فنقول:
حكم القياس هو ثبوت مثل حكم الأصل، في الفرع، بمثل المعنى الذي ثبت به (١٢) في الاصل، عند مشايخنا - على ما مر (١٣).
_________________
(١) سورة المؤمنون: ٦ وهي والتي قبلها والتي بعدها - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.
(٢) "هذا" ليست في ب.
(٣) في ب: "أباح للنبي ﷺ ما شاء".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "نكاح ما وراء الأربع".
(٥) في ب: "بمعنى".
(٦) "ﷺ" من ب.
(٧) سورة النساء: ٣ وتقدمت الآية الهامش ٧ ص ٦٤٧.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: (العدالة).
(٩) في ب: "في حق النبي".
(١٠) "والله أعلم" من ب.
(١١) هذا هو الفصل السابع من "القول في القياس" - راجع فيما تقدم ص ٥٥١.
(١٢) "ثبت به" من ب.
(١٣) راجع ص ٥٥٣ - ٥٥٤، ٥٧١.
[ ٦٤٨ ]
وعلى قول مشايخ العراق: هو تعدية حكم الأصل إلى الفرع بوجود العلة في الفرع. وهذا بناء على ما ذكرنا أن الحكم في النص يثبت (١) بعين النص عندهم، لا بالعلة، و(٢) لكن العلة في الأصل (٣) دلالة على ثبوت الحكم في الفروع، فيكون الحكم ثابتًا في النص بعين النص، وفي (٤) الفرع بدلالة النص.
وعندنا يثبت الحكم بالعلة، وإنما النص معرف لثبوت الحكم بها.
ويبتني على هذا أن العلة القاصرة جائزة عندنا. وعندهم لا تجوز.
وفرع، على هذا الأصل، القاضي الإمام أبو زيد ﵀، أن القياس لا يجري في إثبات أصل الحكم وصفته ابتداء، وفي إثبات علة الحكم وصفتها (٥)، وفي إثبات الشرط وصفته، وإنما يجري القياس ويشرع في: الحكم المشروع، المعلوم بوصفه (٦)، بلا منازعة في محل، بالنص أو (٧) الإجماع، فيعدى (٨) إلى الفرع.
والخلاف بين العلماء، في القياس، في هذا الفصل.
فأما (٩) لا خلاف في الفصول الأولى: أنه لا يصح (١٠)، فإن حكم القياس لا يتصور في غير هذا القسم، وهو: تعدية حكم مشروع مجمع عليه، إلى فرع هو نظيره لا نص فيه.
فأما في سائر الفصول: يكون إثبات الحكم ابتداء، أو إثبات العلة، والشرط، فلا يصح فيه القياس، لعدم حكمه. ولأن الاختلاف متى حصل في الموجب
_________________
(١) في ب: "ثبت".
(٢) "و" ليست في
(٣) "في الأصل" من ب.
(٤) "الفروع وفي" ليست في ب. وراجع فيما تقدم ص ٥٧١.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "وصفته".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "بصفته".
(٧) في ب: "و"
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "فيتعدى".
(٩) في ب: "وأما".
(١٠) "أنه لا يصح" من ب.
[ ٦٤٩ ]
للحكم، أو نفس الحكم، أو الشرط - فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع: أكان (١) أو لم يكن: فأحدهما يدعي الشرعية والثبوت، والآخر ينكر. وإذا (٢) ادعى ثبوته، لا يمكن إثباته بالرأي، لأنه (٣) نصب الشريعة بالرأي. وإذا ادعى الارتفاع بعد الثبوت، فقد ادعى النسخ، وإنه لا يجوز بالرأي. ولأن المنكر يقول لم يشرع، وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًّا، فكيف يثبت ما ليس بحكم شرعي بالقياس؟ وليس على المنكر شيء، حتى يثبت العدم (٤) بالقياس - فدل أنه لا وجه للقول بالقياس إلا في الفصل الأخير.
ولكن مشايخنا قالوا: إن القياس يجري في الفصول كلها، لأن الاختلاف يجري بين الفقهاء في الكل:
- أما اختلافهم في الحكم ابتداء: أنه مشروع أم لا؟ كاختلافهم في الركعة الواحدة: أنها مشروعة صلاة أم لا؟ فعندنا ليس بصلاة، وعند الشافعي هي (٥) صلاة. وكذا صوم بعض اليوم: غير مشروع عبادة عندنا، وعنده مشروع. وصوم يوم النحر: مشروع عندنا، خلافًا له.
- وأما (٦) اختلافهم في صفة الحكم: أنها مشروعة أم لا، [فـ] كاختلافهم أن تعيين (٧) شيء من القرآن في الصلاة - هل هو فرض، مع اتفاقهم أن القراءة فرض في الصلاة: فعندنا ليس بفرض. وعنده (٨) فرض، وهو تعيين الفاتحة.
_________________
(١) في ب كذا: "اركان".
(٢) في ب: "فإذا".
(٣) في ب: (لأن).
(٤) في ب: "الغيرية". وإلى هنا انتهى النقص في أالذي أشرنا إليه في الهامش ١ ص ٥٨٤.
(٥) "هي" من أ.
(٦) في ب: "فأما".
(٧) في ب كذا: "ـعتبر".
(٨) في ب: "وعندهم".
[ ٦٥٠ ]
- وأما (١) اختلافهم في علة الحكم، [فـ] نحو اختلافهم: أن الإسلام هل هو علة العصمة أم لا؟ فعندنا ليس بعلة. وعنده علة.
- وأما اختلافهم في صفة العلة: أن ملك النصاب بصفة كونه مغنيًا (٢) ناميًا، علة وجوب الزكاة عندنا، حتى لا يكون نصاب المديون المستغرق بالدين علة. وعنده: مللك النصاب النامي (٣) علة بدون صفة الإغناء وعند مالك: ملك النصاب المطلق علة، بدون صفة كونه ناميًا.
- وأما الاختلاف في الشرط، [فـ] نحو اختلافهم في أن الشهادة هل هي شرط انعقاد النكاح صحيحًا؟ فعند عامة العلماء شرط، وعند مالك ﵀ ليس بشرط. وكذا الولي: ليس بشرط عندنا، وعند الشافعي ﵀ شرط.
- وأما اختلافهم في صفة الشرط، [فـ] كاشتراط عدالة الشهود عند الشافعي. وعندنا بخلافه.
- وأما اختلافهم في الحكم المشروع بصفته: أنه مشروع في موضع آخر - فكثير: نحو اختلافهم في جواز صوم شهر (٤) رمضان بالنية قبل الزوال، فإن (٥) صوم التطوع بالنية قبل الزوال مشروع (٦) بالاتفاق، ولكن اختلفوا في التعدية إلى صوم شهر (٧) رمضان. وكذا الكفارة: مشروعة في الإفطار بالجماع في شهر (٨) رمضان، واختلفوا أنها هل هي مشروعة في الإفطار بالأكل (٩) عمدًا؟
_________________
(١) في ب: "فأما".
(٢) في ب كذا: "معينًا".
(٣) في ب كذا: "الباقي".
(٤) "شهر" من ب.
(٥) في: "أما".
(٦) في أ: "فمشروع".
(٧) "شهر" من ب.
(٨) "شهر" أفي ب.
(٩) وفي الأصل و(أ): "مشروعة في الأكل عمدًا".
[ ٦٥١ ]
ففي هذه الفصول: يدعي أحد الخصمين ثبوت شيء مما ذكرنا أو انتفاءه، ويثبت دعواه إما بالنص أو بالاستدلال، ويعرف وجه الاستدلال بما يعرف به سائر الأشياء. والخصم الآخر ينكر دليله أو يبطله. فثبت أن القياس والاستدلال يجري (١) في ذلك كله. ولأن القياس ليس إلا ثبوت مثل حكم الأصل، بالمعنى الذي ثبت في الأصل في فرع هو نظيره. ومعنى حكم الأصل يعرف بما يعرف به سائر الأشياء، والحكم في الفرع يثبت بدلالة النص على كل حال، إلا أن الدلالة قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية.
وقول (٢) من قال: إن القياس لا يكون حجة في سائر الفصول، وإنما يكون حجة في الفصل الأخير، وهو تعدية حكم المنصوص عليه إلى غير المنصوص عليه إذا عقل أنه نظيره، لم يتضح، لأنه: إن أراد بالقياس معرفة دلالة النص وعلة الحكم بالرأي والاجتهاد، فذلك جائز (٣) في الأشياء أجمع، لأن المعرفة لا تختلف. وإن أراد أن القياس لا يتصور إلا في الفصل الأخير، وهو الجمع بين الأصل والفرع في الحكم - فهذا (٤) يتصور في كل موضع. وإن أراد أن القياس (٥) لا يثبت به شيء، فهذا صحيح، ولكن في الفصل الأخير لا يثبت بالقياس شيء، وإنما يعرف به الحكم الثابت في الأصل أو العلة أو الشرط، وإنما يثبت ذلك بإثبات الله تعالى، ولكن يعرف بالقياس - ذلك على ما مر ذكره (٦)، ولكن لا عبرة
_________________
(١) "يجري" غير واضحة في أ.
(٢) في هامش أ: "وفرق".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "جاز".
(٤) كذا في أ. وفي الأصل: "وهذا". وانظر الهامش التالي.
(٥) "لا يتصور إلا في الفصل الأخير أن القياس" ليست في ب
(٦) "ذكره" ليست في أ.
[ ٦٥٢ ]
للصورة (١) والمجانسة من حيث الظاهر في باب القياس، حتى يقال: إذا لم يكن مشروعًا في الشريعة (٢) مثله من حيث الصورة، لا يصح القياس، ولكن المعتبر في الباب هو التأثير، وذلك يتحقق في الفصول كلها.
وخرج الجواب:
- عن قوله: إن هذا نصب الشرع (٣) بالرأي، فإن الرأي يثبت به المعرفة، وإنما (٤) هو مضاف إلى الشرع، ولكن جعل الشرع يعرف بالنص مرة وبالاستدلال والرأي (٥) أخرى؛ لكن (٦) لا يسمى الثابت بالاستدلال والقياس (٧) ثابتًا بالنص، لكونه ثابتًا بواسطة الرأي الذي فيه احتمال الخطأ - والله أعلم.
- وقوله: إن (٨) النفي ليس بحكم شرعي، فليس كذالك، بل كلاهما حكم الشرع، على ما نذكر. ولهذا قلنا: إن على النافي للحكم دليلا (٩)، كما على المثبت، وليس في (١٠) هذا ارتفاع حكم حتى يكون نسخًا. إنما هذا على قول من يجعل الأحكام ثابتة، قبل الشرع، بالعقل، حتى يصير (١١) الدليل الشرعي، بخلافه في معني النسخ، وعلى وفاقه في معنى التقرير. وعندنا لا حكم للعقل في الشرعيات. فإذا جاء الشرع، يكون مثبتًا للحكم (١٢)، لا ناقلا مقررًا، ولا ناسخًا مغيرًا - على ما يعرف بعد هذا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) كذا في أو ب. وفي الأصل: "للصور".
(٢) كذا في أو ب. وفي الأصل: "في الشرع".
(٣) في ب: "شرع".
(٤) في ب: "وإلا".
(٥) في ب: "وبالرأي والاستدلال".
(٦) في أ: "ولكن".
(٧) في ب: "بالقياس والاستدلال".
(٨) في ب: "بأن".
(٩) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "دليل".
(١٠) "في" ليست في ب.
(١١) كذا في أو ب. وفي الأصل: "يعتبر".
(١٢) في ب: "للأحكام".
[ ٦٥٣ ]
- مسألة ثم على قول أهل التحقيق من الفقهاء: كما يجري القياس في الإثبات يجري في النفي ويكون له حكمان: الثبوت في موضع الإثبات، والانتفاء في موضع النفي. فإن حكم الشرع نوعان: إثبات ونفي. فإنه كما روي: "في خمس من الإبل السائمة شاة" - روي: "لا زكاة في الإبل المعلوفة" (١). وروي "ليس في الجبهة ولا في النخة (٢) ولا في الكسعة صدقة" (٣). والقياس إبانة مثل الحكم (٤) الثابت في النص، وتعدية مثله، بالمعنى (٥) الذي تعلق به (٦) في الأصل. فمتى ثبت بالنص أن الشرع نفي حكمًا لمعني، وذلك المعني يوجد في نظيره (٧) يكون نفيًا لذلك (٨) الحكم، بطريق الدلالة. كما (٩) إذا ثبت بالنص أن الشرع أثبت شيئًا من الحل أو الحرمة لمعنى: فإنه يثبت مثله في كل موضع وجد ذلك المعنى، لا فرق بين النفي والإثبات.
ويبتنى (١٠) على هذا الأصل نصف الفقه، فإن الأحكام نوعان: نفي وإثبات. ومن عدل عن هذا الطريق، يقع في التعليل بعلة قاصرة مع تبحره في الفقه، ولا يعلم به، فيجب إحكام هذا الأصل.
_________________
(١) في أ: "المعلوفة". وفي المعجم الوسيط: علف الرجل الحيوان أطعمه العلف، فهو معلوف، وهي معلوفة. والمعلوفة دابة تعلف للسمن ولا ترسل للرعي. والعلف طعام الحيوان - انظر البخاري، على البزدوي، ٣: ٣٨٩.
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كذا: "الفخر".
(٣) الجبهة الجماعة من الخيل، والنخة البقسر العوامل، والكسعة كسرة الخبز (المعجم الوسيط). وفي هامش أ: "الجبهة الخيل. والكسعة الحمير. والنخة الرقيق". وعن علي ﵁ قال: "ليس في البقر العوامل صدقة" - ابن حجر، بلوغ المرام، رقم ٤٨٨ ص ٨٤.
(٤) في ب كذا: "أتي به مثل حكم".
(٥) في ب: "في المعنى".
(٦) "تعلق به" غير واضحة في أ.
(٧) في ب: "حكمًا لمعنى فوجد في نظيره".
(٨) "نفيًا لذلك" ليست في أو موضعها فيها بياض.
(٩) هنا انتهت النسخة أ.
(١٠) في ب: "وينبني".
[ ٦٥٤ ]
مثاله - ما قال أصحابنا ﵏: إن القطع لا يجب بسرقة ما يتسارع إليه الفساد، لأن الشرع نفى وجوب القطع، في سرقة ما دون النصاب، لمعنى: ذلك المعنى موجود في سرقة ما يتسارع إليه الفساد، وهو أن القطع عقوبة عظيمة شرعت (١) للزجر صيانة للأموال، وإنما يقع الحاجة إليها فيما يكثر رغبة السراق فيه، ولا رغبة في القليل - هذا المعنى موجود في سرقة ما يتسارع إليه الفساد، لأن السراق قلما يرغبون في سرقته، فورود الشرع بانتفاء القطع. ثم، نصًا (٢)، ورودًا ههنا دلالة. ومن غفل عن هذه الطريقة، ولم يتأمل هذه الدقيقة، يقع في التعليل بعلة قاصرة، فيقول: إن القطع في السرقة شرع بطريق الزجر (٣) صيانة لأموال الناس، ولهذا شرط (٤) فيه النصاب، ولا حاجة في هذه الأموال إلى شرع القطع لقلة رغبة السراق فيها. فلا يشرع فيها القطع. وهذا تعليل بعلة قاصرة (٥)، لأنه تبين (٦) العلة لوجوب القطع في سائر الأموال. ونقول: تلك العلة معدومة في الفرع. وللخصم أن يقول: إن لم يوجد هذه العلة في الفرع، فلا ينفي وجود علة أخرى في الأصل يثبت بها (٧) الحكم فيه، ويوجد مثل تلك العلة في الفرع، لأن الحكم في الأصل يجوز أن يثبت بعلل - على ما ذكرنا. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "شرع".
(٢) في ب: "فورود الشرع ثمة بانتفاء القطع نصًا".
(٣) في ب: "شرع للزجر".
(٤) كذا في ب وفي هامش الأصل. وفي متن الأصل: "شرع".
(٥) لعل العلة القاصرة هنا هي رغبة السراق. ولعل العلة المتعدية هي صيانة الأموال. والعلة القاصرة هي المختصة بالأصل ولا يصح التعليل بها عند الحنفية ويجوز عند الشافعي. ومثال القاصرة جعل الشافعي علة الربا في الذهب والفضة الثمنية، فإنها قاصرة على الذهب والفضة ولا توجد في غيرهما لأنه لم يخلق ثمنًا - والخلاف في العلة المستنبطة. أما العلة الثابتة بالنص، فيجوز أن تكون قاصرة بالاتفاق، من حيث كونها حكمة لا علة عند الحنفية. (انظر السرخسي، الأصول، ٢: ١٥٨ - ١٥٩. والغزالي، المستصفي، ٢: ٣٤٥. والتلويح علي التوضيح، ٢: ١٣٣ - ١٣٤).
(٦) لعل الصحيح أو الأوضح: "لم يتبين" أو "جهل".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "به".
[ ٦٥٥ ]
[٨]