قال عامة العلماء من الفقهاء والمتكلمين: إن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل قطعي، كالكتاب (٦) والخبر المتواتر. أو عن دليل راجح فيه شبهة العدم، نظير (٧) خبر الواحد والقياس ونحوهما. فأما (٨) لا ينعقد عن (٩) غير دليل ظاهر في نفسه من (١٠) إلهام وتقليد وميل الطباع.
وقال بعضهم: بأنه ينعقد عن توفيق، بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب ويلهمهم إلى (١١) الرشد، بأن يخلق فيهم علمًا ضروريًا بذلك.
_________________
(١) "معه" ليست في ب.
(٢) أي لعمر ﵁.
(٣) في ب: "بمضي".
(٤) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "لم يعم".
(٥) في ب: "وأما السبب".
(٦) في ب: "كنص الكتاب".
(٧) في أ: "نظيره".
(٨) في ب كذا: "فأما ما لا ينعقد" ولعل "ما" مكررة.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "من".
(١٠) في ب: "نحو".
(١١) "إلى" ليست في ب.
[ ٥٢٣ ]
وقال عامة أصحاب الظواهر والقاشاني (١) من المعتزلة: بأنه لا ينعقد إلا عن دليل قطعي، فأما لا ينعقد بخبر الواحد والقياس.
وقال بعض أصحاب الظواهر: بأنه ينعقد عن خبر الواحد دون الاجتهاد بالرأي.
وقال بعض مشايخنا: بأن الإجماع لا ينعقد إلا عن خبر الواحد والقياس. فأما في موضع الكتاب (٢) والخبر المتواتر: الحكم ثابت بهما، فلا حاجة إلى الإجماع.
وجه قول من قال إنه ينعقد الإجماع عن توفيق وإلهام - أن الإلهام وخلق الله تعالى العلم لي بطريق الضرورة من جملة الجائزات، إلا أن في حق الواحد الاحتمال ثابت وترجح جانب العدم باعتبار العادة - ألا ترى أنه حجة في حق رسولنا - ﷺ - لارتفاع الاحتمال. وإذا اجتمعوا على ذلك - وقد قامت (٣) الدلائل السمعية (٤) على كون الإجماع حجة، وأن (٥) الأمة لا تجتمع على الخطأ - علم أنهم ألهموا بذلك ووقفوا (٦) عليه - ألا ترى أنه ينعقد بالقياس وخبر الواحد، وهو دليل محتمل أيضًا، لكن ترجح جانب الثبوت، ثم يزول الاحتمال بالإجماع (٧) - فكذا (٨) هذا.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الهامش ٤ ص ١٩٩. وأيضًا فيما يلي في الهامش ٥ ص ٥٥٥.
(٢) في ب: "نص الكتاب".
(٣) في ب: "فقد قامت". وفي الأصل و(أ): "وقد قام".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كذا: "الدليلال". ولعنها: "الدلايل".
(٥) في ب: "فإن".
(٦) في الأصل وأكذا: "ووفقوا عليه" ولعلها "ووافقوا عليه".
(٧) انظر البخاري، كشف الأسرار، ٣: ٢٦٣.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فكذلك".
[ ٥٢٤ ]
وجه قول أصحاب الظواهر، وهو أنه قام (١) الدليل عندنا أن القياس وخبر الواحد ليسد بحجة، فكان مدار الإجماع على ما ليس بحجة، فلا يكون حجة، لاتفاقنا أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل، و(٢) لا ينعقد بالإلهام والتقليد، فيكون الإجماع بناء على هذا الأصل، ويرجع (٣) الكلام إليه. ولأن الإجماع (٤) الذي هو حجة هو إجماع جميع العلماء، بالدلائل السمعية. ونحن لا نوافقكم في الإجماع بالقياس وخبر الواحد، فكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة البعض؟ (٥).
ووجه قول من فرق بين الاجتهاد وخبر الواحد، وهو أن الناس خلقوا على همم متفاوتة وآراء مختلفة وأغراض متباينة، فلا يتصور اجتماعهم على شيء إلا لداع دعاهم إليه، وجامع جمعهم عليه، وهو سماع (٦) الحديث ممن التزموا (٧) طاعته، وانقادوا لحكمه. فتعين هذا طريقًا للإجماع، وهو صالح. فأما الاجتهاد بالرأي مع اختلاف الأراء والدواعي، فلا يصلح جامعًا.
وجه قول من قال إن الإجماع لا يكون إلا عن قياس وخبر الواحد، وهو أنا اتفقنا أن الإجماع حجة قطعًا، ولو لم ينعقد الإجماع (٨) إلا في موضع فيه دليل قاطع، والحكم (٩) به معلوم، فلا فائدة في انعقاد (١٠) الإجماع
_________________
(١) في ب كذا: "فاد".
(٢) في ب: "حتى".
(٣) في ب: "فيرجع".
(٤) في ب: "إجماع".
(٥) في ب: "مع مخالفة النص".
(٦) في أ: "سماعهم".
(٧) في ب: "الزموا".
(٨) "الاجماع" من أ.
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فالحكم".
(١٠) في ب كذا: "في انعقاده الإجماع".
[ ٥٢٥ ]
حجة، ولا يرد الشرع بما لا فائدة فيه للعباد، إذ الشرائع ما شرعت إلا لمصلحة العباد وفائدتهم. ومع هذا ثبت بالدلائل السمعية كون الإجماع حجة قطعًا (١) - دل أن المراد منه هو الإجماع الذي ينعقد عن القياس وخبر الواحد، لأن في انعقاده فائدة، وهو ثبوت الحكم قطعًا، لأنه لا تيقن (٢) في ثبوت الحكم بهما (٣). ولأن الإجماع إنما عرف حجة بطريق الكرامة لهذه الأمة، لحاجتهم إلى ذلك، لأن النبي - ﷺ - خاتم الأنبياء ﵈ (٤). ومتى وقعت حادثة ليس فيها نص قاطع وعملوا فيها (٥) بالاجتهاد، وهو محتمل للخطأ، وجاز أن يكونوا على الخطأ، كان قولا بخروج (٦) الحق عن جيمع الأمة، وإنه لا يجوز، وتمس الحاجة إلى تجديد الرسالة، ولا وجه إليه، لإخبار الله تعالى بكون رسولنا خاتم الأنبياء، فصار الإجماع حجة لهذه الحاجة - ألا ترى أن إجماع الأمم السالفة ليس بحجة، لما أنه لا حاجة إليه، لوجود الدليل القاطع حال حياة رسلهم، وبعد وفاتهم تتجدد الرسالة، ولهذا لا ينعقد الإجماع في حال حياة الرسول - ﷺ -، لأنه لا حاجة.
وإذا ثبت هذا نقول: إن الحاجة في موضع القياس وخبر الواحد، دون موضع الآية المفسرة والخبر المتواتر، لأنه لم يثبت الحكم قطعًا في أحد الموضعين وثبت (٧) في الموضع الآخر، فينعقد في موضع الحاجة، لا في موضع لم تمس الحاجة.
_________________
(١) "قطعًا" من (أ) و(ب).
(٢) في ب: "لا يتيقن" مع عدم النقط.
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بها".
(٤) "﵈" من أ.
(٥) "فيها" عن (أ) و(ب).
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لخروج".
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ويثبت".
[ ٥٢٦ ]
وجه قول عامة العلماء، وهو أن الدلائل، التي توجب كون الإجماع حجة، لا توجب الفصل بين ما إذا كان الداعي دليلا قاطعًا أو دليلا ظاهرًا مع الشبهة، فكان اشتراط الدليل القطعي تقييدًا لممطلق (١)، فلا يجوز من غير دليل. ولأنما وجدنا وقوع الإجماع عن الرأي والاجتهاد، وهو معتبر بالإجماع، فيكون حجة بالإجماع من الأمة، فلا يجوز القول بخلافه.
بيانه أن الصحابة أجمعوا على أن (٢) حد الشرب ثمانون (٣) جلدة،. بالرأي، حين (٤) قال علي ﵁: "من سكر هذى، وإذا (٥) هذى افترى- فأرى عليه حد المفترين"، وهذا رأي. وهذا الإجماع معتبر باتفاق الصحابة. وكذا أجمعت الصحابة على إباحة قتال أهل الردة، وعلى إمامة أبي بكر ﵁، وذلك إجماع عن رأي واجتهاد. حتى (٦) قال أبو بكر ﵁: لا أفرق بين ما جمع الله تعالى من الصلاة والزكاة: - فقاس الزكاة على الصلاة (٧) في وجوب قتال المنكر لها (٨). ولو كان مع الصحابة في قتال ما نعي الزكاة نص لنقلوه، فاتفقوا على رأي أبي بكر ﵁. وكذا في إمامة أبي بكر ﵁ وقع الاختلاف: فقال المهاجرون: الخليفة من قريش. وقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، حتى ثبت النقل: أن الخلافة في (٩) قريش. ثم اختلفوا في التعيين، فأجمعوا (١٠)
_________________
(١) في ب: "تقييد المطلق".
(٢) "أن" من أ.
(٣) في الأصل و(ب): "على حد الشرب ثمانين".
(٤) في ب: "حتى".
(٥) كذا في الأصل وهامش (أ) و(ب). وفي متن أ: "ومن".
(٦) في أ: "وحتى". وفي ب: "حين". ولعل الأوضح أن يقال: "وعلى ما قال". وسيوضحه ما يلي.
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فقاس الصلاة على الزكاة".
(٨) في هامش أ: "مانعي الزكاة".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "من".
(١٠) في ب: "وأجمعوا".
[ ٥٢٧ ]
على إمامة أبي بكر ﵁ بالرأي والاجتهاد، وقاسوا الإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى (١)، وقالوا (٢) إن النبي - ﷺ - رضيه لأمو ر ديننا أفلا نرضاه لأمور دنيانا، وقدمه في الصلاة فلا نؤخره في الخلافة - فصح ما ادعينا من الإجماع.
وأما المعقول - فهو (٣) أنه لا يخلو: إما إن أنكروا وجود الإجماع، أو كونه حجة:
والأول (٤) باطل، فإنه عبارة عن اجتماع أهل الإجماع على حكم واحد، بجهة واحدة، والكلام فيه.
والثاني باطل، لقيام الأدلة السمعيه على كون الإجماع حجة.
وأما دعوى الإجماع من غير دليل، سوى الإلهام والتوفيق، [فـ] باطل، فإن حال الأمة لا تكون (٥) أعلى درجة حال النبي - ﷺ -، وإنه لا يقول إلا عن وحي ظاهر أو خفي أو عن استنباط من النصوص (٦)، فالأمة أولى. ولأن الإجماع إنما يكون من العلماء وأهل الديانة، ولا يتصور منهم الاجتماع على حكم من أحكام الله تعالى جزافًا وتبخيتًا (٧) أو بالتحري وتحكيم (٨) القلب، بل بناء على حديث سمعوه أو معنى من النصوص (٩)
_________________
(١) في ب كذا: "والاجتهاد وما سوى إمامة الكبرى على إمامة الصغرى".
(٢) في ب: "فقالوا".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وهو".
(٤) كذا في (أ) و(ب): "والأول". وفي الأصل: "فالأول".
(٥) في ب: "لا يكون".
(٦) في ب: "المنصوص".
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كذا: "وتنحيتا". وفي هامش أنقلا عن المغرب: "التبخيت التبكيت وأن تكلم خصمك حتى تنقطع حجته: عن صاحب التكملة. وأما قول بعض الشافعية في اشتباه القبلة إذا لم يمكنه الاجتهاد صلى على التبخيت فهو من عبارات المتكلمين ويعنون به الاعتقاد الواقع سبيل الابتداء من غير نظر في شيء" والبخت الجسد (المغرب) أي الحظ (المعجم الوسيط).
(٨) في ب كذا: "ومحكم".
(٩) في ب: "المنصوص".
[ ٥٢٨ ]
رأوه مؤثرًا في الحكم. وأما (١) الحكم جزافًا أو بالهوى والطبيعة فهو عمل أهل البدعة والإلحاد.
وأما دعوى من قال إن (٢) الإجماع لا ينعقد إلا عن قياس وخبر الواحد فباطل: لأن الإجماع المبني على الدليل المحتمل لما كان حجة، فعلى الدليل القطعي (٣) المتيقن أولى. ولأن الإجماع ليس إلا اتفاق أهل الإجماع على حكم واحد، وقد وجد الاجتماع والاتفاق وارتفاع التنازع والاختلاف، إلا أن سبب هذا الإجماع هو الدليل القطعي من الكتاب والسنة المتواترة، أو الدليل العقلي، وسبب ذلك الإجماع هو الدليل المحتمل، والمقصود هو الحكم دون السبب، ومتي وجد الإجماع يجب أن يكون حجة، بالدلائل الموجبة لكون الإجماع حجة.
قولهم إنه لا حاجة فنقول: متى ثبت أنه (٤) حجة، فالحاجة ثابتة إلى مطلق الحجة والدليل، وفي كثرة الدلائل تيسير على الناس، ليطلبوا الحق بأي دليل اتفق لهم (٥) وأيسر عليهم (٦)، وذلك جائز - أليس (٧) أن الله تعالى شرع ثلاثة أشياء كفارة في باب اليمين على طريق التخيير، وما ذلك إلا للتيسير والتخفيف. ولأنا وجدنا في حادثة واحدة الكتاب والخبر المتواتر وإن كانت الحاجة الماسة ترتفع بأحدهما، فكذلك إذا وجد الإجماع معهما. ولأن أكثر ما في الباب أنه لا حاجة ولكن فيه
_________________
(١) في أ: "فأما".
(٢) "إن" ليست في ب.
(٣) "القطعي" من أ. انظر البخاري، كشف الأسرار، ٣: ٢٦٣.
(٤) في ب: "كونه".
(٥) زاد هنا في ب: "والله أعلم".
(٦) في أكذا: "واتسر عليهم". وعبارة: "وأيسر عليهم" ليست في ب. وأيسر سهل ولان (المعجم الوسيط).
(٧) في ب: "ليس".
[ ٥٢٩ ]
فائدة، وهو ما ذكرنا من التيسير والتخفيف ورفع المؤنة عن طلب الحق بالاجتهاد، ولما فيه من زيادة التأكيد وطمأنينة القلب - قال الله تعالى خبرًا (١) عن إبراهيم ﵇ أنه قال: "رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" (٢). وأما في زمن النبي - ﷺ - يجوز أن ينعقد الإجماع مع رسول الله - ﷺ -، فيكون الإجماع حجة وقول الرسول حجة، فيكون حجتان (٣). وهكذا نقول في الأمم السالفة: إن الإجماع حجة، لما قلنا.
والجواب عن شبهة أصحاب الظواهر أنهم: إن (٤) أنكروا كون خبر الواحد حجة كالقياس، فالدليل قائم عندنا، فيبني عليه. وإن سلموا خبر الواحد، ويكون (٥) الإجماع المبني عليه حجة مع الاحتمال، فكذا (٦) الإجماع المبني على القياس. ولأن الصحابة أجمعت على كون القياس الشرعي حجة، فيكون قولهم مخالفًا للإجماع، فلا يعتبر. وكذا الصحابة أجمعت على صحة الإجماع المنعقد على (٧) القياس، ومن خالف حكمًا عليه إجماع الصحابة، فقد خالف الإجماع، فلا يعتبر خلافه (٨).
وما قالوا إن الإجماع لابد له من داع، لاختلاف آراء الناس ودواعيهم،
_________________
(١) في ب: "إخبارًا".
(٢) سورة البقرة: ٢٦٠: "وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم ادعهن يأتينك سعيًا واعلم أن الله عزيز حكيم".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "حجتين".
(٤) "إن" ليست في أ.
(٥) في أ: "فيكون".
(٦) في أ: "فكذلك".
(٧) في ب: "عن".
(٨) "ولأن الصحابة أجمعت على كون خلافه" من (أ) و(ب) مع ملاحظة الهامش السابق. وليست في الأصل.
[ ٥٣٠ ]
فكذلك، ولكن وجد ههنا داع معتبر، وهو معاني النصوص من الكتاب والسنة، والكلام فيه وقع - والله أعلم (١).
[٧]