على النافي دليل، ولكن فقد دليل الإثبات دليل النفي، لأنه لا واسطة بين النفي والإثبات، فإذا عدم دليل الإثبات ثبت (٩)
_________________
(١) سورة البقرة: ١١١ - ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
(٢) "منهم" من ب.
(٣) في ب كذا: "والرهان".
(٤) في ب: "وهو أن النافي".
(٥) "هل" من ب.
(٦) في ب: "أم".
(٧) في ب: "ففاسد".
(٨) "ﷺ" من ب.
(٩) في ب: "ثبت دليل".
[ ٦٦٩ ]
النفي ضرورة - قال الله تعالى لنبيه محمد (١) - ﷺ -: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة" (٢) فالله تعالى جعل عدم (٣) دليل الحرمة دليل فى ثبوت ضده، وهو الإباحة، لأنه لا واسطة بين الحرمة والإباحة فنقول: إن كان الأمر كذلك، ولكن بم عرفتم عدم دليل الإثبات حتي يثبت النفي ضرورة، فما لم (٤) تحضروا دلائل الثبوت وتثبتوا عدمها لا يستقيم دعوى النفي.
- فإن قلتم: إنا تفحصنا (٥) في الأصول وفي الدلائل على طريق الجد، فلم نجد دليل الثبوت، فعرفنا عدم ذلك، فحصل لنا العام بالنفي - فهو فاسد، لأن الخصم يقول: إن لم تجد فربما غيرك من العلماء وجده، والناس متفاوتون في العلم ودرك طريق العلم، فلا يكون قوله حجة على غيره.
- والجواب عن كلماتهم:
• أما الحديث - فهو حجتنا، فإنه قال - ﷺ - (٦): "واليمن علي من أنكر" فاليمين دليل، وقد أوجب على المنكر (٧)، كما أوجب على المدعي البينة، إلا أن الفرق بينهما أنه جعل اليمين (٨) حجة المدعى عليه، والبينة حجة المدعي، لأن المدعى عليه يشهد له الظاهر وأما المدعي فيدعي (٩)
_________________
(١) "محمد" من ب.
(٢) سورة الأنعام: ١٤٥، وتقدمت في الهامش ٥ ص ٦٥٧.
(٣) "عدم" ليست في ب.
(٤) "لم" ليست في ب.
(٥) في ب: "تصفحنا". وتفحص بالغ في الفحص. وتصفح الشيء نظن فيه (المعجم الوسيط).
(٦) "ﷺ" من ب.
(٧) في ب: "على من أنكر".
(٨) في ب: "البينة".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "يدعي".
[ ٦٧٠ ]
أمرًا خفيًا، والبينة أكمل من اليمين، فإن اليمين كلام الخصم، وإن كان (١) مؤكدًا بذكر اسم الله تعالى، والبينة كلام غير الخصمين، فكان للبينة زيادة قوة في غلبة الظن ورجحان الصدق، فلهذا تفاوتا. فأما على كل واحد منهما دليل وحجة مع أن المدعى عليه (٢) لا يجوز له أن يعتقد كون المدعى به ملكًا له غير دليل الملك، من الشراء أو (٣) الإرث ونحوهما، في حق نفسه وفي حق الإلزام على الغير. فعلى قود هذا: يجب أن لا يجوز للنافي في اعتقاد انتفاء الحكم الشرعي إلا بدليل.
• قولهم: إن النفي ليس بحكم شرعي، وإنما يطالب الدليل على الحكم الشرعي (٤) - فنقول: قبل ورود الشرع لا حكم في حقنا لا نفيًا ولا إثباتًا، ولكن بعد ورود الشرع ثبت الوجوب في حق البعض، والانتفاء في حق البعض، والإباحة في حق البعض، والحرمة في حق البعض. ولهذا ورد الشرع بنفي الحكم نصًا في مواضع نحو (٥) قوله ﵇: "ليس في النخة ولا في الجبهة لا ولا في الكسعة صدقة (٦) "، وقوله - ﷺ - (٧): "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، وقوله - ﷺ - (٨): "لا صدقة (٩) إلا عن ظهر غني". وإذا كان النفي حكم الله تعالى، فلا يجوز اعتقاد حكم الله تعالى من غير دليل، على أنه إن لم يكن النفي حكم الله تعالى عندكم،
_________________
(١) "كان" ليست في ب.
(٢) "ورجحان الصدق .. المدعى عليه" ليست في ب.
(٣) في ب: "و".
(٤) "الشرعي" من ب.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "من نحو".
(٦) راجع فيما وتقدم الهامش ٣ ص ٦٥٤.
(٧) "ﷺ" من ب.
(٨) "ﷺ" من ب.
(٩) في ب: "لا زكاة".
[ ٦٧١ ]
فلا شك (١) أنه نفي حكم الله تعالى، وهو الإثبات. وكما لا يجوز اعتقاد حكم الله تعالى من غير دليل، لا يجوز نفي حكم الله تعالى من غير دليل، فاحتمال (٢) ثبوته قائم لاحتمال قيام دليل الثبوت عند غيره إن لم يكن قائمًا عنده، فيكون هذا (٣) اعتقادًا على أنه لا حكم لله تعالى (٤) في هذه الحادثة من غير دليل.
وفي المسألة إشكالات تعرف في الشرح إن شاء الله تعالى.
مسألة - ومنها (٥) القول بـ:
تعارضْ الأشبَاه
وهو احتجاج بلا (٦) دليل في الحاصل.
مثاله - ما قال زفر ﵀ في أن المرافق لا يجب غسلها في الوضوء، لأن الله تعالى جعل المرافق غاية، بقو له تعالى: "وأيديكم إلى المرافق" (٧). والغايات منقسمة: بعضها يدخل، وبعضها لا يدخل (٨). وهذه الغاية لها شبه بكلا القسمين بدخول حرف الغاية عليها. فباعتبار الشبه (٩) بهذا القسم
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "فلا يشك".
(٢) في ب: "واحتمال".
(٣) "هذا" من ب.
(٤) "تعالى" ليست في ب. وانظر البخاري، على البزدوي، ٣: ٣٨٨ - ٣٨٩.
(٥) أي من "القياس والاستدلال الفاسدين" - راجع فيما تقدم ص ٦٥٦. وانظر: السرخسي، ٢: ٢٢٦ - ٢٢٧. والبخاري، على البردوي، ٣: ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٦) في ب: "بغير".
(٧) سورة المائدة: ٦ - "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ".
(٨) مثل ما يدخل قوله تعالى: "سبحان الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" فالمسجد داخل في الإسراء. ومثل ما لا يدخل قوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل".
(٩) في ب كذا: "السنة".
[ ٦٧٢ ]
يدخل، وباعتبار (١) الشبه بالقسم الآخر لا يدخل، فوقع التعارض بين الشبهين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فلا يجب الغسل بالشك عند تعارض الأشباه.
وهذا فاسد. وهو تعلق بعدم الدليل. والخلاف في وجوب غسل المرافق، وهو ينفي، وعلى النافي دليل.
- و(٢) قولهم: إنه وقع الشك في وجوب الغسل، فلا يجب بالشك فيه، ممنوع (٣). فلم قلتم إنه (٤) وقع الشك في وجوب الغسل؟ وهذا لأن الشك أمر حادث بين العلم والجهل، فلا يثبت إلا بدليل، فبأي دليل تثبتون هذا الحادث وهو الشك؟
• فإن قلتم: إن دليل حدوث الشك هو تعارض الأشباه وتقابل الأدلة - فنقوك: هذا أيضًا أمر حادث، وهو دعوى تعارض الأشباه والأدلة، فلا يثبت إلا بدليل، فبأي دليل تثبتون (٥) تعارض الأشباه، ونحن لا نسلم لكم تعارض الأشباه؟
• فإن قلتم: إن الغايات منقسمة: منها ما (٦) يدخل ومنها ما (٧) لا يدخل -[فنقول]: هذا دعوى أيضًا - لا نسلم أن الغايات منقسمة: قد يدخل وقد لا يدخل.
_________________
(١) في ب: "فباعتبار".
(٢) "و" ليست في ب.
(٣) "ممنوع" غير واضحة في الأصل ففيها كذا: "فيه نوع"، وقد تكون "فمنوع" - وانظر البخاري علي البزدوي، ٣: ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "بأنه".
(٥) في ب: "يثبتون".
(٦) و(٧) "ما" من ب.
[ ٦٧٣ ]
وبعدما أثبتم الانقسام وأريتم أن بعضها مما لا يدخل - فنقول: هل علمتم أن هذه الغاية من أي القسمين؟
• فإن قالوا: نعلم (١) أنها من أي القسمين، فنقول: إذا علمتم أنها من القسم الذي لا يدخل فلا يكون هذا منكم شكًا، لأن الشك ما استوى فيه طرف الجهل والعلم، وقد ادعيتم العلم، ولا يبقى العلم مع الشك (٢) الذي هو ضده، ولأنكم متي علمتم أنها من أي القسمين يكون إلحاقها بنظيرها في حق الحكم، لمساواة (٣) بينهما، وحينئذ يكون ذلك قياسًا، فيكون نفيًا لوجوب الغسل بالقياس الذي هو حجة ودليل في الجملة، لا بالشك.
• وإن قالوا: لا نعلم - فقد أقروا (٤) أنه لا دليل معهم، فقد أقروا بالجهل، وجهل المرء لا يكون حجة في حق الغير.
دل أن القول بتعارض الأشباه، تمسك بعدم الدليل، وهو فاسد. ولأن أكثر ما في الباب أن الأشباه (٥) متعارضة، وعند ذلك يحدث الشك، و(٦) لكن أثر الشك في التوقف وترك الميل إلى أحدهما، ما لم يقم دليل الترجيح لأحدهما. أما القول بنفي وجوب الغسل قطعًا - فلا (٧).
_________________
(١) في ب: "نعم".
(٢) في ب كذا: "فلا يبقى الشك مع العلم" و"يبقى" غير منقوطة في ب. وفي الأصل كذا: "ولا ينفى". وفي البخاري علي البزدوي، ٣: ٣٨٣: "فإن قال: أعلم ذلك - قلنا: إذن لا يكون فيه شك، لأن العلم مع الشك لا يجتمعان، لتنافيهما".
(٣) في ب: "بمساواة".
(٤) في ب: "أخبروا". وفي البخاري علي البزدوي، ٣: ٣٨٣: "وإن قال: لا أعلم، فقد أقر بالجهل وأنه لا دليل معه".
(٥) "أن الأشباه" ليست في ب.
(٦) "و" ليست في ب.
(٧) قال البخاري على البزدوي (٣: ٣٨٣): "هذا هو الترتيب المذكور في هذه المسألة في القويم والميزان وغيرهما .. ".
[ ٦٧٤ ]
ثم نقول: إن كان في هذا (١) النص تعارض ووقع لكم الشك باعتباره، فلم قلتم: إنه ليس ههنا دليل آخر على وجوب غسل المرافق، والاختلاف متى وقع بعد ورود الشرع، في شرع حكم ونفيه، لابد من الدليل، ولا يسع (٢) التعلق بعدم الدليل على ما مر - والله أعلم.
مسألة - ومنها (٣):
التقليد
وقد تكلموا في حده (٤).
قال بعضهم: هو اتباع الرجل غيره، على تقدير أنه محق، لحسن الظن به، لكونه مشورًا بالعلم والورع، وتقديم رأيه على رأي نفسه، لكونه من أهل النظر والاستدلال.
سمي تقليدًا لأنه جعل عاقبة ما قلده، قلادة في عنقه، إن كان حقًا أو باطلا، بلا دليل، كما قالت الكفرة (٥): "اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم" (٦) وقالوا: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٧).
_________________
(١) "هذا" من ب.
(٢) كذا ظهر لنا. وفي الأصل و(ب): "ولا يسمع". انظر البخاري على البزدوي، ٣: ٣٨٨ - ٣٨٩.
(٣) أي من "القياس والاستدلال الفاسدين". راجع فيما تقدم ص ٦٥٦.
(٤) "وقد تكلموا في حده" من ب.
(٥) في ب: "الكفرة - قوله تعالى إخبارًا عنهم".
(٦) سورة العنكبوت: ١٢ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
(٧) سورة الزخرف: ٢٢ وهي والتي تليها - ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
[ ٦٧٥ ]
ولهذا لا يجوز تسمية اتباع الأنبياء ﵈ تقليدًا، لأن أقوالهم وأفعالهم حجة، فيكون اتباعًا بالدليل.
ولكن لا يصح تحديد التقليد بهذا، وإن كان التقليد قد يكون كذلك، لأنا نجوز التقليد في الجملة. وما ذكر من باب الشك في الاعتقاد، لا من باب التقليد.
والصحيح أن يقال: التقليد (١) هو اتباع الرجل الجاهل العالم لعلمه وورعه واعتقاده لما (٢) يعتقده على طريق الجزم والحتم، من غير تردد وشك، وإن لم يكن بناء على دليل عقلي أو سمعي.
ثم التقليد إما أن يكون في التوحيد وأمور الدين، مما يعرف بمجرد العقل. وإما أن يكون في الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا بالدليل السمعي.
- أما التقليد في الأمور الشرعية: [فـ] لا يجوز إلا للعوام، ومن يكون بمثل (٣) حالهم من طلبة العلم ما لم يبلغوا (٤) حد الاجتهاد، لأجل الضرورة. ولكن عليهم أن يقلدوا من هو عندهم أعلم وأورع، بالسماع على طريق الاشتهار. فأما أهل الاجتهاد فلا (٥) يجوز لهم التقليد. وفي تقليد الصحابي خلاف على ما مر ذكره (٦).
- وأما التقليد في التوحيد وأمور الدين: ففيه كلام بين أهل الأصول، على ما عرف في مسائل الكلام. والصحيح أنه متي وجد الاعتقاد و(٧) الجزم
_________________
(١) " التقليد" ليست في ب.
(٢) في ب: "ولما".
(٣) في ب: "مثل".
(٤) في ب كذا: "ما لم ـعلوا".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "لا".
(٦) "مر" ليست في ب ففيها: "علي ما ذكره". راجع فيما تقدم ص ٤٨٠ وما بعدها.
(٧) "و" ليست في ب.
[ ٦٧٦ ]
على طريق التقليد من غير شك وارتياب، فإنه يكون إيمانًا صحيحًا، وهو إيمان أكثر أهل الإسلام من العوام والعلماء. فأما الاستبصار (١) والوقوف علي الدلائل في هذا الباب، فأمر عزيز الوجود، ثم الاستبصار والوقوف على الدلائل وحل شبهات الخصوم، [فـ] ليس بفرض عين بل هو فرض (٢) كفاية، في حق من رزق فهمًا ذكيًا وخاطرًا لطيفة: إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ولا يجوز تحريك اعتقاد العوام بالترغيب إلى تعلم علم الكلام والوقوف على دلائله، لأنه ربما يقع في قلوبهم شبه (٣) لا تنحل: إما لقصور (٤) في المعلمين، أو لخفاء المسألة في نفسها (٥)، أو لغلط خاطر البعض، فيصير الترغيب والإرشاد إلى الاستبصار سببًا للغواية والضلال، فيكون النصيحة والشفقة على أهل الإسلام ما ذكرته، خصوصًا للعوام - والله أعلم.
مسألة - ومنها (٦):
الإلهَام
فنذكر:
تفسيره لغة وعرفًا.
وبيان حده عند المتكلمين.
وبيان حكمه شرعًا.
_________________
(١) استبصر في أمره ودينه، كان ذا بصيرة فيه. واستبصر الشيء استبانه - المعجم الوسيط.
(٢) "في هذا الباب .. بل هو فرض" من ب، وظاهر ما فيها من تكرار. وفي الأصل: "فأما الاستبصار والوقوف على الدلائل ففرض كفاية".
(٣) في ب: "شبهة".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "بقصور".
(٥) في ب: "لخفاء في المسألة في نفسها".
(٦) أي من "القياس والاستدلال الفاسدين" - راجع فيما تقدم ص ٦٥٦.
[ ٦٧٧ ]
[١]
أما تفسيره
لغة: [فهو] إيقاع شيء في قلب العاقل (١)، يفضي إلى العمل به، ويحمله عليه، ويميل قلبه إليه، حقًا كان أو باطلًا. قال الله تعالى: "فألهمها فجورها وتقواها" (٢). وذلك قد يكون بواسطة الشيطان وهوى النفس، في فيسمى وسوسة.
وأما في العرف: فمستعمل (٣) في فيما يقع في القلب بطريق الحق دون الباطل، ويدعوه إلى مباشرة الخيرات دون الشهوات والأماني.
[٢]
وأما حده وحقيقته عند أهل الأصول
[فنقول]:
قال بعضهم: هو اتباع الرجل ما اشتهاه بقلبه أو أشار إليه في أمر من غير نظر واستدلال.
وإنه غير صحيح. لأن الإلهام متنوع: قد يكون حقًا، وذلك من الله تعالى، فيكون وحيًا خفياَ في حق الأنبياء، وفي حق غير الأنبياء إرشادًا وهداية. وقد يكون باطلا، وذلك بواسطة وسوسة الشيطان وهوى النفس، وخالق ذلك هو الله تعالى وإن كان شرًا وفاسدًا، ووسوسة الشيطان وهوي النفس سبب ذلك على جريان العادة، ويكون ذلك
_________________
(١) في ب: "العامل".
(٢) سورة الشمس: ٨. وهي والتي قبلها: "ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها".
(٣) في ب: "فيستعمل".
[ ٦٧٨ ]
في الحيقية إغواء وإضلالا لا إلهامًا. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز تحديده بهذا.
وقال القاضي الإمام أبو زيد ﵀: الإلهام ما حرك القلب بعلم يدعوك (١) إلى العمل به، من غير استدلال بآية (٢) أو نظر في حجة (٣).
وهذا حد صحيح، فإن الإلهام في عرف الناس: ما يكون من الله تعالي، بطريق الحق.
وقيل: ما يخلق الله تعالى في قلب المؤمن (٤) العاقل من العلم الضروري الداعي له (٥) إلى العمل المرغوب فيه.
[٣]
وأما بيان الحكم
فقال عامة العلماء بأن الإلهام الحق يجب العمل به في حق الملهم. أما ليس بحجة في حق الغير، ولا يجوز (٦) له أن يدعو غيره إليه.
وقال قوم من الصوفية بأنه حجة في حق الأحكام، نظير النظر والاستدلال.
وقول قوم من الروافض، لقبوا بالجعفرية: إنه لا حجة سوي الإلهام.
فحجة من قال إن الإلهام حجة مطلقة (٧): النصوص من الكتاب، والسنة، ودلالة الإجماع.
_________________
(١) في ب: "بعلم يدعو صاحبه". انظر فيما يلى الهامش ٣.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل كذا: "رايه". انظر الهامش التالى.
(٣) قال الإمام أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة (المخطوط ٢٥٥ أصول فقه، دار الكتب المصرية، ص ٨٠٥ - ٨٠٦): "الإلهام ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة".
(٤) "المؤمن" من ب. وليست في الأصل.
(٥) "له" من ب.
(٦) في ب: "في حق غيره فلا يجوز".
(٧) "مطلقة" من ب.
[ ٦٧٩ ]
- أما الكتاب فقوله تعالى (١): "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" (٢) - أخبر الله تعالى أن من شرح صدره للإسلام، من غير صنع العبد، فهو على نور من ربه (٣). والنور الذي به يحصل انشراح الصدر بالإسلام، من غير واسطة (٤) صنع العبد، ليس إلا الإلهاء. وقال الله (٥) تعالى: "أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس" (٦)، وإحياء الله تعالى قلب الآدمي بالإيمان وتنويره بالهدي، ليس إلا الإلهام من الله تعالى.
- وقال - ﷺ -: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالي". والفراسة ما يظهر للمرء في قلبه بلا نظر واستدلال. ولما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لوابصه لا بن معبد (٧)، وقد سأله عن البر والإثم: "ضع يدك على صدرك: فما حك في قلبك فدعه، وإن أفتاك الناس وأفتوك".
- وأما دلالة الإجماع: فإن من (٨) اشتبهت عليه القبلة، فصلى، بغير تحر (٩)، بقلبه، للقبلة (١٠): [فـ] إنه لا تجوز صلاته (١١). وإن (١٢) صلى بالتحري أجزأته. وعلى أصلكم: إذا صلى بالتحري تجزئه (١٣) وإن خالف جهة
_________________
(١) كذا في ب: "أما الكتاب فقوله تعالى". وفي الأصل: "الإجماع، قال الله تعالى".
(٢) سورة الزمر ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
(٣) "أخبر الله تعالى نور من ربه" ليست في ب.
(٤) "واسطة" ليست في ب.
(٥) "الله" ليست في ب.
(٦) سورة الأنعام: ١٢٢: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
(٧) وابصة بن معبد بن الحارث بن مالك من بني أسد بن خزيمة. وفد علي النبي على الله عليه وسلم سنة تسع ثم رجع إلى بلاد قومه. روى عن النبي - ﷺ - وعن صحابته. سكن الكوفة ثم تحول إلى الرقة ومات بها. (ابن حجر، تهذيب التهذيب. وابن عبد البر، الاستيعاب).
(٨) "من" ليست في ب.
(٩) في ب كذا: "تحري".
(١٠) "للقبلة" ليست في ب.
(١١) في ب: "لا يجوز له الصلاة".
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل: "وإذا".
(١٣) في ب كذا: "احراه".
[ ٦٨٠ ]
الكعبة بيقين، وإذا خالف جهة نحريه لم تجزه (١) وإن أصاب الكعبة. وكذا قالوا: إذا اختلط اللحم الحلال (٢) باللحم الحرام، والحلال غالب: لا يحل إلا بالتحري. والتحري هو العمل بالإلهام وتحكيم القلب (٣)، فثبت أن الإلهام حق من الله تعالى، وأنه واجب العمل به.
وجه قول أهل الحق:
- قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" (٤). وقال تعالى: "أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض" (٥) - أمر بالاعتبار (٦) والنظر، وما أمر بالرجوع إلى القلب.
- وكذلك قال ﵇ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلي اليمن قاضيًا (٧): "بم تقضي؟ " قال: "بكتاب الله تعالى (٨) " قال: "فإن لم تجد" قال: " فبسنة (٩) رسول الله - ﷺ - "قال: "فإن لم تجد؟ " قال: "أجتهد في ذلك رأيي" - فقال رسول الله - ﷺ -: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله"، ولم يقل: "اقض (١٠) بالإلهام"، ولم يأمره به رسول الله - ﷺ - ولأن النبي - ﷺ - مأمور بمشورة أصحابه في الحوادث التي لا نص فيها، بقوله (١١): "وشاورهم في الأمر" (١٢). ولم يكن مأمورًا بالرجوع إلى قلبه في فصل الخصومات.
_________________
(١) في ب كذا: "لم ـحره".
(٢) "الحلال" من ب.
(٣) "والتحري هو العمل القلب" من ب.
(٤) سورة الحشر: ٢. وانظر أيضًا: آل عمران: ١٣. والنور: ٤٤. وراجع فيما تقدم ص ٥٦١ وما بعدها.
(٥) سورة الأعراف: ١٨٥ - ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
(٦) في ب: "بالإبصار". راجع فيما تقدم الهامش ١ ص ٦٧٧.
(٧) "قاضيًا" من ب.
(٨) "تعالى" ليست في ب.
(٩) في ب: "بسنة".
(١٠) "اقض" من ب.
(١١) في ب: "وهو وقوله تعالى".
(١٢) آل عمران: ١٥٩.
[ ٦٨١ ]
- والمعني في المسألة: وهو أن شهادة القلب قد يكون بالإلهام من الله تعالى. وقد يكون من النفس. وقد يكون من الشيطان. فإن (١) كان من الله تعالى، يكون حجة. وإن كان من النفس والشيطان لا يكون حجة (٢). فلا يكون حجة مع الاحتمال. ولن يقع التمييز بين هذه الأنواع إلا بعد نظر واستدلال. ولأن الإلهام مي مشترك الدلالة، فإن الرجل يقول: إني (٣) ألهمت أن ما أقوله حق وصواب. فيقول حصمه: إني (٤) ألهمت أن (٥) ما تقوله خطأ وباطل. ولايمكنه الخروج عنه إلا بأن يقول لخصمه بأنك لست من أهله، فيقابله الخصم (٦) بمثله، ولا يمكنه التمييز بين الأهل وغيره، إلا نظر واستدلال. ولأن الخصم من أهل الحق يقول لهم: إني (٧) ألهمت أن (٨) القول بالإلهام باطل، فإلهامي هذا (٩) هل هو حق وحجة أم لا؟ فإن قالوا: حق، بطل قولهم. وإن قالوا: باطل، فقد أقروا (١٠) ببطلان الإلهام في الجملة، وليس البعض بأولى من البعض، فبطل كلامهم.
- أما الجواب عما يقولون به من النصوص (١١)، من الكتاب والسنة، قلنا:
• نحن نسلم أن الإلهام من الله تعالى حق.
• ثم إن كان في حق نبي من الأنبياء ﵈، فبعد (١٢) ما ثبتت نبوته بالمعجزة، في حق (١٣) نفسه وفي حق أمته، يجوز له العمل بما ألهم
_________________
(١) في ب: "وإن".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "ليس بحجة".
(٣) "إنما" ليست في ب.
(٤) "إني" ليست في ب.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "بأن".
(٦) "الخصم" ليست في ب.
(٧) "لهم إني" ليست في ب.
(٨) في ب: "بأن".
(٩) "هذا" من ب.
(١٠) في ب: "فقد قالوا".
(١١) كذا في ب. وفي الأصل: "عما تعلقوا بالنصوص".
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل: "بعد"
(١٣) "حق" ليست في ب.
[ ٦٨٢ ]
في قلبه، ويجب العمل به إذا كان في موضع الوجوب، ويجب عليه أن يدعو غيره إليه. فأما إذا ثبت الإلهام في أصل النبوة، فإنه يثبت به النبوة أيضًا، فإن في حق بعض الأنبياء تثبت النبوة في حالة النوم، فيثبت بالإلهام أيضًا، ولكن لا يجب عليه أن يدعو الأمة إلا في العقليات، ولا يجب عليهم القبول ما لم يوجد المعجزة.
• فأما إذا كان الإلهام في حق غير الأنبياء من المسلمين:
فإن كان في الأمور الشرعية والأحكام: [فـ] يجب عليه العمل به (١)، في حق نفسه، لكن لا يدعو غيره إليه.
فأما في الأمور العقلية، كتوحيد الصانع وحدث العالم ونحو ذلك: [فـ] هل يجوز أن يثبت بالإلهام؟ فهو جائز في قول أكثر المتكلمين، إلا ما روي عن النظام (٢) وبعض مشايخ أهل السنة أيضًا.
وإن كان التكليف ورد بالإيمان، بطريق الاختيار (٣)، الذي يتعلق الثواب يتحصيله والعقاب بتركه، ولكن ثبوته بطريق الضرورة وإحداث العلم جبرًا، جائز. ولقب (٤) المسألة أن العلم الاختياري هل يجوز أن ينقلب ضروريًا أم لا؟ وهي من جملة مسائل لطيف الكلام تعرف ثمة إن شاء الله تعالى.
- وأما التحري: فإنه ليس (٥) من باب الإلهام، فإن على أصلهم: الإلهام من الله تعالى يكون (٦) في حق العدل الورع، لا في حق الفاسق. والتحري في الأحكام مشروع في حق الكل. ولأن التحري هو العمل بشهادة القلب. وحكمه عند عدم سائر الأدلة الشرعية والعقلية، بنوع
_________________
(١) "به" من ب.
(٢) راجع ترجمة النظام فيما تقدم في الهامش ٨: ٢٨٦ و٤: ٥٥٦.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "الاجتهاد"
(٤) في ب: "وكون". .
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "فليس".
(٦) "يكون" ليست في ب.
[ ٦٨٣ ]
نظر واستدلال بالأحوال، وهو حكم عرفناه بالشرع، في موضع ليس ثمة دليل من الأصول الأربعة قائمًا كل مقامها، في حق العمل بطريق الضرورة، علي ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم (١) أربعًا، فليتحر الصواب وليبن عليه". ولما روي أنه قال في رواية لوابصة بن معبد (٢): "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات - وفي رواية متشابهات (٣) - دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". ولهذا إن خبر الفاسق والصبي العاقل (٤) في أمور الدين مبني على تحكيم القلب عند الضرورة. و(٥) في أمور المعاملات مقبول من غير تحر. والأفضل أن يحكم رأيه فيه (٦) أيضًا، احتياطًا، بخلاف ما نحن فيه، فإن الكلام في حال قيام سائر الحجج، فالحل الثابت (٧) بدليله، لا يجوز تحريمه بشهادة القلب، والحرمة الثابتة بدليلها، لا تزول بشهادة القلب.
فأما عند عدم الدلائل (٨) الأربعة: [فـ] الإلهام يكون حجة في حق الملهم، لا في حق غيره، والتحري قد لا يكون حجة في الجملة، كما في الفروج (٩)، لأن التحري (١٠) قد يقع خطأ وقد يقع صوابًا، والإلهام الذي من الله تعالى لا يكون إلا صوابًا وحقًا. فأما (١١) الإلهام الذي يكون باطلا، فهو وسوسة الشيطان وتمني النفس، وليس بإلهام حقيقة - فدل على التفرقة بين الأمرين - والله أعلم.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "أو".
(٢) تقدمت ترجمته في الهامش ٧ ص ٦٨٠.
(٣) "وفي رواية متشابهات" من ب.
(٤) انظر البخاري على البزدوي، كشف الأسرار، ٣: ٢٠ - ٢١.
(٥) "و" ليست في ب.
(٦) في ب: "أن يحكم فيه رأيه". راجع البزدوي، والبخاري عليه، ٣: ٢٠ وما بعدها.
(٧) في ب: "ثابت".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "دلايل".
(٩) "كما في الفروج" من ب.
(١٠) في ب: "والتحري".
(١١) في ب: "وأما".
[ ٦٨٤ ]
وَإِذ (١) أتَينَا عَلي
[١] بَيَانْ أنوَاع الأحكام (٢)
[٢] وَبَيَانْ (٣) أقسَام الدَّلائل (٤)
يبقي علينا
[٣] بَيَان أهليّة مَنْ تثبت فِي حَقِهِ، وبيَان تعلقهَا بالأسبَاب
[٤] وَبيَان دفع مَا يَتراءَى (٥) مِنَ التعَارض فِي الدَّلائل وَالأحْكامَ ظاهرًا وإن (٦) لمْ يَتصَورُ التعارضْ في دَلائل الله تعَالي وَأحكامُه حَقيقة جَل الله عَنْ ذلكَ وَتعَالى (٧)
فنبدأ
بفصل التعَارض، وَمَا يتصل بِهِ مِن وُجُوه الدّفع
ثم نُبيِّن
أهلية الأحكام، ووجه تعلقها بالأسباب
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "وإذا".
(٢) راجع فيما تقدم ص ١٣ وما بعدها: "فصل في بيان الأحكام".
(٣) "بيان" ليست في ب.
(٤) راجع فيما تقدم ص ٦٧ وما بعدها: "الفصل الثاني: في بيان ما يعرف به الأحكام".
(٥) تراءى الشيء أبصره، وتراءى له كذا ظهر (المعجم الوسيط).
(٦) "إن" ليست في ب.
(٧) في ب: "جل الله تعالى عن ذلك". وزاد في ب هنا: "وبيان دفعه والمجاز عنه"
[ ٦٨٥ ]