قال عامة أهل القبلة بأن إجماع عصر من الأمة صواب وحجة إن وجد الإجماع بالقول في الوجوب والحل والحرمة ونحوها، وأنه يوجب العلم به قطعًا.
فأما (٦) إذا وجد الإجماع من حيث الفعل، فإنه يدل على حسن ما فعلوا وكونه مستحبًا، ولا يدل على الوجوب ما لم توجد قرينة تدل عليه، على ما روي: ما اجتمع أصحاب رسول الله - ﷺ - على شيء كاجتماعهم على الأربع قبل الظهر (٧). وإنه ليس بواجب ولا فرض.
_________________
(١) في ب: "وأما".
(٢) في أ: "ولكن".
(٣) في أ: "إجماعًا".
(٤) في ب: "فوجب العلم".
(٥) "والله أعلم" ليست في أ. وفي ب: "والله الموفق للصواب".
(٦) في (أ) و(ب): "وأما".
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كأنها: "التطهر". وراجع فيما تقدم ص ٥٣٢.
[ ٥٣٤ ]
وقال النظام والقاشاني من المعتزلة: إنه ليس بحجة قطعًا، وإنما هو حجة في حق العمل.
وقالت الإمامية (١): إن أجمعوا على موافقة قول إمامهم، يكون الإجماع حجة. وإن كان على مخالفة قول إمامهم لا يكون الإجماع (٢) حجة. وفي الحاصل: الحجة عندهم (٣) قول الإمام. ويجوز أن يقولوا: كلاهما حجة، كما قلنا في إجماع الصحابة في حال حياة النبي - ﷺ -: إن الإجماع حجة، وقول النبي - ﷺ - وحده حجة أيضًا.
وقال أصحاب الظواهر: بأن إجماع الصحابة حجة لا غير.
وقال بعضهم: المعتبر هو إجماع عترة الرسول - ﷺ -.
وقال مالك: إن إجماع أهل المدينة وحده كاف، ولا يعتبر إجماع سائر الأمصار دون (٤) إجماعهم.
وشبهة المخالف من وجوه ثلاثة (٥):
أحدها - إحالة الإجماع وهو من وجهين (٦):
أحدهما (٧) - أن الإجماع لا يتحقق، مع اختلاف الأمكنة وتباعدها، قولا، خصوصًا إجماع غير الصحابة ﵃ (٨).
_________________
(١) في ب: "وقالت الإمامية من الرافضة".
(٢) "الإجماع" من ب.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وفي الحاصل: عندهم الحجة".
(٤) في ب: "بدون".
(٥) كذا في الأصل و(أ): "ثلاثة". وفي ب وهامش أ: "أربعة". والوجوه في حقيقتها ثلاثة والوجه الأول من وجهين فصارت الجملة أربعة وجوه. وشبهة أن الوجوه أربعة، قوله فيما بعد: "أحدها - وهو من وجهين: أحدهما .. والثاني .. والوجه الثالث .. والوجه الرابع". ولكن الدقة أن يقال: "من وجوه ثلاثة". وعلى هذا عدلنا في ص ٥٣٦ "الوجه الثالث" إلى "الثاني" و"الوجه الرابع" إلى "الثالث".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أحدها - احالة الإجماع وبيانه من وجوه".
(٧) في الأصل وغيره: "أحدها".
(٨) زاد هنا في ب: "أجمعين".
[ ٥٣٥ ]
والثاني - أن كل واحد منهم يحتمل أن يكون مخطئًا في قوله ورأيه، والإجماع هو اجتماعهم، ويستحيل أن يكون قول كل واحد منهم محتملا للخطأ، ويكون قول الجميع صوابًا، لأن الإجماع مركب (١) من الآحاد - ألا يرى أنه إذا كان كل واحد من الجماعة أسود يستحيل أن لا يكون الجميع سودًا. وكذا إذا كان كل واحد منهم (٢) مصيبًا، يستحيل أن لا يكون قول الكل صوابًا - فكذا هذا.
والوجه الثاني- أن الإجماع لو انعقد: إما أن وينعقد عن نص، أو أمارة. ولا يجوز أن ينعقد عن نص، لأنه لو كان عن نص، لوجب عليهم (٣) نقله. وإذا نقلوه، وقع الاستغناء عن الإجماع، ويكون الحجة النص (٤). ولا يجوز أن ينعقد عن أمارة، لأن الناس خلقوا على همم مختلفة وآراء متفاوتة، فلا يجوز أن يتفقوا على رأي واحد مظنون، بخلاف الاجتماع (٥) على رأي عقلي محض، لأنه يصدر (٦) عن عام.
والوجه الثالث - أنه لا دليل على صحة الإجماع، فإن الدليل إما عقلي أو سمعي. والدليل العقلي لا يمكن به إثبات كون (٧) الإجماع موجبًا للعلم قطعًا، لأن العقل يجوز اجتماع أهل العصر على الخطأ، فإن الناس في زمان الفترة كلهم على الكفر والضلال والخطأ. ولذلك (٨) قالوا: إن إجماع المسلمين من الأمم المتقدمة لا يكون حجة. ومن قال إن إجماع
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "ركب".
(٢) "منهم" من ب. والعبارة فيها: "وكذا لو كان كل واحد منهم مصيبًا".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "عليه".
(٤) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "هو الدليل".
(٥) كذا في الأصل و(أ): "الاجماع". وفي ب: "الاجماع".
(٦) كذا في ب: "يصدر". وفي الأصل و(أ): "صدر".
(٧) في ب: "والدليل العقلي لا يقتضي كون"،.
(٨) في (أ) و(ب): "وكذلك".
[ ٥٣٦ ]
هذه الأمة حجة، يقول بالدلائل السمعية. فمن لم يجوز اجتماع هذه الأمة على الخطأ عقلا، يلزمه أن لا يجوز إجماع (١) الأمم المتقدمة، إذ العقل لا يختلف، ولأنه يجوز أن تجتمع الأمة بأسرها (٢) على قول واحد، لشبهة دعتهم إليه، لكنهم ظنوها حجة، فأعرضوا عن نقل تلك الشبهة، لظنهم أنها حجة، مما إذا أجمعوا على (٣) خبر متواتر أو سماع عن (٤) النبي - ﷺ -، فإنهم لا ينقلون الحجة، لاكتفائهم بنقل الحكم عن نقل الدليل. وإذا احتمل هذا، كيف يكون حجة مع الاحتمال. وهذا بخلاف رواية الجماعة الكثيرة (٥) الحديث عن النبي ﵇،. لأنهم رووا كما (٦) سمعوه حسًا، والكذب من جماعة، لا يتصور منهم (٧) المواضعة، لا يتحقق (٨). أما الإجماع المبني على الظن دون حقيقة العلم [فـ] يدخله الشبهة من جهة الهوى والطبيعة ووسوسة الشيطان، وإن كان لا يحتمل الكذب (٩)، والدليل السمعي في حيز (١٠) الاحتمال وأدنى (١١) وجوهه المجاز والإضمار.
وجه قول العامة: الدلائل السمعية، والعقلية.
أما السمعية فمنها:
[من الكتاب]:
_________________
(١) في (أ) و(ب): "اجتماع".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأسرهم".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "عن".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "من".
(٥) في ب: "الكبيرة".
(٦) في (أ) و(ب): "عما".
(٧) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "عليهم".
(٨) "لا يتحقق" ليست في ب.
(٩) زاد هنا في ب: "والله أعلم".
(١٠) في ب: "في حد".
(١١) في ب كذا: "ودنى".
[ ٥٣٧ ]
- قول الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (١) فالله (٢) تعالى ألزم طاعة أولي الأمر وأوجب قبول قولهم والاتباع لرأيهم والانقياد لحكمهم، ولا إجماع بدون رأي أولي الأمر إذا كانوا من أهل الإجماع. فيجب القول بكون الإجماع واجب العمل لامحالة.
- ومنها قوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" (٣) أي إلى كتاب الله وسنة الرسول ﵇. فالله (٤) تعالى أمر بالرد إليهما، عند التنازع، لارتفاع التنازع (٥) ووجود الاتفاق والإجماع بينهم (٦). [و] لولا أن العمل بالإجماع (٧) واجب، وأن حكمه حكم الكتاب والسنة، لم يكن للأمر بالرد إليهما عند التنازع، لارتفاع التنازع وحصول الاتفاق والإجماع، معنى وفائدة (٨).
- ومنها قوله تعالى: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" (٩) - فالله (١٠) تعالى أخبر أن العلم يحصل بالاستنباط للمستنبطين، والاستنباط هو الاستخراج (١١) بطريق الرأي والاجتهاد، وفي
_________________
(١) سورة النساء: ٥٩ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الله".
(٣) سورة النساء: ٥٩ وقد تقدمت في الهامش ١.
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "والله".
(٥) "لارتفاع التنازع" ليست في ب.
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: بينهما".
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لولا أن الإجماع"
(٨) "وفائدة" من أ.
(٩) سورة النساء: ٨٣ - ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الله".
(١١) في ب: "الإخراج".
[ ٥٣٨ ]
إجماع الأمة يدخل المستنبطون، بلا خلاف، بين الأمة (١). فلو لم يشهد (٢) بالعلم في (٣) الإجماع، وفيهم المستنبطون الذين شهد الله تعالى لهم بالعلم فيمما استنبطوا، يكون خلفًا في خبر الله تعالى، فيجب القول بكون الإجماع موجبًا للعلم، حتى لا يكون خافًا في خبر الله تعالى و(٤) جل عن ذلك.
- ومنها قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (٥) فالله تعالى وصف هذه الأمة بكونهم آمرين بالمعروف ناهين (٦) عن المنكر. و(٧) لو لم يجعل ما أجمعوا عليه حقًّا، وقد أمروا بذلك ونهوا عن ضده، لصاروا آمرين بالمنكر ناهين (٨) عن المعروف، وهذا خلف في خبر الله تعالى، جل عن ذلك.
- ومنها قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس" (٩). والاستدلال (١٠) بالآية من وجهين:
أحدهما - أنه وصف جملتهم بالعدالة، وهي الاستقامة في الدين والقيام بالحق (١١) والصواب. و(١٢) لو جاز خروج الحق عن جملتهم، لكانت (١٣)
_________________
(١) "بين الأمة" ليست في أ.
(٢) في (أ) و(ب): "نشهد".
(٣) في ب: "والاجماع".
(٤) "و" ليست في ب.
(٥) سورة آل عمران: ١١٠.
(٦) في أ: "وناهين".
(٧) "و" من أ.
(٨) في أ: "وناهين".
(٩) سورة البقرة: ١٤٣: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾.
(١٠) في ب: "فالاستدلال".
(١١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "في الحق".
(١٢) "و" من أ.
(١٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "لكان"،
[ ٥٣٩ ]
شهادة الله تعالى لجملتهم (١) بالحق يكون كذبًا، تعالى الله عن ذلك. ولا يقال إن الأمة لا تخلو عن العصاة والفساق - لأنا نقول إنه ما وصف كل واحد منهم بانفراده بالعدالة، بل وصف جملتهم بذلك (٢) عند اجتماعهم على شيء، لولا أن عند اجتماعهم يظهر (٣) الحق والصواب، وإلا لم يصح (٤) وصف جملتهم بذلك، مع جواز الخطأ والكذب على كل واحد عند الانفراد.
والثاني - قال تعالى (٥): "لتكونوا شهداء على الناس" (٦) - وصف جملتهم بكونهم شهداء على الناس (٧) وسماهم بذلك، والشاهد الروم للمخبر بطريق الصدق حقيقة. فأما الكاذب فلا يسمى شاهدًا على الحقيقة، والكلام لحقيقته. [و] لولا أنهم عند الاجتماع صدقة (٨) فيما أخبروا، لم يكن اسم الشهداء لهم بطريق الحق (٩).
- ومنها قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١٠) فالله (١١) تعالى وصف التابعين للصحابة بالإحسان، وسماهم باسم المدح، وجعلهم أهلا
_________________
(١) في أ: "أن بجملتهم القيام".
(٢) كذا في أ. وفي الأصل: "فذلك". وفي ب: "وذلك".
(٣) في الأصل و(أ): "بظهر".
(٤) في أ: "لما صح".
(٥) "تعالى" من ب.
(٦) سورة البقرة: ١٤٣ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾
(٧) "على الناس" من ب.
(٨) في المعجم الوسيط: صادق جمعها صدق.
(٩) في (أ) و(ب): "الحقيقة".
(١٠) سورة التوبة: ١٠٠ - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
(١١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "والله".
[ ٥٤٠ ]
لرضوانه (١)، [و] لولا أنهم (٢) أصابوا الحق في اتباع الصحابة، وأن الصحابة كانوا على الحق، (٣) لما وصفهم (٤) بذلك - فدل أن خروج الصحابة والتابعين جملة عن الحق والصواب باطل.
- ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (الآية) " (٥) - ألحق الوعيد الشديد باتباع غير سبيل المؤمنين (٦): وما أجمع عليه المؤمنون وعملوا به، فهو سبيلهم وطريقهم. فلولا أن إجماع المؤمنين حجة (٧) واجب العمل به قطعًا، وإلا لما لحقهم (٨) الوعيد الشديد باتباع غير سبيلهم، ولأنه سوى بين مشاقة الرسول - ﷺ - وبين اتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، ثم ترك مشاقة الرسول - ﷺ - السلام واجب قطعًا، فكذا ترك اتباع غير سبيل المؤمنين.
- ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٩) - فالله (١٠) تعالى أمر (١١) بالكون مع الصادقين، وهو عبارة عن متابعتهم في أفعالهم. والمراد منه جملتهم، إذ يتصور الكذب من كل واحد منهم عند الانفراد - فهذا دليل على وجود الصدق عند الاجتماع قطعًا.
_________________
(١) في ب: "لرضوانهم".
(٢) "لولا أنهم" ليست في ب.
(٣) زاد هنا في أ: "وإلا".
(٤) في ب: "فإن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا على الوصف لما وصفهم".
(٥) سورة النساء: ١١٥ -، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
(٦) "نوله ما تولى (الآية) المؤمنين" ليست في ب.
(٧) "حجة" من ب، وليست في الأصل وأ.
(٨) في ب: "ألحقهم".
(٩) سورة التوبة: ١١٩.
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الله".
(١١) في ب كذا: "تعالى ـرك أمر".
[ ٥٤١ ]
وأما السنة:
- فما (١) روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا تجتمع أمتي على الضلالة". وروي: "لا تجتمع أمتي على خطأ" (٢).
- وروي: "يد الله مع الجماعة".
- وروي أنه سئل عن خميرة (٣) يتعاطاها (٤) االجيران فقال - ﷺ - (٥): "ما رآه المسلمون (٦) حسنًا فهو عند الله حسن".
- وروي (٧): الشيطان مع الواحد، ومن الاثنين أبعد".
- وروي: "من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن (٨) عنقه". وفي رواية: "من فارق الجماعة". وهذا الحديث ورد (٩) بألفاظ مختلفة. فإن (١٠) ورد بطريق الآحاد، فهو متواتر (١١) من حيث المعنى، لوجهين:
أحدهما - أنه روي بروايات مختلفة والمعنى واحد، وهو بمنزلة ما روي في حق حاتم الطائي: أنه أعطى لفلان كذا ولفلان كذا، وكل (١٢) حادثة (١٣) في نفسها في حد الآحاد، ولكن جملتها إخبار عن جود حاتم، فصار جوده ثابتًا بطريق التواتر.
_________________
(١) الفاء من ب.
(٢) في أ: "الخطأ".
(٣) في ب كذا: "حمر". وانظر البزدوي، ٣: ٢٥٨.
(٤) في هامش أكذا: "يتعاطا بها".
(٥) "ﷺ" من ب.
(٦) في أ: "المؤمنون".
(٧) في: "وروي أن".
(٨) في ب: "من".
(٩) "ورد" ليست في ب.
(١٠) في (أ) و(ب): "وإن".
(١١) في ب: "يتواتر".
(١٢) في (أ) و(ب): "فكل".
(١٣) في ب كذا: "فكل أحاديثه".
[ ٥٤٢ ]
والثاني - أن الصحابة والتابعين أجمعوا على أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه. وهذا حكم لا يعرف إلا بدليل سمعي (١) - فدل على أنهم سمعوا عن النبي - ﷺ - هذا الحديث أو نظائره، فيكون كالمنصوص عن النبي - ﷺ - (٢) تواترًا، فلا يجوز تركه.
وأما المعقول [فـ] من وجوه:
أحدهما - أن موضع الاتفاق مما جبل العقلاء على الرجوع إليه عند التنازع، بما عندهم من المشابهة بين التنازع فيه وبين الجمع عليه، ليردوا المتنازع فيه إليه في حق الحكم، [فـ] لولا أن الإجماع حجة عند الله تعالى، وإلا لما فزع (٣) الكل إلى الإجماع. فكان رجوعهم إليه، بخلق (٤) الله تعالى طباعهم عليه، دليلا على أنه حجة. كما أن أهل المعقول (٥) لما فزعوا (٦) إلى العقل، عند اشتباه المصلحة عليهم، بخلق الله تعالى العقل داعيًا إلى مباشرة الحسن وطريقًا لمعرفة الأشياء، كان حجة. وكذا متى وقع الاشتباه في الألوان فزعوا (٧) إلى حاسة البصر للتمييز، كان دليلا عليه - فكذا هذا.
والثاني - أن (٨) الناس مع اختلاف هممهم وتفاوت أغراضم، لن يتصور اجتماعهم على شيء إلا لداع واحد يدعوهم إليه، أو دواع (٩)
_________________
(١) في ب: "بالدليل السمعي".
(٢) "هذا الحديث عليه وسلم" ليست في ب.
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فرع" بالراء.
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لخلق".
(٥) في ب: "العقول".
(٦) و(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل بالراء
(٧) في (أ) و(ب): "وهو أن".
(٨) كذا في أ. وفي الأصل: "دواعي". وفي ب: "لدواع".
[ ٥٤٣ ]
متفقة الدعاء إلى شيء واحد. فأما اختلاف الهمم وتباين الأغراض، فمما (١) يمنعهم عن (٢) الاجتماع على شيء واحد، جزافًا واتفاقًا، كما لا يتصور اتفاق الجماعة (٣) الكثيرة على مأكل واحد ومشرب واحد في يوم واحد. وذلك الداعي لا يخلو: إما إن كان هو التقليد، أو الشبهة، أو الدليل الراجح أو الدليل (٤) الموجب للعلم:
• والأول باطل، فإن كثيرًا من الأمة لا يجوزون التقليد في أمور الدين لأهل (٥) الاجتهاد، بل الأكثر منهم على هذا الاعتقاد، فلا يتصور أن يوافقوهم (٦) عليه تقليدًا - دل أنه لا يتصور الإجماع على شيء بالتقليد.
• والثاني، وهو اعتراض شبهة دعت الكل إلى (٧) ذلك الحكم - وذلك في موضع غالب الظن والاجتهاد. وهو في خبر الواحد والقياس لرجحان عدالة الراوي، أو رجحان معنى من معاني النصوص في كونه علة الحكم (٨) - فباطل أيضًا، لأنه لا يتصور أن تعم (٩) الشبهة جميع المكلفين، لأن الله تعالى كلفهم طلب الحق والصواب، فلابد أن يكون لهم طريق الوصول إليه. أما الشبهة [فـ] تكون لتحقيق الابتلاء، ليدفع الشبهة بالحجة، بالاستدلال بطريق موضوع للحق والصواب. فأما بدون طريق الوصول، يكون تكليف ما ليس في الوسع، وإنه محال عقلا وشرعًا على ما عرف. ومع قيام طريق الوصول إلى الحق وطريق الوقوع في الشبهة، فطريق (١٠) الحق
_________________
(١) في ب: "فما". فالفا من ب.
(٢) في ب: "من".
(٣) في ب: "الجماعات".
(٤) في ب: "أو الدليل الموجب للعلم". فليس فيها عبارة "الراجح أو الدليل".
(٥) في ب كذا: "لأجل".
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "يوافقهم".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "على".
(٨) "وذلك في موضع علة الحكم" ليست في ب.
(٩) في ب: "يعم".
(١٠) في ب: "وطريق".
[ ٥٤٤ ]
أوضح (١)، فلا يتصور أن يقع الكل في الشبهة - مع وجود الاجتهاد وطلب الحق لابتغاء وجه الله تعالى - ويقعوا في الخطأ ولم يكن البعض مصيبًا للحق، فكان (٢) اجتماعهم على حكم دليل الإصابة بيقين، دفعًا (٣) للإحالة.
• وإذا بطل الوجهان صح الثالث: أنهم اجتمعوا بدليل (٤) قاطع، وهو الخبر (٥) المتواتر، إلا أنهم تركوا الرواية ونقلوا الحكم بدون (٦) الدليل، لكونه مقصودًا دونه، ألا يرى أن اجتماع جماعة، لايتصور تواطؤهم على الكذب، على رواية ما شاهدوه أو سمعوه من الرسول - ﷺ - يكون موجبًا علمًا قطعيًا. فإذا (٧) نقلوا الحكم وتركوا الرواية ههنا (٨) يجب أن يكون حجة.
والثالث - وهو أنه ثبت بالدليل القطعي على أن نبينا محمدًا (٩) - ﷺ - خاتم الأنبياء ﵈، وشريعته دائمة قائمة إلى قيام الساعة، فمتى وقعت حوادث ليس فيها نص قاطع من الكتاب والسنة، فمتى أجمعت (١٠) الأمة على حكمها ولم يكن إجماعهم موجبًا للعلم، وخرج الحق عنهم ووقعوا في الخطأ، أو متى اختلفوا في ذلك وخرج الحق عن أقوالهم، فقد انقطعت شريعته في بعض الأشياء، فلا يكون شريعته كلها دائمة قائمة (١١)،
_________________
(١) في أ: "واضح".
(٢) "الحق لابتغاء للحق فكان" ليست في ب.
(٣) في ب كذا: "وقعًا".
(٤) في ب: "لدليل". وفي هامش أ: "على الدليل القاطع".
(٥) في (أ) و(ب): "خبر".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "دون ".
(٧) في أ: "وإذا".
(٨) "ههنا" من (أ) و(ب).
(٩) "محمدًا" من ب وهي فيها: "محمد".
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "اجتمعت".
(١١) "قائمة" من أ.
[ ٥٤٥ ]
فيؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى، جل الله وتعالى (١) عن ذلك -[فـ] وجب القول ضرورة بكون (٢) الإجماع حجة قطعية، فتدوم (٣) الشريعة بوجوده، حتى لا يؤدي إلى المحال.
ولا يقال إن (٤) الإجماع دليل في حق العمل، وكذا القياس وخبر الواحد، فلا يؤدي إلى انقطاع الشريعة - لأنا نقول: إنا (٥) نعمل بالقياس وخبر الواحد على اعتبار إصابة الحق ظاهرًا، وعلى الجملة لا يخرج الحق عن أقوال أهل (٦) الاجتهاد، فمتى جوزتم خروج الحق عن أقوال أهل الاجتهاد فيما اختلفوا فيه وفيما أجمعوا عليه، لم يجب العمل بما هو باطل، ويتبين (٧) أن ما أتوا به لم يكن شريعة النبي - ﷺ - بل يكون عملا بخلاف شريعته - ﷺ - (٨)، فينقطع شريعته في حق ذلك الحكم أبدًا. والله الموفق للصواب (٩).
والجواب عن شبهات الخصوم:
- أما [لأول]: دعوى عدم تصور الإجماع وإحالته، فباطلة (١٠):
• قولهم: كيف ينعقد الإجماع مع تباعد الأمكنة، فنقول:
هذا في زمن الصحابة والتابعين ظاهر، فإن الإسلام قريب وأهل
_________________
(١) "وتعالى" من ب. وعبارة: "جل الله وتعالى" ليست في أ.
(٢) في ب: "بأن ".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فيدوم".
(٤) في أ: "بأن".
(٥) في (أ) و(ب): "إنما".
(٦) "أهل" من (أ) و(ب).
(٧) في ب: "ويبين".
(٨) "ﷺ" من ب.
(٩) "للصواب" من أ. وفي ب: "والله أعلم".
(١٠) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "فباطل".
[ ٥٤٦ ]
الاجتهاد أكثرهم بالمدينة، والذي ذهب إلى بعض البلاد يمكن الوقوف على رأيه بالتراسل والتكاتب. فأما بعد ظهور الدين الحق في البلاد، يبلغ حكم الإجماع الحادث في بعض البلاد إليهم بعد مضي الأزمان فينتشر بالنقل، ممن نصب لإظهار الحق بطريق التراسل والكتابة وحضور القاصدين للحج من البلاد، كما ظهر أصل الدين الحق وأصل الشرائع، والكلام في هذا الفصل وقع فأما متى بقي واحد من أهل الاجتهاد على الخلاف فلا إجماع.
• وقولهم إنه يحتمل أن يكون واحد منهم مخطئًا - فنقول:
أيش (١) تعنون بهذا؟
إن عنيتم أن كل واحد من أهل الإجماع يجوز أن يكون قوله خطأ لو انفرد بذلك، فهذا مسلم.
وإن عنيتم به (٢) أن قول (٣) كل واحد منهم (٤) محتمل (٥) للخطأ إذا اجتمعو ا، فهذا ممنوع، وأنه ليس بمحال أن يكون قول الواحد الفرد محتملا للخطأ، وقول الواحد مع الجماعة لا يكون محتملا، لأن الاحتمال إنما نشأ لا لكونه واحدًا، ولكن لكونه منفردًا، ويبطل (٦) وصف الانفراد بالاجتماع (٧). وإنما المحال أن لو (٨) قلنا: إن كل واحد من هؤلاء المجمعين (٩) على هذا
_________________
(١) منحوت من "أي شيء" بمعناه. وقد تكلمت به العرب (المعجم الوسيط).
(٢) "به" من ب.
(٣) "قول" من (أ) و(ب).
(٤) "منهم" ليست في ب.
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أن واحد منهم محتملا".
(٦) في ب: "وبطل".
(٧) كذا في ب: "بالاجتماع". وفي أ: "بالإجماع". وعبارة: "أن يكون قول الواحد الفرد الانفراد بالاجتماع" من (أ) و(ب) مع ملاحظة الهامش السابق.
(٨) "لو" ليست في ب.
(٩) في أ: "المجتمعين".
[ ٥٤٧ ]
القول المعين مخطئ، والكل في ذلك غير مخطئين، أو قول كل واحد محتمل بانفراده وعند الاجتماع بخلافه (١)، كما ذكرتم من الأمثلة. ونحن لا نقول هكذا، بل نقول: إن انفرد كل واحد من أهل الإجماع مثلا على قول في مسألة واحدة، فقول (٢) كل واحد محتمل للخطأ. فأما إذا قال واحد قولا والآخرون قالوا مثل (٣) قوله، فلا نقول إن قول كل واحد منهم (٤) محتمل للخطأ، فبطل دعواهم.
وأما الثاني - فباطل، فإنه يجوز أن يجمعوا عن نص و(٥) دليل قاطع، لكن لم ينقلوه اكتفاء بالإجماع على الحكم. ويجوز (٦) أن يجمعوا بناء على خبر الواحد والقياس، حسنًا للظن بالرواة وتعويلا على ما اعتمدوا عليه من معنى النص علة الحكم (٧)، فإنه يجوز أن يجتمع جماعة (٨) كثيرة على شبهة حملتهم عليه وصارت الشبهة داعية لهم على الإجماع (٩)، فلا يجوز أن يكون الدليل الراجح حاملا لهم على الاجماع، غير أن الشبهة لا تعم الكل والحق يعم - على ما ذكرنا.
و[الثالث] (١٠): قولهم إنه لا دليل على صحة الإجماع - لا يصح:
فإنا قد أقمنا الدلائل السمعية والعقلية (١١).
_________________
(١) في ب: "كل واحد مطلقًا محتمل عند الاجماع بخلافه".
(٢) في ب: "وقول".
(٣) في (أ) و(ب): "بمثل".
(٤) "منهم" من ب.
(٥) في هامش أ: "أو". ولعله الأصح. وفي هذه الفقرة الرد على الشبهة الثانية - راجع ص ٥٣٥ - ٥٣٦.
(٦) في ب: "أما لا يجوز".
(٧) في أ: "للحكم".
(٨) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "جماعات".
(٩) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "الاجتماع".
(١٠) هذا رد على الشبهة الثالثة - راجع الهامش ٥ ص ٥٣٥ وص ٥٣٦ - ٥٣٧.
(١١) راجع ص ٥٣٧ وما بعدها.
[ ٥٤٨ ]
• قولهم: إن الدلائل السمعية محتملة - فليس كذلك، وللخصوم عليها شبهات يمكن دفعها بأدنى تأمل ونظر، وقد ذكرناها مع الانفصال عنها في الشرح.
• فأما قولهم: إن العقل يجوز اجتماع أهل العصر على الخطأ، فليس هكذا، لما ذكرنا من المعنى (١).
• قولهم: إن إجماع الأمم الماضية ليس بحجة، فممنوع - لما ذكرنا من المعنى (٢).
• وقولهم: في زمان الفترة الناس كلهم على الكفر والضلال - ليس هكذا، فإنه لابد أن (٣) يكون البعض على الحق، لكن لا قوة لهم ولا غلبة، حتى يظهروا الحق (٤)، وهم يدعون إلى الحق في السر، لغلبة الكفرة وقوتهم وشوكتهم.
• وقولهم: إنه يجوز أن يجتمعوا على جواب واحد لشبهة حملتهم على ذلك - فهو ممنوع، على ما ذكرنا (٥) - والله الموفق.
وإذا ثبت ما ذكرنا بطل دعوى اختصاص الإجماع بقرابة الرسول - ﷺ -، وبالصحابة، والاختصاص (٦) بالمدينة، لأن الدلائل التى تدل على كون الإجماع حجة قطعية لا توجب الفصل بين زمان وزمان، ومكان ومكان، فلا يجوز التقييد من غير دليل. والله أعلم (٧).
_________________
(١) "من المعنى"، من أ. راجع فيما تقدم ص ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٢) راجع فيما تقدم ص ٥٢٦ و٤٩٠ - ٤٩١.
(٣) في ب: "وأن".
(٤) "لكن لا قوة يظهروا الحق" ليست في ب.
(٥) راجع فيما تقدم ص ٥٤٤ - ٥٤٥.
(٦) في ب: "وبالاختصاص". راجع فيما تقدم ص ٥٣٥.
(٧) "والله أعلم" ليست في أ.
[ ٥٤٩ ]
[١٠]