فنقول:
فالقياس نوعان في الأصل: عقلي وشرعي.
فالقياس العقلي حجة وطريق لمعرفة (٢) العقليات عند عامة أهل القبلة.
وهو قول البراهمة (٣) من الفلاسفة، المقرين بالصانع المنكرين للأنبياء ﵈.
وقال السمنية (٤) من الدهرية (٥): إنه لا طريق لمعرفة الأشياء إلا الحس وأنكرت كون الخبر والعقل من أسباب المعارف.
وقالت الملحدة، والإمامية من الروافض (٦)، والمشبهة من الحنابلة (٧)، والخوارج إلا النجدات (٨) منهم: إن القياس ليس بحجة في العقليات. ثم اختلفوا فيما بينهم:
قالت الملحدة والإمامية: الحجة هو قول الإمام المعصوم.
وقالت الخوارج والمشبهة: إن (٩) إن الحجة هو (١٠) ظاهر الكتاب في العقليات،
_________________
(١) في ب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - رب يسر. فصل".
(٢) في ب: "بمعرفة".
(٣) انظر في الديانة الهندوسية أو البرهمية: محمد سيد كيلاني، ذيل الملل والنحل للشهرستاني، ص ٩ - ١٣.
(٤) في أ: "الشمنية". وفي ب: "الشمسية". والسمنية هم القائلون بقدم العالم مع إنكارهم للنظر والاستدلال، ودعواهم أنه لا يعلم شيء إلا من طريق الحواس الخمس (البغدادي، الفرق بين الفرق، ص ٢١٤).
(٥) الدهرية: القائلون بقدم العالم (البغدادي، الفرق بين الفرق، ص ١٧٧ - ١٧٨ و١٨٥).
(٦) الإمامية من الروافض - انظر: فخر الدين الرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٥٢ وما بعدها.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل: "والحنابل المشبهة". وفي أ: "والحنابلة من المشبهة". انظر الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ١٠٣ - ١٠٨. والمشبهة من الشيعة (الغالية) ص ١٧٣ وما بعدها.
(٨) أصحاب نجدة بن عامر الحنفي وقيل عاصم - انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ١٢٢ - ١٢٥.
(٩) "إن" ليست في (أ) و(ب).
(١٠) "هو" ليست في أ.
[ ٥٥٥ ]
دون القياس، إلا أن المشبهة من الحنابلة قالوا (١) في الفروع: إن القياس حجة، لحاجة الناس إليه، لحدوث الحوادث ساعة فساعة، [فـ] لا يوجد حكمها في الكتاب، ولا حاجة إليه في العقليات لوجودها في الكتاب.
وهذه المسألة من مسائل الكلام و(٢) تعرف ثمة إن شاء الله تعالى.
وأما القياس الشرعي - وهو القياس في أحكام الحوادث التي لا طريق لمعرفتها سوى الشرع، وليس فيها نص ظاهر، فقد اختلف العلماء فيه:
قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إنه حجة يجب العمل بها.
وقال أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني (٣) ومن تابعه، وقوم من المعتزلة مثل النظام (٤) والقاشاني (٥)
_________________
(١) كذا في ب. وفي أ: "إلا أن الحنابلة المشبهة قالوا". وليست في الأصل ففيه: "دون القياس وقالوا".
(٢) "و" من ب.
(٣) هو داود بن على بن خلف أبو سليمان البغدادي الأصبهاني. إمام أهل الظاهر. ولد سنة ٢٠٠ هـ. وقيل سنة ٢٠٢ هـ. بالكوفة. ونشأ ببغداد. وتوفي بها سنة ٢٧٠ هـ. وقيل أصله من أصفهان. وقيل إن أمه كانت أصبهانية وكان عراقيًا. أخذ العلم والحديث عن إسحاق وأبي ثور وغيرهما. كان إمامًا ورعًا زاهدًا ناسكًا. انتهت إليه رياسة العلم ببغداد (القرشي، الجواهر المضيئة، ٢: ٤١٩ - ٤٢٠. والسبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ٢: ٢٨٤. والسيوطي، طبقات الحفاظ. وابن خلكان، وفيات الأعيان).
(٤) هو إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام من المعتزلة. وإليه ينسب طائفة "النظامية" من المعتزلة. توفي سنة ٢٢١ هـ أو سنة ٢٣١ هـ. قيل له النظام لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة. وهو ابن اخت أبي الهذيل العلاف. وقد انفرد عن أصحابه بمسائل منها قوله في الإجماع إنه ليس بحجة في الشرع، وكذلك القياس في الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة. وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم. (الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ٥٣ وما بعدها. والبغدادي، الفرق، ص ٧٩. ومحمد عبد الهادي أبو ريدة، إبراهيم بن سيار النظام، بحث مكتوب بالآلة الكاتبة بمكتبة الجامعة الأمريكية بمصر).
(٥) هو أبو عمرو (أو أبو عمر) القاشاني من الطبقة الثانية عشرة من المعتزلة (أي من أصحاب قاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبار المتوفى سنة ٤١٥ هـ) (أبو القاسم البلخي وآخران، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: تحقيق فؤاد سيد. الدار التونسية للنشر، تونس، ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٤ م، ص ٣٩٠ وذكر المحقق عنه وعن آخرين: "لم نقف عليهم فيما رجعنا إليه من مراجع". وفرق وطبقات المعتزلة، تحقيق علي سامي النشار وآخر، دار المطبوعات الجامعية بالإسكندرية، سنة ١٩٧٢، ص ١٢٦. وأحمد بن يحيى المرتضى، طبقات المعتزلة، ص ١١٩).
[ ٥٥٦ ]
والشطوي (١): إنه ليس بحجة (٢)، وهو قول من نفى القياس العقلي من الملحدة والإمامية والخوارج سوى المشبهة (٣): فإنهم معنا في القياس في الفروع.
وجه قول نفاة (٤) القياس: النصوص من الكتاب، والسنة، والدليل العقلي.
أما النصوص من الكتاب:
-[فـ] قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٥). وقال تعالى (٦): ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٧). والحق اسم لما هو معلوم قطعًا. وكذلك (٨) العلم حقيقة: ما هو ثابت قطعًا ويقينًا، فأما ما فيه احتمال فهو ظن وليس بعلم. والله تعالى نهى عن القول بما ليس بحق، والاتباع لما (٩) ليس بمعلوم، والقياس بخلافه.
_________________
(١) هو أبو الحسن أحمد بن علي الشطوي. بغدادي. كان من أهل العلم بالكلام. يعظم العلم وأهله ويصغر قدر العامة. وهو في المعتزلة من الطبقة الثامنة (كان على رأسها أبو محمد عبد الوهاب الجبائي المتوفى سنة ٣٠٣ هـ). (انظر: البلخي وآخران، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة. ص ٧٤ و٣٠٠. والمرتضى، طبقات المعتزلة، ص ٩٣. وفرق وطبقات المعتزلة، تحقيق علي سامي النشار وآخر، ص ٨٥).
(٢) "إنه ليس بحجة" من (أ) و(ب).
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "سوى الحنابلة". راجِع ص ٥٥٥ - ٥٥٦.
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "من نفى".
(٥) سورة النساء: ١٧١ - "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ".
(٦) "تعالى" من أ.
(٧) سورة الإسراء: ٣٦ - "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا" وفي ب جاءت هذه الآية قبل الأولى.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وكذا".
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بما"
[ ٥٥٧ ]
- وقال الله (١) تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢). والحكم بالقياس ليس بحكم بما أنزل الله (٣)، لأن المنزل هو الكتاب والسنة.
- وقال الله (٤) تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ (٥): جعل الكتاب كافيًا، ومن جعل القياس حجة لم يجعل الكتاب كافيًا.
- وقال الله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٦). وقال تعالى (٧): ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٨) ". ولو كان القياس حجة (٩)، وهو عندكم حجة (١٠) عند عدم النص، يكون (١١) قولا بأن القرآن ليس تبيانًا لكل شيء، وهو خلاف النص.
_________________
(١) "الله" ليست في ب.
(٢) سورة المائدة: ٤٩. والآيتان ٤٨ و٤٩ - ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾.
(٣) "الله" من (أ) و(ب).
(٤) "الله" ليست في ب.
(٥) سورة العنكبوت: ٥١ - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
(٦) سورة الأنعام: ٥٩ - ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
(٧) "تعالى" من (أ) و(ب).
(٨) سورة النحل: ٨٩ - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
(٩) "حجة "من (أ) و(ب).
(١٠) في ب: "وهو حجة عندكم".
(١١) في ب: "كان".
[ ٥٥٨ ]
وأما السنة:
فما (١) روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى كثر فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما قد (٢) كان، فضلوا وأضلوا" وفي رواية: "لم يزل أمر بني إسرائيل على وتيرة حسنة حتى كثر فيهم أولاد السبايا (الحديث) ".
وأما الدليل العقلي:
فهو (٣) أن القياس أدون البيانين فإنه يحتمل الغلط (٤)، ولهذا لا يكون حجة (٥) عندكم مع قيام النص بخلافه. والله تعالى حكيم، فلا يليق بالحكمة أن يبين أحكامه في حق العباد (٦) بأدون البيانين، مع قدرته على البيان بالأعلى، وهو النص القاطِع. ولأن القياس محتمل للغلط والخطأ، وإنما يجب العمل بالمحتمل باعتبار الحاجة، ولا حاجة به (٧)، فإنه يمكن القضاء في الحوادث (٨) كلها بما في الكتاب والسنة والإجماع، ثم بعد ذلك باستصحاب الحال، والبقاء على حكم العقل (٩).
ومع هذه الدلائل لا حاجة إلى المصير إلى القياس. بخلاف القياس العقلى فإنه دليل قاطع. وبخلاف أمر الحرب (١٠)، والتحري في باب القبلة،
_________________
(١) الفاء من أ.
(٢) "قد" ليست في ب.
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وهو".
(٤) في أ: "محتمل للغلط".
(٥) "حجة" ليست في ب.
(٦) "في حق العباد" ليست في ب.
(٧) "به" من أ.
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بالحوادث".
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "للعقل".
(١٠) في أ: "الحروب".
[ ٥٥٩ ]
لأن ثمة الحاجة ماسة، لعدم إمكان العمل بالدليل العقلي (١) القطعي (٢).
ولأن القياس الشرعي، عندكم، هو اعتبار غير المنصوص بالمنصوص (٣) في الحكم، وهذا غير ممكن، لأنه لا يخلو: إما إن كان الحكم في المنصوص عليه يثبت بعين (٤) النص، أو بالمعنى الثابت في النص، أو بهما، أو بالنص في المنصوص وفي الفرع بالمعنى:
• إن قالوا: يثبت (٥) بعين النص: [فـ] لا يمكن إثباته في الفرع لعدم النص.
• وإن قالوا: إنه (٦) يثبت بمعنى النص، فهو باطل، لأن هذا الوصف لو كان علة الحكم لكان يجب بها الحكم قبل ورود النص، لأنها كانت موجودة، ولا يجوز القول بوجود العلة ولا حكم، ولأن ثبوت الحكم بالنص أمر مقطوع به، وفي ثبوته بالعلة احتمال، فلا يجوز قطعه عن النص وإضافته إلى العلة. ولأن الحكم ملازم للنص، فإنه لم يوجد النص إلا والحكم معه، فأما (٧) العلة [فـ] قد توجد ولا حكم معها (٨)، فكان إضافة الحكم إلى ما يلازمه أولى.
• ولا يجوز أن يثبت بهما (٩)، لأن ما ثبت بشيئين لا يتعدى إلى موضع بأحدهما، ولا يمكن في الفرع (١٠) تعدية النص.
_________________
(١) "العقلى" من ب.
(٢) في ب: "القاطع".
(٣) "بالمنصوص" ليست في ب.
(٤) في ب كذا: "بغير".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ثبت".
(٦) "إنه" ليست في ب.
(٧) في أ: "وأما".
(٨) في ب: "لها".
(٩) أي إن قالوا إن الحكم يثبت بعين النص وبالمعنى الثابت فيه.
(١٠) في أ: "في الفروع".
[ ٥٦٠ ]
• والوجه الرابع (١) باطل، لأن الحكم في النص إذا لم يثبت بمعناه لا يمكن إثباته في الفرع، لأنه لا نص فيه. والمعنى الذي في النص إذا لم يتعلق به الحكم فكيف يتعلق بمثله، بل يجب أن لا يتعلق تحقيقًا للمماثلة بين المعنيين.
فإذا (٢) بطلت (٣) هذه الوجوه، بطل القول بالقياس، ضرورة.
وأما عامة العلماء [فقد] احتجوا بالكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، والمعقول.
أما الكتاب:
- فقول الله تعالى (٤): ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٥) - والاعتبار هو النظر في الحكم الثابت في الشيء: أنه لأي معنى ثبت، ورد نظيره إليه في الحكم وقياس غيره عليه - قال قائلهم:
اعتبر الأرض بأسمائها. . واعتبر الصاحب بالصاحب
أي قس الصاحب بالصاحب في معرفة أخلاقه وصفاته. والاستدلال: أن الله تعالى أمر بالاعتبار لأولي الأبصار، وهو المقايسة مطلقًا، من غير فصل بين العقليات والشرعيات، فيجب العمل بإطلاقه.
_________________
(١) وهو فيما يبدو لنا - القول بأن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالنص في المنصوص وفي الفرع بالمعنى - راجع ص ٥٦٠.
(٢) في ب: "وإذا".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بطل".
(٤) في (أ) و(ب): "فقوله تعالى".
(٥) سورة الحشر: ٢: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
[ ٥٦١ ]
- وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) أي إلى حكم الله تعالى وحكم (٢) رسوله. ولا شك أن التنازع إنما يقع في الأمر الخفي الذي يحتاج فيه إلى الرأي والاجتهاد، دون الحكم الظاهر الجلي. ولهذا قال الله تعالى (٣): ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٤)، فكان (٥) الأمر بالرد إلى حكم الله تعالى وحكم (٦) رسوله ﵇، بواسطة الرأي والاجتهاد، يكون أمرًا (٧) بالمقايسة.
وأما السنة:
- فما (٨) روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن قاضيًا: "بم تقضي؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﵇. قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد (٩) في ذلك رأيي (١٠) ". فقال ﵇: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله - ﷺ - (١١) ". و(١٢) لو لم يكن القياس حجة موجبة للعمل بعد الكتاب والسنة، لأنكر عليه رسول الله - ﷺ -، لما مدحه به، ولما حمد الله تعالى على توفيقه (١٣) لمعاذ (١٤) بالعمل بالرأي والاجتهاد.
_________________
(١) سورة النساء: ٥٩ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
(٢) "حكم" من ب.
(٣) "الله تعالى" ليست في ب.
(٤) سورة النساء: ٨٣ - ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
(٥) كذا في أ. وفي الأصل: "كان". وفي ب: "وكان".
(٦) "حكم" من ب.
(٧) "يكون" ليست في ب.
(٨) الفاء من أ.
(٩) "أجتهد" ليست في أ.
(١٠) في ب: "فيه برأيي".
(١١) في ب: "رسول رسوله ﷺ للهدى". وراجع فيما تقدم ص ٤٧٤.
(١٢) "و" من (أ) و(ب).
(١٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بتوفيقه".
(١٤) تقدمت ترجمته في الهامش ٢ ص ٤٥١.
[ ٥٦٢ ]
- وروي أنه قال - ﷺ - لعبد الله بن مسعود ﵁ حين بعثه قاضيًا: "اقض بالكتاب (١) والسنة إذا وجدتهما (٢)، فإن لم تجد الحكم فيهما اجتهد رأيك (٣) ".
- وكذا روي أنه ﵇ قاس في الأحكام: روي (٤) أنه قال لعمر ﵁ حين سأله عن القبلة للصائم هل تفطره؟ فقال (٥) - ﷺ - (٦): " أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ قاك: لا: فقال - ﷺ -: ففيم (٧) إذن؟ "- قاس القبلة من ثم غيرر إنزال وإيلاج، في نفي فساد الصوم (٨)، على المضمضة من غير ابتلاع.
والأحاديث في الباب كثيرة.
وأما إجماع الصحابة:
فإنهم أجمعوا على كون القياس حجة: حيث اشتغلوا بالقياس في المسائل التي اختلفوا فيها. واختلافهم ظاهر في مسائل كثيرة. فلا يخلو: إما أن يقولوا جزافًا وتبخيتًا (٩)، وهذا لا يظن بالصحابة ﵃. أو بالنص الجلي، أو بالنص الخفي. ولا يتصور الخلاف في موضع النص الجلي المفسر (١٠) بين أرباب الديانة. والاختلاف في معنى النص الخفي
_________________
(١) في ب: "بكتاب الله".
(٢) في أ: "وجدتها".
(٣) في ب: "اجتهد فيه برأيك".
(٤) في ب: "وروي".
(٥) في (أ) و(ب): "قال".
(٦) "ﷺ" من ب.
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: فبم". وراجع فيما تقدم ص ٤٦٤.
(٨) "الصوم" من (أ) و(ب).
(٩) في الأصل كذا: "وتنحيتا". راجع فيما تقدم الهامش ٧ ص ٥٢٨.
(١٠) في ب: "الجلي المعتبر".
[ ٥٦٣ ]
يكون بطريق الاجتهاد والرأي. فإذا انتفى هذان الوجهان تعين القول في ذلك بالرأي والاجتهاد، فيكون إجماعًا منهم على كون القياس حجة في غير موضع النص. كيف وقد روي التنصيص على الاجتهاد والرأي والقياس من البعض - فإنه روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال في الكلالة (١): أجىتهد فيه رأيي (٢). وعن عمر ﵁ أنه قال فيها (٣): أقول فبه برأيي. وروي عن علي ﵁ أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر ﵁ على أن أمهات الأولاد لا يبعن ثم رأيت بيعهن. فقال عبيدة السلماني (٤) ﵁: رأيك مع رأي غيرك أحب إلي من رأيك وحدك (٥). وعن عمر ﵁ أنه كتب في كتاب أبي موسى الأشعري (٦): "اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور عند ذلك". وقال عبد الله بن مسعود ﵁ في مسألة المفوضة (٧): "أجتهد في ذلك رأيي (٨): فإن (٩) كان صوابًا فمن الله تعالى (١٠)، وإن كان خطأ فمن الشبطان والله ورسوله منه بريئان". فثبت أنهم إنما اختلفوا بناء على الاجتهاد والرأي، فيكون إجماعًا منهم على كون القياس حجة.
وأما المعقول:
_________________
(١) كل كلا وكلالة لم يخلف والدا ولا ولدًا يرثه. وكل الوارث لم يكن ولدا ولا والدا للميت (المعجم الوسيط).
(٢) في ب: "برأيي".
(٣) "فيها" ليست في ب.
(٤) تقدمت ترجمته في الهامش ١ ص ٥٠٢.
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وحده".
(٦) تقدمت ترجمته في الهامش ١ ص ١٦٨.
(٧) راجع الهامش ١ ص ٥٠٣.
(٨) في ب: "برأيي".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "إن".
(١٠) "تعالى" ليست في ب.
[ ٥٦٤ ]
- فهو (١) أن من نفى كون القياس حجة من أهل القبلة: إما أن ينفيه بالحس، أو بضرورة العقل وبديهته (٢)، أو بالنص القاطع، أو بالنص الخفي الراجح نحو خبر الواحد وظاهر الكتاب، أو بالقياس:
• لا وجه إلى (٣) أن ينفيه بالحس، لأن نفي كون القياس حجة ليس بأمر محسوس حتى يعرف بالحس.
• ولا وجه إلى (٤) أن ينفيه ببديهة العقل، لأن الخلاف لا يجري بين أرباب العقول السليمة، في معرفة البدائه، لاستوائهم في العقول.
• ولا وجه إلى (٥) أن ينفيه بالنص القاطع، لأنه لا يتصور الخلاف بين أهل القبلة، في الحكم الثابت بالنص القاطع المفسر (٦).
• لم يبق إلا خبر الواحد والقياس:
وخبر الواحد محتمل للصدق (٧) والكذب، وترجيح الصدق بعدالة الراوي. ومعرفتها بالقياس والرأي (٨) تكون (٩). وهو أن العدل من يجتنب عن (١٠) سائر الكبائر، فيقاس اجتنابه عن الكذب على اجتنابه عن سائر الكبائر. فكان نفيهم (١١) القياس بالقياس، ومالا ينفك عن القياس (١٢)، فيكون في نفي القياس إثباته، وما كان في نفيه إثباته، فهو ثابت (١٣) ضرورة.
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وهو".
(٢) في ب: "أو ببديهته".
(٣) و(٤) و(٥) "إلى" من (أ) و(ب).
(٤) في أ: "والمفسر".
(٥) في ب: "محتمل الصدق".
(٦) في ب: "بالرأي والقياس".
(٧) في ب كذا: "فكون".
(٨) "عن" ليست في ب. وفي القاموس: "اجتنبه". وكذا في القرآن الكريم ومثاله: "واجتنبوا الطاغوت" (النحل: ٣٦).
(٩) كذا في أو ب. وفي الأصل كذا: "تفهيم".
(١٠) في ب: "عنه لقياس".
(١١) في ب: "كان ثابتًا".
[ ٥٦٥ ]
- ولأن القياس (١) حجة في العقليات لمعنى (٢): ذلك المعنى موجود في الشرعيات. وهو أنه (٣) طريق يتوصل به إلى العلم الخفي، الذي قام له دليل وعلامة من حيث الظاهر، بوجود سببه، وهو: التأمل والنظر في العلم الظاهر المحسوس، وذلك هو الأثر، فيستدل بالأثر على المؤثر، كالدخان الدال على النار لكونه أثر النار. أو بالسبر والتقسيم. وغير ذلك من الأعلام التي (٤) يتتعلق بها ذلك الحكم - هذا المعنى موجود في الشرعيات: وهو طريق يتوصل به إلى ما هو خفي، قام دليل على وجوده من حيث الظاهر، وهو الوصف المؤثر في ثبوت الحكم، أو السبر و(٥) التقسيم في أوصاف المنصوص عليه وإبطال جميع الأوصاف فيتعين (٦) الباقي، وغير ذلك. إلا أن الفرق أن: في العقليات يعرف كونه مؤثرًا من حيث الحس والعيان والبديهة (٧). وفي الشرعيات بالشرع. فيكون ذلك (٨) دليلا قاطعًا، وهذا دليلا غالبًا راجحًا (٩) إذا كان بالاستدلال. فيكون الحكم الثابت ثم (١٠) قطعيًا، وههنا بخلافه (١١). ثم القياس العقلي حجة، فكذلك القياس (١٢) الشرعي. إلا أنهما يفترقان من حيث إن الحكم الثابت
_________________
(١) في ب: "القياس العقلي".
(٢) في ب: "بمعنى".
(٣) "أنه" من (أ) و(ب). وغير واضحة في الأصل.
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الذي".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أو".
(٦) في ب: "فتعين".
(٧) "والبديهة" من ب.
(٨) "ذلك" ليست في أ، وفي هامشها: "أي القياس العقلي".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "وهذا دليل غالب راجح". وفي أ: "وهذا دليل راجح" وفي هامشها: "أي القياس الشرعي".
(١٠) في أ: "ثمة".
(١١) "فيكون الحكم بخلافه" ليست في ب. والمعنى وارد بعد ذلك بقليل.
(١٢) "القياس" ليست في ب.
[ ٥٦٦ ]
ثمة يكون قطعيًا (١)، وههنا من حيث الغالب والظن الراجح (٢). وهذه المفارقه لا تمنع من (٣) صحة الاستدلال، لأن العمل بالعلم الغالب والظن الراجح و. اجب عقلا وشرعًا (٤): أما الشرع فالحكم بشهادة الشهود عند رجحان الصدق، وكذا تقليد القضاء والخلافة (٥) عند رجحان الصلاح والسداد في حق المقلد، وإجراء أحكام الإسلام على المسلمين بناء على ظاهر الإسلام، إذ هو أمر باطن لا يوقف عيه (٦) يقينًا. وأما العقل فإن القيام (٧)، من تحت الجدار المائك الذي لي يخشى سقوطه غالبًا (٨) والتباعد عنه، واجب عقلا، مع احتمال السلامه جملة (٩). وكذا الفرار والتحرز عن السبع الضاري وقطاع الطريق، واجب عقلا. وكذا (١٠) ركوب البحر للتجارة الرابحه، حال خوف الغرق غالبًا، قبيح عقلا، وعند غلبة السلامة، حسن عقلا - وله نظائر في الشرع والعقل.
والجواب عن شبهات الخصوم (١١):
- أما النصوص [من الكتاب]، فالجواب عن التعلق بها من ثلاثة أوجه:
• أحدها - أنه لاحجة لكم (١٢) في ظاهر بعض النصوص من (١٣) قوله تعالى: "تبيانًا لكل شيء" (١٤) ونحوه (١٥)، فإنه لا خلاف أنه ليس في ظاهر
_________________
(١) كذا في ب. وفي أ "ثمة قطعي".
(٢) "إلا أنهما يفترقان الراجح" من (أ) و(ب).
(٣) "من" ليست في ب.
(٤) في (أ) و(ب): "شرعًا وعقلا".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "والحلاف".
(٦) في ب: "لا يمكن الوقوف عليه".
(٧) في ب ": الفرار".
(٨) "غالبًا" ليست في ب
(٩) "جملة" ليست في أ.
(١٠) في ب: "وكذلك" ..
(١١) في ب: "عن شبهاتهم".
(١٢) في ب: "للمرء".
(١٣) في ب: "في".
(١٤) سورة النحل: ٨٩ - راجع نصها في الهامش ٨ ص ٥٥٨.
(١٥) راجع ص ٥٥٧ - ٥٥٨.
[ ٥٦٧ ]
القرآن بيان جميع الأحكام بطريق التنصيص، وأن (١) كل الأحكام غير منزل من حيث النص - أن المراد منه من حيث المعاني المودعة فيه: بعضها ظاهر لا يحتاج فيه (٢) إلى الاستخراج، والأغلب يحتاج فيه (٣) إلى الاجتهاد والرأي: فبطل تعلقكم (٤) بظاهر النصوص، ويكون حجة عليكم في أن المراد هو معاني النصوص، واعتبار معاني النصوص هو القياس.
• والثاني - أنا نقول بموجبها، فإنا لا نقفوا ولا نتبع ما ليس لنا به علم، ولا نشهد على الله تعالى إلا بالحق والعلم، غير أن العلم نوعان: علم ظاهر راجح، وعلم قطعي. والعلم الراجح كاف في حق العمل، فأما في حق الاعتقاد والشهادة على الله تعالى: إن هذا حكمه، يشترط العلم القطعي، فقلنا بكون القياس حجة في الجملة بدليل قطعي. ونشهد بكونه دليلا عند الله تعالى، والحكم الثابت به حكمًا ثابتًا عند (٥) الله تعالى قطعًا، لإجماع الصحابة على ذلك. وإذا كان في موضع متعين فلا نقول إن ذلك القياس دليل قطعي، بل هو دليل ظاهر راجح، والحكم الثابت به كذلك - فنعتبره في حق العمل، احتإطًا مع احتمال الخطأ في الجملة، كما في خبر الواحد والشهادات في حق العباد.
• والثالث - أن نقول: المراد منها في حال قيام النص، وبه نقول: إنه لا يجوز العمل به في حال وجود النص، وحملناه (٦) عليه عملا بالدلائل كلها، لأن الإجماع حجة مثل الكتاب، فلا يجوز العمل به على مخالفة إجماع الصحابة.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فإن".
(٢) في ب كذا: "قيده".
(٣) في ب: "والأغلب فيه يحتاج".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "تعلقهم".
(٥) في ب: "الثابت به ثابت عند".
(٦) الهاء (الضمير) من ب.
[ ٥٦٨ ]
- وأما ما ذكروا من الأحاديث:
• فلا حجة فيها، لأنها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد لا يكون حجة إلا في حق العمل. وكون القياس حجة أو لا من باب الاعتقاد، لا من باب العمل، فلا يقبل فيه الآحاد.
• وما روينا من الأخبار، وإن كانت (١) من الآحاد في الأصل، ولكن صارت مشهورة لقبول الصحابة إياها، لإجماعهم على كون القياس حجة. ثم يجب حملها على حال (٢) قيام النص، بدليل إجماع الصحابة، أو في حق العمل بموجبه، وخبر الواحد يصلح للعمل. فأما (٣) أنتم [فـ] عملتم به في حق الاعتقاد - والله أعلم.
- وأما (٤) قولهم: إن القياس الشرعي أدون البيانين، وهذا ليس بحكمة مع القدرة على البيان بالأعلى - فهذا (٥) باطل:
• بالعلم الضروري: فإنه (٦) أقوى من العلم الاستدلالي، فإنه لا يدخل فيه الشبهة، والاستدلالي مما يعتريه (٧) الشبهة (٨)، مع كونه دليلا قطعيًا (٩).
• وكذا خبر الواحد: حجة، مع أن في قدرة الله تعالى به إن ذلك الحكم بالأعلى.
_________________
(١) في ب: "كان".
(٢) "حال" ليست في ب.
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وأما".
(٤) "وأما" من أ.
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وهذا".
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وإنه".
(٧) في ب كذا: "نعرفه".
(٨) لعل المقصود: بما يعتريه من الشبهة.
(٩) راجع في العلم الضروري والاستدلالي فيما تقدم ص ٨ - ١٠.
[ ٥٦٩ ]
- ثم نقول: لم قلتم بأنه لا يجوز أن يكون الحكمة في البيان بطريق الخفاء، لا بطريق الظهور بلا شبهة، حتى يكون للسامع (١) فضل العلم بالتأمل (٢)، واستخرج المراد من السؤال، ممن هو أعلم منه. أو يكون فيه تحقيق الابتلاء بالاستدلال - ألا ترى أن الدلائل العقلية، مع كونها قاطعة، يكون، بعضعها خفيًا (٣) لا يدرك إلا بالتأمل، حتى جرى الخلاف بين العقلاء فيه. والله تعالى خلق الشبهات بمقابلتها لما رأى كل من الحكم، وإلا لو جعل الدلائل كلها ظاهرة جلية ما وقع الخلاف في شيء من الأحكام العقلية والشرعية، مع أنا لما أقمنا الدلائل على شرعية القياس بالكتاب وإجماع الصحابة يجب القول بوجود الحكمة (٤) فيه، وإن كان أدون البيانين، لأن الله تعالى لا يشرع حكمًا من غير حكمة، تعالى الله عن خلافه، ويجب الاعتقاد بأن (٥) فيه حكمة وإن لم نعقل وجهها - والله أعلم.
- قولهم: إن القياس دليل محتمل للغلط، وهو حجة عند الحاجة - قلنا: بلى إنه دليل محتمل (٦)، ولكن بالناس حاجة إلى القياس، لأن الحوادث إلى آخر الدهر كثيرة لا تتناهى، وليس في النصوص بيان الكل، فعلى ما شرع الله تعالى: الشرائع والأحكام المنصوصة مقصورة على (٧) الحوادث، [فـ] تقع الحاجة لهم إلى إستنباط المعاني المودعة في النصوص، وإن كان الله تعالى قادرًا على شرع الشرائع بطريق لا تمس (٨) بهم (٩) الحاجة
_________________
(١) في ب: "السامع".
(٢) كذا في أ. وفي الاصل: "التعلم بالتأمل". وفي ب: "التعلم والتأمل".
(٣) كذا في أو ب. وفي الأصل: "خفية".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الحكم".
(٥) في ب: "بأنه".
(٦) في ب: "يحتمل".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "عن".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لا يمس".
(٩) في أ: "لهم".
[ ٥٧٠ ]
إلى القياس، واستنباط المعاني، ولا يوصف صاحب الشرع بالحاجة. لكن على ما رأى (١) الحكمة في شرع الشرائع على هذا الوجه، تمس الحاجة بالعباد (٢) إلى المعاني المودعة والقياس، وهو أحكم الحاكمين.
- قولهم: إن الحكم في موضع الإجماع والنص إما أن يثبت بالنص أو بالعله أو بهما على ما قرروا - فنقول: هذه المسألة اختلاف بين القايسين:
• منهم من قال: يثبت الحكم في المنصوص عليه بعين النص لا بالعلة. وإنما (٣) العله وضعت دلالة على ثبوت الحكم في الفروع (٤) - وهو قول مشايخ العراق.
• وقال بعضهم: إن الحكم يثبت (٥) بالعله في النص. فمتى وجد مثله في موضع آخر يثبت الحكم فيه - وهو قول مشايخ سمرقند. وهو قول الشافعي ﵀.
والإشكالات التي ذكروا (٦) على القولين والانفصال عغ، نذكر في تلك المسألة إن شاء الله تعالى.
و(٧) مسألة القياس: هل هو حجة؟ مشكلة. ومن الجانبين شبهات عظيمة. وعلى كل دليل سمعي وعقلي اعتراضات وجوابات. وهي مشروحة في الشرح والله الموفق.
_________________
(١) في أ: "لكن لما رأى".
(٢) في ب: "للعباد".
(٣) في ب: "لا بالعلة ومنهم من قال: إنما".
(٤) في أ: "في الفرع".
(٥) "يثبت" من (أ) و(ب).
(٦) في أ: "ذكروها".
(٧) "و" ليست في ب.
[ ٥٧١ ]
[٤]