فنقول:
لوجود الإجماع طرق ثلاثة:
أحدها - الاجتماع على قول واحد، بجهة واحدة - بأن يقول جميع أهل الاجتهاد جواب المسألة على وجه واحد من الجواز أو الفساد أو الحل أو الحرمة.
والثاني - الاجتماع على فعل واحد، نحو أن يفعلوا بأجمعهم فعلا واحدًا.
والثالث - أن يوجد الرضا من جميع أهل الاجتهاد على حكم من أمور الدين. وذلك بطريقين:
- يكون إكل بالإخبار عن الرضا بذلك طوعًا، إذ هو أمر باطن لا يعرف إلا بسبب ظاهر دال عليه، وهو الخبر عنه طوعًا.
- وإما بانتشار قول واشتهاره فيهم ولم يوجد، ممن هو بسبيل من ذلك، الرد والإنكار فيه. وذلك في غير حال التقية، وبعد مضي مدة التأمل (١) - لأن إظهار الرضا في حال التقية وترك النكير (٢) والرد، أمر معتاد، بل هو (٣) أمر مشروع رخصة، فلا يدل ذلك على الرضا - فلهذا شرطنا، مع السكوت وترك (٤) الإنكار، زوال التقية. وكذلك السكوت والامتناع عن الرد قبل مضي مدة التأمل، حلال شرعًا، فلا يدل على الرضا (٥).
_________________
(١) "وبعد التأمل" من (أ) و(ب).
(٢) في الأصل وأ كذا: "التكبر". وفي ب كذا: "الكر". ولعل الصواب: "النكير" كما سيأتي.
(٣) "هو" من أ.
(٤) في أ: "وتركه". و"ترك" ليست في ب ففيها: "والإنكار".
(٥) "وكذلك السكوت الرضا" من أ. وهي في ب ما عدا العبارة الأخيرة: "حلال شرعًا الرضا"
[ ٥١٥ ]
ثم قد يتحقق، في كل مسألة واحدة، الإجماع بهذه الطرق كلها (١). وقد يكون ببعض هذه الطرق. وقد يكون بطريق واحد.
ثم لا خلاف في وجود الإجماع وانعقاده بالقول والفعل والرضا بطريق الخبر.
فأما الرضا (٢) بالسكوت بعد انتشار الخبر واشتهاره مع زوال التقية ومضي مدة التأمل (٣) - هل يكون إجماعًا، سواء كان في عصر الصحابة أو في كل عصر؟ ينظر: إما إن كانت المسألة من مسائل الاجتهاد أو لم تكن:
- فإن لم تكن كل من المسائل الاجتهادية (٤)، بل من العقليات المبنية على الدليل القطعي فلا يخلو: إما إن كان عليهم في معرفتها تكليف، أو ليس عليهم في معرفتها تكليف:
• فإن لم يكن في معرفتها تكليف، نحو أن يقال: إن أبا هريرة ﵁ أفضل أم أنس بن مالك ﵁، ونحوها: فإنه إذا وجد من واحد قول، واشتهر ذلك فيما بين العلماء، ولم يرد الإنكار منهم صريحًا، فإن السكوت وترك الرد لا يكون إجماعًا ولا دلالة الرضا بذلك القول المنتشر، لأنه لا تكليف عليهم في معرفة ذلك، فلا يلزمهم النظر: إن ذلك منكر أم لا، وإنما يلزمهم الإنكار إذا علموا أن ذلك منكر. فإذا (٥) لم يلزمهم النظر في كونه منكرًا (٦)، جاز أن لا ينظروا، فلا يحصل لهم العلم بكونه منكرًا،
_________________
(١) "كلها" ليست في ب.
(٢) في ب: "بالرضا".
(٣) "ومضى مدة التأمل" من (أ) و(ب).
(٤) في ب: "من مسائل الاجتهاد".
(٥) في ب: "وإذا".
(٦) "منكرًا" ليست في ب.
[ ٥١٦ ]
فلا يلزمهم إنكاره. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يبعد أن يتركوا إنكار ما لم يثبت كونه منكرًا عندهم، فلا يكون سكوتهم عن الرد والإنكار دليل الرضا (١).
• فأما إذا كان في معرفة حكم الحادثة تكليف عليهم، وانتشر قول البعض في الجواب، وسكت الباقون ولم يردوا عليهم، يكون سكوتهم تصويبًا ورضا كل منهم (٢) بذلك الحكم. لأنه لو كان خطأ، لكانوا (٣) قد أجمعوا على ترك ما يجب عليهم من إنكار المنكر، والله تعالى مدح أمة النبي - ﷺ - بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشهد لهم بذلك، فلا يجوز ترك النهي عن من جماعتهم، فيؤدي إلى الخلف في خبره وشهادته، تعالى الله (٤) عن ذلك. ولأنه إذا كان خطأ ولم يردوا، فقد وجد الاجتماع على الخطأ والضلال، والنبي ﵇ قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (٥) - على ما تقرر في مسألة حكم الإجماع.
- و(٦) أما إذا كانت المسألة اجىتهادية، بأن (٧) كانت في الفروع، التي هي من باب العمل دون الاعتقاد:
• فعلى قول أهل السنة والجماعة (٨) ومن قال إن المجتهد يخطئ ويصيب في الفروع - فالجواب (٩) فيها والجواب في المسألة الاعتقادية سواء، لأن الحق إذا كان واحدًا، لو لم يكن (١٠) القول المنتشر (١١) من البعض فيهم
_________________
(١) هكذا وردت في المعجم الوسيط: "الرضا".
(٢) "مهم" من ب.
(٣) في ب: "لكان".
(٤) "الله" من (أ) و(ب).
(٥) في أ: "الضلالة".
(٦) واو العطف من (أ) و(ب).
(٧) في ب: "فإن".
(٨) "والجماعة" من (أ) و(ب).
(٩) في ب: "فكذلك الجواب".
(١٠) في هامش أ: "ولم يكن".
(١١) "المنتشر" ليست في ب
[ ٥١٧ ]
حقًّا، يكون خطأ، فلا يحل لهم السكوت وترك الإنكار، فيكون السكوت دليل الرضا والتصويب ضرورة.
• وأما على قول من قال إن كل مجتهد مصيب، اختلفوا فيه (١):
- فقال أبو علي الجبائي: يكون إجماعًا إذا انتشر القول فيهم (٢) ثم انقرض العصر. وهو (٣) مثل قولنا، إلا أنه جعل مدة التأمل انقراض العصر، وعندنا بخلافه - على ما مر.
وقال ابنه أبو هاشم (٤) بأنه لا يكون إجماعًا، ولكنه يكون حجة.
وقال أبو عبد الله: لا يكون إجماعًا ولا يكون حجة (٥).
وروي عن الشافعي ﵀ أنه قال: لا أقول إنه إجماع، ولكن أقول لا أعلم فيه خلافًا، تحرزًا عن احتمال الخلاف احتياطًا.
وجه قول من قال إنه ليس بإجماع - ما روي عن عمر ﵁ أنه شاور الصحابة في فضل بقي من الغنائم بعد القسمة: أنه قسم بينهم أو أمسكها لنائبة حدثت في ثاني الحال (٦)، فأشار القوم إلى الإمساك، وكان علي ﵁ فيهم وهو ساكت فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: قد تكلم القوم، فقال عمر ﵁: "لتكلمن أنت" فقال: بالقسمة، وروي في ذلك خبرًا عن النبي - ﷺ -، ولو كان السكوت حجة لما كلفه
_________________
(١) "فيه" ليست في ب.
(٢) في ب: "منهم".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فهو".
(٤) تقدمت ترجمة الجبائي في الهامش ٢ ص ٣٤٤. وأبي هاشم في الهامش ١ ص ١٤٦.
(٥) قال الآمدي في الإحكام (١: ٣٦١): "وذهب الشافعي [وكنيته أبو عبد الله] إلى نفي الأمرين".
(٦) كذا العبارة، وهي غير متسقة. والمعنى ظاهر ويوضحه عبارة السرخسي والبخاري الآتيتين في الهامش التالي. ولعل العبارة السليمة تكون على الوجه التالي: "هل يقسمه بيهم أو يمسكه لنائبة تحدث في ثاني الحال".
[ ٥١٨ ]
بالتكلم مع سكوته (١). وروي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه كان لا يرى العول في الفرائض وكان (٢) يتكام فيه، فقيل له: ألا تذكر مع عمر ﵁، فقال: "منعتني (٣) درته" وفي رواية: "خوفًا من درته"- دل أن السكوت لا يكون حجة.
والمعنى في المسألة وهو أن السكوت محتمل في نفسه (٤):
- يحتمل أن يكون السكوت تقية وخوفًا، كما روينا عن ابن عباس ﵄.
- ويحتمل أن يكون السكوت من البعض، لأنهم لم يتأملوا في المسألة لكونهم مشغولين بالجهاد (٥) أو سياسة الرعية. ولو تأملوا ربما يكون الجواب (٦) عندهم بخلافه. ولأنه يجوز أن يكون المذهب عند بعض الساكتين أن المجتهد في الفروع مصيب على كل حال، في كون القول المنتشر (٧) صوابًا عنده في حق أولئك المجتهدين، فلا (٨) يجب عليه الرد، كما أن الإمام أو (٩) القاضي
_________________
(١) وقال السرخسي في أصوله (١: ٣٠٣ - ٣٠٤): " .. ويستدلون على صحة هذه القاعدة بما روي أن عمر ﵁ لما شاور الصحابة في مال فضل عنده للمسلمين فأشاروا عليه بتأخير القسمة والإمساك إلى وقت الحاجة، وعلي ﵁ في القوم ساكت، فقال له: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: لم تجعل يقينك شكًا وعلمك جهلا؟ أرى أن تقسم ذلك بين المسلمين وروى فيه حديثًا - فهو لم يجعل سكوته دليل الموافقة لهم حتى سأله واستخار علي ﵁ السكوت كون الحق عنده في خلافهم". وقال البخاري في كشف الأسرار (٣: ٢٢٩): "وما روي عن عمر ﵁ أنه لما شاور الصحابة في مال فضل عنده من الغنائم ثم أشاروا عليه بتأخير القسمة والإمساك إلى وقت الحاجة وعلي ﵁ في القوم ساكت فقال له: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال لم تجعل يقينك شكًا وعلمك جهلا؟ أرى أن تقسم ذلك بين المسلمين وروى فيه حديثًا ".
(٢) في أ: "فكان".
(٣) "منعتني" من أ.
(٤) في ب: "في نفسه محتمل".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بالاجتهاد".
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أو سياسة الرعية ويكون الجواب".
(٧) "المنتشر" ليست في ب.
(٨) في ب: "ولا".
(٩) "الإمام أو" من (أ) و(ب).
[ ٥١٩ ]
إذا قضى في مسألة مجتهد فيها برأي واحد منهم وسكت المخالفون، لا يكون سكوتهم دليل الرضا والإجماع، لأنه يجوز لهم السكوت في هذا الوضع، لإجماع الأمة أن قضاء القاضي في فصل مجتهد فيه جائز.
- ويحتمل [أنه] إنما (١) سكت، مع أن رأيه بخلافه، لكون (٢) المخالف أكبر سنًا منه وأعظم حرمة وأقوى في الاجتهاد وأعلم منه، وإن كان هو من أهل الاجتهاد فلم يعارضه بالرد والإنكار احترامًا له، أو أخذ بقوله اتهامًا (٣) لرأي نفسه بقابلته فلم يجتهد - وهذا (٤) وإن كان جائزًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله، فعند محمد رحمة الله عليه: لا يجوز، وعليه أن يجتهد وإن كان أصغر سنًا منه، إذا كان من أهل الاجتهاد. وربما يجتهد فيكون قوله مخالفًا لقولهم، فلا ينعقد الإجماع على قول محمد رحمة الله عليه.
- ويحتمل أيضًا أن الخلاف وجد من البعض، لكن لم ينقل إلينا لكونه أصغرهم وظهر قول الأكابر.
وإذا احتمل هذه الوجوه، فلا يكون حجة.
وأبو هاشم يقول: مع أن هذا ليس بإجماع، لما ذكروا، فالعلماء (٥) يحتجون بالقول المنتشر في كل عصر إذا لم يعرف له مخالف. وإجماع الأمة حجة، فعرفنا بإجماعهم على الاحتجاج بمثل هذا، على أنه حجة، وإن لم يكن إجماعًا، كا أجمع السلف على الاحتجاج بخبر الواحد فيكون حجة، وإن لم يثبت كونه خبر الرسول - ﷺ - قطعًا.
_________________
(١) في ب كذا: "إن ما".
(٢) كذأ في أ. وفي الأصل و(ب): "لكن".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "إيهامًا". وفي المعجم الوسيط: أوهم فلانًا بكذا أدخل عليه الريبة واتهمه به. وأتهم الرجل صارت به الرنبة وأصله أوهم.
(٤) في ب: " فهذا".
(٥) في ب: "والعلماء".
[ ٥٢٠ ]
وجه قول من قال إنه إجماع - دلالة إجماع أهل اللسان، والمعقول:
- أما الأول، فلأن أسماء الأجناس والأنواع والأعيان بلغت (١) إلينا من أهل اللغة (٢) بالقول المنتشر والسكوت من الباقين، لا بالنطق من واحد منهم (٣) حقيقة، وهو اسم الإنسان لبني آدم، واسم الحيوان لكل ذي روح، واسم الإبل والبقر والغنم، وكذا هذا العين لحم، وهذا خبز، وهذا ماء، وهذا نار - فمن شرط النطق من واحد وأنكر الإجماع بالاستفاضة وسكوت الباقين، فقد أنكر كونه إنسانًا وحيوانًا، ويجب أن يتحرج (٤) في تسمية اللحم والخبز والماء لما أنه لم يسمعه من أحد (٥) نطقًا. وهذا مما يرده العقلاء كلهم. فكان هذا إجماعًا منهم على أن الإجماع من حيث القول في الأحكام ليس بشرط ضرورة.
- وأما المعقول فهو (٦) أن القول المنتشر (٧)، مع السكوت من الباقين، إجماع صحيح في الحكم الذي يرجع إلى الاعتقاد، فكذا في الشرعيات، لمعنى جامع بينهما، وهو أن الحق واحد. فإذا كان عنده أن القول المنتشر خطأ، [فـ] لا يحل له السكوت وترك الرد، فكذا في الفروع.
هذا على قولنا (٨).
فأما على قول من قال إن مجتهد مصيب، [فـ] يجب أن يكون كذلك، لأنه وإن كان عندهم أن كل مجتهد مصيب فيما أدى إليه اجتهاده، ولكن مع هذا (٩)
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "بلغ".
(٢) "من أهل اللغة" من (أ) و(ب).
(٣) "منهم" من أ.
(٤) في هامش أ: "يحرج".
(٥) في (أ) و(ب): "واحد".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وهو".
(٧) في ب كذا: "المتيسر" ولعله تصحيف.
(٨) راجع فيما تقدم ص ٥١٧.
(٩) "مع هذا" ليست في ب.
[ ٥٢١ ]
لا يرضي كل مجتهد بقول صاحبه قولا لنفسه، بل اعتقد فيه خلافه، ويدعو الناس إلى معتقده ويناظر مع (١) خصمه. [فـ] لو لم يكن ذلك اعتقادهم وقولهم لظهر خلافهم، وانتشر إذا لم يكن عن تقية. وإذا كان لهم خوف وتقية عن الإظهار، لظهر (٢) سبب التقية لا محالة، ولما لم يظهر سبب التقية ولا الخلاف منهم لذلك القول (٣) المنتشر، دل أنهم رضوا بذلك قولا لهم.
والجواب عن كلماتهم:
- فلا حجة في حديث عمر وعلي ﵄. فإنه يحتمل (٤) أنما سكت علي ﵁ للتأمل، ولا بد للتأمل من زمان، وأدناه إلى آخر المجلس. ويحتمل ما قلتم. فلا يكون حجة. ولأن ذلك (٥) من باب الفاضل والأفضل، لا (٦) من باب الجواز والفساد والحل والحرمة، والسكوت (٧) في مثله جائز في الجملة باعتبار الحال، ولا كلام فيه، إنما الخلاف في الباب الذي لا يجوز السكوت عنه بحال إذا كان الأمر بخلافه.
- وأما حديث ابن عباس ﵁ فهو (٨) مؤول لأن عمر ﵁ كان ألين لقبول الحق من غيره، فكيف يخاف (٩) من عمر ﵁ في إظهار الحق- ألا يرى أنه خالف ممر ﵁ في مسائل أخر ولم ينهه عن (١٠) ذلك، بل روي عنه أنه قال له: "غص يا غواص".
_________________
(١) في أ: "إلى".
(٢) في ب: "يطهر".
(٣) "القول" ليست في أ.
(٤) في ب: "فيحتمل". فليس فيها "إنه".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ذاك".
(٦) "لا" ليست في ب.
(٧) في ب: "فالسكوت".
(٨) في ب: "عنهما وهو".
(٩) في أ: "خاف".
(١٠) "الحق من غيره ولم ينهه عن" ليست في ب ففيها: "كان ألين لقبول ذك".
[ ٥٢٢ ]
وتأويله أنه سكت عن المعارضة معه (١) احترامًا له (٢) لكبر سنه وكثرة علمه، والسكوت عن العارضة في مثل هذا، مع إظهار الخلاف في الجملة، جائز بل هو المستحب.
- وما ذكروا من وجوه الاحتمال فيدخل في مطلق السكوت وترك الإنكار، ولكن لا يحتمل في موضع الخلاف، لأن الكلام فيما إذا مضت مدة التأمل، حتى شرط بعضهم انقراض العصر لمضي (٣) مدة التأمل. وكذا في غير موضع التقية والخوف. وكذا في موضع عم به البلوى فلا يتصور أن لا يشتهر فيه الخلاف، فأما في حادثة لم تعم (٤) بها البلوى فلا - والله أعلم.
[٦]