نقول (٢): لصحة الإجماع شرائط: بعضها متفق (٣) عليه، وبعضها مختلف فيه:
منها - أن اجتماع جميع أهل الاجتهاد وقت نزول الحادثة شرط صحة الإجماع عند عامة العلماء، حتى لا ينعقد إجماع الصحابة إذا كان فيهم (٤) مخالف واحد من أهل الاجتهاد. وكذا في إجماع كل عصر.
وقال بعضهم: إن اجتماع الأكثر من أهل الاجتهاد شرط، ولا عبرة لمخالفة الأقل.
فهم (٥) احتجوا:
- بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "عليكم بالسواد الأعظم". وقال ﵇: "عليكم بملازمة الجماعة". وقال ﵇: "من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من (٦) عنقه". ولا شك أنه ليس المراد به الكل.
- ولأن قول الواحد إذا كان مخالفًا لقول جميع أهل (٧) عصره يسمى (٨) قولا شاذًا، ويسمى (٩) المخالف أيضًا شاذًا، وإنه اسم ذم وتعيير على
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "صحة الإجماع". راجع ص ٤٨٩.
(٢) في ب: "فنقول".
(٣) في أ: "مختلف".
(٤) في ب: "منهم".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "هم".
(٦) في أ: "عن".
(٧) "أهل" من (أ) و(ب).
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "سمي".
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وسمي".
[ ٤٩٣ ]
ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال (١): "من شذ شذ في النار". ولو كان مخالفته جائزًا للجماعة عند مخالفة اجتهاده اجتهادهم، لم يكن لهذا الوعيد الشديد معنى.
- ولأن الصحابة ﵃ أنكروا على ابن عباس ﵁ في انفراده بإباحة (٢) ربا الفضل، حتى روي أنه رجع إلى قولهم.
- ولأن إجماع أهل العصر حجة في هذا العصر، كما هو حجة فيما بعده من الأعصار، فلابد من أن يكون فيه من يخالفهم، حتى يكون حجة في حقه (٣) - وذلك فيما قلنا.
وأما (٤) عامة العلماء [فقد] احتجوا وقالوا:
- إنما عرفنا كون الإجماع حجة بالدلائل السمعية من نحو (٥) قوله تعالى: "ويتبع غير سبيل المؤمنين" (٦). وقوله تعالى. "كنتم خير أمة أخرجت للناس" (٧). وقوله ﵇: "لا تجتمع أمتى على الضلالة" (٨). وهذه النصوص تتناول (٩) كل أهل الإجماع، فإن أكثر الأمة بعض المؤمنين لا كلهم، وكذا بعض الأمة. واسم "الأمة" واسم "المؤمنين" للكل بطريق الحقيقة، لأن إطلاق اسم البعض على الكل بطريق المجاز - ألا ترى أن من قيل بعد خلاف الواحد أو الاثنين إن هؤلاء ليسوا كل الأمة (١٠)
_________________
(١) "أنه قال" من (أ) و(ب).
(٢) في ب: "﵄ بإباحته". وفي المعجم الوسجط: أنكر على فلان فعله: عابه ونهاه.
(٣) في ب: "في حقهم".
(٤) الواو من ب.
(٥) "نحو" من أ.
(٦) سورة النساء: ١١٥ - "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا".
(٧) سورة آل عمران: ١١٠ - "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"
(٨) في ب: "ضلالة".
(٩) في في (أ) و(ب). وفي الأصل: "يتناول".
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أمة".
[ ٤٩٤ ]
ولا كل المؤمنين، يكون صادقًا في مقالته، ولو كان اسم الكل يقع على الأكثر بطريق الحقيقة، لكان هذا القائل في هذا الإخبار كاذبًا.
- ولأن في (١) الصحابة من تفرد بأقاويل خالف فيها جميع الصحابة، كتفر د ابن عباس وابن مسعود ﵄، بمسائل في (٢) الفرائض، وغيرهما، ولم ينكر عليهم أحد. ولو انعقد الإجماع بقول الأكثر، صار قول الأقل خلاف الإجماع، في جب أن ينكروا عليهم. وكذا لا يظن بالصحابي أيضًا أنه (٣) يخالف الإجماع. فكان (٤) هذا (٥) إجماعًا من الصحابة على (٦) أن الإجماع لا ينعقد إلا باجتماع كل أهل الاجتهاد، وقت الإجماع، وإجماع الصحابة (٧) حجة قاطعة.
وأما إنكار الصحابة على ابن عباس، [فـ] ليس (٨) لأنه تفرد بالخلاف للصحابة، ولكن لأنه خالف الحديث الوارد في الباب، وهو حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أنه - ﷺ - قال (٩): "الحنطة بالحنطة" (١٠)، ولم يشاور الصحابة، حتى عرف الحديث، ولهذا رجع لما بلغه الحديث.
_________________
(١) في (أ) و(ب): "من".
(٢) في ب: "من".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "أن".
(٤) في أ: "وكان".
(٥) في ب: "هو".
(٦) "على" ليست في ب.
(٧) في أ: "الصحابى".
(٨) زاد في أهنا: "بإنكار".
(٩) "أنه قال" من أ. وفي ب: "إن".
(١٠) والحديث كما في السرخسي (المبسوط، ١٢: ١١٠): " الذهب بالذهب، مثل بمثل، يدًا بيد - والفضل ربا. والفضة بالفضة، مثل بمثل، يدًا بيد - والفضل ربا. والحنطة بالحنطة، مثل بمثل، يدًا بيد - والفضل ربا. والملح بالملح، مثل بمثل، يدًا بيد - والفضل ربا. والشعير بالشعير، مثل بمثل، يدًا بيد - والفضل ربا. والتمر بالتمر، مثل بمثل، يدًا بيد - والفضل ربا. فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد". وانظر حديث عبادة بن الصامت ﵁ في الهامش ١٣ ص ٢٦٦.
[ ٤٩٥ ]
- وأما المعقول، فهو (١) أنه يحتمل أن الحق مع الأكثر، ويحتمل أنه مع الأقل، لأن اجتهاد كل مجتهد يحتمل الصواب والخطأ، والمحتمل لا يكون حجة. وإنما عرفنا زوال الاحتمال وثبوت الصواب بيقين في إجماع (٢) جميع أهل الاجتهاد، بالدلائل السمعية، وهي واردة في كل مجتهدي أهل العصر، فيجب العمل بالاحتمال فيما لم يرد فيه النصوص.
- وأما قوله ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم" وسائر الأحاديث (٣) - فهي من جملة الآحاد، وهي غير مقبولة في باب الاعتقاد، والمسألة اعتقادية. ثم نقول:
• [أولا]- المراد من "السواد الأعظم" و"الجماعة" المعرفة بالألف واللام (٤) هو كل [من في] العصر من أهل الإجماع دون الأكثر، فإن النصف من أهل العصر إذا زيد على النصف الآخر (٥)، بواحد أو اثنين أو ثلاثة، فإنه لا ينطلق عليه اسم السواد الأعظم، وإن كان أكثر بمقابلة النصف الآخر - دل أن المراد من "السواد الأعظم" هو الكل الذي هو أعظم من الجزء المقابل له، ويجب الحمل عليه حتى يكون توفيقًا بين الدلائل السمعية كلها (٦).
• والثاني - إن المراد من كل تابعة السواد الأعظم، الأكثر (٧) دون الأقل، فيما إذا وجد الإجماع من جميع أهله ثم خالف البعض، لشبهة اعترضت لهم: أنه يجب متابعة الأكثر دون الأقل، لأن رجوعهم ليس بصحيح بعد
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وهو".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "في اجتماع"
(٣) راجع فيما تقدم ص ٤٩٣.
(٤) في أ: "المعرفة باللام"
(٥) "الآخر" من (أ) و(ب).
(٦) قال البزدوي في أصوله (٣: ٢٤٦): "وتأويل قوله ﵇ "عليكم بالسواد الأعظم " هو عامة المؤمنين وكلهم، ممن هو أمة مطلقًا" وقال البخاري عليه: "وذكر في الميزان أن المراد من السواد الأعظم هو الكل الذي هو أعظم مما دون الكل ويجب الحمل عليه توفيقًا بين الدلائل السمعية كلها". وانظر الهامش ٤ ص ٤٩٨ - ٤٩٩.
(٧) "الأكثر" من أ.
[ ٤٩٦ ]
صحة الإجماع وانعقاده. وهو الجواب عن قوله - ﷺ -: "من شذ شذ في النار" لأن الشاذ اسم لمن خالف بعد الموافقة: يقال "شذ البعير وند" إذا توحش بعدما كان أهليًا (١) - وبه نقول.
- فإن (٢) قالوا: إن قوله ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم" يقتضي أن يكون السواد الأعظم حجة على من ليس هو من السواد (٣) الأعظم، فإن المخاطب لا يدخل تحت الذين أمر بملازمتهم والمتابعة لهم - فنقول: المراد بالسواد الأعظم هو جميع أهل العصر لما ذكرنا. ويجوز أن يكون السواد الأعظم حجة على من يأتي بعدهم من العصر الثاني ممن هم (٤) أقل عددًا من الأول، فسمي الأول السواد الأعظم - وهو الجواب عن الكلام الأخير: أن إجماع أهل العصر حجة في (٥) هذا العصر، فيجب أن يكون فيهم من يخالفهم حتى يكون حجة عليهم، لأنا نقول: يجوز أن يكون حجة على من بعدهم من الأعصار، إن لم يكن حجة على أحد في حق هذا العصر - والدليل عليه أنه لو كان من شرط صحة الإجماع من أهل العصر أن يكون حجة على مخالف في ذلك العصر، لوجب أن يقال: إن (٦) أهل العصر إذا أجمعوا كلهم على قول ولم يخالف أحد في ذلك، ينبغي (٧) أن لا يكون هذا الإجماع حجة، لعدم شرطه (٨) الذي ذكرتم (٩).
_________________
(١) قال البخاري في كشف الأسرار (٣: ٢٤٦ - ٢٤٧): " أو المراد من متابعة السواد الأعظم متابعة الأكثر، ولكن فيما إذا وجد الإجماع من جميع أهله ثم خالف البعض، بشبهة اعترضت لهم، لأن رجوعهم ليس بصحيح بعد صحة الإجماع وانعقاده. وهو الجواب عن قوله: "من شذ شذ في النار" لأن الشاذ من خالف بعد الموافقة يقال: "شذ البعير وند" إذ توحش بعد ما كان أهليًا". وانظر الهامش ٤ ص ٤٩٨ - ٤٩٩.
(٢) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "إن".
(٣) في ب: "من أهل السواد".
(٤) كذا في (أ) و(ب). رفي الأصل: "هو".
(٥) في ب: "في بيان هذا العصر".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأن".
(٧) "ينبغي" من أ.
(٨) في ب: "شرط".
(٩) في هامش أ: "كما تقدم من قولهم: فلا بد من أن يكون فيه من يخالفهم حتى يكون حجة في حقه". انظر فيما يلي الهامش ٤ ص، ٤٩٨ - ٤٩٩.
[ ٤٩٧ ]
على أنا نقول: يجوز أن يكون حجة على كل واحد (١) من آحاد هذا العصر، في حق منعهم من الرجوع عن هذا القول وتحريم ذلك عليهم. ويكون قوله "عليكم" خطابًا لكل واحد منهم. أو نقول: إن إجماعهم حجة عليهم في حق وجوب العمل والاعتقاد لهذ (٢) الإجماع وتحريم ترك العمل به، وهذا لأن الإجماع حجة لله (٣) تعالى على كل كل مكلف من عباده، في حق وجوب العمل والاعتقاد بموجبه (٤).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أحد".
(٢) في (أ) و(ب): "بهذا".
(٣) في ب: "الله".
(٤) زاد في (أ) و(ب): "والله أعلم". قال السرخسي في أصوله (١: ٣١٥ - ٣١٧): " ولكنا نقول: بعد ما ثبت الإجماع موجبًا للعلم باتفاقهم فليس لأحد أن يظهر خلاف ذلك برأيه، لا من أهل ذلك العصر ولا من غيرهم، كما لا يكون له أن يخالف النص برأيه، وهذا بخلاف رأيه قبل انعقاد الإجماع، لأن الدليل الموجب للعلم لم يتقرر هناك، فكان قوله معتبرًا في منع انعقاد الإجماع وكان الكرخي ﵀ يقول: شرط الإجماع أن يجتمع علماء العصر كلهم على حكم واحد، فأما إذا اجتمع أكثرهم على شيء وخالفهم واحد أو اثنان لم يثبت حكم الإجماع. وهذا قول الشافعي ﵀ أيضًا قال ﵁: والأصح عندي ما أشار إليه أبو بكر الرازي ﵀ أن الواحد إذا خالف الجماعة: فإن سوغوا له ذلك الاجتهاد لا يثبت حكم الإجماع بدون قوله. . وإن لم يسوغوا له الاجتهاد وأنكروا عليه قوله فإنه يثبت حكم الإجماع بدون قوله والدليل على صحة هذا القول قوله ﵇: "يد الله مع الجماعة فمن شذ شذ في النار" وقال ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم" يعنى ما عليه عامة المؤمنين، ففي هذا إشارة إلى أن قول الواحد لا يعارض قول الجماعة، ولأنا لو شرطنا هذا أدى إلى أن لا ينعقد الإجماع بدًالأنه لابد أن يكون في علماء العصر واحد أو اثنان ممن لم سمع ذلك الفتوى أصلا وممن يرى خلاف ذك. وإنما كان الإجماع حجة باعتبار ظهور وجه الصواب فيه بالاجتماع عليه، وإنما يظهر هذا في قول الجماعة لا في قول الواحد - ألا ترى أن قول الواحد لا يكون موجبًا للعلم وإن لم يكن بمقابلته جماعة يخالفونه وقول الجماعة موجب للعلم إذا لم يكن هناك واحد يخالفهم، فكذلك مع وجود هذا الواحد، لأن قوله لا يعارض قولهم، بخلاف ما إذا كان على كل قول جماعة فهناك المعارضة تتحقق. والمر اد من قوله ﵇: "بأيهم اقتديتم اهتديتم" إذا لم يكن هناك دليل موجبًا للعلم، بخلاف قول من يهتدي به، ألا تر أنه إذا كان نص هناك نص بخلاف قول الواحد لم يجز اتباعه ولم يكن هذا الحديث متناولا له ". وقال البزدوي في أصوله (٣: ٢٤٦): "وتأويل قوله ﵇: عليكم بالسواد الأعظم - هو عامة المؤمنين وكلهم ممن هو أمة مطلقًا" - وقال البخاري عليه (كشف الأسرار، ٣: ٢٤٦ - ٢٤٧): قوله (وتأويل قوله ﵇) جواب عن تمسك الخصم فقال المراد من السواد الأعظم عامة المؤمنين أي =
[ ٤٩٨ ]
مسألة - ويبتنى (١) على هذامن بلغ درجة الفتوى الاجتهاد في زمن الصحابة من التابعين - هل ينعقد إجماع الصحابة مع خلاف واحد منهم؟
على قول عامة العلماء: لا (٢) يرزرقد، لما ذكر نا أن الدلائل التي توجب كون (٣) الإجماع حجة لا توجب الفصل بين مجتهد ومجتهد، حال نزول الحادثة، بل يشترط اجتماع الكل على الجواب، على ما نذكر.
وقال بعضهم: إن خلافهم لا يمنع انعقاد إجماع الصحابة.
واحتجوا بما روي (٤) عن عائشة ﵂ أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف خلافه على (٥) الصحابة في بعض
_________________
(١) = جميعهم ولهذا قال "وكلهم" تفسيرًا وتأكيدًا للعامة لأن هذا اللفظ يطلق على الأكثر ممن هو أمة مطلقة أي ممن هو من الأمة على الإطلاق وهم المؤمنون الذين ليس فيهم أهواء وبدع فإن الكفار وأهل الأهواء ليسوا الأمة على الإطلاق بل هم أمة دعود لا أمة متابعة. وذكر في الميزان المراد من السواد الأعظم هو الكل الذي هو أعظم مما دون الكل ويجب الحمل عليه توفيقًا بين الدلائل السمعية كلها أو المراد من متابعة السواد الأعظم متابعة الأكثر ولكن فيما إذا وجد الإجماع من جميع أهله ثم خالف البعض في بشبهة اعترضت لهم لأن رجوعهم ليس بصيح بعد صحة الإجماع وانعقاده. وهو الجواب عن قوله "من شذ شذ في النار" لأن الشاذ من خالف بعد الموافقة يقال "شذ البعير وند" إذا توحش بعد ما كان أهليًا. فإن قيل: هذا الحديث يقتضي أن يكون السواد الأعظم حجة على غيرهم إذ المخاطب لا يدخل فيمن أمر بملازمتهم واتباعهم فلو لم يكن مخالف لا يتحقق كونه حجة - قلنا يلزم مما ذكرتم أن يكون في كل إجماع مخالف شاذ ليكون الإجماع حجة عليه ولا يكون حجة بدون المخالف وبطلانه ظاهر. ثم نقول يكون السواد الأعظم حجة على من يأتي بعدهم ممن هو أقل عددًا من الأول فسمي الأول السواد الأعظم ويكون حجة على كل واحد منهم في منعهم عن الرجوع عن هذا القول ويكون قوله "عليكم" خطابًا لكل واحد أو يكون حجة عليهم في حق وجوب العمل والاعتقاد به فإن الإجماع حجة لله تعالى على عباده في وجوب العمل والاعتقاد بموجبه كالنصوص. وأما قولهم: لفظة "الأمة" تطلق على ما دون الكل فذلك من باب المجاز ولهذا إذا شذ عن الأمة واحد يصح أن يقال الباقي ليس كل الأمة والأصل هو العمل بالحقيقة. وأما إمامة أبي بكر ﵁ فلم تكن ثابتة قبل موافقة علي وسعد وسلمان بالإجماع بل بالبيعة من الأكثر وهي كافية لانعقاد الإمامة ".
(٢) في ب: "وينبني".
(٣) في ب: "فلا".
(٤) "كون" من (أ) و(ب).
(٥) "بما روي" ليست في ب.
(٦) "على" ليست في ب.
[ ٤٩٩ ]
المسائل، لما أنه كان من التابعين - قلنا: يحتمل أنها إنما (١) أنكرت عليه، لأنه خالف (٢) الصحابة بعد ما أجمعوا على ذلك الحكم. ولم يكن هو من أهل الاجتهاد في ذلك الوقت، ثم إذا صار من أهل الاجتهاد خالفهم، وهذا الخلاف لا يعتبر، لأن إجماعهم قد صح حين لم يكن هو من أهل الاجتهاد، وصار حجة، فلا ينقض بخلافه، فيجب الحمل عليه، عملا بالدلائل.
مسألة - انقراض العصر هل هو شرط لانعقاد الإجماع وكونه حجة أم لا؟ (٣).
وتفسير انقراض العصر هو موت جميع من هو من أهل الاجتهاد في وقت وقوع الحادثة والإجماع عليه.
واختلفوا فيه:
قال عامة العلماء: إنه ليس بشرط لانعقاد الإجماع ولا شرط كونه حجة، حتى إن أهل العصر إذا أجمعوا على حكم حادثة قولا، أو وجد القول من البعض والسكوت من (٤) الباقين من غير تقية (٥) ومضت (٦) مدة التأمل، لا يحل لواحد (٧) من أهل هذا العصر أن يرجع عن قوله. وكذا لا يحل لأحد من أهل (٨) العصر الثاني أن يخالفهم في ذلك.
_________________
(١) "إنما" من (أ) و(ب).
(٢) في ب: "عليه لما أنه كان خالف".
(٣) انظر البزدوي والبخاري عليه، ٣: ٢٤٣ وما بعدها.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "عن".
(٥) في أكذا: "تقية". وفي الأصل وب كذا: "نفيه". والتقية الخشية والخوف. والتقية عند بعض الفرق الإسلامية إخفاه الحق ومصانعة الناس في غير دولتهم تحرزًا من التلف (المعجم الوسيط).
(٦) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "ومضى".
(٧) في أ: "لأحد".
(٨) "أهل" من ب.
[ ٥٠٠ ]
وقال بعضهم، وقيل إنه قول الشافعي ﵀: إن انقراض العصر شرط (١) لانعقاد الإجماع، حتى يحل لواحد منهم أن يرجع قبل موت الباقين، ولكن لا يحل لأحد من أهل (٢) العصر الثاني أن يخالفهم لوجود شرطه، وهو انقراض العصر الأول.
وجه قول من خالف:
- ما روي عن أبي بكر ﵁ أنه كان يرى التسوية في قسمة الغنيمة (٣)، ولم يفضل من كان أسبق إسلامًا وأقدم عهدًا، ولا من كان له فضيلة من العام وغيره، ولم يخالفه أحد في ذلك من الصحابة ﵃. ثم لما صار الأمر إلى عمر ﵁ خالفه فيه وفضل في القسم (٤) لفضل السبق في الإسلام (٥) والفضل في (٦) العلم، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵃، لأن الإجماع، وإن وجد منهم في زمن أبي بكر ﵁، لكن عصر الصحابة لم ينقرض بعد، لبقاء كثير من المجمعين، فيحل له المخالفة، ولا (٧) ينعقد ذلك الإجماع حجة.
ولما روي عن علي ﵁ أنه سئل عن بيع أمهات الأولاد (٨) فقال: كان رأيي ورأي أبي بكر (٩) ورأي عمر أن لا يبعن، ثم رأيت
_________________
(١) في أ: "يشترط".
(٢) "أهل" من ب.
(٣) في أ: "الغنائم".
(٤) قسم الشيء قسمًا جزأه وقسم الشيء بين القوم أعطي كلا نصيبه. والقسم (مصدر) يقال: هذا ينقسم قسمين (يراد به المصدر) وقسمين (يراد به النصيب أو الجزء من الشيء المقسوم) (المعجم الوسيط).
(٥) في أ: "في القسمة بفضل السبق في الإسلام". وفي ب: "في القسم يسبق الإسلام".
(٦) "الفضل في" من ب.
(٧) في أ: "فلا".
(٨) راجع في "أم الولد" السمرقندي (صاحب الميزان)، تحفة الفقهاء، ٢: ٤٠٦ - ٤١٠ وفيها: "أم الولد كل مملوكة ثبت نسب ولدها من مالك لها أو من مالك لبعضها - فإن الملوكة إذا جاءت بولد، وادعاه المالك يثبت نسبه وتصير الجارية أم ولد له "وحكمها" أنه لا يجوز إخراجها عن ملكه بوجه من الوجوه ولا يجوز فيها تصرف يفضي إلى بطلان حقها في حق الحرية وهذا قول عامة العلماء، خلافًا لأصحاب الظواهر".
(٩) "ورأي أبي بكر" من أ.
[ ٥٠١ ]
بيعهن، فقال له عبيدة السلماني ﵁ (١): رأيك مع الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك. فكان قول عبيدة دليلًا على أن الإجماع وقد سبق بذلك، إلا أنه لما (٢) لم ينقرض العصر وظهر (٣) رأي علي ﵁ بخلاف ما أجمعوا، جوز (٤) خلافهم - فدل أنه لابد من انقراض العصر لتحريم المخالفة.
- والمعنى فيه وجهان (٥):
أحدهما - أن الإجماع لا ينعقد بدون الانقراض، لأن الإجماع إنما يكون حجة في موضع لا نص [فيه] من حيث الظاهر. فأما في موضع فيه نص ظاهر قاطع فلا حاجة إليه، مع أن الكلام في هذا وقع، فلابد من زمان مديد حتى يظفروا بحديث (٦) كان ورد في حادثة لا تحتمل الانتشار والاشتهار، وصاحب الحادثة في (٧) البو ادي فلم يشتهر في الصحابة. أو إن كان لا توقيف وتمس (٨) الحاجة إلى الاجتهاد ليقف (٩) على علة الحكم في الأصول (١٠)، فلا بد من مدة معتبرة، ولهذا كان عبد الله بن مسعود
_________________
(١) قال البخاري في كشف الأسرار (٣: ٢٦٦): " عبيدة السلماني بفتح العين وكسر الباء وفتح السين وسكون اللام - هو أبو مسلم عبيدة بن قيس بن سلم أو عمرو منسوب إلى سلمان حتي من مراد. وأصحاب الحديث يفتحون اللام. وهو من أصحاب على وابن مسعود ﵄. أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولم يره وسمع عمر وابن الزبير ﵁. ونزل الكوفة. فروى عنه الشبعي والنخعي وابن سيرين وغيرهم. ومات سنة ٧٢ أو سنة ٧٣ من الهجرة".
(٢) "لما" من (أ) و(ب).
(٣) في أ: "فظهر".
(٤) كذا في ب: "جوز". وفي الأصل و(أ): " فجوز".
(٥) كذا في أ. وفي الأصل: "والمعنى فوجهان" وفي ب: "وأما الكلام من حيث المعنى فوجهان".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل: "على حديث". وفي ب: "حتى يظهروا على حديث".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "من".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ويمس".
(٩) في أ: "وليقفوا". وفي ب: "وتمس الحادثة ليقفوا".
(١٠) في ب: "في الأصل".
[ ٥٠٢ ]
﵁ يجتهد في مسألة المفوضة (١) شهرًا. وإذا كان هكذا فيجب أن يكون زمان التأمل وطلب الحديث مقدرًا بانقراض العصر، إذ المجتهد يخطئ ويصيب، وقد يرجع (٢) عما هو صواب عنده إلى ما هو خلافه، فيكون العصر مدة التأمل والنظر، فيظهر له أنه (٣) صواب أو (٤) خطأ، لقيام الاحتمال. فأما بعد انقراض العصر، وهو بعد (٥) موت جميع المجمعين لا يبقى الاحتمل، فبنعقد الآن حقيقة، وهو عند الانقراض، وإن كان الإجماع قبله ثابتًا من حيث الظاهر.
والثاني - أن الإجماع وإن وجد، ولكن (٦) لا يكون حجة قبل انقراض العصر، لأن في الابتداء: ما لم يوجد الاجتماع من الكل، لا يكون حجة، فكذا في حالة البقاء: ما لم يوجد الاجتماع من الكل، لا يبقى إجماعًا، لأن إجماع الأمة إنما صارحجة بطريق الكرامة (٧)، لوجو د وصف الاجتماع منهم، لأنهم (٨) إنما استحقوا الكرامة بوصف الاجتماع، فإذا وقع الخلاف في العصر ورجع البعض لم يبق وصف الاجتماع، فلا يبقى استحقاق الكرامة، فلا يبقى حجة. فإذا (٩) وجد انقراض العصر، يبقى (١٠) الاجتماع، لعدم تصور الرجوع بعد الموت، ولهذا (١١) صار انقراض العصر شرطًا.
_________________
(١) وهي التي فوضت بضعها إلى زوجها أي زوجته نفسها بلا [تقدير] مهر (المغرب والمصباح المنير). وراجع فيما سبق ص ٤٨٦. والكاساني، البدائع ٢: ٢٧٤ - ٢٧٥. وكذا ٢٨٣ و٢٨٥ - ٢٨٦.
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "رجع".
(٣) "أنه" من ب وليس فيها "له" ففيها: "فيظهر أنه".
(٤) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "أم".
(٥) "بعد" من (أ) و(ب).
(٦) في ب: "وإن كان وجد ولكنه".
(٧) أي كرم الله تعالى بها لأهل الإجماع من هذه الأمة لا لمعنى يعقل بدليل أنه مختص بهذه الأمة فلو كان لمعنى معقول لم يختص بأمة دون أمة (البخاري على البزدوي، ٣: ٢٤٤).
(٨) "لأنهم" من (أ) و(ب).
(٩) في ب: "فأما إذا".
(١٠) في (أ) و(ب): "بقي".
(١١) في (أ) و(ب): "فلهذا".
[ ٥٠٣ ]
أما عامة العلماء (١) ﵏-[فقد] احتجوا:
- بالدلائل الواردة في باب الإجماع، من غير فصل بين انقراض عصرهم وعدمه. فمن قيدها بشرط الانقراض، فقد زاد على النصوص وقيدها، فيجب العمل بالإطلاق، ما لم يثبت القيد بدليل زائد يصلح معارضًا للدلائل المطلقة.
- ولأن انقراض العصر إما أن يجعل شرطًا لانعقاد الإجماع، أو شرطًا لكونه حجة:
• والأول - باطل، لأن الخلاف (٢) فيما إذا وجد الخبر من كل واحد من أهل العصر صريحًا: أنه معتقد (٣) لهذا القول غير متوقف فيه ولا شاك، والإنسان العاقل المجتهد يعلم المفارقة بين حال التأمل والتوقف والشك وبين حال العام بالشيء قطعًا، والإخبار عن نفسه أنه معتقد للشيء عالم به، خلاف الإخبار أنه متأمل متوقف شاك، وليس شرط العلم بالشيء قطعًا هو انقراض العصر لا محالة، بل إذا تحقق العلم عنده بالتأمل والنظر في مدة يسيرة (٤)، فلا (٥) يشترط الزيادة - فدل أن شرط انقراض االعصر (٦)، لانعقا د الإجماع، باطل.
• والثاني - باطل أيضًا (٧)، لأنه متى ثبت وجود الإجماع منهم، يصير (٨) حجة قاطعة لا يجوز الرجوع عنه ولا المخالفة له. لأنه لو جاز وجود الإجماع التام في زمان ولا يكون حجة، جاز وجوده أبدًا. وهذا لأنه إنما صار حجة، لأنه لا يجوز أن يكون الأمة كلهم على الخطأ. ولو جاز وجود
_________________
(١) في هامش أ: "أما علماؤنا".
(٢) في ب: "باطل والخلاف".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "منعقد".
(٤) "يسيرة" من أ. وفي ب: "معتبرة".
(٥) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "فانى" ملاحظة أنها غير واضحة تمامًا في الأصل.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "شرط الانقراض"
(٧) "أيضًا" من أ.
(٨) في ب: "فيصير".
[ ٥٠٤ ]
الإجماع في مدة، وهم على الخطأ، جاز كذلك أبدًا.
وإذا بطل الوجهان جميعًا (١) انتفى أن يكون انقراض العصر شرطًا.
- أما الجواب عن تعلقهم بحديث أبي بكر ﵁ فنقول: لا حجة فيه، فإنه روي أن عمر ﵁ خالفه في زمانه وناظره في ذلك وقال له (٢): أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه طوعًا (٣) كمن دخل في الإسلام كرهًا - فقال له أبو بكر ﵁: إنما عملوا لله تعالى، فأجرهم على الله تعالى، وإنما الدنيا بلاع، أي بلغة (٤) العيش، وهم في الحاجة إلى ذلك سواء. ولم يثبت عن عمر ﵁ أنه رجع عن قوله (٥) إلى قول أبي بكر ﵁، فلم ينعقد (٦) الإجماع دون رأيه. وإذا كان كذلك يحتمل أنه كان على رأيه في التفضيل في زمن أبي بكر ﵁ ولم يرجع عن قوله، فلما آل الأمر إليه عمل بقوله، لكونه إمامًا، كما كان أبو بكر عمل برأيه في حال إمامته (٧). وإذا احتمل هذا واحتمل الرجوع أيضًا: فلا يثبت الإجماع مع الاحتمال.
وأما حديث علي ﵁: فلا نسلم (٨) أنه خالف بعد وجود الإجماع من الصحابة ﵃ على حرمة بيع أمهات الأولاد (٩) -
_________________
(١) "جميعًا" من ب.
(٢) في ب: "فقال".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وطوعًا".
(٤) البلغة ما يكفي لسد الحاجة ولا يفضل عنها (المعجم الوسيط).
(٥) "عن قوله" ليست في ب.
(٦) في ب: "فلم يثبت".
(٧) في ب: "خلافته".
(٨) "فلا نسلم" ليست في ب.
(٩) راجع فيما تقدم. ص ٥٠١ - ٥٠٢ والهامش ٨ ص ٥٠١.
[ ٥٠٥ ]
فإن (١) المروي عنه (٢) أنه قال (٣): وافق رأيي رأي (٤) عمر، فيجوز أن يكون قول غيرهما من الصحابة بخلاف قولهما، كيف وقد روى عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه كان يرى في زمن عمر ﵁ جواز (٥) بيعهن، ولا ينعقد الإجماع بدون قول جابر. وإذا لم يكن في المسألة إجماع، فيكون رجوع علي ﵁ عن مسألة اجتهادية، ولكل مجتهد أن يرجع عن قوله إلى قول رأى الصواب فيه، لا أن رجوعه لأن العصر لم ينقرض، فبطل التعلق به.
وأما قول عبيدة: رأيك مع الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك (٦) - دليل، على أن مع عمر ﵁ جماعة من الصحابة، لا أن معه جميع الصحابة، فإن الجماعة اسم للطائفة من الناس لا للكل، إلا أنه أحب واختار أن يكون قول على ﵁ منضمًا إلى قول عمر ﵁، لأنه كان يرى (٧) ترجيح قول الأكثر على قول الأقل، وعاب ﵁ لا يرى الترجيح بالكثرة بل بقوة الدليل - والله أعلم.
- وخرج الجواب عن قولهم إنه لابد من زمان التأمل فيكون العصر مدة التأمل، لأن الكلام في في إذا مضت مدة التأمل ثلاثة أيام أو شهر ونحو ذلك، فيكون اشتراط انقراض العصر بلا حاجة، فيكون فاسدًا.
- وقد خرج الجواب عن الثاتي على ما مر (٨) - والله أعلم.
_________________
(١) هنا في ب "فليس كذلك فإن". راجع الهامش ٨ ص ٥٠٥.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "منه".
(٣) "قال" من (أ) و(ب). وهي غير ظاهرة في الأصل.
(٤) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "ورأي عمر". وتقدم: "كان رأيي ورأي أبي بكر ورأي عمر" راجع ص ٥٠١ - ٥٠٢ والهامش ٩ ص ٥٠١.
(٥) "جواز" ليست في ب. راجع في ترجمة جابر ﵁: ابن حجر، تهذيب التهذيب، ٢: ٤٢.
(٦) راجع ص ٥٠٢ والهامش ١ منها
(٧) "يرى" ليست في ب.
(٨) راجع فيما تقدم ص ٥٠٣.
[ ٥٠٦ ]
مسألة - الخلاف المتقرر (١) بين أهل الاجتهاد في العصر الأول - هل يمنع انعقاد الإجماع في العصر الثاني بعده (٢)؟ وهل يكون خلو الخلاف شرطًا للصحة؟
فعلى قول أصحابنا ﵏: لا يمنع.
وعلى قول عامة أصحاب الحديث من الفقهاء والمتكلمين: يمنع. وتبقى المسألة اجتهادية أبدًا.
فعلى قولهم: يشترط أن لا يقع هذه الحادثة في العصر الأول، أو أجاب واحد في حادثة لا يحتمل الاشتهار ولم يثبت من غيره خلاف أو وفاق.
وقال بعض مشايخنا بأن هذه المسألة مختلفة بين أصحابنا:
[فـ] عند أبي حنيفة رحمة الله عليه: يكون مانعًا.
وعند صاحبيه: لا يكون مانعًا (٣).
_________________
(١) في أتصحيحًا بين السطرين: "المتقدم".
(٢) في ب: "هل يمنع انعقاد الإجماع من العصر الثاني بعده على قول بعضهم".
(٣) انظر البزدوي والبخاري عليه، ٣: ٢٤٧ - ٢٤٨. قال البخاري في كشف الأسرار (٣: ٢٤٧ - ٢٤٨): "إذا اختلف أهل عصر في مسألة على قولين واستقر خلافهم بأن اعتقد كل واحد حقية ما ذهب إليه ولم يكن خلافهم على طريق البحث عن المأخوذ من غير أن يعتقد أحد في المسألة حقية شيء من طر فيها ولم يكن بعضهم في مهلة النظر فذلك هل يمنع انعقاد الإجماع في العصر الذي بعده على أحد قوليهم في تلك المسألة، وهل يكون عدم الاختلاف شر طًا لصحته؟ وذهب عامة أهل الحديث وأكثر أصحاب الشافعي إلى أنه يمنع ويبقي المسألة اجتهادية كما كانت. واختتلف مشايخنا في ذلك: فقال أكثرهم إنه لا يمنع من انعقاد الإجماع ويرتفع الخلاف السابق به. وإليه مال أبو سعيد الاصطخري وابن أبي خيران وأبو بكر القفال من أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: فيه اختلاف بين أصحابنا: عند أبي حنيفة ﵀ يمنع من الانعقاد. وعند محمد ﵀ لا يمنع إلى آخر ما ذكر في الكتاب. وإذا ثبت هذا يخرج قوله: واختلفوا إلى آخره على وجهين: أحدهما. . والثاني. . ولم يذكر الشيخ قول أبي يوسف في الكتاب لأنه في بعض الروايات مع أبي حنيفة ﵀ على ما ذكر في أصول شمس الأئمة وفي بعضها مع محمد على ما ذكر في الميزان" وقال السرخسي في أصوله (١: ٣١٩): " هذا على قول محمد ﵀ يكون إجماعًا. فأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يكون إجماعًا".
[ ٥٠٧ ]
وبنوا على مسألة جواز بيع أمهات الأولاد:
فإن محمدًا ﵀ ذكر في الكتاب أن القاضي إذا قضى ببيع أمهات الأولاد، ينقض (١) قضاؤه.
وروى الكرخي عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه قال: لا ينقض (٢) قضاؤه.
وكانت مسألة بيع أمهات الأولاد (٣) مختلفة بين الصحابة: فعند علي وجابر ﵄ وغيرهما: يجوز. وعند عمر وبعض الصحابة ﵃: لا يجوز. ثم اتفق العصر الثاني لها أنه لا يجوز.
فعلى رواية الكرخي ﵀: لا ينقض قضاء القاضي، لأنه قضى في فصل مختلف فيه، وأن (٤) ذلك الإجماع لا يصح، ويبقي المسألة مجتهدًا فيها.
وعلى رواية محمد ﵀: ينقض، لأنه قضى في فصل مجمع عليه، للأن الإجماع في العصر الثاني صحيح، مع سبق الاختلاف في العصر الأول، فلا يبقي المسألة اجتهادية، وقضاء القاضي على خلاف الإجماع لا يصح، فينقض قضاؤه.
وجه قولهم: إن المخالف لو كان حيًا، وهو على رأيه، لم يصح الإجماع على مخالفته. فكذا إذا كان ميتًا وقد مات على رأيه. والمعنى الجامع بينهما أن المانع حال حياته هو دليله وحجته، لا عينه، وحجته (٥) بعد موته قائمة،
_________________
(١) في أ: "لا ينفذ".
(٢) في أ: "ينفذ".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "هذه المسألة".
(٤) في أ: "فإن".
(٥) "وحجته" ليست في أ.
[ ٥٠٨ ]
لأن حكم الموت، وقد مات على رأيه (١)، إنما يظهر في حق نفسه، لا في مذهبه ودليله، فجعل حيًا حكمًا، فصار كأنه حي حقيقة. ولأن في انعقاد الإجماع، بعد سبق خلاف الصحابة، قولا بتضليل بعض الصحابة، لأنه يخرج (٢) من أن يكون مجتهدًا، ويصير قوله خطأ بيقين، وقد اعتقده حقًا (٣)، واعتقاد الخطأ حقًا من باب (٤) الضلال، وهو (٥) قول وحش (٦) في حق الصحابة. وفيما قلنا: إنه لا ينعقد الإجماع وبقيت المسألة اجتهادية، لا يؤدي إلى تضليل الصحابة، لأن المجتهد يخطئ ويصيب، فلا يتبين خطأ بعض الصحابة بيقين، فكان ما (٧) قلنا أولى. والحكم المجمع عليه (٨) يدل عليه: وهو أن من قال لامرأته "أنت بائن" ونوى به الطلاق، ثم وطئها بعد ذلك، مع العلم بحالها، فإنه لا يجب الحد، لأن المسألة مختلفين بين الصحابة ﵃: فعند (٩) بعضهم يكون طلاقًا رجعيًا وإنه لا يحرم الوطء. وعند بعضهم يكون طلاقًا بائنًا (١٠) وإنه يحرم الوطء. ثم في عصر (١١) الشافعي أخذ هو (١٢) بقول من قال إنه طلاق رجعي ولكن قال إنه يحرم الوطء. فهم اتفقوا على أن هذا الوطء حرام: أما عندنا فلأنه طلاق بائن، وعنده، وإن كان طلاقًا رجعيًا، ولكن الوطء
_________________
(١) "وقد مات على رأيه" من أ.
(٢) في ب: "نحرجه".
(٣) "وقد اعتقده حقًا" من (أ) و(ب).
(٤) في ب كذا: "بلا"؟
(٥) كذا في أ. وفي الأصل: "هذا" وفي ب: "وهذا".
(٦) أي رديء (القاموس والمصباح). وراجع الهامش ٦ ص ٣. والهامش ١ ص ٢٢.
(٧) "ما" ليست في ب.
(٨) "عليه" من ب.
(٩) في ب: "عند".
(١٠) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وعند بعضهم طلاق بائن".
(١١) "في عصر" ليست في ب.
(١٢) "هو" ليست في ب.
[ ٥٠٩ ]
حرام (١). ولو كان الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم لكان لا يورث شبهة، فينبغي أن يجب الحد، ولما لم يجب (٢)، دل أن الإجماع في العصر التالي بعد وجود الخلاف في العصر الأول، ليس بإجماع ولا حجة، فتكون المسألة اجتهادية، فيصير خلاف العلماء شبهة في درء الحد - والله أعلم (٣).
ولأصحابنا ﵏ أن الدلائل التي عرفنا بها كون الإجماع حجة مطلقة لا توجب الفصل بين إجماع سبقه الخلاف وبين إجماع لم يسبقه، [و] من ادعى القيد فعليه الدليل. ولأنه (٤) لو جاز وجود الإجماع من التابعين جملة وخرج الحق عن جملتهم لجاز خروج الحق عن القرون الأخر بعدهم، فيؤدي إلى جواز بقاء الأمة على الضلال أبدًا (٥)، وإنه خلاف النص والمعقول، على ما تبين. ولأن الصحابة اتفقوا على أنه لا يجوز للتابعين (٦) أن يقدموا الواحد (٧) من الفريقين عينًا، بل اتفقوا على وجوب الاجتهاد عليهم، في طلب الصواب في أحد القولين، والطلب لأجل الإصابة، فكان هذا إجماعًا منهم (٨) على إصابة الحق، فيما اختلفوا، عند الطلب. فمن قال إن إجماعهم لا يكون حجة، بعد ما طلبوا وبذلوا مجهودهم في ذلك، ولا طريق أقوى في الإصابة من إجماعهم عليه، فقد خالف إجماع الصحابة والتابعين جميعًا. ولأنهم لما حرموا عليهم التقليد
_________________
(١) "أما عندنا الوطء حرام" ليست في ب.
(٢) "ولو كان الاجماع المتأخر ولما لم يجب" من (أ) و(ب).
(٣) كذا في ب. وفي أ: "ولمل لم يجب دل أن هذا الإجماع غير ثابت ولا حجة". وفي الأصل: "ولكن الوطء حرام: دل أن هذا الإجماع غير ثابت ولا حجة".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وإنه".
(٥) "أبدًا" ليست في أ.
(٦) "للتابعين" ليست في ب.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "لواحد".
(٨) في هامش أ: "من الصحابة".
[ ٥١٠ ]
وأوجبوا عليهم الاجتهاد، فقد أقاموهم مقام انفسهم في حرمة التقليد ووجوب الاجتهاد (١). ثم هم متى أجمعوا، فيما اختلفوا فيه (٢)، على أحد القولين المختلف فيهما، يصح إجماعهم ويكون حجة، فكذلك (٣) إجماع من يقوم مقامهم ومثل حالهم. والمعنى الجامع بينهما أن وجوب الاجتهاد ليس لعينه بل لإصابة الحق، واجتماع الكل طريق إصابة الحق. ولأنهم لما أجمعوا على وجوب الاجتهاد عليهم، [فـ] لإصابة الحق فيما اختلفوا فيه (٤). وإذا أجمعوا علي ذلك لم (٥) يكونوا كل مصيبين للحق، ولا طريق للإصابة سوى هذا، فإن في اجتماع الآراء (٦) رأي كل واحد منهم موجود لو انفرد، فه كون هذا إجماعًا منهم على أن الله تعالى كلفهم ما ليس في وسعهم، وهو خلاف الشرع والعقل (٧).
قولهم: لو كان المخالف حيًا لا يكون إجماعًا، فكذا إذا كان ميتًا - فهذا جمع من غير علة.
قولهم: إنما لا يكون إجماعًا لا لعينه، ولكن لدليله، وهو قائم في زمن التابعين - فهذا ممنوع؛ إن دليله قائم (٨)، فإن بإجماع التابعين على أحدهما، يتبين (٩) أن الآخر ما (١٠) كان حقًا، وما هو دليل عنده، بل (١١) كان
_________________
(١) "فقد أقاموهم الاجتهاد" ليست في ب.
(٢) "فيه" ليست في ب.
(٣) في ب: "وكذلك".
(٤) "فيه" ليست في ب.
(٥) في أ: "ولم".
(٦) في أكذا: "الآراء".
(٧) انظر السرخسي، الأصول، ١: ٣١٩ - ٣٢٠. والبخاري، كشف الأسرار، ٣: ٢٤٩ - ٢٥١.
(٨) "إن دليله قائم" من ب.
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "تبين".
(١٠) في ب قد تكون: "لاما" فـ "لا" غير واضحة.
(١١) "بل" من أ.
[ ٥١١ ]
شبهة وليس بدليل (١)، لأن الدليل لا يظهر خطؤه أبدًا، بل يتقرر بمضي الز مان، فأما الشهبهة، [فـ] تز ول وقد قام الدليل على البطلان، فيكون دليلا على أنه شبهة.
قولهم: فية تضليل بعض (٢) الصحابة - ليس كذلك، بل في (٣) هذا تخطئتهم من حيث وجوب (٤) العمل، والتخطئة من حيث الاعتقاد تضليل، فأما (٥) من حيث وجوب (٦) العمل فليس بتضليل، إذ الضلال هو الخطأ من حيث الاعتقاد. فأما من حيث وجوب (٧) العمل فهو خطأ معذور فيه. وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما - أن المجتهد في الشرعيات يجب عليه العمل باجتهاده. أما لا يجب عليه الاعتقاد بحقية (٨) قوله على اليقين (٩) بل من حيث الغالب، وإنما عليه وجوب الاعتقاد على الإبهام (١٠) أن ما أراد الله تعالى، مما اختلفنا فيه، حق. وإذا لم يعتقد حقية مذهبه بطريق القطع، [فـ] كيف يكون ضلالا حتى يكون تخطئته تضليلا؟ ولأن التضليل والضلال (١١) إنما يتحقق في الأحكام العقلية، لأن المعتقد إما أن يكون واجب الوجود أو مستحيل الثبوت، فمتى أخطأ فقد اعتقد ما هو واجب الوجود مستحيل الثبوت، فيكون ضلالا (١٢).
_________________
(١) في ب: "كان وليس بدليل". فليس فيها: "شبهة".
(٢) "بعض" من (أ) و(ب).
(٣) "في" ليست في ب.
(٤) "وجوب" ليست في ب.
(٥) في أ: "وأما". وفي ب: "أما".
(٦) "وجوب" ليست في ب.
(٧) في ب: "فاْما في حق وجوب".
(٨) في أكذا: "لحقبه" ولعل الصحيح: "لحقية".
(٩) في ب قد تكون كذلك: "اليقين". وقد تكون: "التعن".
(١٠) في ب كذا: "الإيهام".
(١١) "والضلال" من ب.
(١٢) "فيكون ضلالا" من (أ) و(ب).
[ ٥١٢ ]
واختلاف الصحابة في الشرعيات، وصانهم الله تعالى عن الاختلاف في العقليات، حتى لا (١) ينسبوا إلى الضلال والبدعة، فأما الشرعيات فمن جملة الممكنات العقلية بحيث لو جاء الشرع (٢) على خلاف ما جاء به العقل، لكان (٣) جائزًا ولم يكل مستحيلا. فالخلاف فيه ليس من باب التضليل (٤)، فلا يكون التخطئة فيه (٥) من باب التضليل (٦). وهذا لأن الجهل بها مما لا يضر، إذا لم يتضمن ذلك تكذيب الرسول ﵇، بأن أنكر ما ثبت بالتواتر، حتى يحكم بكفره. فأما بإنكار (٧) ما هو ثابت قطعًا من الشرعيات، بأن علم بالإجماع أو الخبر (٨) المشهور، فالصحيح من المذهب أنه لا يكفر، لأن عنده أن فيه شبهة (٩). فإذا كان نفس الإنكار في الشرعيات، إذا لم يتضمن تكذيب الرسول ﵇، لا يوجب الكفر، فالخطأ فيه كيف يكون كفرًا؟ - فهو (١٠) الفرق بين الأمرين.
وبعض مشايخنا أجاب عن هذا وقال (١١): إن دليل الصحابي قائم، وحقية قوله ثابتة (١٢) إلى وقت وجود إجماع التابعين، فينتهي الحكم الأول
_________________
(١) "لا" ليست في ب.
(٢) في أ: "الشرع به".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ما جاء به كان".
(٤) في ب: "الضلال".
(٥) "فيه" من ب.
(٦) "فلا يكون التضليل" من (أ) و(ب) مع ملاحظة الهامش السابق.
(٧) في أ: "بإنكاره". وفي ب: "إنكار".
(٨) كذا في أ. وفي الأصل: "والخبر". وفي ب: "بالإجماع وبالخبر".
(٩) "لأن عنده شبهة" من (أ) و(ب).
(١٠) في ب: "فهذا".
(١١) في ب: "فقال".
(١٢) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "ثابت".
[ ٥١٣ ]
بوجود الثاني، كما في حكم (١) الكتاب وقول الرسول - ﷺ -، فلا يؤدي إلى الضلال، ولكن هذا ضعيف، لأن النسخ لا يرد في حكم ثابت بالإجماع (٢)، ولا في حكم ثابت بعد رسول الله - ﷺ -، بل بموته ﷺ خرجت (٣) إلأحكام عن احتمال النسخ، لأنه لا وحي (٤) بعده ينزل ويحدث، على ما يعرف بطريق الاستقصاء في الشرح إن شاء الله تعالى (٥).
وأما مسألة الكنايات - فنقول: الخلاف بين الصحابة: أنها بوائن أم رواجع؟
ومن قال إنها رواجع قال: يحل الوطء.
ومن قال إنها (٦) بوائن قال (٧): لا يحل الوطء.
والشافعي رجح قول من قال إنها رواجع.
ومخش رجحنا قول الآخرين.
ثم الشافعي قال بأن الطلاق الرجعي يحرم الوطء.
نحن نقول إنه لا يحرم الوطء (٨).
فلم يوجد الإجماع على أن الطلاق الرجعي يحرم الوطء، حتى يرتفع الخلاف، بل نقول: الطلاق البائن يحرم الوطء، وهذا حكم مسألة أخرى. فلم يكن الإجماع (٩) إجماعًا فيما اختلفوا فيه، فبقيت المسألة مجتهدًا فيه، كما كانت، فلهذا (١٠) لا يجب الحد - والله أعلم.
_________________
(١) "حكم" ليست في ب.
(٢) في ب: "في حكم الإجماع".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "خرج".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لا يوحى".
(٥) انظر البخاري، كشف الأسرار، ٣: ٢٥٠.
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بأنها".
(٧) " قال" من (أ) و(ب). وفي ب: "قال إنه".
(٨) "الوطء" من أ. وفي ب: "إنه لا يحرمه".
(٩) "الإجماع" من هامش أ.
(١٠) في أ: "ولهذا".
[ ٥١٤ ]
[٥]