الكلام في هذا الفصل في مواضع:
أحدها - في بيان الأسماء التي تطلق على ركن القياس (٢).
والثاني - في بيان (٣) حد العلة وحقيقتها عند الفقهاء والمتكلمين.
والثالث (٤) - في بيان ماهية (٥) الركن.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "منها صحيحة ومنها فاسدة". انظر ما يلي.
(٢) في ب زاد: "بمعانيها"، وكذا في هامش أ.
(٣) "والثاني في بيان" ليست في ب، وفيها بدلا منها: "وفيه بيان حد العلة". انظر الهامش التالي.
(٤) في ب: "والثاني". ففي ب جعل الأول والثاني واحدًا فأصبح الثالث الثاني والرابع الثالث والخامس الرابع والسادس الخامس.
(٥) في الأصل كذا: "مائية". وفي أكذا: "مائية".
[ ٥٧٣ ]
والرابع - في بيان الطرق التي بها يعرف (١) ركن القياس والعلة.
والخامس - في الفرق بين العلة والسبب والدليل.
والسادس - في تقسيم العلة والسبب والدليل.
أما [الأول]: بيان أسماء الركن - فنقول:
إنه يسمى: أمارة، وعلمًا، وسببًا (٢)، ودليلا، وفقهًا، ورأيًا، ومعنى، واجتهادًا، وقياسًا، ونظرًا، واستدلالا، وحجة، وبرهانًا، وعلة، واعتلالا.
- وإنما سمي (٣) أمارة، وعلمًا:
أما على رأي من قال: إن الحكم في المنصوص عليه ثابت بالنص لا بالعلة، فالوصف المؤثر في المنصوص عليه هو ركن العلة لثبوت الحكم به مع وجود الشرائط في الفرع، لأنه لا حظ له في ثبوت الحكم في المنصوص عليه، لثبوته بالنص. ويكون علمًا ودليلا في النص (٤) على ثبوت الحكم في الفرع، لأنه ما لم يكن النص معلولا بهذا المعنى المؤثر، لم يثبت الحاكم في الفرع بوجود هذا المعنى.
وأما على رأي من قال: إن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالعلة، فلأن الحكم متى ثبت في النص بالعلة، فيكون العلة علمًا وأمارة على ثبوت الحكم في كل موضع وجد فيه مثل تلك العله، على ما قال مشايخنا: إن المستويين في المعنى يستويان في الحكم والفتوى.
_________________
(١) في أ: "التي يعرف بها".
(٢) في ب: "أمارة وسببًا وعلمًا".
(٣) في أ: "يسمى".
(٤) "في النص" من ب.
[ ٥٧٤ ]
- وكذا (١) يسمى سببًا (٢)، ودليلا:
لأنه يتوصل به إلى الحكم في الفروع (٣). والسبب ما هو طريق إلى الحكم. وكذا الدليل.
- وإنما يسمى فقهًا، ورأيًا، ومعنى:
لأن ذلك الوصف (٤)، الذي هو ركن العلة، إنما يتميز من سائر أو صاف النص برأي المستنبط وقصده وعلمه. والرأي (٥) هو رؤية القلب. والمعنى هو القصد: مصدر عنى يعني عناية ومعنى (٦). والفقه هو العلم الخفي المستنبط.
فأطلق هذه (٧) الأسماء على الوصف الذي هو ركن، لأنه (٨) مفعول فعل المستنبط. فهو مراده ومرئيه ومعلومه، إطلاقًا لاسم المصدر على المفعول.
- وكذا يسمى نظرًا، واجتهادًا، واستدلالا:
لما أنه يعرف بالنظر والتأمل والاجتهاد والاستدلال. فيسمى (٩) به، إطلاقًا لاسم المصدر على المفعول أيضًا.
- وإنما يسمى قياسًا:
_________________
(١) في ب كذا: "ـكدى".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي متن الأصل: "مسببًا" وصححت في الهامش: "سببًا".
(٣) في أ: "في الفرع".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "المعنى".
(٥) في ب: "فالرأي".
(٦) في المعجم الوسيط: عنى عنيا وعناية: أراده وقصده.
(٧) في ب: "وأطلق هذا".
(٨) في أكذا: "ركن لا مفعول".
(٩) في أ: "ويسمى".
[ ٥٧٥ ]
لأنه متى عرف المستنبط ركن العلة في النص، قاس غير المنصوص، عليه (١) - إذا وجد مثله فيه، فيكون مقياسًا عليه.
والقياس فعل القايس - مصدر قاس يقيس قياسًا، إطلاقًا لاسم الفعل على المفعول لغة. وهذا إذا كان الوصف قابلا للتعدي.
فأما إذا كان مقصورًا على مورد النص، فلا يسمى ذلك (٢) قياسًا، لأنه لا يتصور القياس به.
- وإنما يسمى حجة، وبرهانًا:
لأنه هو الحجة والبرهان في إثبات الحكم في الفرع أو فيهما، على حسب (٣) اختلاف الناس فيه.
- وإنما سمي (٤) علة، واعتلالا - لأحد ثلاثة معان (٥) في اللغة:
• قال بعضهم: إن العلة في اللغة اسم لعارض يتغير به (٦) وصف المحل بحلوله فيه. ولهذا سمي (٧) المرض علة، لكونه عارضًا تغير (٨) المحل بحلوله فيه، من وصف الصحة إلى وصف الضعف (٩).
• وقال بعضهم: إن (١٠) العلة مأخوذة من العلل، وهو الشربة بعد الشربة -
_________________
(١) "عليه" ليست في ب.
(٢) "ذلك" من ب.
(٣) "حسب" من أ. وليست في الأصل وب.
(٤) في (أ) و(ب): "يسمى".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "لأجل معان". وفي أ: "لأحد معان".
(٦) "به" ليست في ب.
(٧) في ب: "يسمى".
(٨) في ب كذا: "بغير وصف المحل".
(٩) انظر البخاري على البزدوي، ٣: ١٧٠.
(١٠) كذا في أ. وفي الاْصل و(ب): "بأن".
[ ٥٧٦ ]
يقال علل بعد نهل. فالعلل هو الشربة الثانية والنهل هو الشربة الأولى (١).
• وقال بعضهم: إنها في عرف اللغة مستعملة في شيء يؤثر في أمر من الأمور، سواء كان المؤثر صفة أو ذاتًا، وسواء كان مؤثرًا (٢) في الفعل أو في الترك - يقال: "مجيء زيد علة لخروج عمرو". ويجوز أن يكون مجيء زيد علة في أن يمتنع عمرو عن الخروج - قال (٣) المتنبي:
والظلم في خلق النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
و(٤) سمي المعنى (٥) المانع من (٦) الظلم علة، وسمي (٧) المرض علة، لأنه يؤثر في ضعف المريض، ويؤثر في منعه عن كثير من التصرفات (٨)،
فعلى قول الأولين - يسمى (٩) الوصف المؤثر (١٠)، في الحكم علة، لأنه يتغير به حال المنصوص عليه من الخصوص إلى العموم، لأن الحكم في النص مختص بالمنصوص عليه، لأن النص (١١) يتناوله لا غير. ومتى عرف وصف من أوصافه مؤثرًا في إثبات الحكم تغير حكم ظاهر
_________________
(١) في المعجم الوسيط: "العلل الشرب الثاني. يقال: شرب عللا بعد نهل. وفي البخاري على البزدوي (٣: ١٧٠): وقال بعضهم: إن العلة مأخوذة من العلل وهو الشربة بعد الشربة. وسمي المعنى الموجب للحكم في الشرع علة، لأن الحكم يتكرر بتكرره".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وسواء أثر".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وقال".
(٤) واو العطف من ب.
(٥) "المعنى" ليست في أ.
(٦) "من" من أو ب.
(٧) في ب: "ويسمى".
(٨) انظر: البخاري على البزدوي، ٣: ١٧٠.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "سمي".
(١٠) في ب كذا: "الوصف علة المؤثر".
(١١) في الأصل يبدو أنه أضاف هنا "لم" فأصبحت "لم يتناوله" وقد تكون كلمة "لم" مشطوبة.
[ ٥٧٧ ]
النص الخاص من الخصوص إلى العموم، فيثبت الحكم في أي موضع وجدت العلة فيه.
وعلى قول الآخرين - يسمى (١) علة، لثبوت الحكم به على الدوام والتكرر، ولثبوته مرة بعد أخرى عند تكرر (٢) العلة.
وعلى قول الفريق الثالث - يسمى (٣) به، لأن هذا الوصف مؤثر (٤) في ثبوت الحكم، إما في الأصل أو في الفرع.
وهذا الأخير هو الصحيح.
فأما الأول ففاسد - فإن (٥) الشخص إذا ولد مريضًا يسمى عليلا، والمرض فيه علة، وهو ليس بمغير لوصف الصحة. وكذا إذا ولد الولد أسود، فالسواد فيه علة تسميته وصيرورته أسود، وإن لم يكن مغيرًا لوصف سابق.
والثاني فاسد أيضًا - لأن هذا الوصف يسمى علة في أول ما ثبت به الحكم، من غير تكرر، فكيف يصح اشتقاقه من العلل وإنه يقتضي التكرار (٦) - والله أعلم (٧).
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "سمي".
(٢) في ب: "تكرار".
(٣) كذا في ب. في الأصل و(أ): "سمي".
(٤) في ب: "يؤثر".
(٥) في أ: "لأن".
(٦) راجع فيما تقدم الهامش ١ ص ٥٧٧، والبخاري على البزدوي، ٣: ١٧٠.
(٧) هذا الكلام على العلة أورده البخاري على البزدوي نقلا عن الميزان (راجع البخاري، على البزدوي، ٣: ١٧٠).
[ ٥٧٨ ]
الفصل الثاني - في بيان (١) حد العلة، وحقيقتها، في عرف الفقهاء واالمتكلمين:
ذكر القاضي الإمام أبو زيد رحمة الله عليه وقال: العلة تفسيرها لغة (٢): اسم لحال يتغير بحلوله حكم الحل (٣). أو اسم لا أحدث أمرًا بحلوله في المحل لا عن اختيار. وحدها ما تعلق به الإحداث (٤) والإيجاد، بلا اختيار، بقدر الحلول بمحل الحكم.
وقال بعضهم: ما يتغير الحكم بحصوله.
وقال بعضهم: هي (٥) المعنى، القائم بالمعلول، الذي (٦) يوجب الحكم بمحله. كالسواد الذي يوجب كون محله أسود. ومثاله من الشرعيات نجاسة العين: توجب غسل (٧) محلها.
وقال بعض أهل التحقيق: إن العلة في عرف الشرع هي التي أثرت حكمًا شرعيًا. والحكم الشرعي (٨) هو الذي عرف ثبوته بالشرع (٩). وفي عرف المتكلمين: ما أثرت حكمًا عقليًا، وهو الذي عرف ثبوته بالعقل وحده.
_________________
(١) في ب: "وأما بيان" بدلا من: "الفصل الثاني - في بيان". راجع الفصل الأول ص ٥٧٤ وما بعدها.
(٢) في ب: "وقال: تفسير العلة لغة".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "الحال".
(٤) في ب كذا: "الاجداد".
(٥) في أ: "هو".
(٦) "الذي" من ب.
(٧) في ب كذا: "على".
(٨) "الحكم الشرعي" ليست في ب.
(٩) في ب: "بالمشرع".
[ ٥٧٩ ]
وقال بعضهم: هي الأمر الذي إذا وجد، وجد الشيء تعقبيه بلا فصل. وقال علي بن عيسى النحوي (١): حد العلة ما كان لأجله المعلول. وقال بعض أصحاب الحديث: هي الوصف الذي يتكرر الحكم بتكرره. وقال بعضهم: هي المعنى الجالب (٢) للحكم (٣). واحترزوا به عن النص.
وعن الشيخ أبي منصور الماتريدي رحمة الله عليه أنه قال: العلة هي المعنى الذي إذا وجد يجب به الحكم (٤) معه. وقوله "معه" (٥) احتراز: [لدخول] الاستطاعة مع الفعل (٦).
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الهامش ٥ ص ٣٧٦.
(٢) كذا في أ. وظاهر أنها كذلك في ب. وفي الأصل: "الحادث".
(٣) في أ: "للحكم الحادث".
(٤) في ب: "يجب الحكم له معه".
(٥) في الأصل وأ و(ب): "احتراز عن الاستطاعة مع الفعل". وفي هامش أ: "فيدخل، الاستطاعة مع الفعل" وهو الصحيح. وبيان ذلك في الهامش التالي.
(٦) قال البخاري على البزدوي (٤: ١٧٠ س ٢ من أسفل - ١٧١): "وقوله: وتغير به أي بذلك الوصف حال المحل معًا - إشارة إلى أن العلة وإن كانت مقدمة على المعلول رتبة فهي مقارنة له في الوجود فإن حركة الإصبع التي هي علة حركة الخاتم مقارنة لحركة الخاتم إذ لو لم تكن كذلك لزم تداخل الأجسام وهو محال على ما عرف. وكذا الحركة علة صيرورة الشخص متحركًا والسواد علة لصيرورة الشيء أسود وهما يوجدان معًا ولهذا جعلنا الاستطاعة التي هي علة الفعل مقارنة له وما أشبه ذلك أي الجرح كالكسر والهدم والقطع علل للانكسار والانهدام والانقطاع مقارنة في الوجود إياها. وهو أي الذكور وهو العلة أو لفظ العلة عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم أي ثبوته ابتداء وعن الشيخ أبي منصور ﵀ أن العلة هي المعنى الذي إذا وجد يجب الحكم به معه واحترز بقوله "معه" عن قول بعض القدرية إن العلة هي الأمر الذي إذا وجد وجد الحكم عقيبه بلا فصل. وقد بينا أن ثبوت الحكم بالعلة عندنا بطريق المقارنة لا بطريق التأخر ولهذا جعلنا الاستطاعة مقارنة للفعل لا سابقة عليه. قال صاحب الميزان: هذا التعريف هو الصحيح " وانظر فيما بعد (ص ٥٨٦): هل يشترط أن يكون وصف العلة قائمًا بمحل الحكم أم لا؟. وانظر البزدوي، والبخاري عليه، ٣: ١٨٨. وقال البزدوي في أصوله (٤: ١٨٨): "وليس من صفة العلة الحقيقية تقدمها على الحكم بل الواجب اقترانهما معًا وذلك كالاستطاعة مع الفعل عندنا ". وقال البخاري عليه: "ولا خلاف بين أهل السنة في أن العلة العقلية تقارن معلولها زمانًا، كحركة الإصبع تقارن حركة الخاتم، وفعل التحريك يقارن صيرورة الفاعل متحركًا، وكالكسر يقارن الانكسار، وكالاستطاعة تقارن الفعل - إذ لو لم يكونا متقارنين لزم بقاء الأعراض أو وجود المعلول بلا علة وكلاهما فاسد الخ".
[ ٥٨٠ ]
وهذه العبارات فاسدة، سوى ما ذكرناه عن الشيخ أبي منصور الماتريدي ﵀، فإنه هو الصحيح، فإن (١) العلة ما يجب بها (٢) الحكم، فإن وجوب الحكم (٣) وثبوته بإيجاب الله تعالى، لكن أوجب الحكم لأجل هذا المعنى وبسبب (٤) هذا المعنى. ويجوز أن يقال: يجب (٥) به، لأن الله تعالى قد يفعل فعلا (٦) بسبب، وقد (٧) يفعل فعلا ابتداء. وكذا قد يثبت حكمًا بسبب، وحكمًا ابتداء بلا سبب. وفعله وحكمه لايخلوا [ن] عن الحكمة قط (٨)، عرفنا وجه الحكمة أو لا.
ووجوه فساد هذه العلل (٩) تذكر في الشرح، على الاستقصاء (١٠)، لكن نذكر طرفًا منها (١١) ههنا، فنقول (١٢):
- قولهم: العلة ما تعلق به الإحداث والإيجاد (١٣)، بلا اختيار، بقدر الحلول بمحل الحكم:
_________________
(١) في ب: "لأن".
(٢) في أ: "به". وفي ب: "له".
(٣) "الحكم" ليست في ب.
(٤) كذا في أ. وفي الأصل: "وسبب". وفي ب: "ولسبب".
(٥) في ب كذا: محبر".
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الفعل".
(٧) "قد" من ب.
(٨) كذا في ب. وفى الأصل و(أ): "وحكمه وفعله قط لا يخلو عن الحكمة". والعبارة نقلها، عن الميزان، البخاري على البزدوي (٣: ١٧١).
(٩) في هامش أ: "المعاني".
(١٠) في ب: "هذه العلل على الاستقصاء تذكر في الشرح إن شاء الله تعالى".
(١١) كذا في أ: "منها". وفي الأصل و(ب): "منه".
(١٢) "فنقول" ليست في ب.
(١٣) كان في أ: "بطريق الحقيقة أم بطريق المجاز. إن عني بطريق الحقيقة ففساده" ثم شطبت.
[ ٥٨١ ]
لا يصح، لأنا نقول: أيش تعني بهذا: أن العلة (١) ما تعلق به الإحداث والإيجاد، بطريق الحقيقة أم (٢) بطريق المجاز؟
• إن عنى بطريق الحقيقة، ففساده لا يخفى - فإن المحدث (٣) والموجد للأشياء هو الله تعالى، لكن (٤) قد يوجد بلا واسطة شيء وقد يوجد بواسطة شيء، ويحدث بسبب ويحدث (٥) بغير سبب، ولكن الموجد والخالق هو، لا غيره، جل وعلا (٦) - قال الله تعالى: "هل من خالق غير الله" (٧). وهذا (٨) مذهب (٩) أهل الدهر والطبائع، على ما يعرف في مسائل الكلام.
• وإن عنى به المجاز - فهو (١٠) شيء مستعمل بين الفقهاء، فقالوا. علة موجبة: استعمال بطريق المجاز (١١)، ولكن (١٢) استعمال الألفاظ المجازية لا يصح في التحديدات.
- وقولهم: العلة ما يثبت به الحكم بلا اختيار:
_________________
(١) في ب: "لأننا نقول: أما إن عني بقوله: العلة ".
(٢) في ب: "أو".
(٣) في ب: "إن عنى بطريق الحقيقة وهذا لا يظن به: فإن المحدث".
(٤) "لكن" ليست في ب.
(٥) "يحدث" من أ.
(٦) "جل وعلا" من ب.
(٧) سورة فاطر: ٣ - "يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وهو".
(٩) في هامش أ: "حيث قال بلا اختيار".
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فهي".
(١١) "استعمال بطريق المجاز" من ب.
(١٢) "لكن" ليست في ب، ففيها: "واستعمال".
[ ٥٨٢ ]
فاسد، فإن القتل علة وجوب القصاص، وهو فعل اختيارى (١). ولأن الحكم يثبت (٢) بإثبات الله تعالى، وهو مختار في إثبات الأحكام وإيجاد الأشياء، وإنما يستعمل لفظ (٣) العلة في السبب والحكم (٤) مجازًا، أما لا علة للأحكام عند أهل الحق.
- وقول من قال: ما يثبت الحكم عقيبة - يبطل بالاستطاعة: فإنها علة الفعل، وإنه يوجد معها.
وإنما، يصح هذا (٥) على قول المعتزلة الذين قالوا: الاستطاعة (٦) قبل الفعل، وهو (٧) باطل بالحركة: فإنها علة صيرورة الذات متحركًا، وهما يوجدان معًا.
والله أعلم بالصواب (٨).
الفصل الثالث (٩) - في بيان ماهية (١٠) الركن، فنقول:
ركن القياس هو الو صف الصالح المؤثر في ثبوت الحكم في الأصل (١١). و(١٢) متى وجد مثله في الفرع (١٣) يثبت مثل ذلك الحكم فيه، قياسًا عليه (١٤)،
_________________
(١) في ب: "فعل اختيار".
(٢) في هامش أ: "وفيه نظر".
(٣) في أ: "لفظة".
(٤) في ب: "والحكمة".
(٥) "هذا" من (أ) و(ب).
(٦) في ب: "بالاستطاعة".
(٧) "هو" من ب.
(٨) "والله أعلم بالصواب" ليست في ب. وفي أ: "والله أعلم".
(٩) في ب: "الثانى" - راجع الهامش ٤ ص ٥٧٣.
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "مائية".
(١١) في ب: "في إثبات الحكم في النص".
(١٢) "و" من أ. وانظر الهامش التالي.
(١٣) في ب: " ثم إن وجد في الفرع "مثله".
(١٤) في هامش أ: "وأن لا يقتصر على النص". وفي ب: "وألا يقتصر على النص وهذا".
[ ٥٨٣ ]
لأن القياس لما كان رد الفرع إلى الأصل، لإثبات حكم الأصل فيه، ولا يمكن إثبات حكم الأصل في الفرع بالنص، لأن النص خاص لا يتناول الفرع، فلا بد أن يكون في الأصل وصف يجب به الحكم شرعًا، حتى يثبت مثله (١) في الفرع، بمثل ذلك الوصف، إذ لو لم يكن هكذا لا يمكن إثبات الحكم في الفرع، لأن الحكم لابد له من دليل، وليس فيه نص ولا إجماع. ولو كان، يكون إثبات الحكم نصًا أو إجماعًا (٢) لا قياسًا - فدل أن الركن ما قلنا وإن كان، لإثبات الحكم بالقياس، سوى الوصف الذي ذكرنا، شرائط على ما نذكر، لكن الحكم يضاف إلى الركن عند وجود الشرائط، لا إليها. كالنكاح: ينعقد بالإيجاب والقبول، عند وجود الشرائط من الأهلية والشهادة ونحوهما، وثبوت الحكم يضاف إلى الإيجاب والقبول دون الشرائط - فكذا هذا.
هذا (٣) هو الصحيح - وهو قول مشايخ سمرقند (٤).
وقال مشايخ العراق - الركن (٥) هو الوصف الذى جعل علمًا على ثبوت الحكم فى الفرع، على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
وتفسير "صلاح الوصف": لا يستحيل والموافقة بين الحكم والعلة، عقلا وشرعًا، بأن كان لا يستحيل إضافة ذلك الحكم إليه، عقلا، بل يحسن، كإضافة العقوبات إلى الجنايات، وإضافة الثواب إلى الطاعات، وإضافة وجوب الضمان إلى الإتلافات، ونحوها.
_________________
(١) هنا بدأ سقط في أوسنشير إلى نهاية النقص فيما بعد - انظر الهامش ٤ ص ٦٥٠.
(٢) "أو إجماعًا" من ب.
(٣) "هذا" من ب.
(٤) في ب: "مشايخنا بسمرقند".
(٥) "الركن" من ب.
[ ٥٨٤ ]
وتفسير "التأثير" يذكر في الفصل الذي يليه.
ثم الوصف الذي هو ركن العلة:
- قد يكون لازمًا، كالطعم لجريان الربا في المطعومات عند الشافعي.
وقد يكون عارضًا، كوصف كونه مكيلا في علة الربا عندنا، فإنه ليس بلازم، فإن القليل من الحنطة ليس بمكيل.
- وقد يكون اسمًا كحرمة الخمر: يثبت باسم الخمر - هو علتها، لا وصف الإسكار، حتى لا يتعدى إلى الثلث (١)، وحتى يثبت في قليل الخمر لوجود الاسم إن لم يسكر. وكذا الحدود (٢): تتعلق باسم الزنا والقذف والسرقة ونحوها (٣) - كذا قال بعضهم.
ولكنا نقول: إن عني به أنه تعلق بعين الاسم، [فـ] لا يصح، لأن الاسم يثبت بوضع أرباب اللغة، ولهم أن يسموا الخمر باسم آخر. وإن عني به المعاني القائمة بالذات التي بها استحق هذا الاسم، وهو كون المايع (٤) النيء، من ماء العنب، بعد ما غلى واشتد وقذف بالزبد (٥)، فهذا (٦) مسلم، ولكن حينئذ يكون هذا تعليق الحكم بالمعنى، لا بالاسم.
- ويجوز أن يكون وصف العلة حكمًا شرعيًا، بأن يقاس (٧) الحكم على الحكم. كقول الشافعي في اشتراط النية في الوضوء: هذه طهارة حكمية فيشترط فيها النية، كما في طهارة التيمم. وكقولنا في فساد
_________________
(١) "شراب طبخ حتى ذهب ثلثاه" (المعجم الوسيط).
(٢) كذا في ب. وفي الاْصل كذا: "الجلود".
(٣) في ب: "وغيرها".
(٤) في ب كذا: "المانع الذي".
(٥) "وقذف بالزبد" من ب. والزبد الرغوة (المعجم الوسيط).
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "وهذا".
(٧) زاد في ب هنا: "به".
[ ٥٨٥ ]
بيع المدبر (١): هذا شخص تعلق عتقه. بمطلق موت السيد، فلا يجوز بيعه، كأم الولد.
ثم إنما استوت (٢) هذه الوجوه التي ذكرنا، لأن الحكم لم يتعلق بعين الوصف، وإنما يتعلق (٣) بكونه مؤثرًا في إثبات الحكم، فيجب النظر فيه، دون سائر الأوصاف.
ثم هل يشترط أن يكون وصف العلة قائمًا بمحل الحكم (٤) أم لا؟
فعند مشايخ العراق: شرط. واستدلوا بالعلل العقلية، كالحركة: علة صيرورة الذات القائم به متحركًا، ويستحيل أن تكون الحركة في محل علة لصيرورة ذات آخر متحركًا، فكذا (٥) في العلل الشرعية.
ومشايخنا قالوا: إنه (٦) ليس بشرط، بل يجوز أن يكون ذلك الوصف في غير محل الحكم، فإن البيع والنكاح والطلاق (٧) ونحوها علة لثبوت الأحكام في المحال، وهذه العبارات (٨) قائمة بالعاقدين. وكذا كون الشخص معدمًا محتاجًا علة جواز السلم والإجارة، وهذا الوصف قائم العاقد لا بمحل الحكم. ويجب أن لا يكون وجوده شرطًا في محل الحكم، لأن علل الشرع أمارات ودلالات على الأحكام، وقيام الدليل بالمدلول ليس بشرط لصحة الدلالة، كالعالم دليل وجود الصانع ونحوه. ولهذا قلنا: إن السحر علة تغير المسحور، وكذا العين: علة لتغير الشخص الذي أصابه العين وإن لم يوجد الاتصال والقيام.
_________________
(١) دبر العبد علق عتقه بموته (المعجم الوسيط). فالمدبر العبد الذي علق عتقه بموت سيده.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "استوى".
(٣) في ب: "تعلق".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "بمحل العلة". وانظر ما يلى.
(٥) "فكذا" ليست في ب.
(٦) "إنه" ليست في ب.
(٧) "والطلاق" ليست في ب.
(٨) في ب: "العبادات".
[ ٥٨٦ ]
وإنما تختص العلة بهذا الشرط عند المعتزلة. ولهذا أنكروا السحر والعين، لعدم الاتصال بمحل الحكم - والله أعلم.
- ومنها أنه يجوز أن يكون العلة وصفًا واحدًا. ويجوز أن يكون وصفين وأوصافًا - وهذا بلا خلاف في الشرعيات. فأما في العلل العقلية، [فقد] اختلف (١) العقلاء:
قالت الأشعرية: إن العلة فيها (٢) وصف واحد.
وقال غيرهم: يجوز أن يكون (٣) أوصافًا.
وكذا الخلاف في الحد: إنه يجوز أن يكون بوصف واحد وبأوصاف (٤) عند العامة. وعند الأشعرية: لا يجوز التحديد إلا بوصف واحد. و(٥) هذا من مسائل الكلام.
وإنما جاز في الشرعيات أن تكون العلة ذات أوصاف، لأن علل الشرع أمارات على الأحكام لمصالح العباد، ويجوز أن يتعلق المصلحة بوصف واحد وباجتماع وصفين وأوصاف، فيجب القول بالجواز.
ثم العلة إذا كانت ذات أوصاف في الأفعال الحسية، التي (٦) قد (٧) يتعلق بها حكم شرعي، فلابد من بيانها. والكلام فيه يقع من وجهين: أحدهما (٨) من حيث الحقيقة. والثاني (٩) من حيث الحكم.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "اختلاف".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "منها".
(٣) في ب: "لا يكون".
(٤) في ب: "وأوصاف".
(٥) الواو من ب.
(٦) "التي" من ب.
(٧) "قد" ليست في ب.
(٨) "أحدهما" من ب.
(٩) "الثاني" من ب.
[ ٥٨٧ ]
• أما من حيث الحقيقة:
فاختلفوا فيها على حسب ما ذكرنا: أن العلة هي كل الأوصاف (١)، أو صفة الاجتماع، أو الوصف الزائد المجهول الذي (٢) لا يتصور انعقاد العلة والحكم بدونه.
• وكذلك الحكم المعلق بوجود شرائط.
على هذا (٣):
قال بعضهم: العلة هي كل الأوصاف.
وقيل: العلة صفة الاجتماع.
وقال بعضهم: هو الوصف الزائد. وهو وصف من الجمله غير عين، وهو الذي لا يتصور بدونه الاجتماع، ولا ينعقد العلة بدونه.
نظير المسألة: سفينة في الماء لا تغرق بوضع كر (٤) فيها، وتغرق إذا زيد قفيز (٥) على الكر: فوضع إنسان فيها كرًا وقفيزًا، من مال إنسان، بغير إذن صاحبه، حتى غرقت السفينة وتلف ما فيها:
فعند الأولين: يضاف إلى الكر والقفيز جميعًا.
وعند الفريق الثاني: إلى صفة الاجتماع.
وعند الفريق الثالث: يضاف إلى قفيز من الجملة غير عين، لا إلى قفيز زائد عينًا.
_________________
(١) الفاء ساقطة في ب. وراجع ص ٥٨٧. وانظر ما يلي.
(٢) كذا في ب. والياء ساقطة في الأصل.
(٣) "على هذا" ليست في ب.
(٤) الكر مكيال لأهل العراق، أو ستون قفيزا، أو أربعون إردبا (المعجم الوسيط).
(٥) القفيز مكيال كان يكال به قديمًا. ويختلف مقداره في البلاد. ويعادل بالتقدير المصري الحديث نحو ستة عشر كيلو جرامًا (المعجم الوسيط).
[ ٥٨٨ ]
ويستوي الجواب بين أن يلقى الكر والقفيز معًا، أو ياقى الكر أولا ثم القفيز، أو يلقى القفيز أولا ثم الكر (١)، لأنه ما لم يوجد الكل، لا يتحقق التلف بأي طريق وجد وضع الكل.
وأما من حيث الحكم [فـ] نقول:
• إذا كان ذلك الطرح من الواحد: [فـ] يجب عليه ضمان الكل، إن كان بغير إذن صاحبه، سواء. طرحهما معًا أو على التعاقب.
وكذا: إذا كان مأذونًا (٢) من جهة صاحبه بطرح الكر لا غير، فطرح معه قفيزًا زائدًا، لأنه ما رضي بوضع متلف.
• وإن كان الطرح من اثنين: إن طرحا معًا، فالضمان عليهما. وإن طرحا على التعاقب، فالضمان على الأخير عندنا. وعند زفر ﵀: عليهما.
وزفر ﵀ اعتبر الحقيقة وقال: إن التلف حقيقة إما أن يحصل بالكل أو بزائد غير عين، فإنه ما لم يحصل (٣) اجتماع الكل، لا يتحقق التلف، فلا فرق بين التعاقب والقران.
وأصحابنا ﵏ سلموا أن التلف حقيقة يحصل عند الاجتماع: إما مضافًا إلى الكل أو إلى الزائد غير عين. لكن مع هذا، الضمان يجب على من وجد منه الوصف الزائد (٤)، لأن الأوصاف المتقدمة لا ينعقد
_________________
(١) "أو يلقى القفيز أولا ثم الكر" من ب. وانظر الهامش التالي.
(٢) كذا في ب. والعبارة في الأصل كما يلي: "أو يلقي الكر أولا ثم القفيز إن كانا بغير إذن صاحبه، سواء طرحهما معًا أو على التعاقب. وأما في حق الحكم: إن كان ذلك الطرح من الواحد يجب عليه ضمان الكل، لأنه ما لم يوجد الكل لايتحقق التلف بأي طريق وجد وضع الكل وكذا إذا كان مأذونا".
(٣) في ب: "ما لم يتصور".
(٤) في ب: "الأخير".
[ ٥٨٩ ]
علة التلف بدون الآخر، فصار الوصف الآخر (١) به يحصل وصف الاجتماع، والمتلف هو وصف الاجتماع، أو لأن بالآخر يصير واحد منهما (٢) متلفًا، لأنه كان موجودًا ولم يعم لفي التلف، فصار هو الجاعل إياه علة، والحكم في الشرع يضاف إلى علة العلة، كما يضاف إلى نفس العلة عند الانفراد - والله أعلم.
الفصل الرابع (٣) - في بيان الطرق التي يعرف بها (٤) ركن العلة - فنقول:
إن الطرق التي يعرف بها، العلل الشرعيه هي الطرق التي تعرف (٥) بها الأحكام الشرعية، لأن كون الوصف علة شرعًا (٦) ودليلا على حكم الله تعالى، أحد الأحكام الشرعية (٧)، إذ الحكم ما يثبت بالشرع، وكون الوصف علة يعرف بالشرع، فإن الأوصاف موجودة قبل الشرع وليست بعلل. وإذا ثبت أنها تعرف علة بالشرع، فتعرف بالطرق التي يعرف بها سرائر (٨) الشرائع - وهي قسمان:
[الأول]- الدليل القاطع، وهو النص المفسر من الكتاب، والخبر المتواتر، والإجماع.
والثاني - الدليل الراجح، وهو ظاهر النصوص، والقياس.
وكذا كون الوصف علة يعرف بهذين. وهو النص، والاستدلال:
أما النص الدال على كون الوصف علة [فـ] أنواع:
_________________
(١) في ب: "علة التلف لي دون الوصف الأخير". فليس في عبارة: "الآخر فصار".
(٢) في ب: "الواحد منها".
(٣) في ب: "الثالث". راجع فيما تقدم الهامش ٤ ص ٥٧٣.
(٤) في ب: "التي بها يعرف".
(٥) كذا في ب. والفاء ساقطة من الأصل.
(٦) "شرعًا" ليست في ب.
(٧) "الشرعية" من ب. وهي موجودة في الأصل ولكن يظهر انها شطبت.
(٨) السرائر جمع سريرة وهي ما يكتم ويسر (المعجم الوسيط).
[ ٥٩٠ ]
- قد (١) يكون بطريق التصريح على اسم العلة، وهو غير وارد من جهة (٢) صاحب الشرع، و(٣) إن كان مستعملا في اللغة: يقال "فعلت كذا لعلة كذا" و"أوجبت عليك أن تفعل كذا لعلة كذا"- على ما ذكرنا من قول المتنبي: "فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم"، ومنه قول زهير يمدح هرم بن سنان:
إن تلق يومًا على علاته هرمًا تلق السماحة منه والندى خلقًا
معناه أن الجود والسماحة يوجدان (٤) من هرم بن سنان على طريق الطبيعة، دون التكلف، مع قيام العلل المانعة منه. ولكن قد ورد من صاحب الشرع بلفظ هو (٥) المعنى - روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد معان ثلاثة" (٦)، و(٧) لفظ المعنى ولفظ العلة يستعملان في اللغة على السواء.
- ومنها، ألفاظ تقوم مقام لفظ العلة، ورد بها الشرع، واستعملت في اللغة نحو:
• لفظة "كي" - قال الله تعالى: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" (٨).
_________________
(١) "قد" ليست في ب.
(٢) "جهة" من ب.
(٣) "و" ليست في ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "يوجد".
(٥) "هو" من ب.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "إلا بإحدى معان ثلاث".
(٧) "و" ليست في ب.
(٨) سورة الحشر: ٧ - "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب".
[ ٥٩١ ]
• ونحو لفظة "لأجل"- يقال (١): فعلت كذا (٢) لأجل كذا. وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إنما نهيتكم لأجل الدافة" (٣).
• ونحو لفظة (٤) "لأن" - يقول المولى في عذر ضرب (٥) العبد: "إنما (٦) ضربته لأنه عصاني".
• ونحو حرف "اللام" - يقال: "أكرمت فلانًا لإكرامه إياي". ولا يقال: إنه قد يدخل فيما ليس بعلة - يقال: "تأهب للشتاء"، والتأهب (٧) يكون قبل مجيء الشتاء، والعلة لا تكون بعد الحكم، لأنا نقول إنه يدخل (٨) على العلة، لأن مجيء الشتاء علة حاملة على التأهب، فإن (٩) غرض التأهب دفع (١٠) برد الشتاء. والعلة نوعان: علة يثبت بها، الوجوب (١١) والوجود، وعلة هي حاملة على الشيء وداعية إلية، فتكون علة عرضية. والعلة التي يتعلق بها الوجوب والوجود تكون مع الحكم. والعلة العرضية تكون متأخرة وجودًا، ولكنها مقارنة لحكمها عقلا (١٢).
_________________
(١) في ب: "أن يقال".
(٢) "كذا" عن ب.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل كذا "الدابة". والدافة الجيش يدف (يسرع) نحو العدو. والجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد (المعجم الوسيط). انظر بيانه في: مالك، الموطأ، كتاب الضحايا، ففيه: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا" - يعني بالدافة قومًا مساكين قدموا المدينة".
(٤) في ب: "لفظ".
(٥) في ب كذا: "صرف".
(٦) "إنما" من ب.
(٧) "والتأهب" ليست في ب.
(٨) في ب: "دخل".
(٩) في ب: "وإن".
(١٠) كذا في ب. وفي، الأصل: "لدفع".
(١١) كذا في ب. وفي الأصل: "علة هي سبب الوجوب".
(١٢) "والعلة التي يتعلق بها الوجوب لحكمها عقلا" عن ب.
[ ٥٩٢ ]
• ونحو حرف "الباء" الموضوعة للإلصاق، فتستعمل في العلة - يقال "أكرمت فلانًا بإكرامه إياي" أي بسبب إكرامه - قال الله تعالى: "ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (١) ".
- ومنها، ألفاظ تدل على طريق الإشارة والدلالة على العلة (٢):
• نحو (٣) حرف "إن" الوضوعة للتأكيد: تستعمل في العلة (٤)، لأن العلة تؤكد الحكم الثابت بالنص، لما بها يعرف وجه المصلحة والحكمة. قال الله تعالى: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة" (٥). وروي أن محرمًا وقصت (٦) به راحلته فمات، فقاك عليه السلإم: "لا تخمروا (٧) رأسه ولا تقربوه طيبًا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" - جعل كونه ملبيًا علة الامتناع عن تغطية الرأس واستعمال الطيب في حقه.
• و(٨) نحو حرف "الفاء" الموضوع للتعقيب على طريق الوصل. فمتى دخل على فعلين أو شيئين فيدل على أن لأحدهما (٩) تعلقًا واتصالا بالآخر.
ويعرف (١٠) كون أحدهما (١١) علة والآخر حكمًا بدلالة العقل، ولهذا قد يدخل على العلة والسبب، وقد يدخل على الحكم. يقال: "لا تقرب
_________________
(١) سورة البقرة: ٦١. وآل عمران: ١١٢. والمائدة: ٧٨.
(٢) و(٣) "ومنها - ألفاظ تدل على العلة" وردت في ب هنا، ولم ترد في الأصل هنا. ولكن في الأصل هنا: "ونحو" - انظر فيما يلي الهامش ٨.
(٣) في هامش الأصل: "إنه يستعمل في اللغة".
(٤) سورة الإسراء: ٣٢.
(٥) وقصت الناقة براكبها رمت به فكسرت عنقه (المعجم الوسيط)
(٦) خمر الشيء غطاه (المعجم الوسيط).
(٧) هنا وردت في الأصل عبارة: "ومنها - ألفاظ تدل على طريق الإشارة والدلالة" - راجع فيما تقدم الهامش ٢، ٣.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "أن لهما".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "وعرف".
(١٠) في ب كذا: "كونه ـحدهما".
[ ٥٩٣ ]
الكلب العقور، فيعضك". ويقال: "لا تمازح اللئيم، فيجترئ عليك". وقال الله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" (١). وقال تعالى (٢): "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق" (٣). وروي أن النبي - ﷺ - سها فسجد. وأن ماعزًا زنى فرجم. ونحو ذلك. ولا يقال إنه يدخل على الشرط والجزاء نحو قوله: "إن دخلت الدار فأنت طالق" لأنا نقول إن الشرط علة استحقاق الجزاء، وهو شرط الوجود، فدخول الدار شرط وقوع الطلاق، وهو علة استحقاق الطلاق على ما عرف في موضعه.
وأما الاستدلال فنوعان: صحيح، ومختلف فيه.
أما الذي هو صحيح:
- فالاستدلال بالتأثير. ونعني به أن يكون لجنس وصف الأصل تأثير في جنس حكم الأصل في موضوع (٤) الشرع، إما بالنص أو بالإجماع، من حيث الأصل، وإن (٥) كان بينهما نوع تفاوت، من حيث القدر والوصف. لأنه إذا كان مثله من كل وجه، لثبوت مثل هذا الحكم، يكون هذا الوصف علة بالنص والإجماع (٦)، لا بالاستدلال. ودلالة ذلك أن العلة ما يثبت لي "الحكم، ويكون لها تأثير في ثبوت الحكم بطريق التسبيب، وإن كان المثبت للأحكام هو الله تعالى على ما ذكرنا.
ولهذا، إن العلة في العقليات ما تكون مؤثرة في ثبوت الحكم، كالحركة: علة لثبوت الذات القائمة به متحركًا (٧)، وكالسواد علة لصيرورة الذات
_________________
(١) سورة المائدة: ٣٨.
(٢) "تعالى" عن ب.
(٣) سورة المائدة: ٦.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "في موضع".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "فإن".
(٦) "والإجماع" عن ب.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "القابم متحركًا".
[ ٥٩٤ ]
القائم به أسود ونحو ذلك. إلا أن ثمة آثارًا محسوسة عرفت بالطرد والعكس عند سبر الأحوال، وههنا آثار شرعية تعرف شرعًا بطريقه، وهو النص والاستدلال. وما ذكرنا (١) من تأثير جنس (٢) هذا الوصف، في ثبوت (٣) جنس هذا الحكم، لا يصلح دليلا (٤) على كون هذا الوصف في الأصل علة أو ركن علة، للحكم المنصوص عليه من بين (٥) سائر الأوصاف، لأن الشرع لما علق جنس ذلك الحكم بجنس هذا الوصف (٦)، كان ذلك (٧) تعليقًا لمثل (٨) ذلك الحكم بمثل ذلك الوصف، إلا أنه لما ورد النص في موضع وأثبت حكمًا من جنس ذلك الحكم من حيث الأصل لكن مخالف (٩) له من حيث القدر والوصف، وفي موضع النص وصف هو (١٠) مؤثر من جنس (١١) ذلك الوصف لكن مخالف (١٢) له من حيث القدر والوصف - علم أنه إنما أثبت (١٣) بهذا الوصف، لكن زيادة الحكم لزيادة وصف مؤثر في إثبات الزيادة، كتأثير (١٤) أصل الوصف في إثبات أصل الحكم، فيكون الحكم (١٥) بأصله ووصفه مضافًا إلى أصل
_________________
(١) في ب: "بطريقه في الجملة وما ذكرنا". فليس فيها: وهو النص والاستدلال". وليست في الأصل كلمة "في الجملة".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "وما ذكرنا من وجود جنس".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "في تعلق ثبوت".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "هذا الحكم به يصلح دليلا".
(٥) في ب: "أو ركن علة الحكم من بين".
(٦) تكررت في ب عبارة: "هذا الحكم بجنس هذا الوصف".
(٧) في ب: "كان هذا".
(٨) في ب: "بمثل".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "مخالفًا".
(١٠) "هو" ليست في ب.
(١١) كذا في ب. وفي الأصل: "في جنس".
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل: "مخالفًا".
(١٣) في ب: "يثبت".
(١٤) كذا في ب. وفي الأصل: "كإثبات".
(١٥) "فيكون الحكم" من ب.
[ ٥٩٥ ]
العلة ووصفها (١)، ولأن هذا الحكم في النص ثبت عقيب أوصاف فيه، فكان إضافته إلى وصف له أثر في ثبوته في الجملة أولى.
مثاله: إن شهادة المسلم العدل مقبولة بالإجماع، وترجح جانب الصدق على الكذب في شهادته (٢)، لكونه عدلا، لأن العدالة عبارة عن الاجتناب عن (٣) محظور الدين، والكذب محظور الدين، فكان اجتنابه عن جنس المحظورات دليلا على اجتنابه عن الكذب، وإن كان الكذب مخالفًا لغيره من المحظورات، من حيث القدر والوصف. ولكن لما جاء الشرع بقبول شهادة العدل، وجعل صدقه راجحًا، علم أن القبول والرجحان لأجل العدالة، لكونها مؤثرة في جنسه، فأضيف إليها (٤)، لحصوله (٥) عقيب وصف مؤثر في الجملة. ثم قاس أصحابنا ﵏ الذمي العدل، على المسلم، في قبول الشهادة على جنسه ورجحان صدقه على كذبه، باعتبار العدالة (٦)، ولا (٧) تختص بوصف الإسلام، لأن كل واحد من الدينين مانع عن ارتكاب المحظور، فاستويا في الوصف المؤثر، فاستويا في الحكم.
ومثال آخر أيضًا: إن النص جاء بوجوب القطع على السارق، ووجوب (٨) الجلد على الزاني البكر - فتأملنا أن الجزاء ثم وجب لوجود السرقة والزنا، لأنه حكم ثبت عقيب وصف لجنسه أثر في إيجاب جنسه من الجزاء،
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "ووصفه".
(٢) "في شهادته" من ب.
(٣) في القاموس: اجتنبه. وكذا في القرآن الكريم ومثاله: "واجتنبوا الطاغوت" (النحل: ٣٦). راجع الهامش ١٠ ص ٥٦٥.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "إليه".
(٥) كذا في ب: "لحصوله". وهي غير واضحة في الأصل وقد تكون "بحصوله".
(٦) في ب: "عدالته".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "فلا".
(٨) في ب: "وبوجوب".
[ ٥٩٦ ]
فإن وجوب الأجزية عقيب الجنايات مما ورد بها (١) الشرع، فمتى وجب الجزاء المقدر عقيب جناية مقدرة معاومة، علمنا أن السرقة والزنا (٢) علة لذلك الجزاء، فتعين هذا الوصف لكونه علة أو (٣) ركن علة.
ثم الشافعي ﵀ قاس النباش، وهو سارق الكفن، على السارق من الأحياء، لوجود علته. ومنع أصحابنا ﵏ التعدية، لنوع تفاوت أو شبهة تفاوت، احتيالا لدرء الحدود.
ومثال آخر: ولاية النكاح ثبتت للأب والجد في حق الصغر والصغيرة، فقلنا علة ثبوت ولاية إنكاحهما (٤) للأب والجد هي القرابة، والصغر شرط، لأنه ثبت الحكم عقيبهما، ولجنس القرابة أثر في ثبوت جنس الولاية، وهي (٥) الولاية في المال، فكان إضافة الحكم إلى الوصف الذي لجنسه أثر في جنس الحكم، أولى من سائر الأوصاف، فصار علة لظهور أثره. ثم عدى أصحابنا ﵏ الحكم إلى غير الأب والجد من الأقارب،. لوجود مثل ذلك الوصف. وادعى الشافعي ﵀ التفاوت.
وعلى هذا يخرج جميع مسائل الخلاف.
فإن قالوا: قد وجدنا وصفًا في المنصوص عليه، ولجنسه أثر في إثبات جنس ذلك الحكم، ولا يتعلق به الحكم، فلا (٦) يكون علة - قلنا:
_________________
(١) في ب: "به".
(٢) في ب: "الزنا والسرقة".
(٣) في ب: "و".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "إنكاحها"،
(٥) في ب: "وهو".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "ولا".
[ ٥٩٧ ]
- أما (١) على قول من قال بتخصيص العلة، [فـ] لا يلزم، لأنهم يقولون إنه علة، لوجود التأثير، لكن امتنع حكمها لمانع.
- وأما على قول من لا يجوز (٢) وتخصيص العلة، وهو قولنا -[فـ] غير لازم أيضًا، لوجهين:
أحدهما - أن ما ذكرنا حد ركن العلة، لا حد العلة. وإنما تصير علة عند وجود شرائطه، وليس للشرائط أثر الركن، وإنما لها أثر آخر، وتعلقت (٣) بها مصاحة أخرى، فمتى وجد جنس هذا الوصف بدون هذا الحكم، لا يكون نقضًا للعلة. أما لو وجد الوصف مع الشرائط ولم يثبت الحكم يكون نقضًا، وركن العلة بدون الشرائط لا يكون علة، فلم يثبت الحكم، لعدم العلة، لا أن يمتنع الحكم مع قيام العلة، فلا يكون نقضًا ولا تخصيص العلة.
والثاني - أن الوصف مع الشرائط يكون مؤثرًا في ثبوت الحكم، لأن هذا الوصف من حيث الأصل، له أثر في أصل الحكم - عرف ذلك في موضع الشرع، لكن لهذا (٤) الوصف في موضع النص زيادة أثر في الحكم، لزيادة معنى في هذا الوصف، فثبت (٥) هذا الحكم الزائد، فيصير، بأصله ووصفه، علة للحكم (٦) الزائد. وإذا كان المؤثر لأصل الحكم مع الزيادة هو العلة، وهو الوصف الزائد (٧)، فلا يثبت هذا الحكم
_________________
(١) "أما" من ب.
(٢) في ب: "من قال لا يجوز".
(٣) في ب: "وتعلق".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "هذا".
(٥) في ب: "فيثبت".
(٦) في ب: "الحكم".
(٧) في ب: "الوصف مع الزيادة".
[ ٥٩٨ ]
الزائد، بالوصف الذي يثبت أصل الحكم وحده (١) ولا يكون علة، ويكون في معنى بعض العلة، وبعض العلة ليس بعلة، فلا يكون نقضًا وتخصيصًا (٢)، كالزنا مع الإحصان: إذا صار علة لوجوب الرجم، فالزنا وحده لا يثبت به الرجم، لأنه غير مؤثر في وجوب الرجم إلا مع الإحصان، لما أن الزنا، بسبب الإحصان، صار متغلظًا، فيكون مع زيادة الوصف علة لوجوب الرجم، فلا يكون علة بدونه - والله أعلم.
وأما [الاستدلال] المختلف فيه (٣)، فأنواع:
منها - أن الوصف (٤) الصالح إذا كان يوجد الحكم عند وجوده في الأصل، وينعدم عند عدمه، فيكون مطردًا و(٥) منعكسًا - هل يكون علة في الأحكام الشرعية؟ اختلفوا فيه، مع اتفاقهم أنه يكون علة في الأحكام العقلية (٦).
قال بعضهم بأنه يكون علة.
وقال بعضهم بأنه لا يكون علة.
وجه قول الأولين: إن هذا حد العلة في العقليات، فكذا في الشرعيات. فإن الحركة علة صيرورة الذات القائم (٧) به متحركًا،
_________________
(١) "وحده" عن ب.
(٢) في ب: "ولا تخصيصًا".
(٣) راجع ص ٥٩٤.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "اللفظ".
(٥) "و" ليست في ب.
(٦) "مع اتفاقهم أنه يكون علة في الأحكام العقلية" ليست في ب.
(٧) في ب: "القائمة".
[ ٥٩٩ ]
والعلم علة صيرورة (١) الذات القائم (٢) به عالمًا (٣). وهذا لما ذكرنا أن العلة ما يثبت به الحكم، والمثبت في الحقيقة هو الله تعالى في الحقائق والحكميات جميعًا، فإن الجاعل للذات متحركًا هو الله تعالى، ولكن بسبب الحركة. والمثبت للمك في البيع هو الله تعالى (٤)، لكن بسبب البيع - فدل أن الحقائق والشرعيات لا تختلف في هذا المعنى. ثم العلة في الحقائق تثبت بالطرد والعكس، فكذا في الحكميات.
ولا يقال: إن (٥) في الحقائق لا يكتفى بمجرد الطرد والعكس، بل (٦) يشترط مع ذلك أن يستحيل إضافة الحكم إلى غير ذلك الوصف، فإنه يستحيل إضافة كون الذات متحركًا إلى صفة من صفات الذات سوى الحركة. وفي الشرعيات لا يستحيل إضافه ذلك (٧) الحكم إلى غير ذلك الوصف من أوصاف المنصوص عليه، فكيف يقاس الحكمي على الحقيقي؟ لأنا لا نسلم أن ما وراء الطرد والعكس شرط في معرفة الحد والحقيقة في العلل العقلية.
ويمكن تخريج الإشكالات الواردة عليه، على ما يعرف في مسائل الكلام إن شاء الله تعالى (٨).
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "فالعلم صيرورة".
(٢) في ب: "القائمة"
(٣) كذا في ب، وهامش الأصل تصحيحًا. وفي متن الأصل: "علما".
(٤) "ولكن بسبب الحركة الله تعالى" ليست في ب.
(٥) "إن" من ب.
(٦) في ب: "لكن".
(٧) "ذلك" ليست في ب
(٨) "ويمكن تخريج تعالى" من ب.
[ ٦٠٠ ]
وجه قول الآخرين: إن الطرد والعكس ليس بكاف في العقليات. فإن الجوهر يوصف بأنه قائم بالذات: لا يتصور (١) قائم بالذات في الشاهد إلا وهو جوهر، ولا جوهر إلا وهو قائم بالذات، فهو مطرد و(٢) منعكس.
وهو حد فاسد لا يشتمل [على] (٣) الشاهد والغائب: فإن (٤) الله تعالى قائم بالذات وليس بجوهر. ولأن الاطراد (٥) والانعكاس لمعرفة الحقائق، والحقيقة لا تختلف. فأما العلل الشرعية فمبنية على الحكم ومصالح العباد، وإنها تختلف باختلاف الأزمان وأحوال الناس، وذلك لا يعرفه (٦) على الحقيقة إلا خالقهم، فشرع الشرائع وعلقها بأوصاف هي عللها (٧)، وفي الحقيقة دلائل على وجوه الصالح والحكم. ولهذا كانت هذه الأوصاف موجودة قبل الشرع، ولا أحكام (٨) ولا علل، فإنما يعرف علل الشرع بالشرع، والشرع هو النص والاستدلال على الوجه الذي ذكرنا.
ثم كيف يقولون: إن العلة ما يوجد الحكم عند وجوده وينعدم عند عدمه. أو ما يوجد بوجوده وينعدم بعدمه؟
فإن قلتم بالأول - فهو باطل بالشرط: فإنه يوجد الحكم أو العلة عند وجوده، وينعدم عند عدمه، وليس بعلة.
_________________
(١) "يتصور" ليست في ب.
(٢) "و" من ب.
(٣) في المعجم الوسيط: "اشتمل على كذا: احتواه وتضمنه. وفي التنزيل العزيز: "أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين" الأنعام: ١٤٣ و١٤٤.
(٤) في ب: "بأن".
(٥) في ب: "بجوهر وبعد التسليم فلأن الاطراد".
(٦) كذا في ب: "لا يعرفه". وفي الأصل: "لا يعرف".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "بأوصاف في عللها".
(٨) في ب: "الشرع والأحكام".
[ ٦٠١ ]
وإن قلتم بالثاني - فربما يستقيم هذا في العقليات، فأما في الشرعيات [فـ] العكس ليس بشرط بالإجماع، فإنه يجوز أن يكون الحكم ثابتًا بعلل، كإباحة القتل: يثبت بالردة، وقتل العمد، وزنا المحصن، ونحو ذلك.
يبقى قولكم: يوجد عند وجوده أو يوجد بوجوده: فالأول (١) باطل بالشرط. والثاني ممنوع (٢) أنه يوجد بوجوده، فإن في النص أوصافًا يوجد الحكم عقيب الكل، فلم يتعين (٣) هذا الوصف لوجود الحكم بوجوده، من بين سائر الأوصاف، وليس البعض أولى (٤) من البعض في هذا المعنى، فما لم يبين منى آخر لا يستقيم هذا الكلام (٥)، وإن بين (٦) بطل دعواه. وإن كان وجوده بوجود الكل فإنه لا يحتفل التعدية (٧) إلى موضع آخر، لأنه لا يتصور أن يكون مثله من كل وجه.
ومنها - أن يختلف القايسون في مسألة على أقوال معلومة، وعلل كل واحد الأصل بعلة، فبإبطال الواحد علل الخصوم - هل يحكم بصحة علته أم لا؟ فقد اختلف فيه:
قال بعض الفقهاء من أصحابنا ﵏ ينظر:
إن اتفق أهل الاجتهاد على كون الأصل معلولا، ثم بين كل واحد ممن خالف، علة لقوله، فمن أبطل علة الخصوم كلهم، تتعين علته للصحة.
_________________
(١) في ب: "والأول".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "فممنوع".
(٣) في ب: "فلم تعين".
(٤) في ب: "بأولى".
(٥) في ب: "الحكم".
(٦) في ب كذا: "ـين".
(٧) في ب: "التعدي به".
[ ٦٠٢ ]
وإن قال بعض المخالفين منهم: إن الأصل غير معلول، بل الحكم ثابت بالنص أو الإجماع غير معقول المعنى. وغيره من المخالفين قالوا بأنه معلول، وبين كل واحد علته، وادعى صحتها، فمتى أبطل علل المخالفين لا تصح علته.
وقال بعض أصحاب الشافعي بأن إبطال علل المخالفين كاف لصحة (١) علته في الحالين.
وقال أهل التحقيق من أصحابنا: إنه لا تصح العلة بإبطال علة المخالفين.
وجه قول الأولين: إنهم لما اتفقوا على كون النص معلولا، فقد ثبت بإجماع أهل الإجماع أن (٢) العلة واحدة مما ذكروها، وخروج الحق عن الإجماع باطل، كما لا يجوز الخروج عن أقوال الصحابة ﵃ في مسألة بالاتفاق (٣). وكما لا يجوز الخروج عن أقوال المخالفين من أهل العصر عند الأكثرين، وهو قولنا، بخلاف ما إذا كان الأصل غير معلول عند بعضهم، فإنه يجوز أن يكون الحكم ثابتًا بالنص، مقصورًا عليه، فبطلان العلل كلها لا يؤدي إلى إبطال الإجماع، فإنه لا يعتقد الحق في واحد من عللهم.
وجه قول الفريق الثاني، وهو أن النص، وإن لم يكن معلولا في زعم البعض، فالباقون اتفقوا على كونه معلولا، فهؤلاء اجتمعوا (٤) على كون واحد من عللهم صحيحة، فيجب اعتبار اتفاقهم فيما بينهم، ولا يعتبر
_________________
(١) في ب: "بصحة".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "على أن".
(٣) في ب: "الاتفاق".
(٤) في ب "أجمعوا".
[ ٦٠٣ ]
مخالفة غيرهم في إسقاط اعتبار إجماعهم - ألا ترى أنهم وإن اتفقوا على كون النص معلولا، فأصحاب الظواهر يخالفونهم ولا يقدح مخالفتهم في حجة إجماعهم، فكذلك (١) هذا.
وجه قول الفريق الثالث - وهو أن صحة إحدى العلل بإبطال ما وراءها: إما إن كان باعتبار أنه يؤدي إلى خلاف الإجماع وإلى ذهاب الحق عن إجماع الأمة، أو باعتبار إبطال سائر العلل.
والأول باطل - فإنه لا إجماع. فإن أصحاب الظواهر خالفوهم، فإنهم ينكرون كون النصوص كلها معلولة.
والثاني باطل - فإن إبطال ما وراءها من العلة موجود فيما إذا لم يكن النص معلولا باتفاقهم ولم يدل على صحة العلة، ولأن بطلان سائر العلل: إما أن يثبت بالنص، أو برأي الخصم.
والأول باطل - لأنه لا يتصور النص القاطع قي موضع الخلاف مع أهل الديانة (٢).
والثاني باطل - لأن رأي الواحد محتمل، فلا يكون حجة على الخصوم وإن عجزوا عن تمشية عللهم، لاحتمال أنها صحيحة، لكن لقلة التأمل عجزوا عن معارضة علة الخصم، وعند التأمل على وجهه يظهر بطلان ما ذكروا (٣) من العلة، بخلاف العال العقلية، لأن ثمة (٤) إنما يعرف بطلان ما وراءها من الأوصاف لاستحالة إضافة الحكم إليها، في تعين ضرورة.
_________________
(١) ب: "فكذا".
(٢) في ب كذا: "الدمام".
(٣) في ب: "ما ذكر".
(٤) "ثمة" من ب.
[ ٦٠٤ ]
ومنها - الاطراد والملازمة، وجرياخها في الفروع من غير أن يمنعها (١) نص أو علة أقوى منها في إثبات الحكم، وهذا دليل الصحة عند بعضهم.
والأصح أنه لا يكون دليل صحة العلة.
وهل يكون الاطراد شرط صحة العلة؟ ففيه اختلاف على ما نذكر بين القائلين بتخصيص العلة وبين المنكرين.
وجه قول من اكتفى بالاطراد: أن علل الشرع أمارات ودلالات على الأحكام، والموجب لها هو الله تعالى، وشرط صحة الدليل والأمارة هو الاطراد لا غير، كالأمارات الحقيقية، من المنارة الدالة على المسجد والأعلام الدالة على الطرق.
وجه قول العامة: وهو أن جعل الاطراد دليل صحة العلة (٢) الشرعية يؤدي إلى التناقض في الشريعة، والله تعالى صان الشريعة عن التناقض، لأن الله تعالى جعل نفي التناقض عن القرآن دليلا على أنه من عنده، بقوله (٣) تعالى: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا" (٤). وبيان التناقض: وهو أن أحد الخصمين إذا قال: ما ذكرت من الوصف مطرد في الفروع، فيكون علة لحرمة شيء معين، والآخر يقول: إن ما ذكرت (٥) من الوصف مطرد في الفروع فيكون علة لإباحته، وكل وإحد منهما ينسب علته إلى الشرع، فيؤدي إلى القول بأن الشرع جعل شيثًا واحدًا حلالا وحرامًا في زمان واحد،. فيكون في هذا نسبة التناقض
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: يمنعه".
(٢) في ب: "العلل".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "أنه منه بقوله".
(٤) سورة النساء: ٨٢ - "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا".
(٥) "في الفروع ما ذكرت" ليست في ب.
[ ٦٠٥ ]
إلى الشرع - و(١) هذا محال، بخلاف الأمارات الحسية، فإنها (٢) من العباد، فاحتمال التناقض فيها لا يضر. ولا يقال: إنكم جعلتم دليل صحة العلة هو التأثير، وأحد الخصمين يدعي الحل بعلته، والآخر يدعي (٣) الحرمة بعلته، فقد قلتم بالتناقض، لأنا نقول: كون الوصف مؤثرًا في الحكم أمر شرعي، وكل واحد من الخصمين يدعي كون وصفه مؤثرًا دون وصف (٤) خصمه، ويمكنه (٥) في الجملة بيان أن الوصف الذي يدعي صاحبه مؤثرًا ليس بمؤثر، فمتى جعل ذلك دليلا لا يؤدي إلى التناقض، لأن الصحيح أحدهما، وهو الذي ثبت (٦) تأثيره شرعًا، فأما الاطراد (٧) فأمر حقيقي لا يتصور فيه الإنكار، وبيان أنه ليس بمطرد فيؤدي إلى التناقض لا محالة - فهو (٨) الفرق بينهما. ولأن تفسير الاطراد عندكم هو الجريان في جميع الفروع من غير أن يمنعه مانع من نص مخالف أو معنى معارض. فأما مع قيام المانع، لا يكون مطردًا، فلا يكون حجة. ونحن لا نسلم أنه لا مانع في كل موضع يدعون الاطراد، فيكون دعوى بلا دليل.
فإن قالوا: إنا طردناه في جميع الفروع ولم نجد ما يمنعه، فالخصم يقول: إن لم تجدوا فنحن نجد، وعجزكم عن الوقوف على المانع لا يدل على انتفاء المانع، فما لم تقيموا الدليل على أنه لا مانع لا يستقيم دعوى الاطراد، ولا يمكنكم النفي أصلا.
_________________
(١) "و" من ب.
(٢) في ب: "فإن".
(٣) "يدعي" ليست في ب.
(٤) "وصف" ليست في ب.
(٥) في ب: "وتمكنه".
(٦) في ب: "الذي يثبت".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "الطرد".
(٨) في ب: "فهذا".
[ ٦٠٦ ]
ثم لم قلتم: إن الاطراد وجريان العلة في معلولها دليل الصحة، ولكن عندنا شرط الصحة فبفواته امتنعت (١) الصحة وثبت الفساد، فأما أن يثبت الصحة بالشرط فلا.
قولكم: إن (٢) العلة الشرعية علم ودليل، والاطراد (٣) كاف في الدليل - فنقول: الاطراد كاف لكونه شرط الصحة. أما كونه (٤) دليلا [فـ] إنما يثبت لما (٥) له من وجه الدلالة، كدلالة الدخان على النار. فما لم يثبت وجه الدلالة في العلة على الحكم، لا يثبت العلة، وإن وجد شرط الصحة، والكلام فيه وقع.
ومنها - أن كون الوصف مخيلا كاف، هل يكفي لكونه علة؟
قال بعض أصحاب الشافعي: إنه كاف. أما كونه مؤثرًا، فيكون (٦) مؤكدًا.
ثم فسر بعضهم أن المخيل: ما له خيال الصحة.
و(٧) هذا التفسير فاسد، لأن الحكم لا يثبت إلا بالعلة الصحيحة قطعًا أو غالبًا. فأما ما له احتمال الصحة فلا.
وفسر بعضهم المخيل: أن يكون العقل لا يحيله (٨) بأن يكون علة الحكم،
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل كذا: "الصحة، فنقول: إنه امتنعت".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "بأن".
(٣) في ب: "ودليل لاطراد".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "لكونه".
(٥) في ب: "بما".
(٦) في ب: "يكون".
(٧) في ب هكذا: "ألا وهذا".
(٨) في ب: "لا يخيله"، والظاهر "لا يحيله"، أي لا يجعله محالا.
[ ٦٠٧ ]
بل (١) يستحسنه لموافقة وملاءمة بينهما، وإن لم يكن لجنس ذلك الوصف أثر في جنس ذلك (٢) الحكم في أصول الشرع. ولكن مع هذا لا يجوز أن يكتفى به، لأن الكلام في العلة الشرعية يجب أن يطلب حجته (٣) من الشرع، لا من العقل وحده، والشرع هو النص والاستدلال، فلا يجوز الحكم بكون الوصف علة شرعًا إلا بهذين الطريقين - والله أعلم.
ومنها - قياس الشبه.
وكل قياس لابد فيه من الشبه بين الأصل والفرع، حتى يكون (٤) قياسًا. ومطلق الشبه ليس بكاف، فإنه (٥) ما من موجودين حادثين (٦) إلا وبينهما نوع مشابهة. لكن القياس الصحيح أن يكون بينهما مشابهة (٧) بوصف مؤثر، والقياس الفاسد أن يكون بينهما مشابهة إما من حيث الصورة أو من حيث الأحكام من غير تأثير في إثبات الحكم (٨)، ثم صار هذا الاسم مختصًا بقياس بين شيئين بينهما شبه بشيء غير مؤثر في الحكم أصلا.
ثم اعتبر بعض العلماء الشبه من حيث الصورة، حتى قاس الجلسة الأخيرة في الصلاة ذات الأربع، بالجلسة الأولى، في أنها (٩) غير واجبة، وقال: هذه جلسة مشروعة في الصلاة، يجب أن لا تكون واجبة، قياسًا على الجلسة الأولى.
_________________
(١) في ب: "بان".
(٢) "ذلك" من ب.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "صحته".
(٤) في ب: "يسمى".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "فإن".
(٦) "حادثين" من ب.
(٧) في ب: "مشابهًا".
(٨) في ب: "الأحكام".
(٩) في ب: "فإنها".
[ ٦٠٨ ]
وروي عن الشافعي ﵀ أنه قال: المعتبر هو الشبه بالأحكام، حتى قال: قيمة العبد يجب (١) بالغة ما بلغت، لأن العبد أشبه بالأموال (٢) في الأحكام الكثيرة، ويشبه الأحرار في قليل من الأحكام، فيجب اعتبار كثرة الشبه في الأحكام.
ولكن الصحيح قولنا - وهو أنه يجب أن يعتبر الشبه بكل ماله تأثير في الحكم، سواء كان وصفًا أو حكمًا، فإن كون البر مطعومًا أو مكيلا من باب الوصف دون الحكم، لا أنه هو الشبه الذي له أثر في الحكم، في الجملة.
وكذلك القول بالشبهين: فاسد، لما ذكرنا.
وبعض مشايخنا اعتمدوا على الشبهين، لكن يجب أن يكون لكل شبه أثر، فحينئذ يجوز القول به.
فصل - في الفرق بين العلة والسبب والدليل (٣):
فقد ذكرنا تفسير العلة والدليل في اللغة وعرف الفقهاء (٤).
فأما السبب:
في اللغة -[فـ] عبارة عن الطريق، قال الله تعالى: "ثم أتبع سببًا" (٥) أي الطريق. وقال الله تعالى خبرًا عن فرعون: "لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات" (٦) أي أبوابها. ويسمى الحبل سببًا، لأنه طريق يتوصل
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "يبلغ".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "الأموال".
(٣) هذا هو الفصل الخامس "في بيان ركن القياس" - راجع فيما سبق ص ٥٧٣ - ٥٧٤.
(٤) راجع فيه، تقدم ص ٥٧٤ وما بعدها و٥٧٩ وما بعدها.
(٥) سورة الكهف: ٨٩ و٩٢.
(٦) سورة غافر: ٣٦ و٣٧ - "وقال فرعون ياهامان ابن لى صرحًا لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات فأطلع إلي إله موسى وإني لأظنه كاذبًا ".
[ ٦٠٩ ]
به إلى الماء. ويسمى الطريق سببا أيضًا (١)، لأنه يتوصل به إلى الموضع المقصود.
وأما في عرف الفقهاء - فهو مستعمل فيما هو موضوع [في] اللغة، وهو ما يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به، كالحبل الذي هو سبب يتوصل به إلى الماء، وإن كان يحصل الوصول بالاستقاء. وكذلك الطريق يتوصل به الى المقصد، وإن كان الوصول يحصل (٢) بالمشي، لا به.
- بخلاف العلة: فإنها اسم لما يثبت به (٣) الحكم، كالمشي (٤) والاستقاء: علة للوصول (٥).
- وبخلاف الدليل: فإنه اسم لما يعرف بسببه المدلول، فكان (٦) طريقًا إلى (٧) معرفة المدلول، وعلة (٨) حصول العلم والمعرفة بالمدلول هو الاستدلال، فيكون قريبًا من السبب في الأحكام.
ويجوز أن يسمى العلة دليلا، لأنه يحصل بواسطته العلم بالحكم في الفروع عند الاستدلال الذي هو العلة، ويسى سببًا لهذا - والله أعلم.
فصل - في تقسيم العلة والسبب والدليل (٩):
فنقول:
_________________
(١) "أيضًا" ليست في ب.
(٢) "يحصل" من ب.
(٣) في ب: "له".
(٤) في ب: "فكالمشي".
(٥) في ب: "الوصول".
(٦) في ب: "وكان".
(٧) كذا ب. وفي الأصل: "في".
(٨) في ب: "وعليه".
(٩) هذا هو الفصل السادس: "في بيان ركن القياس" - راجع فيما سبق ص ٥٧٣ - ٥٧٤.
[ ٦١٠ ]
ذكر القاضي الإمام (١) أبو زيد الدبوسي ﵀ وقال: إن العلة أقسام أربعة:
• علة اسمًا ومعنى وحكمًا - نحو الببيع البات، والعتاق النافذ، والطلاق المنجز.
• وعلة اسمًا لا معنى ولا حكمًا - نحو الطلاق المعلق بالشرط، واليمين في حق وجوب الكفارة قبل الحنث. فإنه يسمى طلاقًا، والأثر والحكم معدوم للحال.
• وعلة اسمًا ومعنى لا حكمًا - تحو البيع بشرط الخيار: فإنه يسمى بيعًا، وهو المؤثر في إثبات الحكم، لكن امتنع الحكم لمكان الخيار في الحال (٢).
• وعلة اسمًا وحكمًا لا معنى - نحو السفر في إثبات الرخصة. فإن السفر يسمى مبيحًا ومرخصًا والحكم يضاف إليه، وهو ثبوت الرخصة والإباحة، والمعنى معدوم: فإن المؤثر في ثبوت الرخصة هو المشقة، لكن السفر أقيم مقامها (٣) تيسيرًا.
ثم قسم السبب على أربعة أقسام أيضًا:
الأول - سبب اسمًا وحقيقة ومعنى: وهو السبب المحض. وهو ما (٤) يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به على ما ذكرنا. ونظيره من الشرعيات: دلالة السارق على سرقة مال إنسان فسرق، وحبس الفار من القاصد قتله حتى أدركه وقتله، فإن الدلالة والحبس سبب محض، لأنه اعترض عليه فعل فاعل مختار.
_________________
(١) في ب: "ذكر الإمام القاضي الزاهد أبو زيد". وقد تقدمت ترجمته في الهامش ٧ ص ٧٥.
(٢) "في الحال" ليست في ب.
(٣) في ب: "مقام المشقة".
(٤) في ب: "وهو أن"
[ ٦١١ ]
والثاني - ما هو سبب اسمًا وصورة، لا معنى وحقيقة. نحو الطلاق المعلق، والنذر المعلق، واليمين في حق وجوب الكفارة - فإن التعليق سبب لوقوع الطلاق عند الشرط. وكذا اليمين سبب لصيرورته علة عند الحنث. ولكن (١) من حيث الصورة دون المعنى، فإنه ليس فيه معنى الإفضاء والتوصل، بل هو المانع عن الحكم للحال، ولكن تصور (٢) بصورته، لأنه لولاه لما ثبت الحكم عند وجود الشرط، ولكنه سبب يصير (٣) في معنى العلة، فإن الكلام الأول يصير علة عند الشرط، ويضاف الحكم إليه دون الشرط.
والثالث - السبب الذي هو علة العلة. وهو في الحقيقة موجب للحكم، إلا أنه إنما يوجب بواسطة العلة الأخيرة، والحكم وجب بالأخيرة، فصارت العلة الأخيرة مع حكمها، حكمين للعلة الأولى: فمن حيث إن العلة الأخيرة مع حكمها حصلت بالأولى، كانت هي العلة الموجبة حقيقة. ومن حيث إنها لا (٤) تعمل في ثبوت الحكم ألا بواسطة الأخيرة سميت سببًا. ونظيره: الرمي إذا اتصل به الموت، فإن الموت يضاف إلى الرمي بوسائط (٥). وكذا شراء القريب: يفيد الملك، والملك يفيد العتق، فيضاف إلى الشراء، لأنه علة العلة.
والرابع - السبب الذي هو علة معنى. و(٦) هو الذي يرجب الحكم بنفسه بلا واسطة علته (٧)، لكن الحكم في حال وجوده لم يثبت، لعدم (٨)
_________________
(١) في ب: "ولكنه".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل غير واضحة.
(٣) "يصير" من ب.
(٤) "لا" ليست في ب.
(٥) في ب: "بواسطة".
(٦) "و" من ب.
(٧) في ب: "علة أخرى".
(٨) في ب: "بعدم".
[ ٦١٢ ]
تمامه، بانعدام وصفه، لا بعدم بعضه، كعلة ذات أوصاف (١). فإذا وجد الوصف، والوصف لا يقوم بنفسه، فيقوم بالعلة، فيجب الحكم عند وجود وصفه مستندًا إلى العلة بوصفه، ويكون هو الموجب دون وصفه، فيكون علة من حيث هو الموجب، ويكون سببًا من حيث إنه لم يوجب للحال (٢) ما لم يوجد وصفه، وهو كالنصاب: علة الوجوب، لكن لا (٣) يوجب بدون صفة النماء. فمتى وجد وصف النماء، صار علة للحكم من الأصل، لاستناد الوصف إلى الأصل. وكذا في مرض الموت، وغيره (٤) من النظائر.
وهذا الفصل الأخير مشكل.
هذا (٥) بيان ما قاله القاضي الإمام أبو زيد الدبوسي (٦) ﵀ على الاختصار في تقسيم العلة والسبب والموانع (٧).
ولكنا نقول: هذه التقاسيم إنما تستقيم على قول من يقول بتخصيص العلة، فإن عندهم يجوز أن تكون العلة موجودة ولا يثبت الحكم لمانع (٨)، والموانع تختلف (٩) على قيلهم، وتنقسم أربعة أقسام (١٠):
• مانع يدخل في نفس العلة، فيمنع عن الانعقاد، كما في الطلاق المعلق.
• ومانع يدخل في الحكم دون العلة، كما في البيع بشرط الخيار.
_________________
(١) "كعلة ذات أوصاف" من ب.
(٢) في ب: "في الحال".
(٣) "لا" من ب. وغير واضحة في الأصل.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل غير واضحة.
(٥) "هذا" من ب. وهي في الأصل غير واضحة - وقد تقرأ "هو". أو "هذا".
(٦) "الدبوسي" من ب.
(٧) "في تقسيم والموانع" من ب.
(٨) في ب: "المانع".
(٩) في ب: "مختلفة".
(١٠) "وتنقسم أربعة أقسام" من ب.
[ ٦١٣ ]
• ومانع يمنع تمام العلة مع وجود أصلها وركنها، كملك النصاب ونحوه.
• ومانع يمنع تمام الحكم، مع أن العلة أوجبت أصل الحكم، كما في خيار الرؤية والعيب، فإن ثمة الملك ثابت والبيع نافذ لكنه غير لازم.
فأما على قول من لا يجيز (١) - تخصيص العلة، وهو قولنا، [فـ] العلة في الحقيقة شيء واحد، وهو ما يثبت به إلحكم. والسبب شيء واحد وهو ما يتوصل به إلى الحكم، من غير أن يضاف ثبوته إليه. وما يضاف الحكم إليه، مما يسمى سببًا، فهو علة في الحقيقة، وتسميته سببًا يكون (٢) بطريق المجاز.
وإنما (٣) يصح التقسيم عندنا على اعتبار تقسيم الحكم، غير أن الحكم قد يكون ظاهرًا، وقد يكون خفيًا لا دليل على وجوده للحال:
- فإن كان الحكم ثابتًا حال وجود السبب، فهو علة. كالبيع البات.
- وإن وجد الحكم بعد وجود فعل العبد باختيار - (٤) منه، مقصورًا على حال ثبوته، يكون الفعل سببًا من وقت وجوده، ويصير علة عند وجود الحكم، مقصورًا عليه، كما في التدبير والاستيلاد.
- وإن ظهر الحكم من وقت وجود الفعل، بعد ما كان خفيًا، يكون علة من ذلك الوقت، ويسمى سببًا مجازًا.
_________________
(١) في ب: "لا يجوز".
(٢) "يكون" ليست في ب.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "فإنما".
(٤) "باختيار" ليست في ب.
[ ٦١٤ ]
- وإن ثبت الحكم مقصورًا على حال وجوده من وجه وظهر (١) من وجه من وقت وجود الكلام:
• فمن الوجه الذي اقتصر: يكون سببًا من حين (٢) وجود الكلام، ويتم علة من وقت وجود (٣) الحكم.
• ومن الوجه الذي ظهر: من وقت وجود الكلام، يكون علة من وقت وجوده، ويكون سببًا من الوجه الذي اقتصر، فيجب التقسيم على هذا الوجه احترازًا عن القول بتخصيص العلة والله أعلم.
[٦]