فنقول:
محل الإجماع المتفق عليه هو أمور الدين.
فأما أمور الدنيا نحو أمر الحرب وغيره - إذا أجمعوا على الحرب في موضع معين ورأوا ذلك هو الصواب، [فـ] هل يجوز لواحد منهم أو لأكثرهم الخلاف لهم (٣) بعد انقضاء مدة التأمل - اختلفوا فيه:
قال بعضهم: إن الإجماع لا يكون حجة فيه.
وقال بعضهم: يكون حجة.
وجه قول الأولين: إن حال الأمة في أمر الدنيا ليس بأعظم من حال النبي - ﷺ - في ذلك، وقد روي عن النبي - ﷺ - (٤) في قصة التلقيح أنه قال: "أنا أعلم بأمور دينكم، وأنتم أعلم بأمور دنياكم". وكذا إذا رأى النبي ﵇ رأيًا (٥) في أمر (٦) الحرب وعند الصحابة (٧) الرأي في غيره،
_________________
(١) في ب: "وكثير".
(٢) تقدمت ترجمته في الهامش ١ ص ٥٠٢.
(٣) "لهم" ليست في أ.
(٤) "عن النبي - ﷺ -" من (أ) و(ب).
(٥) "رأيًا" ليست في ب.
(٦) في أ: "في أمور".
(٧) في (أ) و(ب): "أصحابه".
[ ٥٣٢ ]
يراجعونه فيه ويبينون أن الصواب في غيره، إلا إذا بين النبي ﵇ أن ذلك عن وحي - فكذلك (١) الإجماع.
وجه قول الآخرين: إن أدلة الإجماع حرمت المخالفة للإجماع (٢)، من غير فصل بين أمور الدين والدنيا، فيجب العمل بها. وكذا نقول في حق (٣) النبي ﵇ في أمر الحرب وغيره: إن قال عن وحي (٤) فهو الصواب، وإن قال عن رأي وتدبير: فإن (٥) كان خطأ، لا يقر عليه ويظهر الصواب، إما بالوحي وإما (٦) بإشارة من أصحابه، فيقر عليه. وفي الإجماع بعد وجوده، لا يحتمل الخطأ، فلا (٧) فرق بين الأمرين.
ثم على قول من جعله إجماعًا - هل يجب (٨) العمل به في العصر الثاني أم (٩) لا، كما في الإجماع في أمور الدين؟
• إن (١٠) لم يتغير الحال، فكذلك.
• فأما (١١) إذا تغير الحال، [فـ] يجوز لهم المخالفة، لأن أمور الدنيا مبنية على المصالح العاجلة، وذلك يحتمل الزوال ساعة لساعة. والله أعلم (١٢).
_________________
(١) "النبي ﵇" من (أ) و(ب). و"فكذك" ليست في ب - أي فكذك الإجماع: لا يكون حجة في أمور الدنيا، أسوة برأي الرسول ﷺ في أمور الدنيا - انظر البخاري، كشف الأسرار، ٣: ٢٥٢.
(٢) في (أ) و(ب): مخالفة الإجماع".
(٣) في أ: "في قول".
(٤) في أكذا: "وحه".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وإن".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أو بإشارة".
(٧) في ب: "ولا".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل زاد هنا كلمة "الإجماع" والظاهر أنها مشطوبة.
(٩) "أم" ليست في ب.
(١٠) في ب: "ولم".
(١١) في ب: "وأما".
(١٢) "والله أعلم" من (أ) و(ب).
[ ٥٣٣ ]
فأما (١) في أمور الدين: متى وجد الإجماع سواء كان في أمر شرعي أو في أمر عقلي، يكون الإجماع حجة، إلا (٢) في حكم عقلي: لابد من معرفته حتى يصح الإجماع، نحو معرفة الله تعالى ومعرفة النبوة وصحة المعجزة وصفة العلم والحكمة والعدل لله تعالى، حتي إذا عرفوا الله تعالى على هذه الصفات وعرفوا النبوة وصحة المعجزة، تم أجمعوا على إثبات الوحدانية لله تعالى ونفي الإله الثاني، يكون الإجماع (٣) صحيحًا موجبًا للعلم (٤) قطعًا. وكذا لو أجمعوا على جواز رؤية الله تعالى وخلق أفعال العباد ونحو ذلك، يكون إجماعًا موجبًا للعلم قطعًا - والله أعلم (٥).
[٩]