يحتاج في هذا الفصل إلى:
تفسير الشرط لغة.
وإلى (٥) بيان حده عند الفقهاء.
وإلى بيان الفرق بين الشرط والعلة (٦) والعلامة.
وإلى بيان أقسام الشرط.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "ويظهر".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "من حيث".
(٣) "وجود" من ب.
(٤) هذا هو الفصل السادس من "القول في القياس" راجع ص ٥٥٠.
(٥) "إلى" من ب.
(٦) "والعلة" من ب.
[ ٦١٥ ]
وبيان نواع أما يسمى شرطًا.
وإلى بيان شرائط القياس والعلة.
أما الشرط في اللغة:
فهو (١) عبارة عن العلامة اللازمة (٢). ومنه يسمى أعلام القيامة (٣) "أشراطًا". ومنه يسمى (٤) الصكوك (٥) "شروطًا" لأنها وضعت أعلامًا على العقود التي (٦) تجري بين العاقدين. ومنه يسمى (٧) "الشرطي"، لكونه معلمًا بعلامة يرتميز بها عن غيره. ومنه يسمى الحجام "شراطًا" وفعله "شرطًا" وآلة عمله "مشرطًا" (٨).
وأما تفسير الشرط في عرف الشرع، وبيان الفرق بينه وبين العلة والعلامة - فنقول:
اختلف الفقهاء فيه (٩):
قال بعضهم: الشرط ما يوجد. الحكم عند وجوده، وينعدم عند عدمه.
وقال بعضهم: الشرط ما هو علم على الشيء من حيث يضاف (١٠)
_________________
(١) "فهو" من ب.
(٢) في المعجم الوسيط: "أشرطه جعل له علامة. يقال: أشرط نفسه لكذا أعلمها وأعدها".
(٣) في الأصل وب مكتوبة كذا: "القيمة". وفي البزدوي، ٤: ١٧٣: "أشراط الساعة".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "سمى".
(٥) في المعجم الوسيط: الصك وثيقة بمال أو نحوه.
(٦) في ب: "والتي".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "سمي".
(٨) "بها عن غيره مشرطًا" من ب. وهي في الأصل غير واضحة. انظر البزدوي، والبخاري عليه، ٤: ١٧٣.
(٩) "اختلف الفقهاه فيه" من ب.
(١٠) في ب: "الشيء الذي يضاف".
[ ٦١٦ ]
إليه الوجود دون الوجوب (١)، بخلاف العلة: فإنها اسم لا يضاف إليه الوجوب، دون الوجود.
فلما كان وجوب ذلك الشيء بالعلة، لا بالشرط، كان الشرط علمًا. ومن حيث إن الوجود يضاف إليه كان علة. فكان بين العلامة والعلة (٢).
وأما العلامة فهي اسم لما يدل على غيره، من غير أن يكون في ذاته ما يدل عليه، لكن يثبت دلالته، بضرب (٣) اصطلاح ومواضعة أو إخبار من صادق، على ظهور الحكم عند وجوده، فيكون معرفًا محضًا لا يتعلق به وجوب ولا وجود، وإنما يتعلق به الظهور.
ولكن هذا لا يصح. وإنما الصحيح أن يقال: الشرط ما يوجد العلة (٤) عند وجوده، أو ما يقف المؤثر على وجوده في ثبوت الحكم. وهذا لأن الحكم يثبت بالعلة، لكن العلة قد يقف على وجود الشرط، فلا ينعقد العلة بدونه، فلا يوجد الحكم لانعدام العلة، لا لانعدام (٥) الشرط، مع قيام العلة. فأما ما توجد العلة بوجوده، فهو علة العلة، وما يوجد به الحكم فهو علة. وكذا ما يظهر به الحكم. وكذا ما يوجد عنده، أو يظهر عنده،
_________________
(١) قال البخاري على البزدوي (٤: ١٧٣): "وهو في الشرع اسم لما يتعلق به الوجود دون الوجوب، أي يتوقف عايه وجود الشيء، بأن يوجد عند وجوده لا بوجوده، كالدخول في قول الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق. فإن الطلاق يتوقف على وجود الدخول، ويصير الطلاق عند وجود الدخول مضافًا إلى الدخول، موجودًا عنده، لا واجبًا به، بل الوقوع في قوله: أنت طالق عند الدخول. فمن حيث إنه لا أثر للدخول في الطلاق من حيث الثبوت، ولا من حيث الوصول إليه، لم يكن الدخول سببًا ولا علة بل كان علامة. ومن حيث إنه مضاف إله، كان الدخول شبيهًا بالعلل، وكان بين العلامة والعلة، فسميناه شرطًا".
(٢) انظر ما سيلي.
(٣) في ب كذا: "يصرف".
(٤) في البخاري (٤: ١٧٤): "الحكم".
(٥) "العلة لا لانعدام". ليست في ب ففيها: "لانعدام الشرط".
[ ٦١٧ ]
لما ذكرنا: أن العلة توجد عند وجود (١) الشرط، ثم يثبت الحكم بوجود (٢) العلة. ولأن انعدام الحكم لا يكون بعدم الشرط بل يكون على العدم الأصلي، لأن الأصل عدم الحكم، وإنما وجوده بوجود العلة. والعلة توجد عند وجود الشرط. فمتى لم يوجد الشرط لم توجد العلة، فلا يثبت الحكم، وبقي على العدم، لا أن عدمه مضاف إلى عدم الشرط (٣) أو عدم العلة. ولأن هذا إنما يستقيم على قول من يقول بتخصيص العلة: وهو أنه إذا وجدت (٤) العلة ولم يوجد الشرط، امتنع وجود الحكم، لعدم الشرط جمع بقاء العلة. فأما عندنا (٥): متى لم يوجد العلة عند عدم الشرط، فيكون عدم الحكم لعدم العلة، لا (٦) لعدم الشرط.
وما قالوا: إن العلة قد يتعلق (٧) به الوجوب دون الوجود: لا يصح، لأن العلة قد يتعلق به الوجوب، وقد يتعلق به الوجود: فإن الكسر علة وجود الإنكسار. وقد يتعلق به الظهور: فإن قضاء القاضي علة (٨) لظهور الملك المدعي، وإن كان ثبوت الملك مضافًا إلى السبب السابق. والله أعلم.
فصار الحاصل:
أن العلة ما يتعلق بها (٩) الوجوب أو الوجود أو الظهور. و(١٠) الإيجاب والإيجاد والإظهار من الله تعالى.
والشرط ما يتعلق به وجود العلة.
_________________
(١) "وجود" من ب.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل "عند وجود".
(٣) في ب: "عدم غيره: الشرط".
(٤) التاء من ب.
(٥) "عندنا" من ب.
(٦) "لعدم العلة لا" من ب.
(٧) في ب: "العلة ما تعلق".
(٨) في ب: "علية".
(٩) في ب: "به".
(١٠) في ب: "أو".
[ ٦١٨ ]
والعلامة ما يكون علمًا على ظهور شيء وحصول (١) العلم به، من غير أن يكون له أثر في الوجود والظهور، وإنما الظهور بغيره بمنزلة الدليل: فإت ظهور الشيء وثبوت (٢) العلم به بالاستدلال، لا بالدليل (٣). والله أعلم.
_________________
(١) "حصول" من ب.
(٢) "ثبوت" من ب.
(٣) انظر البزدوي والبخاري عليه، ٤: ١٧٣ - ١٧٤. ومما قاله البخاري هنا: "قال السيد الإمام أبو القاسم: هو (أي الشرط) في الشريعة عبارة عما يقف ثبوت الحكم على وجوده ولا يكون من جملة التصرف. ثم قال: الأشياء التي يقف الحكم على وجودها خمسة أقسام: العلة، ووصف العلة، والسبب، والشرط، والركن. فالعلة هي المؤثرة في ثبوت الحكم عنها ولها تأثير تام. ووصف العلة له نوع تأثير لكنه ليس بتام بل يتم بانضمام وصف أخر أو أوصاف إليه. والسبب كالعلة في الإنباء عن الحكم والمناسبة بينه وبين الحكم إلا أن العلة لا يتأخر عنها الحكم، والسبب قد يتأخر عنه الحكم ويجوز أن لا يثبت به الحكم. والركن ما هو غير التصرف ولا يتم به كالقيام والركوع والسجود في الصلاة ولفظ العاقدين في العقود. والركن لا يأتى إلا في التصرفات. فأما في غير التصرفات فلا. وأما الشرط فما لا تأثير له بوجه كالطهارة في الصلاة والشهود في النكاح إلا أن الحكم لا يثبت شرعًا إلا عنده". وقال البخاري (٤: ١٧٤): " قال صاحب الميزان: تفسير الشرط بأنه ما يتوقف عليه وجود الحكم دون وجوبه، فاسد، لأن الحكم لا يتوقف على الشرط. بل العلة تقف عليه. وعدم الحكم قبل وجود الشرط ليس لعدم الشرط، بل لعدم العلة الذي هو العدم الأصلي. فإذا وجد الشرط ووجدت العلة عند وجوده، لأنه يثبت الحكم بوجود العلة. ولأنه إنما يستقيم على قول من قال بتخصيص العلة فإن من جوز ذلك يقول: إذا وجدت العلة ولم يوجد الشرط امتنع وجود الحكم لعدم الشرط مع بقاء العلة. فأما عند من لم يجوز ذلك كان امتناع الحكم لعدم العلة لا لعدم الشرط فكان الأولى أن يقال: الشرط ما يوجد الحكم عند وجوده أو ما يقف المؤثر على وجوده في إثبات الحكم. ويمكن أن يجاب عنه " ثم قال البخاري (٤: ١٧٤): "قال القاضي الإمام ﵀: هذه ضروب متشابهة: ففي السبب معنى العلة. وفي العلة الشرعية معنى العلامة. وفي الشرط معنى العلة. والعلامة قد تشتبه بالشرط والعلة: ففيهما معنى العلامة لا يمتاز بعضها عن بعض إلا بمد تأمل" وقال البزدوي في أصوله (٤: ٢٠٢ - ٢٠٣): "أما الشرط المحض فما يمتنع به وجود العلة فإذا وجد الشرط وجدت العلة فيصير الوجود مضافًا إلى الشرط دون الوجوب، وذلك في كل تعليق بحرف من حروف الشرط نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق ".
[ ٦١٩ ]
وأما بيان أقسام الشرط - فنقول:
الشرط أنواع:
- فمحل وجود نفس (١) العلة شرط، لأنه لا وجود للعلة بدون المحل. فالبيع علة ثبوت الملك في المبيع ومحله (٢) البائع. والشراء علة ثبوت الملك في الثمن ومحله (٣) هو المشتري.
وكذا محل الحكم أيضًا: شرط، لأن العلة لا يتصور انعقادها بدون الحكم، ولابد للحكم من محل صالح.
وكذا وصف محل العلة، ووصف محل (٤) الحكم، من باب الشرط (٥)، فإن محل ثبوت الملك هو المبيع وأوصافه، بأن يكون مالا متقومًا ملومًا ونحو ذلك.
وكذا أهلية من يجب له الحكم، ومن يجب عليه، شرط أيضًا.
وكذلك (٦) بعض أوصاف من يجب عليه وله (٧): شرط ثبوت الحكم أيضًا.
وهذا كله في الحقيقة شروط (٨) العلة، لأن العلة لا توجد إلا عند وجودها، وإن كان بعض الأوصاف يسمى (٩) أهلية. وشرائط الأهلية
_________________
(١) "نفس" من ب.
(٢) الظاهر أن المقصود ليس محل البيع لأن محله المبيع وإنما المقصود محل العلة أي رضا البائع.
(٣) الظاهر كما تقدم في الهامش السابق أن المقصود محل العلة أي رضا المشتري.
(٤) في ب: "ووصف محل الشرط الحكم".
(٥) في ب: "الشروط".
(٦) في ب: "وكذا".
(٧) كذا الظاهر في ب. وفي الأصل كذا: "وإنه".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "شرط".
(٩) في ب: "سمي".
[ ٦٢٠ ]
هي (١) وصف من يجب له وعليه (٢)، على ما نذكر في فصل الأهلية إن شاء الله تعالى.
- ومنها شرط الصحة، لا شرط انعقاد أصل السبب (٣)، كالمساواة في عقد الربا، وقبض البدلين في الصرف، وغير ذلك.
فانقسم الشرط (٤) إلى هذه الأنواع ظاهرًا، وفي الحقيقة قسمان: شرط العلة، وشرط الصحة.
و(٥) أما بيان [أنواع] (٦) ما يسمى شرطًا - فنقول:
هو أنواع ظاهرًا (٧). وفي الحاصل نوعان: شرط حقيقة، وشرط يسمى (٨) مجازًا.
والحقيقة نوعان على ما مر: شرط العلة (٩)، وشرط الصحة. لأن (١٠) حد الشرط ما (١١) عرف، وهو ما توجد العلة عند وجوده، لا وجود الحكم ولا وجوبه ولا ظهوره به ولا (١٢) عنده.
فإن كان في موضع يسمى شرطًا ويضاف الحكم إليه، إما وجوبًا أو وجودًا أو ظهورًا، يكون علة، ويكون تسمية الشرط له (١٣) مجازًا، لوجود صورة الشرط أو المشابهة بينه وبين الشرط مع كونه علة.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "وهو".
(٢) في ب. "عليه وله".
(٣) في ب: "أصل السببية".
(٤) في ب كذا: "وقبض البدلين في الصرف فانقسم الشرط وغير ذلك إلى هذه الأنواع".
(٥) "و" من ب.
(٦) راجع ص ٦١٦ ففيها: "وبيان أنواع ما يسمى شرطًا".
(٧) "ظاهرًا" ليست في ب.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "سمي".
(٩) في ب: "شرط من العلة". راجع السطور السابقة من هذه الصفحة والتي قبلها.
(١٠) في ب: "فإن".
(١١) كذا في ب. وفي الأصل: "لما".
(١٢) في ب: "إلا".
(١٣) كذا في ب. وفي الأصل: "وتسمية الشرط يكون له مجازًا".
[ ٦٢١ ]
وكذا كل ما لا توجد العلة عند وجوده ويسمى (١) شرطًا، يكون تسمية الشرط له مجازًا.
أما مثال الشرط بطريق الحقيقة - فهو كالشهادة في باب النكاح، وشروط الصلاة من الطهارة والنية وستر العورة واستقبال القبلة، فإنه لا صحة للصلاة ولا وجود (٢) لها إلا عند وجود هذه الشروط.
وكذلك تعليق الطلاق والعتاق بالشرط، فإنه لا وجود لهما قبل وجود الشرط، وإنما الموجود كلام يصير تطليقًا وإعتاقًا عند وجود الشرط.
وقال بعض مشايخنا: إن الشرط ما يمتنع (٣) عنده الحكم دون العلة، [كما] عند الشافعي. فيكون هذا الكلام تطليقًا، ولكن الانطلاق وثبوت الحرمة يثبت عند وجود الشرط. وبنوا على هذا الأصل مسألة تعليق الطلاق بالنكاح، ومسألة التكفير قبل الحنث، والنذر المعلق بالشرط، ولكن هذا يؤدي إلى القول بتخصيص العلة، وهو وجود العلة قبل وجود الشرط ولا حكم له. وظاهر مذهب الشافعي ﵀ أنه لا يقول بتخصيص العلة، فلا يكون ما ذكروا من المسائل على هذا الأصل، على ما يعرف في مسائل الخلاف.
وأما الشرط الذي يسمى (٤) به مجازًا لوجود صورته، وهو علة (٥) في الحقيقة أو في معنى علة العلة، فهو نحو شق الزق (٦) وقطع حبل القنديل
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "وسمي".
(٢) "والنية وستر العورة ولا وجود" من ب. وهي غير واضحة في الأصل.
(٣) لعل المراد: يتراخى - قال البزدوي في أصوله (٤: ٢٠٣): "وقد ذكرنا أن أثر الشرط عندنا انعدام العلة. وعند الشافعي تراخي الحكم".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "سمي".
(٥) في ب كذا "عليه".
(٦) الزق وعاء من جلد يجز شعره ولا ينتف، للشراب وغيره (المعجم الوسيط).
[ ٦٢٢ ]
وحفر البئر على قارعة الطريق [وحصول] (١) التلف، فإنه يجب الضمان على شاق الزق وقاطع الحبل وحافر البئر - لوجهين:
أحدهما - أن هذا علة التاف. فإت الإتلاف المتصور من العباد هو فعل قام به من الحركة يظهر أثرها (٢) على مجرى العادة في تلف المحل (٣)، فإن المتولدات (٤) مفعوك الله تعالى على الحقيقة عندنا، لا فعل للعباد فيها أصلا. وعند المعتزلة: أفعال العباد تسبيبًا لا مباشرة. ولكن إذا كان العبد منهيًا عن الحركة التي يظهر أثرها في تلف شيء معصوم متقوم (٥) يكون علة التلف، في حق وجوب الضمان، صيانة لعصمة الأموال والأنفس، لأن الإتلاف ما يحصل التلف عقيبه غالبًا بطريق العادة وقد وجد، إلا إذا وجد التلف عقيب فعل غيره (٦) عن اختيار، وهو الإيقاع في البئر، كان الإضافة إليه أولى من الإضافة إلى الحفر السابق، إلا أنه في صورة الشرط، لأنه إزالة المانع عن سيلان الدهن، ووقوع القنديل، والوقوع في البئر. وإزالة المانع شرط في الأصل، ولكنه علة شرعًا، فيضاف الحكم إليه، لكونه علة، لا لكونه إزالة المانع.
والثاني - وهو أن سيلان الدهن علة التلف، فإنه يختلط بسببه بالتراب، في خرج من أن يخكون منتفعًا به، أو يمتزج بالماء، إلا أن (٧) كونه سببًا، لا خلقة، يثبت (٨) بفعل الله تعالى، فلا (٩) يمكن إضافة الحكم إليه،
_________________
(١) في الأصل و(ب): "وحصل".
(٢) في ب: "أثره".
(٣) في ب كذا: "في تلك المحال".
(٤) راجع في مسألة "التولد" فيما تقدم الهامش ١ ص ١٠٩.
(٥) في ب: "متقوم عادة".
(٦) في ب: "غير".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "أنه".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "لا خلقة له ثبت".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "ولا".
[ ٦٢٣ ]
فيضاف (١) إلى الشرط الذي هو فعل العباد، احتياطًا في عصمة الأنفس والأموال (٢). وكذلك الثقل علة الوقوع في مكان خال عن الجسم المانع، وإنه (٣) ولا الشق والحفر لما صار كونه سببًا لها (٤)، أو ثقل الماشي عاملا، لأن الثقل إنما يعمل في السقوط في المكان الخالي وهو إزالة (٥) المسكة. وكذا السيلان (٦): إنما يسيل الدهن (٧) إذا لم يكن في الزق، ووجد طريقًا خاليًا عن المانع، فهو بالشق والحفر جعله عاملا، فيصير في معنى علة العلة. نظيره: رمي (٨) السهم إذا أصاب شيئًا محترمًا، فأتلفه، لما قلنا.
والوجه الأول أصح.
ونوع آخر - يسمى شرطًا وهو في معنى السبب، وهو إزالة المانع عما هو علة، بطريق الاختيار، كمن (٩) حل قيد عبد إنسان حتى أبق، فإنه لا يجب الضمان على الحال، لأن حل القيد إزالة المانع عن الإباق، لكن الإباق فعل فاعل (١٠) مختار، فلا يضاف إلى الحل، فلا يكون شرطًا، لأنه لم توجد العلة عنده لا محالة، لكنه في معنى السبب، لأنه بسبب حل القيد، يتمكن العبد من الإباق، فيكون مفضيًا إليه في الجملة،
_________________
(١) كلمة "فيضاف" غير واضحة في الأصل.
(٢) في ب: "الأموال والأنفس".
(٣) في ب: "فإنه".
(٤) في ب كذا: "سالا".
(٥) في ب: "وهو الذي أزال".
(٦) في ب: "السيالة".
(٧) "الدهن" من ب.
(٨) في ب كذا: "نظيره وفي السهم".
(٩) في ب كذا: "لمن".
(١٠) "فاعل" من ب.
[ ٦٢٤ ]
لكن السبب متى اعترض عليه فعل فاعل (١) مختار، يضاف الحكم إليه، ولا يضاف إلى الفعل السابق (٢). ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف، رحمة الله عليهما، فيمن فتح باب قفص فطار (٣) الطير، أو فتح (٤) باب اصطبل فجرت (٥) الدابة وضلت: إنه لا يضمن، لما ذكرنا.
ونوع آخر - إن العلة إذا كانت ذات وصفين، ووجد الوصفان معًا، فكل واحد كل منهما شرط عند الانفراد، لأن الآخر يوجد عنده، وهما جميعًا علة. وإذا وجدا على التعاقب فالعلة هو الوصف الأخير عندنا، خلافًا لزفر ﵀. والأول شرط في معنى السبب (٦).
ونوع آخر - عند بعض مشايخنا، هو شرط في معنى العلامة، وهو الإحصان، لأن الشرط ما يمنع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط، كما في الشرط في تعليق الطلاق والعتاق، فإن صورتهما (٧) موجودة، وتوقف انعقادهما علة (٨) على وجود الشرط. ومثل هذا لا يوجد في الزنا بحال، لأن الزنا لا يتوقف حكمه على إحصان يحدث، فثبت أنه ليس بشرط، ولكنه علافة (٩) لكونه معرفًا لحكم الزنا. ولهذا قلنا: إن الذكورة ليست بشرط في شهود الإحصان، لأنه معرف، وليس بشرط (١٠).
_________________
(١) "فاعل" من ب.
(٢) في ب: "إلى السبب السابق".
(٣) "قفص فطار" ليست في ب ففيها: "باب الطير".
(٤) "فتح" من ب.
(٥) في ب: "فخرجت".
(٦) "في معنى السبب" من ب. فهو شرط اسمًا لا حكمًا - انظر البزدوي، ٤: ٢١٨.
(٧) في ب: "صورتهما".
(٨) "علة" ليست في ب.
(٩) "علامة" ليست في ب.
(١٠) راجع البزدوي والبخاري عليه، ٣: ٢١٩ - ٢٢٠.
[ ٦٢٥ ]
إلا أن هذا لا يصح، لأن الشرط ليس بمانع انعقاد العلة، بل لم ينعقد العلة عند عدم الشرط، فميكون (١) على العدم الأصلي. ألا يرى أن أركان الصلاة إذا وجدت بصورتها لم تنعقد صلاة عند حدوث شروطها بعدها، لكن لابد أن يكون الشرط (٢) مقارنًا حال وجود العلة، لتوجد العلة عند وجوده. والزنا لا ينعقد علة لوجوب الرجم إلا إذا وجد حال وجود الإحصان، فيكون الإحصان شرطًا لانعقاد الزنا علة، فأما في شهود الإحصان [فـ] لم يشترط الذكورة لأنها شرط، فلا (٣) يضاف إليه وجوب الحكم، ولا وجود العلة. فاشتراط (٤) الذكورة في علة العقوبة، لا يكون اشتراطًا فيما هو شرط العلة.
وزفر يجعله في معنى علة العلة. ونحن نمنع (٥) - على ما عرف في مسائل الخلاف. والله أعلم.
فضل - في بيان (٦) شرائط القياس والعلة:
فنقول:
لصحة القياس شرائط:
منها - وجود أصل معلول، معقول المعنى: إما النص أو (٧) الإجماع، ليعرف الحكم فيه.
- ولابد من وصف مؤثر (٨) في ثبوت ذلك الحكم.
_________________
(١) "فيكون" من ب.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل غير واضحة:
(٣) في ب: "ولا".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "باشتراط".
(٥) راجع البزدوي، والبخاري عليه، ٤: ٢٢٠ - ٢٢١.
(٦) في ب: "وأما بيان". راجع فيما تقدم ص ٦١٥ - ٦١٦.
(٧) في ب: "و".
(٨) في ب: "الوصف المؤثر".
[ ٦٢٦ ]
- ولابد من وجود فرع وجد فيه مثل ذلك الوصف، ليثبت مثل ذلك الحكم فيه (١).
لأن القياس لا يكون إلا بين (٢) شييئن بينهما مشابهة في الوصف المؤثر، ولا وجود له إلا عند وجود الأصل، والفرع، والوصف الدي هو ركن العلة (٣) أو علة، على حسب ما اختلفوا (٤) فيه. فقد وجد حد الشرط في الأصل، والفرع، وهو وجود ركن القياس عندنا (٥).
ثم النصوص، في الأصل، هل هي معلولة أم (٦) تحتاج إلى دليل؟ اختلفوا فيه (٧):
قال أصحاب الظواهر: إنها غير معلولة لما ذكرنا.
وقال بعض القايسين بأنها غير معلولة (٨) في الأصل، إلا إذا قام الدليل من حيث النص والإجماع أنه معلول.
وقال عامة مثبتى القياس: إن النصوص معلولة في الأصل، إلا إذا قام الدليل على أنه لا يمكن تعليل بعضها. وهو قول الشافعي وقول بعض أصحابنا، ﵏.
وقال بعض أصحابنا: إن النصوص، وإن كانت معلولة في الأصل، ولكن لابد من دليل زائد على أن الأصل، الدي نريد استخراج العلة منه،
_________________
(١) "ليثبت فيه" من ب.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "القياس ما يكون بين".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "علة".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "ما اختلف".
(٥) "في الأصل عندنا" من ب. وفي الأصل: "وجد حد الشرط في هذه الأشياء".
(٦) في ب: "أو".
(٧) "فيه" ليست في ب.
(٨) "لما ذكرنا غير معلولة" ليست في ب.
[ ٦٢٧ ]
أنه معلول، إلا إذا اتفقوا على كونه معلولا (١)، مع اختلافهم في الوصف الذي هو علة، كما في النص الوارد في باب الربا، وهو قوله ﵇: "الحنطة بالحنطة" (٢): اتفقوا (٣) أنه معلول. ولكن عندنا: العلة (٤) وصف كونه مكيلا. وعند الشافعي ﵀: وصف (٥) كونه مطعونًا. وعند مالك ﵀: كونه مقتاتًا (٦).
وجه قول الأولين: إن الحكم ثابت بظواهر النصوص، وبالتعليل يتغير حكم النص من حيث الظاهر، فإن في قوله ﵇: "الحنطة بالحنطة، مثلا بمثل، يدًا بيد، والفضل ربا" (٧) حكم النص: حرمة فضل الحنطة على الحنطة في البيع، وبالتعليل يتغير ويصير حكم النص هو حرمة بيع (٨) المكيل بالمكيل في الجنس متفاضلا (٩)، سواء كان حنطة (١٠) أو غيرها. هذا عندنا - وعند الشافعي ﵀، حرمة بيع المطعوم لي المطعوم متفاضلا سواء كان حنطة أو غيرها (١١). وإذا كان
_________________
(١) "معلولا" ليست في ب.
(٢) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" رواه مسلم (ابن حجر، في بلوغ المرام، رقم ٦٩٦، ص ١٢٥ وانظر أيضًا رقم ٧٠٠ ص ١٢٦). ورجع فيما تقدم الهامش ١٣ ص ٢٦٦ و١٠ ص ٤٩٥.
(٣) "اتفقوا" مكتوبة في الأصل في الهامش على أنها تصحيح.
(٤) في ب: "العلة عندنا".
(٥) "وصف" ليست في ب
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "مقياتًا". والقوت ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام. وقات الرجل قوتًا أطعمه ما يمسك الرمق. وأقاته أعطاه قوته. واقتات الشيء جعله قوتًا. والقائت من العيش ما فيه الكفاية. (المعجم الوسيط).
(٧) راجع فيما تقدم الهامش.
(٨) "بيع" جاءت في الأصل في الهامش على أنها تصحيح.
(٩) "متفاضلا" من ب.
(١٠) في ب: "كانت الحنطة".
(١١) "هذا عندنا أو غيرها" من ب.
[ ٦٢٨ ]
كذلك، فالأصل هو إجراء النص على حكمه دون التغيير، وإنما يثبت التغيير بدليل.
وفي قول الفريق الثاني: إن القياس لما كان حجة وواجب العمل به (١)، وذلك لا يكون إلا بالعلة، فكان الأصل هو وجود المعنى المودع في النصوص، حتى يمكن القياس، لأن إيجاب القياس في غير موضع الإمكان لا يجوز، [فـ] يجب أن يكون الأصل هو كون النص معلولا، إلا إذا قام الدليل على أن النص غير معقول المعنى، فيجب التمسك بالأصل.
وجه قول الفريق الأخير، وهو أن النصوص على ضربين: معلولة وغير معلولة، وإن كان كونها معلولا هو الأصل، ولكنه ثابت من حيث الظاهر مع الاحتمال، فلا يكون حجة في حق الإلزام على الخصم، بمنزلة ظاهر اليد: حجة في حق الدفع، دون الإلزام على الغير (٢) - كذا هذا.
إلا أن الصحيح قول من قال من الفقهاء إن النصوص معلولة في الأصل:
- لأن أحكام الله تعالى مبنية على الحكم ومصالح العباد. والمعنى بقولنا (٣) النصوص معلولة هذا: أن أحكام الله تعالى متعلقة بمعان ومصالح (٤) وحكم، فإن كانت معقولة يجب القول بالتعدية، ويجوز (٥) أن يكون البعض: مما لا نعرفه بعقولنا، فيكون الأصل ما قلنا.
- ولأن الأصل إذا كان واحدًا، واستخرج منه كل من خالف علة (٦)، لتعلق الحكم بها، فيكون الأصل معلولا باتفاقهم، وإن كان (٧) كل
_________________
(١) "به" من ب.
(٢) لعل المقصود: حيازة الشيء أي كونه في يده - راجع المادة ١٦٧٩ و١٧٥٤ وما بعدها من مجلة الأحكام العدلية.
(٣) كذا في ب وفي الأصل: "لقولنا" وقد تكون في الأصل: "بقولنا".
(٤) في ب كذا: "بمصالح ومعاني وحكم".
(٥) في ب كذا: "ونحو".
(٦) في ب: "علته".
(٧) في ب: "باتفاقهم فكذا إذا كان".
[ ٦٢٩ ]
واحد استخرج من أصل على حدة، فمتى علله (١) بوصف مؤثر ووجد فيه ما هو حد العلة، يكون معلولا أيضًا (٢).
فلا حاجة إلى قيام النص أو الإجماع على كونه معلولا - ألا ترى أن الصحابة اختلفوا في أشياء، واستنبط كل واحد منهم (٣) من أصل، غير الأصل الذي استنبط منه صاحبه، ولم ينكر عليه صاحبه، ولم يرد عليه: بأن ما ذكرت من الأصل غير متفق عليه. وما أدى إلى خلاف إجماع الصحابة، فهو باطل.
ومنها - أن العلة التي يقاس الفرع على الأصل بها، يجب أن يكون مطردة في جميع الفروع، فيكون الاطراد شرط صحة العلة، لكن لا يكون دليل الصحة على ما مر (٤).
وهذا على قول من لم يجوز تخصيص العلة.
فأما على قول من يجوز تخصيص العلة، فالاطراد ليس بشرط صحة العلة، بل هو دليل الصحة (٥).
والقائلون بتخصيص العلة هم (٦) المعتزلة غير صاحب "المعتمد" من المتأخرين منهم (٧). ومشايخ العراق من أصحابنا ﵏. وبه قال القاضي الإمام أبو زيد ﵀.
_________________
(١) في ب: "على حدة وعلله".
(٢) "أيضًا" من ب.
(٣) "منهم" من ب.
(٤) راجع فيما تقدم ص ٥٩٩ وما بعدها.
(٥) "بل هو دليل الصحة" من ب.
(٦) "هم" من ب.
(٧) "غير صاحب المعتمد منهم" من ب. ولعل المقصود هو أبو الحسين البصري محمد بن علي صاحب "المعتمد" في أصول الفقه. وهو في المعتزلة من الطبقة الثانية عشرة (أصحاب قاضي القضاة عبد الجبار المتوفي سنة ٤١٥ أو ٤١٦) - أحمد بن يحيى المرتضى، طبقات المعتزلة، ص ١١٩. راجع فيما تقدم الهامش ٣ ص ٢٦٥.
[ ٦٣٠ ]
وعلى قول مشايخ سمرقند - وهو قول الشيخ أبري منصور الماتريدي ﵀: لا يجوز. وهو قول مشايخ بخارى قديمًا وحديثًا (١).
وهو أظهر قولي (٢) الشافعي ﵀. وأصحابه مختلفون فيه.
وهذا الاختلاف (٣) في العلة المستنبطة.
فأما في العلة المنصوصة [فقد] اختلف من لم يجوز التخصيص في العلة المستنبطة:
بعضهم قالوا: يجوز.
وبعضهم قالوا: لا يجوز.
وجه قول (٤) المجوزين لتخصيص (٥) العلة: وهو أن المعنى للأحكام بمنزلة اللفظ العام في تناول المسيمات الداخلة تحته، فإن المعنى يوجب أن يكون الحكم به ثابتًا في جميع المواضع التي (٦) وجد فيه، كما أن اللفظ يقتضي أن يتناول (٧) جميع المسميات الداخلة تحته. ثم جاز تخصيص الاسم العام بدليل يقوم أنه غير مراد به - فكذا وجب أن يجوز: أن يقوم (٨) دليل آخر يبين أن الحكم غير ثابت به في الموضع المخصوص، والمعنى الجامع بينهما أن كل واحد منهما علم على الأحكام، إذ الأحكام تارة تثبت بالأسماء وتارة بالمعاني، ولأن عامة أحكام الله تعالى وعباداته واجبة على العموم ثم تسقط (٩) في حالة الضرورة والحرج. وهذا هو
_________________
(١) "وهو قول وحديثًا" من ب.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "قول".
(٣) في ب: "الخلاف".
(٤) "قول" من ب.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "بتخصيص".
(٦) في ب: "الذي". وكانت كذك في الأصل ثم صححت في الهامش إلى "التي".
(٧) في ب تكررت عبارة "جميع المواضع يتناول".
(٨) "أن يقوم" ليست في ب.
(٩) في ب: "سقط".
[ ٦٣١ ]
تفسير الخصوص، فإن المعاني التي تقتضي الوجوب في حالة الاختيار لم ينعدم حالة الضرورة، ثم امتنع الحكم لمكان الضرورة والحرج. وفي المحرمات من الميتة وغيرها: ثبتت مطاقة لمعان معلومة، ثم أحلت حالة الضرورة مع قيام المعنى الوجب للحرمة، لاعتراض الضرورة.
وكذلك قال أصحابنا ﵏ بالقياس والاستحسان، وهو تفسير الخصوص. فإن معنى القياس يوجب الحكم عامًا في كل موضع وجد فيه، ثم استحسنوا في موضع، ولم يثبتوا في موضع الاستحسان ذلك الحكم، بل خلافه مع وجود معنى القياس، لنص ورد أو لضرورة دعت أو لمصاحة ظهرت - وهذا عين تخصيص العلة.
وجه قول المنكرين لتخصيص العلة: إن القول بالجواز يؤدي إلى نسبة (١) التناقض إلى الشرع، تعالى الله (٢) وجل، عن ذلك. بيانه أن من بين علة في موضع الإجماع وجعل حدها هو التأثير (٣) أو الاطراد أو الإخالة، على حسب ما اختلفوا فيه، ثم إذا وجدت تلك العلة في موضع آخر متعرية عن الحكم، فلا يخلو: إما أن يقول بأن ذلك الوصف علة شرعًا في ذلك الوضع، لكن امتنع الحكم لمانع. أو يقول بأنه يخرج من أن يكون علة فيه، لمانع شرعًا. فإن قال بأنه علة فيه ولم يثبت الحكم لمانع، فقد نسب التناقض إلى الشرع، لأن (٤) علل الشرع كلها (٥) أمارات ودلائل على أحكام الله تعالى، والدليل ما يظهر به المدلول، فكأن الشرع
_________________
(١) كذا في ب: "نسبة". وقد وردت هذه الكلمة في هامش الأصل غير واضحة.
(٢) "الله" من ب.
(٣) في ب: "هو الثابت".
(٤) في ب: "فإن".
(٥) "كلها" من ب.
[ ٦٣٢ ]
نص على أن هذا الوصف دليل على (١) هذا الحكم أينما وجد، ومتى خلا الدليل عن المدلول، فقد جاءت المناقضة.
فإن (٢) قال: يخرج من أن يكون علة شرعًا. فقد نسب التناقض في حد العلة إلى الشرع، فإن (٣) التأثير أو الاطراد الذي جعله علامة العلة ودليلها موجود وليس بعلة. وقد نسب إلى الشرع أن بوجود التأثير صار (٤) هذا الوصف علة أينما وجد وظهر بخلافه. وكل قول يؤدي إلى نسبة التناقض إلى الشرع باطل، لأن التناقض (٥) أمارة الجهل أو السفه، وذا أمارة النقض (٦)، والشرع منزه عن سمات النقض (٧).
فأما (٨) تخصيص اللفظ (٩) العام، فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما - أنه لا فرق بين الأمرين: فإن من علق الحكم بظاهر اللفظ، ثم جوز تخصب ص اللفظ، فقد ناقض (١٠). فإن من قال في قوله تعالى: "اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (١١): حكم النص إباحة قتل المشرك باسم الشرك (١٢)، ثم قال بحرمة قتل الذمي مع كونه
_________________
(١) "على" من ب.
(٢) في ب: "وإن".
(٣) في ب: "كان".
(٤) "بوجود الأثير صار" من ب.
(٥) "باطل لأن التناقض" ليست في ب.
(٦) و(٧) في ب: "النقص".
(٧) في ب: "وأما".
(٨) "اللفظ" من ب.
(٩) في ب كذا: "ناقص".
(١٠) سورة التوبة: ٥ - ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾.
(١١) في ب: "باسم المشرك".
[ ٦٣٣ ]
مشركًا، فقد ناقض، كما في تخصيص العلة، إلا أن في العام: إذا قام دليل تخصيص الذمي عن النص، تبين أن إباحة القتل غير متعلقة (١) بمطلق اسم المشرك، ولكن بقتل مشرك مقيد بكونه محاربًا، كأنه تعالى (٢) قال في الابتداء: "اقتلوا المشركين المحاربين" فلا يكون المشرك الذي ليس بمحارب مرادًا بالنص، وذكر المطلق على إرادة المقيد جائز، لأن هذا من باب الكلام والإضمار، والتقييد جائز فيه، فلا يؤدي إلى التناقض.
فأما المعلل (٣) إذا ذكر الوصف علة على الإطلاق، وادعى كونه علة شرعًا، وبعد قيام التخصيص، يقول إنه علة أيضًا، ولكن امتنع حكمه لمانع، فلم يكن فيه ذكر المطلق على إرادة المقيد، فيكون تناقضًا. ولو قال إنه علة مع ذلك القيد وأراد أن (٤) الشرع جعل ذلك الوصف علة مع ذلك القيد، فلم يكن علة بدونه، فكان (٥) انعدام الحكم لعدم العلة، لا لمانع مع قيام العلة - فهو صحيح، لكن المعلل صار مناقضًا في خبره عن الله تعالى - في جعل الوصف مطلقًا علة (٦). فعلى هذا لا فرق بين تخصيص العام والعلة: فإن من علق الحكم في الموضعين بظاهر اللفظ (٧) والوصف، ثم وجد اللفظ والوصف متعريًا عن الحكم، فقد ناقض. ولو (٨) قال: إني أريد باللفظ المطلق هو المقيد في العام، وبالوصف المطلق المقيد، لم يكل مناقضًا، لكن لا يسمع هذا في حق العلل،
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "غير متعلق".
(٢) "تعالى" من ب.
(٣) "المعلل" من ب.
(٤) "أن" من ب.
(٥) في ب: "وكان".
(٦) "علة" من ب.
(٧) في ب: "الحكم بظاهر اللفظ في الموضعين".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "وإن".
[ ٦٣٤ ]
لأنه يجوز المناقضة عليه. فأما في حق العام، في سمع (١)، لقيام الدليل على أنه لا يجوز وصف الله تعالى بالتناقض، ولكن يصير المعلق للحكم بعين اللفظ في العام وبعين الوصف في العلة، مناقضًا إذا وجد في موضع من المواضع من غير حكم - والله الموفق.
والثاني - أن الحكم ثابت بظاهر النص على العموم من غير أن يكون متعاقًا بالاسم، كقو له تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ (الآية) " (٢) ثبوت إباحة قتل المشركين لا لكونهم مشركين، حتى يتعلق الحكم باسم المشركين، ولا بمعنى ما. فلما خص أهل الذمة، صىار المراد من العلم البعض، كأنه قال تعالى: "اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة" وإطلاق اسم الكل على البعض جائز. أما في العلة [فقد] علق الحكم بالعلة، فيكون التخصيص مناقضة على ما ذكرنا (٣).
وقولهم: إن القول بالقياس والاستحسان من باب تخصيص العلة. فليس كذلك، لأنا لا (٤) نقول إن (٥) معنى القياس في موضع الاستحسان قائم، ولا حكم له (٦)، بل تبين (٧) أن ذلك المعنى لم يتعلق به الحكم (٨) وحده، بل به وبالمعنى الذي وجد في موضع الاستحسان، فينعدم الحكم في موضع القياس، لعدم المعنى الوجب لذلك الحكم، بعدم معنى زائد، لا أنه علة، ينعدم الحكم في موضع الاستحسان مع قيامه - فدل أنه ليس من باب تخصيص العلة - والله أعلم.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "يسمع".
(٢) سورة التوبة: ٥. راجع فيما تقدم الهامش ١١ ص ٦٣٣.
(٣) "والثاني فيكون التخصيص مناقضة على ما ذكرنا" من ب. وليست في الأصل.
(٤) "لا" من ب. وليست في الأصل.
(٥) في ب: "بأن".
(٦) "له" من ب.
(٧) في ب: "يتبين".
(٨) في ب كذا: "لم يتعلق في الحكم".
[ ٦٣٥ ]
ومن شرائط صحة القياس أيضًا:
أن يكون الحكم في النصوص عليه ثابتًا بالوصف الذي جعل علة، حتى يثبت مثل ذلك الحكم، في غير المنصوص عليه، لوجود (١) مثل ذلك المعنى. أما متى لم يكن الحكم في الأصل ثابتًا بالعلة، فكيف يثبت في الفرع، بمثله.
وهذا على قول مشايخ سمرقند. وهو قول الشيخ الإمام الأجل (٢) أبي منصور الماتريدي (٣) ﵀. وهو قول الشافعي ﵀.
وقال مشايخ العراق: هذا ليس بشرط، والحكم في النص لا يثبت بالعلة، بل بعين النص، ولكن الوصف في الأصل جعل علمًا على كونه علة للحكم في الفرع (٤).
ويبتنى على هذا أن العلة القاصرة في موضع النصل والإجماع، والعلة المتعدية (٥) عنهما إلى الفروع، صحيحة عند الفريق الأول، ولا يجوز عند الفريق الثاني إلا العلة المتعدية (٦).
وعلى هذا المذهب أكثر المتأخرين من أصحابنا ﵏ اتباعًا للقاضي الإمام أبي زيد ﵀.
وجه قول من قال: إن الحكم لا يثبت بالعلة في المنصوص عليه:
_________________
(١) في ب: "بوجود".
(٢) "الإمام الأجل" ليست في ب.
(٣) "الماتريدي" من ب. وتقدمت ترجمته في الهامش ٥ ص ط من المقدمة، و٤: ٣.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "لحكم الفروع".
(٥) في ب كذا: "المتعرية".
(٦) "إلا العلة المتعدية" من ب إلا أن فيها كذا: "المتعرية".
[ ٦٣٦ ]
[أولا] أن النص دليل مقطوع به، والعلة دليل من حيث الظاهر، مع الاحتمال، فكان إضافة الحكم إلى الدليل القطعي أولى - على أن إضافة الحكم إلى الدليل المحتمل مع إمكان الإضافة إلى الدليل القطعي من باب السفه في الشاهد، والله تعالى منزه عن صفات النقص، فلا يجوز القول بما يفضي إلى نسبة السفه إليه. ولأن هذا الوصف موجود قبل الشرع، ولا حكم له، ولو كان وجود الوصف يقتضي الحكم لا محالة، يقتضي أن لا يجوز خلوه عن الحكم. ولكن لما كان علة بالشرع، فيكون علة في الموضع الذي جعله الشرع علة، والشرع جعله علة في الفرع لا في النص.
ولا يقال: إن الحكم في المنصوص عليه (١) إذا لم يكن ثابتًا بالعلة كيف يتعدى (٢) إلى الفرع ولا نص في الفرع؟ كيف يثبت الحكم في الفرع بالقياس؟ لأنا نقول: بلى ولكن الحكم يثبت بإثبات الله تعالى، فهو المثبت للأحكام، والنص دليل وعلم على حكم الله تعالى، والله تعالى كما جعل النص دليلا على ثبوت الحكم في المنصوص عليه، جعل العلة أمارة ودليلا (٣) على ثبوت الحكم في الفرع، فمتى قاس شيئًا على المنصوص عليه الذي فيه وصف وعلة على ثبوت الحكم في الفرع وقد وجد مثل ذلك الوصف فيه، يكون قياسًا صحيحًا.
والثاني: أن العلة في موضع النص مؤثرة صالحة لثبوت (٤) الحكم بها في المنصوص عليه، كما هي صالحة مؤثرة في ثبوت الحكم في الفرع،
_________________
(١) في ب: "ولا يقال إن الحكم إذا لم يكن في المنصوص عليه".
(٢) في ب: "تعرى".
(٣) في ب: "أمارة وعلمًا".
(٤) في ب: "لإثبات".
[ ٦٣٧ ]
إلا أن النص أقوى من العلة، فاستحق حكمها بدليل فوقه. وهذا لا يقدح في كونها مؤثرة في الفرع، لأنه ليس في الفرع دليل أقوى منه. ونظيره: الشركة علة استحقاق الشفعة، والجوار علة أيضًا، وفي موضع الشركة وجدت علتان: الشركة والجوار، لكن الشركة أقوى منه (١)، فيصير علة، وبهذا لا يخرج الجوار من أن يكون علة في غير موضع الشركة - كذلك ههنا.
والثالث: ما قاله بعض مشايخنا: إن الحكم في حق المنصوص عليه مضاف (٢) إلى النص دون العلة، وفي حق غير المنصوص عليه مضاف إلى العلة، فيكون الحكم ثابتًا في النص بالعلة في حق الفرع لا في المنصوص عليه - هذا كما قال أصحابنا ﵏ في مسألة الصلح عن (٣) الإنكار: إن المدعى به (٤) ثابت في حق المدعى لا في حق المدعى عليه. وفي حق المدعى عليه ثابت لا في حق المدعي، فيعتبر زعم كل واحد منهما في حقه لا في حق صاحبه، كذا هذا، وفيه نظر.
وجه قول مشايخ سمرقند:
[أولا]: إن القياس صحيح بإجماع القايسين، وإنما يتحقق القياس [إذا] كان (٥) الحكم ثابتًا في المنصوص عليه بالعلة، حتى يمكن إثبات مثل ذلك الحكم، يمثل تلك (٦) العلة. فأما إذا كان الحكم ثابتًا في الأصل بالنص، لا بالعلة، ولا نص في الفرع ولا يثبت بالعلة في الأصل، لم يتصور
_________________
(١) "منه" من ب.
(٢) في ب: "يضاف".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "على".
(٤) : "به" من ب.
(٥) في الأصل وفي ب كذا: "أن لو كان".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "ذلك".
[ ٦٣٨ ]
إثبات مثل حكم الأصل، بمثل الوصف الذي في الفرع، وإنما يصح إذا كان الحكم في الأصل ثابتًا بالعلة، ليثبت في الفرع مثله، بمثل ذلك الوصف. فكان إجماعهم على صحة القياس إجماعًا على أن الحكم في الأصل ثابت بالعلة (١).
قولهم: إن النص أقوى - فنقول (٢):
[أولا]: النص غير مثبت للحكم، ولم يكن ثبوت الحكم مضافًا إليه، وإنما يثبت بالنص معرفة الحكم والعلم به. وإنما المثبت للحكم هو الله تعالى، لكن قد يثبت لمعنى (٣) وسبب لما يرى من الحكمة فيه، ويقام السبب مقامها (٤). وقد يثبت الحكم ابتداء من غير سبب إذا كانت الحكمة في اقتصار الحكم على موضع النص لاغير. فكان حظ العلة ثبوت الحكم. وحظ النص هو معرفة الحكم. فيكون العلة في حق الحكم أقوى من النص، لأن المعرفة بناء على الثبوت وإن كان النص دليلا قاطعًا، والعلة المستنبطة ليست (٥) بقاطعة. على أن العلة قد تكون قاطعة بأن كانت منصوصة - فما قولكم أنه هل يضاف إلى العلة مع الإضافة إلى النص؟ فإن قلتم: لا يضاف، دل أنه لا تأثير لما قلتم. وإن قلتم: إنه (٦) يضاف، دل أن الحكم في المنصوص عليه يضاف إلى العلة.
والثاني: إن كان ثبوت الحكم يضاف إلى النص [فإنه] يجوز (٧) أن يكون مضافًا إليهما، لأن العلة الشرعية في الحقيقة دليل حكم الله تعالى،
_________________
(١) "ليثبت في الفرع ثابت بالعلة" ليست ني ب.
(٢) في ب: "قلنا".
(٣) في ب: "بمعنى".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل قد تكون: "مقامهما".
(٥) "ليست" ليست في ب.
(٦) "أنه" من ب.
(٧) في الأصل و(ب): "إلى النص ولكن يجوز".
[ ٦٣٩ ]
ويجوز أن يكون لمدلول واحد دلائل، وإن كان البعض أظهر من البعض.
والجواب الأول أصح.
قولهم: إن هذا الوصف موجود قبل ورود الشرع ولا حكم له - فنقول (١): نحن لا ندعى كون الوصف علة لعينه حتى يقال: يجب أن يثبت به الحكم في كل موضع وجد عينه، وإنما يعرف علة بالشرع، وهو النص والاستدلال باعتبار تأثيره في جنس هذا الحكم في الشرع، وهذا لا يعرف إلا بعد ورود الشرع. ثم بعد (٢) ورود الشرع متى عرف كونه علة بالنص، يكون الحكم مضافًا إليه بالإجماع، في موضع النص وفي الفرع، فكذا إذا عرف بالاستدلال: يجب أن يضاف إلى العلة في المنصوص وغيره. وهو دليل مبتدأ في المسألة: أن العلة إما أن نعرف بالنص أو بالاستدلال. ومتى عرفت (٣) بالنص، تثبت (٤) في كل موضع وجدت فيه العلة. فكذا إذا عرف (٥) بالاستدلال، يجب أن يكون علة، في كل موضع وجد، لأن (٦) دليل صحة العلة هو التأثير الذي به. يعقل كون الوصف علة ويترجح على غيره من الأوصاف. فمتى وجد، ولا يثبت به الحكم، بطل كونه دليلا، لأن الدليل متى وجد ولا يضاف إليه المدلول لا يكون دليلا ويتناقض دلالته - والله أعلم.
_________________
(١) في ب: "قلنا".
(٢) في ب: "وبعد".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "عرف".
(٤) في ب: "ثبت".
(٥) "وجدت فيه العلة عرف" ليست في ب.
(٦) "لأن" ليست في ب.
[ ٦٤٠ ]
ومن شرائط صحة القياس أيضًا:
أن لا يكون مخالفًا للنص، لأن الشرع جعل القياس حجة موجبة للعمل (١)، بشرط أن لا يكون مخالفًا للنص، لأن القياس دون النص - قال النبي - ﷺ - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تقضي" قال: "بكتاب الله تعالى" قال: "فإن لم تجد" قال: "بسنة رسول الله - ﷺ - قال: "فإن لم تجد" قال: "أجتهد في ذلك (٢) رأيي" فقال ﵇: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله". ولأن القياس دليل [من أدلة] الشرع، فلا يجوز أن يكون قياسًا صحيحًا مخالفًا للنص (٣)، لأن دلائل الشرع لا يتناقض، فمتى وجدت المخالفة ظاهرًا، دل على كون القياس فاسدًا - والله أعلم.
هذا هو المراد، لا أن القياس صحيح، والنص مخالف له، حتى يقال ورد النص بخلاف القياس - على ما نذكر (٤).
ومن شرائط صحة (٥) القياس:
أن يكون الحكم الذي يقاس أمرًا شرعيًّا أو عقليًا، لا اسمًا لغويًا.
وقال بعض أصحاب الشافعي ﵀: إن (٦) القياس يجري في إثبات الأسامي واللغات. وبنوا على هذا: مسألة النبيذ، وهو المطبوخ المثلث المسكر: إن حكمه و(٧) حكم الخمر سواء، وإن كان النص ورد باسم الخمر، ولكن إنما سمي خمرًا، لكونه مخامرًا للعقل، والنبيذ
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "حجة في حق العمل".
(٢) في ب: "اجتهد فيه".
(٣) في ب: "النص".
(٤) "هذا هو المراد على ما نذكر" من ب وليست في الأصل.
(٥) "صحة" ليست في ب.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "بأن".
(٧) "و" من ب.
[ ٦٤١ ]
المسكر في معناه، فإثبات اسم الخمر لذلك المايع المسكر يكون إثباتًا للنبيذ.
ولكن هذا فاسد عندنا، لأن (١) القارورة في وضع اللغة اسم مأخوذ من القرار، وهو ما يقر الماء فيه، ثم لا يطلق هذا الاسم في الكوز من الخزف والحجر والذهب والفضة مع وجود هذا المعنى - ولهذا نظائر. ولكن الاسم متى وضع لعين خاص بهيئة مخصوصة وصفات معلومة، فلا يقاس (٢) ما ساواه (٣) في المعنى المقصود منه، مع المخالفة في الصورة، بل المعتبر فيه الوضع، ولو عدي الاسم من الموضع (٤) إلى غيره باعتبار المساواة في المعنى المقصود الظاهر، يسمى ذلك مجازًا لا حقيقة، على ما ذكرنا في فصل الحقيقة والمجاز.
وذكر القاضي الامام (٥) أبو زيد ﵀ شروطًا أربعة لصحة القياس.
أحدها - أن لا يكون الأصل مخصوصًا بحكمه (٦) بنص آخر. مثاله: قبول شهادة خزيمة وحده (٧)، مع شرط العدد في حق سائر الناس، لاختصاصه بهذه الكرامة. وكذا حل تسع نسوة لرسول الله - ﷺ - من بين سائر الناس. و(٨) لو جاز تعليل ذلك، لبطل الاختصاص.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "فإن".
(٢) في ب كذا.: "وصفان تعلق به فلا يقاس".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "ما سواه".
(٤) في ب: "الموضوع".
(٥) "الإمام" ليست في ب.
(٦) في ب: "بحكم".
(٧) "وحده" ليست في ب. هو خزيمة بن ثابت جعل رسول الله - ﷺ - شهادته بشهادة رجلين. راجع: ابن الأثير، أسد الغابة. وابن عبد البر، الاستيعاب.
(٨) "و" من ب.
[ ٦٤٢ ]
و(١) الثاني: أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن القياس. مثاله أن أكل الناسي لا يفسد الصوم بالنص، مخالفًا لقياس الأصول، لأن الأكل مضاد لركن (٢) الصوم، ولا بقاء للشيء مع ما يضاده وينافيه، فلا يجوز تعليل النص الوارد في حق الناسي وقياس غيره عليه (٣)، لأن تعليل النص لاثبات مثل حكمه في غيره، والنص متي كان بخلاف القياس يكون مانعًا للقياس.
والثالث: أن (٤) يبقى حكم النص بعد التعليل، كما كان قبله، من غير تغيير (٥)، لأنه يصير التعليل مبطلا لحكم النص. مثاله: ما قال الشافعي ﵀: إن النبي - ﷺ - قال: "في خمس من الإبل شاة". حكم النص وجوب دفع الشاة، ومتى جوزنا التعليل لا يبقى حكم النص، وهو وجوب الشاة، بل هو مخير عندكم بين أن يؤدي عين الشاة وبين أن يؤدي قيمتها، وهذا مناقضة حكم الوجوب.
والرابع: أن يتعدى عن الحكم (٦) الثابت بالنص إلى غيره من غير تغير، أي يثبت مثل ذلك الحكم الثابت بالنص ظاهرًا من غير تغير. مثاله: ما قال الخصم في هذه المسألة أيضًا: إن حكم النص وجوب أداء الشاة بصورتها ومعناها، وبعد التعليل يتغير حكمه عن (٧) الصورة.
ولكن أهل التحقيق من مشايخنا قالوا: إن ما ذكر لا يصلح أن يكون شرط صحة القياس، لأنه يمنع ثبوت حكم القياس، فيمنع وجود القياس، ولا يتصور وجود حكم القياس مع هذه الشرائط.
_________________
(١) "و" ليست في ب.
(٢) في ب كذا: "لذكر".
(٣) "عليه" من ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل قد تكون: "أنه".
(٥) في ب: "تغير".
(٦) "الحكم" ليست في ب.
(٧) في ب: "وعن".
[ ٦٤٣ ]
بيانه أن حكم القياس ثبوت عين الحكم المنصوص عليه بعين الوصف الذي تعلق به الحكم، أو ثبوت مثل ذلك الحكم بمثل ذلك الوصف. وهذا لا يتصور ثبوته في الفرع مع هذه الشروط (١)، فان حكم ظاهر النص في قوله ﵇: "الحنطة بالحنطة، مثلا بمثل، يدًا بيد، والفضل ربا" ثبوت حرمة الفضل على الكيل في الحنطة، وعين هذا الحكم أو مثله لا يتحقق في الجص، فإن الحكم ثم (٢) حرمة الفضل على الجص، وحرمة الفضل على الحنطة غير حرمة الفضل على الجص (٣)، فيكون منعًا لوجود القياس، فكان القول باشتراطه إنكارًا (٤) للقياس. ولعمري يصلح هذا حجة لمنكري القياس ونفاته، ولكن من جوز القياس وتعرف (٥)، بالتأمل في دلائل الشرع، فيعرف، إما بدليل قطعي أو بدليل اجتهادي، على أن حكم النص حرمة فضل مكيل جنس مطلقًا، أي شيء كان: البر أو غيره، ويكون الوصف المؤثر هو كونه فضل مكيل جنس، فأمكنه التعادية إلى الجص والأرز وكل مكيل، وإن كان هذا تغيير (٦) ظاهر النص، ولكن لما عرف بما يعرف به سائر الأشياء، إما النص أو الاستدلال، على أن حكم النص هذا، دون ما هو حكم ظاهر النص، يجب القول به، وبثبوت مثله في الفرع على ما نذكر في فصل الحكم بأبلغ من هذا.
_________________
(١) "مع هذه الشروط" من ب.
(٢) في ب: "فإن الحرمة ثمة".
(٣) "وحرمة الفضل على الحنطة الجص" ليست في ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "يكون إنكارًا".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل كذا: "ـتعرف".
(٦) في ب: "بغير".
[ ٦٤٤ ]
ويتبين بهذا أن أحكام الله تعالى لم تتعلق بالألفاظ والأسامى، وإنما تعلقت بالحكم والمعاني، فلا يكون تغييرًا حقيقة، وهو جوابنا لنفاة القياس.
وبهذ الطريق - قلنا، في مسألة دفع القيم (١)، إن بالتعليل يظهر أن حكم النص ليس هو وجوب أداء الشاة في خمس من الإبل، بل الحكم: إما وجوب جزء من النصاب من حيث إنه مال مقدر بمالية الشاة، أو وجوب أداء مالية الشاة. عرفنا ذلك بدلائل ظاهرة، ثم أثبتنا في الفروع (٢) من غير تغيير، إذ ما (٣) هو طريق القياس يوجد في كل حكم على ما نذكر، فلا معنى للامتناع عن القياس في بعض المواضع دون البعض مع وجود الطريق، فيكون مناقضة من مثبتى القياس، فيكون إجماعًا منهم على القياس في كل موضع وجد طريقه، وذلك يقتضي ما قلنا
وأما اشتراط كون الأصل غير معدول به (٤) عن القياس، وغير مخصوص بحكمه بنص آخر:
[فـ] إنما يستقيم على قول من يقول بتخصيص العلة: فإن عندهم، إذا ورد نص بخلاف ذلك القياس، يكون القياس صحيحًا، وامتنع حكمه بالنص.
فأما (٥) عند من قال إن تخصيص العلة لا يصح، [فـ] يقول: إن النص إذا ورد بخلاف ذلك القياس، يتبين أن ذلك القياس باطل، لأن العلة، ما لها حكم، وكل (٦) ما لا حكم له من العلل، لا يكون علة.
_________________
(١) أي دفع قيمة الشاة بدلا عن عينها - راجع فيما تقدم ص ٦٤٣.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "الفرع".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل "ما" غير ظاهرة.
(٤) "به" ليست في ب.
(٥) في ب: "وأما".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "فكل".
[ ٦٤٥ ]
وهذا هو الصحيح، لأن القياس حجة من حجج الشرع، فلا يجوز أن يرد (١) النص بخلافه، فيؤدي إلى التناقض، فيكون حكم القياس صحيحًا، وضده يكون صحيحًا، وحكم القياس لا يحتمل النسخ.
وإذا ثبت هذا، فالقول بكون حكم الأصل غير معدول به (٢) عن القياس، قول بتخصيص العلة، فلا يصح هذا الشرط على قول منكري تخصيص العلة (٣)، ولكن إنما لا يصح عندهم قياس غيره عليه (٤)، لأنه غير معقول المعنى، وكون الأصل معقولا شرط لصحة القياس، لا أنه ثابت بخلاف القياس.
ولا يقال بأن عندهم إذا كان الأكل علة فساد الصوم، ثم ورد النص ببقاء الصوم مع الأكل ناسيًا، كيف يبقى الأكل (٥) علة؟ وكذا (٦) العدد: شرط في باب الشهادة، ثم ورد النص في حق خزيمة (٧) بقبول شهادته وحده، والعلة، التي بها شرط العدد، قائمة في حقه [فـ] كيف يكون قول خزيمة وحده حجة؟ فيكون مناقضة لولا التخصيص. وكذلك (٨) المعنى الذي به حرم (٩) زيادة العدد على الأربع: ثابت في حق الرسول - ﷺ -، فكيف يثبت الحل في حقه لولا التخصيص؟ وإلا لزم التناقض (١٠) - لأنا نقول: هذا إشكال في مسألة تخصيص العلة،
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل غير واضحة.
(٢) "به" ليست في ب.
(٣) "هذا الشرط العلة" من ب. وفي الأصل: "فلا يصح على قولهم".
(٤) في ب: "إما لا يصح قياس غيره عليه عندهم".
(٥) "الأكل" من ب.
(٦) في ب: "وكذلك".
(٧) خزيمة بن ثابت الأنصاري. شهد بدرًا وما بعدها. وقتل في صفين وجعل النبي - ﷺ - شهادته بشهادة رجلين، فقال ﵊. "من شهد له خزيمة أو عليه فحسبه" - ابن الأثير، أسد الغابة. وابن عبد البر، الاستيعاب.
(٨) "يكون التخصيص" من ب. وفي الأصل: "قائمة في حقه [فـ] كيف يبقى حجة؟ وكذالك".
(٩) في ب: "حرم به".
(١٠) "فكيف يثبت الحل التناقض" من ب.
[ ٦٤٦ ]
وقد ثبت ههنا أن اشتراط هذا الشرط يؤدي إلى القول بتخصيص العلة، وقد ثبت فساده عند منكريه، فلا يصلح أن يكون هذا شرطًا عندهم. ثم عذرهم أن مطلق الأكل ليس علة فساد الصوم، ولكن الأكل بصفة العمدية (١) علة فساد الصوم (٢)، على ما عرف. وفي حق خزيمة قبول شهادته رد إلى الأصل، وهو قبول خبر الواحد العدل، لأن حقيقة الصدق ليس بشرط، ولهذا يقبل خبر الواحد العدل (٣) في باب الديانات. وإنما عرفنا شرط العدد في الشهادة (٤)، بالنص، غير معقول المعنى، فكان قبول شهادة خزيمة وحده بالنص لا يكون مناقضة. وإن كان اشتراط العدد معقولا، ففي حق (٥) خزيمة ﵁ وحده (٦) وجد ذلك المعنى - عرف ذلك بقبول النبي - ﷺ - شهادته وحده، بأن عرف بطريق الوحي أنه لا يكذب ولا يغلط، وجائز أن يكون الواحد معصومًا عن الكذب والغلط والسهو وإن لم يكن نبيًّا. وكذلك إباحة تسع نسوة في حق النبي - ﷺ -: فان ظاهر قوله تعالى: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع" (٧) يقتضي إباحة تسع نسوة أو ثماني عشرة (٨) أو (٩) يدل على إباحة نكاح النساء بقدر الممكن، لأن مثل هذا الكلام يستعمل في العرف لهذا (١٠). وكذا قياس ملك اليمين بظاهر (١١) قوله تعالى:
_________________
(١) في ب: "العمد".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "علة الفساد".
(٣) "لأن حقيقة الصدق العدل" ليست في ب.
(٤) "في الشهادة" من ب.
(٥) في ب: "في حق".
(٦) "﵁ وحده" من ب.
(٧) سورة النساء: ٣ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
(٨) في الأصل كذا: "ثمان عشر". وفي ب: "ثمانية عشر".
(٩) في ب: "و".
(١٠) في ب: "هذا".
(١١) كذا في ب. وفي الأصل: "وظاهر".
[ ٦٤٧ ]
"إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم" (١). هذا (٢) وإنما ترك ظاهره وحمل حرف الواو على معنى حرف "أو" بإجماع الصحابة ﵃، والإجماع ثبت في حق غير الرسول - ﷺ -، وبقي في حقه على ظاهره، حتى روي أن الله تعالى أباح للنبي من النساء ما يشاء (٣). على أن تحريم نكاح الزيادة على الأربع (٤) في حق الأمة معلول لمعنى (٥) عدم ذلك في حقه - ﷺ - (٦)، على ما أشار الله تعالى بقوله: "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة" (٧) وخوف الجور وترك العدل (٨) في هذا الباب لا يتصور في حق الرسول (٩) - ﷺ -، وهو معنى قوله ﵇: "هذا قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك". والله أعلم (١٠).
[٧]