ههنا فصلان:
أحدهما - بيان ما يثبت (٢) به التخصيص.
والثاني - بيان ما يعرف به التخصيص.
وما يتصل بهما من المسائل التي فيها وفاق أو خلاف (٣).
أما الأول:
فالتخصيص إنما يثبت بإرادة التكلم وبإثباته الحاكم خاصًا، فإن التكلم قد يريد ثبوت (٤) الحكم على العموم، وقد يريد على الخصوص، إلا أن إرادة المتكلم أمر باطن لا يوقف عليه، فلا بد من دليل ظاهر (٥) صالح يدل على إزادة الخصوص، والدليل الصالح هو الدليل الموضوع لمعرفة الخصوص. وهو بيان:
_________________
(١) "تخصيصه" من ب.
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ما ثبت".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل كذا: "وفاقًا وخلافًا". وفي ب كذا: "دقايق أو خلاف".
(٤) في ب: "إثبات".
(٥) "ظاهر" ليست في ب.
[ ٣٠٨ ]
الفصل الثاني - وهو ما يعرف به التخصيص:
وذلك (١) نوعان: متصل ومنفصل، فنبدأ بالمتصل ثم بالمنفصل، ونذكر (٢) في كل فصل مسائل:
أما المتصل (٣):
فأنواع أربعة: الصفة، والشرط، والغاية، والاستثناء
مثال الصفة - قول الرجل لغيره: "أكرم الرجال الطوال" - لولا قوله (٤) "الطوال" لوجب إكرام الرجال عامًا. فقران لفظ "الطوال" بالرجال أوجب اختصاص (٥) الإكرام بالموصوف بصفة الطول (٦).
ومثال الشرط - أن يقول: "أكرم الرجال إذا دخلوا المسجد" أو "إن دخلوا" - قوله: "أكرم الرجال" عام، وقوله: "إذا دخلوا" أوجب الخصوص حتى يجب عليه إكرام من وصف بالدخول في المسجد لا غيره
ومثال الغاية - قول الرجل: "أكرم بني تميم إلى شهر رمضان"، فقوله: "أكرم بني تميم" يقتضي وجوب إكرام بني تميم عامًا في جميع الأزمان. وقوله: "إلى رمضان" (٧) أوجب الخصوص حتى لا يجب الإكرام بعد انتهاء (٨) شهر رمضان بحكم هذا الكلام.
ومثال الاستثناء - قول الرجل: "أكرم أهل قرية كذا إلا زيدًا"
_________________
(١) في ب: "فذلك".
(٢) في ب: "فنذكر".
(٣) باقي الكلام على "المنفصل" صّ ٣١٨ وما بعدها.
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "قول".
(٥) في أ: "تخصيص".
(٦) في أ: "الطوال".
(٧) "فقوله: اكرم بن تميم إلى رمضان" ليست في ب.
(٨) في ب: "دخول".
[ ٣٠٩ ]
لولا قوله: "إلا زيدًا" لوجب عليه (١) إكرام جميع أهل القرية ثم خص من جملتهم "زيد" بالاستثناء.
وهذا الذي ذكرنا قول عامة أهل الأصول.
وقال بعض الفقهاء بأن هذه الأشياء الأربعة لا تكون تخصيصًا، لأن دليل التخصيص ما يكون كلامًا مفيدًا (٢) في نفسه لو انفرد، وحكمه خلاف حكم الأول، كقوله - ﷺ - (٣): "لا تقتلوا أهل الذمة" مقارنًا (٤) لقوله تعالى (٥): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦). وهذه الأشياء الأربعة من نفس الكلام وبعضه، فإن المتكلم تكلم على هذا الوجه من الابتداء إلا أن الكلام يتم بآخره، فإنه أراد إكرام الرجال الموصوفين بصفة الطوال (٧)، لا إكرام مطلق الرجال. وكذا أراد إكرام الرجال الموصوفين (٨) بالدخول في المسجد دون المطلق. وكذا أراد إكرام جماعة إلى غاية معلومة. وكذا فيَ الاستثناء: أراد إكرام من لا يتسمى (٩) باسم زيد من أهل القرية.
فثبت أن هذه الأربعة من نفس الكلام، ولا يفيد وحده شيئًا: فإن قوله: "إلا زيدًا" لا يفيد بنفسه. وكذا الصفة، والشرط، والغاية: لا يفيد وحدها.
_________________
(١) "عليه" ليست في ب.
(٢) في ب كذا: "ما يكون خلافًا مقيدًا".
(٣) "ﷺ" من ب.
(٤) في ب: "مقاربًا".
(٥) "تعالى" من ب.
(٦) سورة التوبة: ٥. والآية: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
(٧) "الطوال" من أ.
(٨) "بصفة الطوال الرجال الموصوفين" ليست في ب.
(٩) في ب: "يسمى". وفي المعجم الوسيط: أسماه كذا وبكذا جملة له اسمًا. وتسمى بكذا سمي. وتسمى بالقوم أو إليهم انتسب.
[ ٣١٠ ]
ولأن التخصيص هو إخراج بعض ما يتناوله العام بحيث لو خرج يبقى اللفظ العام معمولا به في الباقي، كما في قوله تعالى (١): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، فإذا خص أهل الذمة يبقى (٣) النص معمولا به في الباقي. وفي هذه الأشياء إذا أريد به الخاص لم يبق اللفظ العام بنفسه معمولا به أصلا، بل يكون (٤) الحكم للموصوف.
ولكن الصحيح هو الأول:
- وما ذكروا من كون دليل التخصيص مفيدًا بنفسه لو شرط هذا، إنما يشترط في التخصيص بكلام منفصل، والكلام (٥) في التخصيص المتصل، حتى يصير بعض الكلام، وبعض الكلام لا يفيد معنى جميعه. ولأن هذا الكلام إنما يستقيم (٦) ممن يدعي عمل دليل الخصوص بطريق المعارضة. وهذه الأشياء الأربعة لا يستقل بنفسها، فلا يجوز أن تعمل (٧) بطريق المعارضة (٨)، ولكن القول بطريق المعارضة فاسد، لأنه إذا كان مقارنًا لا يمكن إعماله بطريق النسخ، فيكون فيه مناقضة، ولا تناقض في دلائل الشرع، فيجب (٩) القول بطريق البيان ضرورة. وهذه الأشياء تصلح بيانًا، فيصلح (١٠) مخصصًا، والدليل المنفصل يصلح مخصصًا، لكونه بيانًا لا لكونه منفصلا.
_________________
(١) "تعالى" من ب.
(٢) سورة التربة: ٥. وانظر الهامش ٦ ص ٣١٠.
(٣) في أ: "بقي".
(٤) "يكون" من أ، وليست في ب. وفي الأصل: "بل الحكم الموصوف".
(٥) كذا في (أ) و(ب): "والكلام". وفي الأصل: "فالكلام".
(٦) "إنما يستقيم" ليست في ب.
(٧) كذا في أ. وفي الأصل: "يعمل".
(٨) "وهذه الأشياء الأربعة بطريق المعارضة" ليست في ب.
(٩) من أول هنا "فيجب القول" ناقص من ب حتى نشير إلى انتهاء النقص (انظر فيما بعد الهامش ٥ ص ٣٣٦).
(١٠) في أ: "وتصلح".
[ ٣١١ ]
- قوله: إن بعد الخصوص يجب أن يبقى اللفظ العام عاملا في الباقي (١)، فليس كذلك، فإن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) موجبه وجوب قتل جميع المشركين مطلقًا. ثم إذا خص منه أهل الذمة لم يبق العام عاملا في إباحة قتل المشركين مطلقًا، لأنه يؤدي إلى التناقض، ولكن بدليل الخصوص صار العام مقيدًا (٣) بوصف الحراب، فيكون عامًا يراد به الخاص، وهو قتل المشركين المحاربين من الابتداء، كما في هذه الفصول: يصير الكلام متناولا للموصوف بالصفة، فلا فرق بينهما في المعنى، وتبين بهذا أن الخصوص ليس هو إخراج بعض ما يتناوله العام لفظًا بل هو إثبات اللفظ خاصًا من الابتداء بإثبات زيادة قيد في العام، فيكون المراد من النص هو العام المخصوص بصفة المقيد بقيد، كأنه قال: اقتلوا المشركين المحاربين، فلم يكن غير المحاربين مرادًا بهذا النص من الابتداء (٤) - والله أعلم بالصواب.
مسألة - الاستثناء المتصل صحيح بالإجماع، ويكون بيانًا أن المراد هو الباقي، كما إذا قال: "لفلان علي عشرة دراهم إلا درهمًا" كأنه قال: "لفلان علي تسعة".
وأما الاستثناء المنفصل فليس بصحيح عند عامة الفقهاء.
وروي عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال (٥): يصح.
وبه قال بعض الناس، وقاسوا على التخصيص المتراخي: أنه جائز بطريق البيان، فكذلك الاستثناء المتراخي، تسوية بينهما، كما في الاستثناء المقارن، والتخصيص المقارن.
_________________
(١) في أ: "في نفسه".
(٢) سورة التوبة: ٥ - راجع الهامش ٦ ص ٣١٠.
(٣) في أ: "الخصوص ظهر أن العام كان مقيدًا". وفي الأصل: "مفيدًا".
(٤) "في المعنى وتبين بهذا من الابتداء" من أ.
(٥) "قال" من أ.
[ ٣١٢ ]
والعامة يقولون: إن الاستثناء من باب اللغة، وهم لم يتكلموا بالاستثناء المنفصل فإن من قال: "لفلان علي ألف درهم" ثم قال بعد ذلك بيوم "إلا خمسة" (١) يضحك عليه.
ولم يصح الرواية عن ابن عباس: فإنه من أرباب اللغة.
فأما في التخصيص المتراخي: فأهل (٢) اللغة قد يتكلمون بالعام ثم يقولون بعد ذلك: إنا نريد بالعام الخاص، وهو مستعمل عندهم. وفي كتاب الله تعالى كثير الوجود.
على أن التخصيص المتراخي إنما يجوز إذا كان المتكلم، وقت التكلم بصيغة العام، يريد به الخاص. وفي الاستثناء المنفصل إذا أراد المتكلم بصيغة العموم البعض وقال: "استثنيت بقلبي وما أردت به العموم"، يصدق أيضًا، فيما بينه وبين الله تعالى.
وعلى هذا الوجه ارتفع الخلاف من حيث المعنى. وإنما الخلاف في هذا أن الاستثناء المنفصل ليس باستثناء، لأنه ليس من باب اللغة، بخلاف التخصيص المنفصل (٣).
مسألة - لا خلاف أن الاستثناء إذا كان من جنس المستثنى منه يكون استثناء حقيقة.
فأما إذا (٤) كان بخلاف جنس المستثنى منه، نحو أن يقول (٥): "لفلان علي عشرة أثواب إلا دينارًا" ونحو ذلك - هل يكون استثناء حقيقة أو مجازًا؟
_________________
(١) في أ: "إلا خمسمائة".
(٢) في أ: "فإن أهل".
(٣) في أ: "التخصيص المتراخي".
(٤) كذا في أ. وفي الأصل: "فإذا".
(٥) في أ: "يقال".
[ ٣١٣ ]
قال (١) بعضهم: ليس بحقيقة، ولكن مجاز عن حرف "لكن".
وقال بعضهم: هذا استثناء حقيقة، لأن هذا مستعمل فيما بين أرباب اللغة - قال قائلهم:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس (٢)
وفي كتاب الله تعالى كثير - قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ (٣)، والسلام ليس من جنس اللغو. وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٤) وهو من الجن لا من الملائكة.
وقال بعضهم: يمكن أن يجعل من جنس المستثنى منه، بأن زيد في المستثنى منه شيء، أو نقص (٥) عنه شيء، أو زيد في المستثنى أيضًا - كما في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فزيد على المستثنى منه، كأنه قال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ومن أمر بالسجود له إلا إبليس، فيكون استثناء إبليس من المأمورين (٦) بالسجود له، لا من الملائكة أنفسها - فكذا (٧) في قوله: "لفلان علي عشرة أثواب إلا دينارًا" أي: "عشرة أثواب قيمتها كذا دينارًا إلا دينارًا" أو "علي عشرة أثواب إلا ثوبًا قيمته دينار".
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل: "وقال".
(٢) اليعفور: ظبي لونه كلون العفر (وجه الأرض - التراب). وولد البقرة الوحشية. وجزء من الليل والجمع يعافير. والعيس جمع أعيس والأعيس من الإبل الذي يخالط بياضه شقرة. والكريم منها (المعجم الوسيط).
(٣) سورة مريم: ٦٢. وهي والتي قبلها: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا. لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
(٤) سورة ص: ٧٣: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾. وسورة الحجر: ٣٠: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾. راجع. الهامش ٤ ص ٣٠٤.
(٥) في أ: "وينقص".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل: "المأمور".
(٧) في أ: "وكذا".
[ ٣١٤ ]
ثم على قول هؤلاء إذا صار المستثني من جنس المستثنى منه بالزيادة أو النقصان - هل يكون استثناء حقيقة؟
قال بعضهم: يكون مجازا، لأن الزيادة على الكلام والنقصان عنه من باب المجاز، لأنه خلاف ظاهر الكلام.
وقال بعضهم: إن الزيادة والنقصان من باب الإضمار والحذف، وذلك منطوق به (١) لغة، على طريق الاختصار - على ما نذكر في فصل الإضمار والاقتضاء، إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
مسألة - استثناء الكثير من القليل (٢) استثناء صحيح عند عامة الفقهاء.
وقال بعضهم: لا يصح.
وصورته: إذا قال "لفلان علي ألف درهم إلا تسعمائة وتسعة وتسعين درهمًا".
ولكن الأصح أن الخلاف في أن هذا الاستثناء ليس بمستحسن في اللغة عند العامة، لأنه لاستدراك (٣) الغلط في أصل الوضع (٤). ومثل هذا الغلط نادر.
والفريق الآخر يقولون: إنه قد يقع في الجملة، لأن النسيان مما جبل عليه الإنسان.
_________________
(١) في أ: "ملفوظ".
(٢) أي استثناء الكثير وبقاء القليل. قال في كشف الأسرار (٣.: ١٢٢) " وإنما الخلاف قوله الاستثناء المساوي والأكثر نحو قوله على عشرة إلا خمسة أو إلا شبية إلى تسعة: فذهب العامة إلى جوازهما. وذهبت الحنابلة والقاضي أبو بكر الباقلاني إلى منعهما. وذهب الفراء وابن درسويه إلى المنع في الأكثر خاصة لأن العرب ثستقبح استثناه الأكثر وتسهجن قول القائل: رأيت ألفًا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين. وإذا ثبت كراهتهم واسثقالهم ثبت أنه ليس من كلامهم واحتجت العامة ".
(٣) في أ: "استدراك".
(٤) كذا في أ. وفي الأصل: "في الأصل".
[ ٣١٥ ]
أما (١) ينبغي أن يصح الاستثناء، لأنه تكلم بالباقي بعد الثنيا على مانذكر.
مسألة - الجمل المعطوف بعضها على بعض بكرف الواو، وكل جملة كلام تام في ففسه، بأن كان مبتيدأ وخبرًا، وألحق الاستثناء تأخرها، بأن قال: "لزيد علي ألف درهم ولعمرو علي ألف درهم ولمحمد علي ألف درهم إلا خمسمائة " - ما حكمها؟
قال أصحابنا: إن الاستثناء نصرف إلى الجملة الأخيرة.
وعلى قول الشافعي: ينصرف إلى الكل.
وأجمعوا أن الشرط، أو مشيئة الله تعالى، إذا ذكر في آخر الجمل المعطوفة (٢) بحرف الواو: فإنه ينصرف إلى جميع ما سبق، بأن قال: "عبده حر، وامرأته طالق، وعليه الحج إلى بيت الله تعالى - إن دخل (٣) هذه الدار" أو قال في آخره: "إن شاء الله تعالى".
وعلى هذا يبتنى مسألة المحدود في القذف بعد التوبة - فإن الله تعالى قال: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا" (٤) - فالاستثناء ينصرف إلى ما يليه، وهو الفسق عنذنا. وعند الشافعي إلى جميع ما سبق فب خرج المحدود التائب في حق رد الشهادة عن ظاهر النص - والمسألة طويلة ذكرت في الشرح.
مسألة - الاستثناء يعمل بطريق المعارضة أو بطريق البيان؟
قال بعض مشايخنا: في المسألة خلاف:
_________________
(١) أما تكون حرف استفتاح مثل ألا. وحرف عرض مثل: أما تأكل معنا؟. وتكون بمعنى حقا نحو: أما إنك مصيب. (المعجم الوسيط).
(٢) في أ: "المعطوف".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل: "دخلت".
(٤) سورة النور: ٤.
[ ٣١٦ ]
على قولنا: بطريق البيان.
وعلى قول الشافعي: بطريرق المعارضة. ولا نص عن الشافعي ﵀، ولكن استدلوا بمسائل تدل على ذلك.
بيانه أنه (١) إذا قال: "لفلان علي عضرة دراهم (٢) إلا خمسة" معناه: لفلان علي عشرة إلا خمسة فإنها ليست علي، فيصير النفي معارضًا للإثبات.
ولكين الصحيح أن لا يكون في بهذا خلاف بين أهل الديانة، لأنه خلاف إجماع أهل اللغة، وخلاف إجماع المسلمين:
- أما الأول: فإن أهل اللغة قالوا: الاستثناء استخراج بعض ما تكلم به.
وقيل: الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، والمعارضة تكون بين الحكمين المتضادين مع بقاء الكلام، وهو غير استخراج بعض الكلام والتكلم بالباقي.
- وأما بيان خلف إجماع المسلمين: فإن الاستثناء مقارن للمستثنى منه تكلمًا، فلا يمكن القول فيه بالتناسخ، فلو (٣) لم يجعل بيانًا يؤدي إلى التناقض في كلام الله تعالى وفي دلائله وفي التخصيص المقارن يجعل بيانًا لهذه الضرورة، وفي التخصيص المتأخر يجعل بيانًا عند البعض ونسخًا عند البعض بطريق البيان أيضًا، إذ لو قيل بخلافه يؤدي إلى البداء (٤) والغلط على ما يعرف في باب النسخ.
ومسائل الشافعي ﵀ يخرج كلها على طريق البيان.
_________________
(١) "أنه" ليست في أ.
(٢) "دراهم" من أ.
(٣) كذا في أ. وفي الأصل: "لو".
(٤) راجع في معنى البداء الهامش ٨ ص ١١٧.
[ ٣١٧ ]
وإنما حمل هؤلاء (١) على جعل هذه المسألة ت تلفة، إشكالات تتراءى (٢) أنها من باب المعارضة، وليس كذلك، وقد ذكرت في الجملة (٣) في شرح المختصر - والله الموفق.
فصل- في بيان الدليل المنفصل عن العام (٤):
وهو نوعان: عقلي وسمعي.
والعقلي (٥) نوعان: قطعي، وهو ما يعرف. بمجرد العقل. والآخر ليس بقطعي، وهو القياس الشرعي.
والسمعي أيضًا نوعان: قطعي، وليس في قطعي - على ما سبق ذكره (٦).
مسألة - الدليل العقلي يصلح مخصصًا، ويكون ذلك تخصيصًا عند عامة الفقهاء وأهل الأصول.
وقال بعضهم: لا يجوز التخصيص به، ولا يكون هذا وتخصيصًا، بل يتعارض الدليلان، فيتوقف إلى أن يرد دليل سمعي، يخص به. نظير ذلك قو له تعالى: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (٧) ": خص منها الصبيان والمجانين بالدليل العقلي (٨)، لأن العقل يأبى خطاب من لا يفهم، وخطاب العاجز عن الفعل، وهو تكليف ما ليس في وسع المخاطب.
_________________
(١) في هاسش أ: "قاضي أبو زيد وشمس الأئمة وفخر الإسلام".
(٢) كذا في أ. وفي الأصل: "لإشكالات تترايا"
(٣) في أ: "وقد ذكرنا جملة ذلك".
(٤) راجع فيما تقدم ص ٣٠٩ تقسيم البحث إلى دليل متصل ودليل منفصل، وتكلم على المتصل ص ٣٠٩ وما بعدها وبدأ هنا الكلام على المنفصل.
(٥) في أ: "فالعقلي".
(٦) راجع فيما تقدم ص ٩ - ١٠.
(٧) سورة البقرة: ٤٣ و٨٣ و١١٠. وسورة الحج: ٧٨. وسورة النور: ٥٦ ..
(٨) في أ: "بدليل عقلي".
[ ٣١٨ ]
وحجتهم أن الدليل العقلي سابق، والتخصيص يكون بالدليل المقارن أو المتأخر، على ما اختلفوا فيه، ولأن الدليل العقلي قطعي، والسمعي قطعي، وليسا من باب الكلام، حتي يجعل المراد من العام الخاص، فيجب التوقف في ذلك، بخلاف ما إذا كانا سمعيين، لأن الكلام من جنس الكلام، فيجعل الكلامان كلامًا واحدًا، ويصير متكلمًا بما سوى المخصوص، والتكلم بالعام ويراد به الخاص جائز، كما في الاستثناء.
فأما عامة الفقهاء [فـ] قالوا: إن الصبيان والجانين هل أريدوا بقوله تعالى: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (١) ودخلوا تحته أم لا؟ فإن قلتم: نعم، فهذا محال عقلا، وهو تكليف من لا يفهم، وتكليف العاجز. وإن قلتم: لا، وعرفنا بالعقل أنهم ما كانوا مرادين بهذا النص، فهذا تفسير التخصيص عندنا. وإن (٢) كنتم لا تسمونه (٣) تخصيصًا، فنحن نسميه تخصيصًا، ومرادنا من التخصيص هذا أن النص العام يراد ول الخاص ولا منازعة في العبارة. فإن قاتم: نتوقف، فهو باطل، لأن العقل يقتضي أنهم غير داخلين تحت الخطاب، فلا يجوز القول بالتوقف من غير دليل.
قولهم: إن الدليل العقلى (٤) قطعي، وهو سابق - فنقول: الدليل ما يكون معرفًا للحكم المطلوب، سواء كان سابقًا أو مقارنًا أو متأخرًا، فإن الخاص إذا كان سابقًا [فـ] قد يكون محصصًا للعام عند بعض أصحابكم، وهو دليل قطعي سابق، على أن كل سابق مقارن، فيجوز (٥) التخصيص به من حيث إنه مقارن، لا من حيث إنه سابق.
_________________
(١) راجع الهامش ٧ ص ٣١٨.
(٢) في أ: "فإن".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل: "لا تسمون".
(٤) في أ: "دليل العقل".
(٥) في أ: "فجوزوا".
[ ٣١٩ ]
قولكم: إنهما (١) من جنس الكلام، فتصير قرينة، ويصيران (٢) بمنزلة كلام واحد، ضرورة العمل بالدليلين، فنقول: ما ذكرتم طريق ودليك لعرفة أن (٣) "المراد من العام الخاص، والعقل دليل على أن المراد من العام الخاص، فيكون (٤) ذلك حقيقة أو مجازًا على ما مر، فيكون عملا با إلى ليلين، لتعذر القول بالتناسخ، لكون الدليل سابقًا أو مقارنًا، فلا فرق بينهما من حيث المعنى.
مسألة - التخصيص بالقياس الشرعي، هل يجوز؟
قال بعض أهل الحديث الذين قالوا: كل مجتهد مصيب - إنه جائز (٥).
وهو قول المعتزلة، سواء خص منه (٦) بعضه أو لم يخص.
فاتفقوا في الجواب مع اختلاف الطريق:
فالمعتزلة: مع أن عندهم العام يوجب العلم قطعًا، ولكن القياس عندهم دليل قطعي، فجوزوا التخصيص به وبنوا (٧) على أصلهم أن القياس دليل قطعي، لأن المجتهد مصيب على كل حال، وقالوا: إن على قضة الأصل، الذي ذكرنا، ينبغي أن يجوز النسخ به، إلا أنه امتنع شرعًا، بدليل سمعي، وهو إجماع الأمة.
وقال مشايخ العراق: لا يجوز، لأن العام عندهم موجب للعلم قطعًا، والقياس الشرعي فيه احتمال، فلا يصلح مخصصًا، وسووا بين العام
_________________
(١) لعل الصحح هكذا: "إنهما" أي السمعيان. وفي الأصل و(أ): "إنها".
(٢) في أ: "الكلام فيصيران".
(٣) لعل الصحح هكذا "لمعرفة". وفي الأصل و(أ): "لمعرفته لأن".
(٤) في أ: "ويكون".
(٥) كذا في أ. وفي الأصل: "قال أصحاب الحديث: إنه جائز".
(٦) أي من العام.
(٧) "فاتفقوا وبنوا" ليست في أ. وفيها بدلًا منها: "وهو".
[ ٣٢٠ ]
الذي خص بعضه إذا كان المخصوص معلومًا، وبين العام الذي لم يخص منه شيء.
وعلى قياس قول أصحاب الشافعي: يجوز، لأن العام عندهم غير موجب العلم (١)، فهو نظير القياس من هذا الوجه.
وأما مشايخ سمرقند: [فـ] لم يرو عنهم، نصًا، أنهم يجوزون أم لا. فلو (٢) قيل بالجواز على أصلهم لا يبعد. ولكن الأصح عندهم أنه لا يجوز، وإن كان في النص العام احتمال، لأن الاحتمال في القياس أكثر، والاحتمال على مراتب؛ بعضه فوق بعض - أليس أن خبر الواحد محتمل، وهو مقدم على القياس لما ذكرنا - فكذا هذا.
وقال مشايخ العراق: لا يجوز، لأن العام عندهم يوجب العلم قطعًا، والقياس الشرعي فيه احتمال، فلا يصلح تخصيصًا (٣).
وبعض المشايخ (٤) فرقوا بين العام المخصوص وبين العام الذي لم يخص، وجوزوا تخصيص المخصوص، دون الذي لم يخص منه، ولم يتضح الفرق - والله أعلم.
مسألة - أما التخصيص بالدليل السمعي:
فإن كانا مثلين: يجوز، كتخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الخبر (٥) المتواتر بالمتواتر، وتخصيص الكتاب بالخبر المتواتر، والمتواتر بالكتاب.
_________________
(١) في أ: "للعلم".
(٢) في أ: "ولو".
(٣) في أ: " فلا يجوز مخصصًا".
(٤) في أ: "وبعض مشايخه".
(٥) في أ: "خبر".
[ ٣٢١ ]
نظير الكتاب بالكتاب قوله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا" (١) عام خص منه الحامل بقوله تعالى: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" (٢).
ونظير تخصيص (٣) الكتاب بالخبر المتواتر قوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" (٤): خص منه القاتل والكافر، بقوله ﵇: "لا يورث القاتل (٥) بعد صاحب البقرة "، وقال ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين شتى".
وكذا يجوز الخصيص بفعل النبي - ﷺ -، فإن الله تعالى قال: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (٦) - فهذا عام، خص منه المحصن (٧)، بفعل النبي - ﷺ - حيث رجم ماعزًا.
وكذا يجوز بالإجماع، نظيره قوله تعالى في الإماء: "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" (٨) خص الإماء عن آية الزنا في إيجاب الجلد (٩) مائة، حيث يجب عليهن خمسون. ثم خص آية الجلد في حق العبيد، بإجماع الأمة، حتى تنصف في حقهم.
وأما تخصيص الكتاب والمتواتر بخبر الواحد:
فعلى قياس قول المعتزلة: جائز، كما في القياس، إلا أن النسخ لا يجوز به شرعًا.
_________________
(١) سورة البقرة: ٢٣٤.
(٢) سورة الطلاق: ٤.
(٣) "تخصيص" من أ.
(٤) سورة النساء: ١١.
(٥) في أ: "قاتل" وانظر البيهقي، السنن الكبرى، ٦: ٢١٩ وما بعدها. وتفسير الآيات ٦٧ - ٧٣ من سورة البقرة، في: الطبري، جامع البيان، ٢: ١٢٨ - ٢٣٤، والشوكاني، فتح القدير، ١: ٩٦ - ١٠٠.
(٦) سورة النور: ٢.
(٧) في أ: "البعض".
(٨) سورة النساء: ٢٥.
(٩) كذا في أ. وفي الأصل: "جلد".
[ ٣٢٢ ]
وعلى قياس قول الشافعي ﵀: جائز (١).
وبعض مشايخنا فرقوا بين عام خص بعضه، وعام لم يخص - فجوزوا تخصيص المخصوص بعضه به، ولم يجوزوا تخصيص غير المخصوص به.
وعلى قياس قول مشايخ العراق: لا يجوز إذا كان عامًا لم يخص، أو خص، والمخصوص معلوم.
وعلى قول مشايخ سمرقند: إن قيل إنه (٢) يجوز: فلا بأس. والأصح أنه لا يجوز، لأن الاحتمال في خبر الواحد فوق الاحتمال في العام - والله أعلم (٣).
مسألة - العام هل يبنى (٤) على الخاص أم لا؟
اختلف أهل الأصول فيه:
قال مشايخ العراق من أصحابنا: إن العام لا يبنى (٥) على الخاص، بل يقضي العام على الخاص. وتفسير هذا:
إذا ورد النصان (٦): عام وخاص: إما إن عرف تاريخهما أو لم يعرف:
- فإن عرف تاريخهما، وبين النصين زمان يصح فيه التناسخ، بأن كان يمكان فيه الاعتقاد والعمل أو الاعتقاد لا غير، على حسب ما اختلف فيه: [فـ] إن كان الخاص سابقًا والعام متأخرًا: فإنه ينسخ
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل: "جاز".
(٢) "إنه" من أ.
(٣) قارن بما ستأتي في النسخ وفيه قال البزدوي، ٣: ١٨٢: "ومن الحجة الدالة أن التوجه إلى الكعبة في الابتداء: إن ثبت بالكتاب، فقد نسخ بالسنة الموجبة للتوجه إلى بيت المقدس، والثابت بالسنة من التوجه إلى بيت المقدس، نسخ بالكتاب. والشرايع الثابتة بالكتب السالفة نسخت بشريعتنا. وما ثبت ذلك إلا بتبلغ الرسول ﵇ "
(٤) في أ.: "يبتنى".
(٥) في أ: "لا يبتنى".
(٦) في أ: "نصان".
[ ٣٢٣ ]
الخاص به. كان كان العام سابقًا والخاص متأخرًا: فإنه ينسخ العام بقدر الخاص، ويبقى الباقي.
- وأما إذا ورد النصان معًا، أو كان بينهما زمان لا يصح فيه النسخ: فإنه يبنى (١) العام على الخاص، على طريق البيان، فيكون المراد من العام ما وراء المخصوص.
هذا قول مشايخ العراق. وهو قول القاضي الإمام (٢) أبي زيد ﵀، ومن تابعه من ديارنا.
وقال أصحاب الشافعي بأنه يبنى (٣) العام على الخاص في الفصلين، حتى إن الخاص إذا كان سابقًا والعام لاحقًا يكون الخاص (٤) مبينًا للعام، ويكون المراد من العام ما وراء قدر المخصوص (٥) بطريق البيان، لا أن (٦) العام المتأخر ينسخ الخاص.
وعلى قول مشايخ سمرقند: كذلك الجواب (٧) فيما إذا لم يكن بينهما زمان يصلح للنسخ. فأما إذا كان بينهما زمان يصح فيه التناسخ: قالوا: يتوقف في حق الاعتقاد، ويعمل والنص العام بعمومه، ولا يبنى (٨) على الخاص، لأن عندهم العام لا يوجب العلم قطعًا، لاحتمال الخصوص، والخاص كذلك لاحتمال المجاز، فلابد من التوقف، أو يحتمل أن
_________________
(١) في أ: "يبتني":
(٢) "الإمام" من أ.
(٣) في أ: "يبتني".
(٤) كذا في أ. وفي الأصل: "العام".
(٥) في الأصل: "العام المخصوص". ويظهر أن كلمة العام "مشطوبة".
(٦) في أ: "لأن" بدلا من "لا أن".
(٧) كذا في أ. وفي الأصل: "والجواب".
(٨) في أ: "ولا يبتني".
[ ٣٢٤ ]
يكون النص الآخر بطريق البيان. ويجوز أن يكون بطريق النسخ فلا يقطع (١) القول بأحدهما، ولكن في حق العمل يجب العمل بالعام، ولا يترك العمل بقدر الخاص على ما نذكر هذا إلى بعده (٢) في أوضح منه.
والشافعي ﵀ (٣) يقول: إن العام والخاص سواء في أن كل واحد كل منهما لا يوجب العلم قطعًا وبين النصين تناف، لكن العمل بالخاص أولى، لأنه أقوى، لأن الاحتمال فيه أقل، لأنه يحتمل المجاز لا غير. فأما العام [فـ] يحتمل الخصوص ويحتمل المجاز، فما كان أقل احتمالا فهو أقوى، فيكون أولى، بمنزلة خبر الواحد مع القياس. ولهذا إذا وردا معًا، فالعمل بالخاص أولى.
و(٤) أما أصحابنا من مشايخ العراق [فـ]، قالوا: إن النص العام المتأخر يوجب العلم قطعًا. والخاص كذلك. وحكمهما مختلف. فيجب (٥) أن يكون التأخر ناسخًا للمتقدم عند وقوع التعارض من حيث الظاهر، دفعًا للتناقض والتعارض عن دلائل الله تعالى، ويكون هذا عملا بالدليلين: بالخاص والعام (٦) جميعًا، لأن الخاص كان موجبًا في بعض الأزمان، والعام التأخر يكون موجبًا في المستقبل فيما يعارضه الخاص ظاهرًا، وفيما ذكر الخصم يكون عملا بالخاص فيما مضى وفي المستقبل، وتركًا للعمل (٧) في النص العام في حق هذا الحاكم أصلا، فإنه يبين أنه لم يكن
_________________
(١) في أ: "فلا نقطع".
(٢) في أ: "بعد هذا".
(٣) في أ: "فالشافعي".
(٤) الواو من أ.
(٥) كذا في أ. وفي الأصل: "يجب".
(٦) في أ: "وبالعام".
(٧) كذا في أ. وفي الأصل: "وترك العمل".
[ ٣٢٥ ]
مرادًا به (١)، وإن كان ظاهر النص تناوله، ولا شك أن العمل بالدليلين أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر بخلاف ما إذا وردا معًا أو في حكم المقارن، لأنه (٢) لا يمكن العمل بالدليلين ثمة، لأنه لا يحتمل النسخ، ولا وجه إلى القول بالتضاد والتناقض في أحكام الله تعالى (٣)، وأمكان رفع التناقض بجعل النص (٤) الخاص قرينة للعام، بمنزلة الاستثناء، من فيكون تكلمًا بالباقي، فلم يكن العام (٥) موجبًا للحكم في مقدار الخصوص، بخلاف المتأخر - فهو الفرق بركان الفصلين، وهو واضح. هذا إذا عرف تاريخه (٦).
وأما إذا كان لا يعرف التاريخ: فيجوز أنهما وردا معًا. ويجوز أن يكون أحدهما متأخرًا. أو عرف أن بينهما زمانًا يجوز فيه التناسخ، لكن لا يعرف السابق في من اللاحق.
فعلى قول الشافعي ﵀: لا يختلف الجواب، والعمل بالخاص أولى، لما قلنا من المعنى.
وعلى قول مشايخ العراق: يتوقف إلى أن يوجد دليل الرجحان لأحدهما. وقبل وجود المرجح يتوقف لقيام التعارض ظاهرًا.
وبعض مشايخنا ﵏ قالوا: إنه إذا كان لا يعرف السابق من اللاحق، ولا القرآن من التأخر (٧) من جعل كأنهما وردا معًا، كما في
_________________
(١) "مرادًا به" غير واضحة في أو تشبه: "من ادابه"
(٢) في هامش أ: "لأن النص الخاص يكون قرينة العام بمزلة الاستثناء فلا تحمل النسخ".
(٣) في هامش أ: "فلا يكون النص عامًا في الكل، لوجود القرينة المخصصة. كالاستثناء: يكون تكلمًا بالباقي".
(٤) "النص" ليست في أ.
(٥) في أ: "العلم".
(٦) "هذا إذا عرف تاريخه" من أ.
(٧) في أ: "ولا المقارن من المتأخر".
[ ٣٢٦ ]
الغرقى والحرقى في حق الميراث: يجعل كأن الموت حصل جملة في حالة واحدة، حتى لا يرث بعضهم من بعضهم.
وهو (١) فاسد على قول مشايخ العراق، وعلى (٢) قول من يقول إن العام يوجب تناول كل فرد كأنه نص عليه: لأنه يجوز أن يكون أحدهما متأخرًا فيكون ناسخًا، فلا يجوز أن يكون تخصيصًا، لأن تخصيص المتأخر عندهم لا يجوز. ويجوز أنهما وردا معًا، فيكون تخصيصًا، فلا يحمل على أحدهما بالشك، فيجب التوقف.
وكذا على قول مشايخنا: لاحتمال النسخ، على ما ذكرنا، فيتوقف في الاعتقاد دون العمل، وإن كان يجوز تخصيص المتراخي عندهم (٣). والله أعلم.
مسألة - الكلام في (٤) العام إذا لحقه خصوص في آخره في بعض ما تناوله النص - هل يوجب سلب (٥) عموم أوله أم لا؟
قال عامة الفقهاء: لا يوجب.
وقال بعض أصحابنا: إنه يوجب، ويصير النص العام (٦) خاصًا من الابتداء في حق من يصح الخصوص في حقه. ولا يبقى العام موجبًا للحكم في حق من لا يصح في حقه الخصوص.
_________________
(١) في أ: "وهذا".
(٢) "على" من أ.
(٣) "وإن كان عندهم" من أ.
(٤) "في" من أ.
(٥) "سلب" ليست في أ.
(٦) "العام" ليست في أ.
[ ٣٢٧ ]
وعند مشايخ سمرقند كذلك (١). وإنما يثبت الحكم في حقهم بدليل آخر إن كان، وإلا فيبقى على أصل العدم.
وهو قول أصحاب (٢) الشافعي.
ويستوي الجواب فيما إذا كان التخصيص بالاستثناء، أو بالشرط، أو بالصفة (٣)، أو بكلام منفصل (٤) مقارن له.
نظير الاستثناء قوله تعالى: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون" (٥) - "لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين" (٦). [فـ] ظاهر النص وعمومه (٧) يقتضي تنصف المفروض في الطلاق قبل المسيس في حق جميع النساء، صغيرة كانت الأنثى أو بالغة، مجنونة أو عاقلة، حرة أو أمة، ثم قوله: "إلا أن يعفون" استثناء خاص في حق البالغة العاقلة الحرة.
فعند العامة: اختص الاستثناء في حق هؤلاء، في حق هذا الحكم، وهو صحة العفو، وبقي صدر النص عامًا في حق تنصف المفروض بالطلاق (٨) في حق كل النساء.
_________________
(١) "وعند مشايخ سمرقند كذلك" ليست في أ.
(٢) كان في الأصل: "بعض أصحاب" ثم شطبت "بعض".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل: "الصفة".
(٤) في هامش أ: "متصل" على أنه تصحيح.
(٥) سورة البقرة: ٢٣٧. وليست في أ.
(٦) سورة البقرة: ٢٣٦. وقد أكملنا في المتن بقية الآية من قوله تعالى: "ومتعوهن .. الخ" وظاهر أن الآية الثانية قبل الأولى وفقًا لترتيب المصحف.
(٧) في أ: "بعمومه".
(٨) في أ: "في الطلاق".
[ ٣٢٨ ]
وعند الفريق الثاني: لما اختص الاستثناء بهؤلاء ت دون الصغيرة والمجنونة والأمة، صار صدر الآية عامًا في حقهن لا غير، كأنه نص عليهن.
وجه قول العامة أن اللفظ العام موجبه العموم (١) في كل ما يصلح له اللفظ فيتناوله (٢). وإنما يجب ترك العمل به، لضرورة التخصيص، والضرورة في حق من ورد فيه التخصيص وصح في حقه شرعًا، ولا ضرورة في حق من لم يصح التخصيص في حقه، فيببقى العام عاملا في حقه من غير ضرورة.
وجه قول الفريق الثاني أن قوله تعالى: "إلا أن يعفون" شرح كناية عن النساء التي سبق ذكرها، والكناية تنصرف إلى المكني السابق، فتبين أن الداخل تحت النص العام من دخل تحت الاستثناء والتخصيص، كمن قال لغيره: "اضرب عبيدي الآبقين (٣) إلا أن يتوب منهم" كان هذا الكلام خاصًا في حق غير التائبين من الابتداء كأنه قال: "اضرب عبيدي الآبقين (٤) الذين لم يتوبوا" - فكذلك (٥) هذا.
و(٦) قولهم: إن العام يوجب العمل بعمومه - فنقول: هم في موضع لم يرد الخصوص في حق البعض، فأما إذا ورد، يصير كأن النص العام ورد في حق البعض ابتداء، إطلاقًا لاسم العام على الخاص، كمن قال: "أكرم عبيدي الطوال": يكون النص خاصًا في حق الطوال من الابتداء،
_________________
(١) في أ: "موجب للعموم"
(٢) في أ: "ويتناوله".
(٣) و(٤) كذا في أ. وفي الأصل: "الأباق".
(٤) "الفاء" من أ.
(٥) "و" ليست في أ.
[ ٣٢٩ ]
لأن (١) قوله: "اضرب عبيدي" عام في حق القصار والطوال، ثم خرج القصار - فكذا هذا.
والقول الأول قول مشايخ العراق.
والقول الثاني أقرب إلى قول مشايخنا، وهو الأصح - والله أعلم.
مسألة:
قال عامة الفقهاء: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
وقال أصحاب الشافعي: إن العبرة لخصوص السبب، ويصير العام خاصًا بالسبب.
وصورة المسألة في موضعين:
أحدهما - أن الحادثة إذا كانت وقعت لواحد من الناس في زمن النبي - ﷺ - ونزل (٢) نص عام في تلك الحادثة: تتناول صاحب الحادثة وغيره: فإن هذا النص عام في حق صاحب الحادثة وغيره، ولا ويختص به، بسبب وقوع الحادثة له.
وعند أصحاب الشافعي (٣): يختص بصاحب (٤) الحادثة، وأريد باللفظ العام، الواحد مجازًا. وإنما يثبت هذا الحكم في حق غير صاحب الحادثة بنص آخر أو بالقياس على صاحب الحادثة.
والثاني - إذا خرج كلام الرسول - ﷺ - جوابًا لسؤال السائل: هل يختص بالسائل (٥)؟
_________________
(١) في متن أ: "إلا أن" وصححت في الهامش كذا: "لا أن".
(٢) في أ: "فنزل".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل: "وعندهم".
(٤) في أ: "صاحب".
(٥) في أ: "بالسؤال".
[ ٣٣٠ ]
فعندهم: يختص.
وعندنا: إذا كان الجواب لا يستقل بنفسه بدون السؤال، يختص به. وإن كان يستقل بنفسه ويكون مفيدًا للحكم في حق السائل وغيره، لا يختص به بل يعتبر عموم الجواب.
فهم احتجوا بالموجود (١) في الكتاب، والسنة، وعرف الناس، ونوع كل من المعقول:
- أما الكتاب: قال الله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا (الآية) " (٢) فقوله (٣): "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا" عام في جميع المطعومات إلا المستثني. ثم كثير من الأشياء، غير (٤) المستثنى منه، حرام من البغل والحمار والضبع وسائر السباع ونحوها، ولكن اختص العام بالسبب فإن سبب نزول الآية أن الكفار كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي (٥)
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل كذا: "بالوجود ".
(٢) سورة الأنعام: ١٤٥ - والآية: "قل لا أجد فما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون مية أو دمًا مسفوحًا أو لم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به فن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل: "قوله".
(٤) "الأشياء غير" ليست في أ.
(٥) قال تعالى في سورة المائدة: ١٠٣: "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون". والبحيرة الناقة التي بحروا أذنها أي شقوها، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكرًا شقوا أذنها وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح ولا تمنع عن ماء ولا مرعى وإذا لقيها المعيى النقطع به لم يركبها (أعيا الرجل أو البعير في سيره تعب تعبا شديدًا: المعجم الوسيط). والسائبة: الناقة تنتج عشرة أبطن إناثا فترك ولا تركب ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها. وقيل: هي التي تسيب للأصنام فتعطى السدنة ولا يطعم لبنها إلا أبناه السبيل ونحوهم. أو السائبة: البعير يدرك نتاج نتاجه فيترك ولا يركب. وسابت الدابة تسيب سيبًا تركت ترعى وتسوم حيث تشاء، فهي سائبة. والوصيلة أنثى الشاة تولد في بطن مع ذكر. وكان أهل الجاهلية يقولون: وصلت أخاها، فلا يذبحون =
[ ٣٣١ ]
ونحو ذلك، فأنزل الله تعالى الآية وأخبر رسوله - ﷺ - بأن يقول للكفار: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا (الآية) " (١) يعني لا أجد في كتاب الله تعالى مما تحرمون أنتم محرمًا إلا هذه الأشياء.
- وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال (٢): "لا ربا إلا في النسيئة". والربا يجري في النقد بإجماع الصحابة، ولكن الحديث ورد في حادثة خاصة فاختص (٣) بها، فإنه روي أن رسول الله - ﷺ - سئل (٤) عن الربا في مختلفي الجنس فقال ﵇: " لا ربا إلا في النسيئة" كأنه قال: "لاربا في مختلفي الجنس إلا في النسيئة".
- وأما العرف: فإن من قال لآخر: "تعال تغد معي" فقال: "والله لا أتغدى" يقع على ذلك الغداء، حتى لو تغدى معه بعد ذلك لا يحنث. وكذا لو تغدى في ذلك الوقت (٥) مع غيره لا يحنث. فقوله: "والله (٦) لا أتغدى" عام بنفسه ثم اختص بذلك الغداء، لأن السبب (٧) الداعي إلى الحلف هو ذلك الغداء معه (٨) فاختص بالسبب.
_________________
(١) = الذكر لأجلها. وقيل: هي من الإبل: الناقة تبكر فتلد أنثى ثم تثنى بولادة أنثى أخرى ليس بينهما ذكر، فيتركونها لآلهتهم ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر. وهناك تفاسير أخر. والحامي هو الفحل من الإبل لا يركب ولا يجز وبره، وكان من عادة الجاهلية فأبطلها الإسلام (مادة حمى). (راجع فيما تقدم: معجم ألفاظ القرآن الكريم، الصادر عن مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية).
(٢) راجع فيما تقدم الهامش ٢ ص ٣٣١.
(٣) "أنه قال" من أ.
(٤) كذا في أ. وفي الأصل: "واختص".
(٥) كذا في أ. وفي الأصل: "أنه سئل رسول الله".
(٦) في أ: "اليوم".
(٧) "والله" ليست في أ.
(٨) كذا في أ. وفي الأصل: "لأنه سبب الداعى".
(٩) "معه" من أ.
[ ٣٣٢ ]
- وأما المعقول: فلأن الجواب يختص (١) بالسؤال، خصوصًا إذا كان الجواب لا يكون مفيدًا (٢) بنفسه لمعنى، لكن (٣) ذلك المعنى موجود في الفرع. وهو أنه لو لم يختص بالسؤال لم يكن في ذكر (٤) السؤال والجواب فائدة - فكذا إذا نزلت الآية في حادثة خاصة، في حق شخص خاص: لو لم يختص بصاحب الحادثة ولم تنزل قبل وقوع الحادثة وقبل سؤال صاحب الحادثة لم تظهر فائدة نزول (٥) الآية.
ولكن عامة الفقهاء احتجوا وقالوا:
- إن (٦) عامة النصوص، نحو آية الظهار (٧) واللعان (٨) والقذف (٩) والزنا (١٠) والسرقة (١١) ونحوها، نزلت عند وقوع الحوادث (١٢)، لأشخاص معلومين. [فـ] لو اختصت بالحوادث، لم يكن الأحكام كلها ثابتة بالكتاب والسنة تنصيصًا، إلا في حق أقوام مخصوصين، وهذا محال عقلا، ومخالف الإجماع الأمة.
- والمعقول يدل عليه، وهو أن اللفظ العام يوجب العمل بعمومه، وإنما يترك بدليل التخصيص، إذا كان متصلا به، من حيث الاستثناء والصفة والشرط والغاية على، ما ذكرنا، ويصير خاصًا في المذكور. فأما التخصيص
_________________
(١) في أ: "مختص".
(٢) في أ: "مقيدًا".
(٣) "لكن" من أ.
(٤) في أ. "في ذلك".
(٥) في أ: "بنزول".
(٦) كذا في أ: "إن". وفى الأصل: "بأن".
(٧) سورة الأحزاب؛ ٤. والمجادلة: ١ - ٤.
(٨) سورة النور: ٦ - ٩.
(٩) سورة النور: ٤ - ٥ و١٣ و٢٣.
(١٠) سورة النور: ٢ - ٣.
(١١) سورة المائدة: ٣٨.
(١٢) في أ: "الحادثة".
[ ٣٣٣ ]
المنفصل المقارن: [فـ] يجب أن يكون حكمه مخالفًا لحكم العام، حتى يصح التخصيص، كقوله: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة" فيخص أهل الذمة من اللفظ العام. وفي مسألتنا صاحب الحادثة غير مذكور متصلا باللفظ العام، فيحتاج إلى الإضمار، وهو شيء منفصل، واللفظ العام تناوله (١) وغيره من الناس، فلا يكون الحكم في حقه خلاف حكم (٢) غيره، حتى يخص من الجملة، فيكون ذكره على الخصوص بعدما صار مذكورًا بطريق العموم، من باب التأكيد - ألا ترى أن من قال لغيره: "اعتق عبيدي" ثم قال مقارنًا للأول: "اعتق عبدي سالمًا"، لا يكون هذا تخصيصًا، بل يكون تأكيدًا لا ثبت باللفظ العام، لأن سالمًا دخل تحت قوله: "اعتق (٣) عبيدي"، فقوله: "اعتق سالمًا" يوجب زيا دة تأكيد (٤)، لا أن يصير العام خاصًا في حقه مع أن فيه جعل الحقيقة مجازًا، وهو إطلاق اسم العام على الخاص، فيكون فيما قالوا تغيير له من وجوه: وهو إثبات ما ليس بمذكور، وهو إضمار صاحب الحادثة. وفي تخصيص العام به دون غيره جعل اللفظ العام (٥) مجازًا من غير ضرورة، ومع ذلك لا يثبت به التخصيص بل يثبت به التأكيد، لأن الحكم غير مختلف، حتى إذا اختلف الحكم يكون تخصيصًا، فإن من قالمالغيره: "اعتق عبيدي" ثم قال مقارنًا له: "لا تعتق عبدي سالمًا" يصير مخصوصًا من الجملة.
- وفيما تعلق به الخصم من الكتاب والسنة والعرف قام الدليل على أنه لا يمكن العمل بعمومه. ونحن نسلم أنه إذا كان لا يمكن العمل بعمومه،
_________________
(١) في أ: "يتناوله".
(٢) في أ: "خلافًا لحكم".
(٣) "اعتق" ليست في أ.
(٤) في أ: "التأكيد".
(٥) "العام" ليست في أ.
[ ٣٣٤ ]
تخصص (١) بالحادثة، ويصير مذكورًا دلالة، فإنه لما لم يمكن العمل بالعموم في قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه" (٢) لحرمة (٣) كثير مما لم يذكر في النص المستثنى، فيجب القول بالزيادة على النص المذكور، بإدراج (٤) السبب الوارد، وهو تحريم الكفار البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ونحوها (٥)، فيصير كأنه قال: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا مما تحرمون أنتم من البحيرة وغيرها إلا أن يكون ميتة (الآية) (٦).
- وكذا في الحديث الذي رويتم: لما كان الربا ثابتًا في النقد (٧)، وقد ورد الحديث في مختلفي الجنس، زيد عليه، واختص بالحادثة، كأنه قال: "لا ربا في مختلفي الجنس إلا في النسيئة".
- وكذا في مسألة الدعاء إلى الغداء: يتقيد اليمين بالغداء المدعو إليه، وإن كان قوله: "والله (٨) لا أتغدى" عامًا، لأن دلالة الحال تدل على أنه لم يرد به العموم، فيقيد (٩) بالسبب الداعي إلى الحالف، كأنه قال: "والله لا أتغدى هذا الغداء الذي دعوتني إليه"، ومن ادعى في الفرع أنه لا يمكن العمل بعموم اللفظ حتى يقيد (١٠) بالسبب وصاحب الحادثة، فعليه الدليل.
_________________
(١) في أ: "نختص".
(٢) سورة الأنعام: ١٤٥. وراجع الهامش ٢ ص ٣٣١.
(٣) في أكذا: "محرمة".
(٤) "المذكور بإدراج" من أ.
(٥) في أ: "وغيرها". راجع الهامش ٥ ص ٣٣١ - ٣٣٢.
(٦) في الأصل: "وغيره". راجع الهامش ٥ ص ٣٣١ - ٣٣٢.
(٧) في أكذا: "في العقد". والنقد (في البيع) خلاف النسيئة "، والعملة من الذهب أو الفضة وغيرهما مما يتعامل به (المعجم الوسيط).
(٨) "والله" ليست في أ.
(٩) في أكأنها: "فيتقيد".
(١٠) في أ: "يتقيد".
[ ٣٣٥ ]
- قولهم: إنه لو لم يختص بصاحب (١) الحادثة لم يكن في نزول النص العام فائدة، كما في الجواب المبني على السؤال - فنقول: فائدة نزول الآَية عقيب الحادثة في حق صاحبها: هو ظهور الحكم في حقه، والخروج عن عهدة تلك الحادثة في (٢) حقه، و(٣) لا فرق بين أن ينزل الحكم خاصًا في حقه أو عامًا لدخوله في العام، وهذا لأن النصوص قد تنزل قبل وقوع الحوادث (٤) وقد تنزل عندها، ولله تعالى حكمة ومصلحة (٥) في ذلك كله.
- وهكذا نقول في جواب السائل إذا كان مفيدًا (٦) في نفسه: إنه لا يختص بالسؤال، فأما إذا (٧) لم يكن مفيدًا (٨) في نفسه [فـ] يقتضي إعادة السؤال ويختص به حتى لا يلغو - ألا يرى أن من سأل رجلا فقال: "هل جاري محمد في هذه الدار؟ " فقال: "جميع جيرانك في هذه الدار"، فهذا لا يختص بالسؤال، ويكون جوابًا له، لأنه إذا كان جميع جيرانه في الدار، فاب ر المسؤول عنه يكون كذلك أيضًا (٩)، فيحصل للسائل الغرض بالجواب، وإن كان عامًا لا خاصًا - فكذا ههنا.
- وكذا روي عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن ماء البحر فقال: "الطهور ماؤه والحل ميتته" فالسؤال عن الماء، ثم بين حكم حل (١٠) تناول ما في البحر، وهو زيادة على الجواب، فبقدر السؤال يكون جواب
_________________
(١) "بصاحب" ليست في أ
(٢) كذا في أ. وفي الأصل: "وفي".
(٣) "و" من أ.
(٤) في أ: "الحادثة".
(٥) إلى هنا انتهى القص في ب المشار إليه في الهامش ٩ ص ٣١١.
(٦) في أكذا "مقيدا".
(٧) في أ: "لا يخنص وإذا".
(٨) في أكذا "مقيدا ".
(٩) "أيضا" من أ.
(١٠) في ب: "حل حكم".
[ ٣٣٦ ]
السائل (١)، وما زاد عليه يكون لابتداء التعليم، فكذا هنا (٢): يجوز أن يرد لفظ عام فيكون زيادة على الجواب، فبقدر السؤال يكون جوابًا، وما زاد عليه يكون لابتداء التعاجم - والله أعلم.