وهي فصول، خمسة منها متقاربة:
أحدها (٤) - أن النص إذا أثبت حكمًا في (٥) مسمى باسم علم - هل يدل على نفي الحكم فيما عداه؟ كقوله ﵇: "في خمس (٦) من الإبل شاة"- إثبات الحكم في الحيوان المسمى باسم الإبل (٧): هل يكون نفيًا عن المسمى باسم الغنم والبقر ونحوه أم لا؟
_________________
(١) في ب: "تندفع".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وقال".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "أو لا يجعل". وفي أ: "ولأن يجعل".
(٤) في ب: "إحداها".
(٥) "في" ليست في أ.
(٦) في ب: "وفي خمس". وفي بلوغ المرام (رقم ٤٨٢ ص ٨٢): (، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم: في كل خمس شاة " وانظر: الصنعاني، بل السلام، ٢: ١٢.
(٧) في ب: "المسمى بالإبل".
[ ٤٠٥ ]
والثاني - أن (١) النص إذا أثبت حكمًا في موصوف بصفة - هل يكون نفيًا للحكم في غير الموصوف بتلك الصفة؟ كقوله ﵇: "في خمس من الإبل السائمة شاة": فيه إيجاب الزكاة في إبل موصوفة (٢) بصفة الأسامة (٣) هل يكون نفيًا للوجوب عن غير الإبل السائمة؟
والثالث - أن النص إذا أثبت حكمًا معلقًا بشرط صحيح - هل يكون نفيًا للحكم بدون ذلك الشرط؟ كقوله تعالى: "ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات" (٤): علق جواز نكاح الأمة شرط عدم طول الحرة، وهل (٥) يكون نفيًا لجواز نكاح الأمة بدون هذا الشرط أم لا؟
والرابع - أن النص إذا أثبت حكمًا مقدرًا بمقدار معلوم، هل يكون نفيًا للزيادة أو النقصان عن ذلك القدر أم لا؟ كقوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (٦): - هل يكون نفيًا لإيجاب الزيادة (٧) على المائة أو النقصان عنها؟
والخامس - أن (٨) النص إذا أثبت حكمًا موقتًا إلى زمان معدوم هل يكون نفيًا لذلك الحكم بعد مضي ذلك الوقت في زمان بعده أم لا؟.
_________________
(١) "أن" من أ.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "موصوف".
(٣) في أ: "السائمة". سام الماشية وأسامها خلاها ترعى، والسائمة كل إبل أو ماشية ترسل للرعي ولا تعلف (المعجم الوسيط). وانظر فيما بعد ص ٤١١.
(٤) سورة النساء: ٢٥. والطول الفضل والغنى واليسر (المعجم الوسيط).
(٥) في أ: "فهل".
(٦) سورة النور: ٢.
(٧) "الزيادة" ليست في أ.
(٨) "أن" من ب.
[ ٤٠٦ ]
كقوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل" (١)، فهذا (٢) النص: هل ينفي إيجاب الصوم في الليل أم لا؟
ثم عند عامة أصحابنا ﵏ في الفصول كلها: أنه (٣) لا يوجب النفي، وإنما حكمه الإثبات فيما (٤) نص عليه لا غير، وحكمه موقوف إلى قيام الدليل في النفي والإثبات في غيره (٥).
وعند المعتزلة: يقف (٦) على الدليل العقلي: إن نفاه ينتفى، وإن أثبت يثبت، بناء على أصلهم: أن العقل دليل في كثير من الشرعيات.
وقال الشافعي ﵀ في الفصول كلها: إنه يوجب النفي.
وهو قول بعض أصحابنا مثل الكرخي وغيره، إلا في الفصل الأول: فإنه قول عامة العلماء إلا بعض أصحاب الحديث.
وقيل: هو قول بعض أصحاب الشافعي.
وأصحاب الشافعي (٧) سموا الفصول المختلفة بيننا وبينهم: دليل الخطاب ومفهوم الخطاب.
وشبهتهم العقلية أن (٨) تخصيص الشيء بالحكم (٩) ذكرًا يقتضي فائدة مخصوصة، وليس ذلك إلا نفي الحكم عن غيره - ألا ترى أن المعلق
_________________
(١) سورة البقرة: ١٨٧.
(٢) في ب: "وهذا".
(٣) "أنه" ليست في (أ) و(ب).
(٤) في ب: "وفيما".
(٥) في ب: "في الإثبات والنفي لا غير". وفي هامش أ: "هذه المسألة هي المسألة المذكورة قبل عشرين ورقة في مسألة دليل الخطاب". (راجع فيما تقدم الهامش ١٠ ص ٣٠٧).
(٦) كذا في هامش أ. وفي الأصل وأ وب كذا: "بقى".
(٧) "وأصحاب الشافعي" ليست في ب.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وهو أن".
(٩) فى ب: "باللفظ".
[ ٤٠٧ ]
بالشرط إذا كان يوجد عند وجود الشرط ويوجد عند عدم الشرط، لم يكن للتعليق بالشرط فائدة.
وعامة العلماء تعلقوا بالنص والمعقول:
- أما النص:
فقوله (١) تعالى: "منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم" (٢) - فالله (٣) تعالى حرم الظلم في هذه الأشهر الحرم، وموجب ما ذكرتم أن ينفي (٤) حرمة الظلم في أشهر أخر. وهذا خلاف إجماع الأمة.
وقال تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا" (٥) - فالله تعالى نهى عن إكراه الإماء (٦) على الزنا (٧) إن أردن التعفف، وهذا يوجب إباحة الإكراه على الزنا إن لم يردن التعفف على قود (٨) مذهبكم - وإنه فاسد.
- وأما المعقول:
فهو (٩) أن انتفاء الحكم في هذه الفصول إما أن يثبت بالنص، أو لضرورة (١٠) فائدة التخصيص بالذكر.
_________________
(١) كذا في أ. وفي ب: "قوله". وفي الأصل: "النص: قوله".
(٢) سورة التوبة: ٣٦: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الله".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل وردت: "لا" في الهامش تصحيحًا فصارت: "لا ينفي".
(٥) سورة النور: ٣٣ والآية: ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم".
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الإكراه للإماء".
(٧) في ب كذا: "الزاني".
(٨) "قود" ليست في أ.
(٩) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وهو".
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بضرورة".
[ ٤٠٨ ]
والأول (١) فاسد:
• لأن النص الثبت موجبه هو (٢) الإثبات دون النفي لغة، وبين النفي والإثبات منافاة، فالموضوع لأحد الضدين كيف يكون موضوعًا للضد الآخر؟
• و(٣) لأن إثبات الحكم في مسمى معلوم لو كان ينفي ثبوت ذلك الحكم في غيره لامتنع القول بالقياس، لأن القياس لا يصح إلا بعد ثبوت الحكم في محل منصوص عليه مسمى باسم خاص. ولو كان النص يوجب نفي الحكم في غير المنصوص عليه يكون القياس بمقابلة النص، والقياس لا (٤) يعارض النص بالإجماع.
والوجه الثاني فاسد أيضًا:
فإنه مجرد الدعوى أن لا فائدة سوى نفي الحكم عن غيره، وما لم ينف (٥) بالدليل: أنه لا يتصور فائدة أخرى في هذه الفصول، وأن الفائدة مقصورة على نفي الحكم عن غيره، فلا (٦) يستقيم هذا الكلام، ولا يتصور ذلك (٧) حتى يلج الجمل في سم الخياط (٨) - والله الموفق.
مسألة - ومنها أن المطلق هل يحمل على المقيد أم لا؟
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فالأول".
(٢) "هو" ليست في ب.
(٣) "و" ليست في أ.
(٤) في ب: "ولا".
(٥) كذا في الأصل وب وهامش أتصحيحًا. وفي متن أ: "وما لم يثبت".
(٦) كذا في هامش الأصل تصحيحًا. وفي متن الأصل: "ولا". وفي (أ) و(ب): "لا".
(٧) "ذلك" ليست في أ. وفي ب كذا: "ذلك قوله تعالى حتى ".
(٨) الأعراف: ٤٠ - والآية: "إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين".
[ ٤٠٩ ]
فعند الشافعي ﵀: يحمل المطلق (١) على المقيد بكل حال. واختلف المشايخ عندنا:
قال بعضهم: يحمل إذا كان السبب واحدًا، والحادثة واحدة. فأما في حادثتين، [فـ] لا يحمل.
وقال أهل التحقيق منهم بأنه لا يحمل سواء كانت الحادثة واحدة أو لا، إلا إذا كان الحكم (٢) واحدًا، والسباب واحدًا، ولا يمكن الجمع بين المطلق والمقيد (٣): فحينئذ يحمل.
وجه قول الشافعي أن المطلق يحتمل المقيد (٤)، كالعام يحتمل الخصوص، والمجمل يحتمل البيان. فإذا (٥) ورد كل طلق ومقيد يجب أن يكون المقيد (٦) بيانًا للمطلق، ويكون كلا النصين بمنزلة نص واحد؛ كالنص المجمل مع النص المبين (٧)، حتى لا يؤدي إلى التناقض، ولا يقال متى جعل نسخًا لا يؤدي إلى التناقض، لأنهما إذا كانا مقارنين لا يمكن الحمل على النسخ، ولأن النسخ أمر ضروري فلا يصار إليه من غير ضرورة، ولا ضرورة مع إمكان الحمل على البيان (٨). ولأنا لو لم نحمل المطلق على المقيد، يؤدي إلى إلغاء صفة القيد، فإن قبل ورود (٩) النص
_________________
(١) "المطلق" ليست في ب.
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "حكما". انظر كشف الأسرار، ٢: ٢٩٠.
(٣) "ولا يمكن الجمع بين المطلق والمقيد" من ب.
(٤) في ب كأنها: "القيد".
(٥) في ب: "وإذا".
(٦) "المقيد" من (أ) و(ب).
(٧) في هامش أ: "أي المفسر".
(٨) "ولا ضرورة على البيان" من ب.
(٩) في ب كذا: "ورد". وفي الأصل: "فإن قيل ورود".
[ ٤١٠ ]
المقيد، لو أتى بالمطلق والمقيد يكون جائزًا، فعند (١) ورود النص المقيد؛ لو صار (٢) المطلق نظير المقيد، لم يكن في القيد فائدة.
وبهذا الطريق حمل المطلق على المقيد:
- في باب الشهادات: فإن بعض النصوص مطلق عن قيد العدالة، وبعضها مقيد. ثم صار المطلق مقيدًا بالإجماع، حتى شرطت العدالة لوجوب قبول الشهادة (٣).
- وكذا ورد في باب الزكاة نصان: مطلق عن قيد الأسامة، ومقيد بصفة الأسامة. قال النبي - ﷺ -: "في خمس من الإبل شاة"، وروي: "في خمس من الإبل السائمة شاة" (٤) ثم حمل المطلق على المقيد حتى صار صفة الأسامة (٥) شرطًا بالإجماع لوجوب الزكاة.
وكذا في كفارة الحنث (٦): ورد ظاهر النص مطلقًا عن صفة التتابع في إيجاب الصوم، فقال تعالى: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام" (٧) وفي (٨) قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". وقد حملتم المطلق على المقيد حتى شرطتم التتابع، ولا يلزمنا أنا لا (٩) نحمل، حتى لم يصر التتابع شرطًا عندنا، لأن في صوم الكفارات (١٠) ورد النص
_________________
(١) في أ: "فبعد".
(٢) في ب: "لو جاز".
(٣) في أ: "الشهادات".
(٤) راجع فيما تقدم الهامش ٣ ص ٤٠٦. وفيه عن المعجم الوسيط أن السائمة كل إبل أو ماشية ترسل للرعي ولا تعلف.
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "السايمة".
(٦) حنث في يمينه حنثًا لم يبر فيها وأثم (المعجم الوسيط).
(٧) المائدة: ٨٩. وتقدم نصها في الهامش ٢ ص ٣٩٦.
(٨) كذا في أ .. وفي الأصل و(ب): "ثم في".
(٩) في ب: "لم".
(١٠) في هامش أ: "يعني في كفارة اليمين".
[ ٤١١ ]
المطلق، وقد ورد المقيد على وصفين: بصفة التتابع (١) وبصفة التفرق، وهو قوله تعالى في صوم المتعة: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة" (٢) - فلم يكن أحد النصين المقيدين بأولى من حمل المطلق عليه، فسقط اعتبار المقيد، لأجل التعارض، أو يثبت له الخيار في الحمل على أي المقيدين شاء، عملا بالدليلين بقدر الإمكان. على أن قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ (٣) لا تصلح معارضًا لقراءة (٤) العامة الثابتة بالتواتر. وعندنا إنما يحمل عند الاستواء في الدليلين (٥).
وجه قول أصحابنا ﵏ أن حمل المطلق على المقيد خلاف عرف أهل اللغة؛ بل في عرفهم إجراء المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده. فإن من قال لآخر: "اعتق عبدي" (٦) ثم قال بعد ذلك: "اعتق عبدي الأبيض"؛ فله أن يعتق أي عبد شاء ولا يتقيد بالأبيض. وكذا من قال لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت طالق" ثم قال بعد ذلك: "إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق"، فدخلت راكبة أو ماشية: يقع الطلاق، ولا يتقيد المطلق بصفة الركوب. وإذا كان عرف أهل اللسان هذا، يجب حمل كتاب الله تعالى وكلام الرسول - ﷺ - على التعارف، لأن كلام الله تعالى نزل بلغة العرب على حسب عاداتهم - قال الله تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" (٧)؛ والرسول ﵇
_________________
(١) في هامش أ: "وهو قراءة ابن مسعود".
(٢) سورة البقرة: ١٩٦: " فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله .. "
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "عنهما".
(٤) في أ: "للقراءة". وفي ب: "معارضة للقراءة".
(٥) في هامش أ: "ولم يوجد بقول الشافعي".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "عبيدي".
(٧) سورة إبراهيم: ٤.
[ ٤١٢ ]
منهم، فيكون كلامه محمولا على تعارفهم في الأصل، ولأن في هذا نسخ المطلق، لأن النسخ ليس إلا بيان انهاء مدة الحكم، ومتى حمل المطلق على المقيد، وقبل التقييد يجوز العمل به وبعده لا يجوز، فقد انتهى حكم المطلق ضرورة، والنسخ لا يجوز إلا عند تساوي الدليلين، والقياس وخىبر (١) الواحد لا يساوي الكتاب والمتواتر (٢) - هذا طريق مشايخ العراق.
وطريق مشايخنا (٣) أن حمل المطلق على المقيد ضرب (٤) النصوص بعضها في بعض، وجعل النصين كنص واحد، والنص المطلق واجب العمل بإطلاقه عند الانفراد، لأنه يمكن العمل بظاهره، لأن المطلق لا يتعرض للأوصاف المختلفة، إنما هو اسم للذات دون الصفات، فلا يحتاج إلى بيان، والنص المقيد كذلك - فيجب العمل بهما ما أمكن، بخلاف النص المجمل مع المبين (٥)، لأن الجمل لا يمكن العمل بظاهره، فيجب حمله على المفسر، ويكون تفسيرًا للأول.
و(٦) قوله (٧) إن في العمل بهما إلغاء صفة القيد (٨)، فليس كذلك: فإن قبل ورود المقيد يعمل بالمطلق (٩) من حيث إنه مطلق، وبعد ورود
_________________
(١) في أ: "والخبر".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "والتواتر".
(٣) في هامش أ: "سمرقند".
(٤) كدا في ب. وفي الأصل و(أ): "صرف".
(٥) في هامش أ: "أي المفسر".
(٦) "و" من أ.
(٧) في هامش أ: "جواب عن قول الشافعي".
(٨) في (أ) و(ب): "القيد".
(٩) في ب: "المطلق".
[ ٤١٣ ]
المقيد يعمل بالمقيد من حيث إنه مقيد، وفيه فائدة، وهو أن يكون ذلك دليل الاستحباب والفضل، أو هو عزيمه، والمطلق رخصة، ونحو ذلك. ومتى أمكن العمل بهما جميعًا، واحتمال الفائدة قائم، لا يجعل النصان نصًا واحدًا. ولأن فيما ذكرتم إلغاء صفة الإطلاق، فيجب (١) أن لا يقيد (٢). وفي الموضع الذي حمل المطلق على المقيد إنما حمل لعدم الإمكان، بأن كان سبب الحكم واحدًا والحكم واحدًا، ولا يمكن إثبات حكم مطلق ومقيد بسبب واحد في زمان واحد، فيخرج (٣) على البيان أو على التناسخ، على ما يعرف بعد هذا (٤)، على اختلاف بين مشايخنا أن تقييد المطلق بيان أو نسخ (٥). أما عند الإمكان فلا، وعند اختلاف السبب يمكن مع اتحاد الحكم، كما في قوله ﵇: "أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد" وروي: "عن كل حر وعبد من المسلمين" (٦)، لأن السبب في حق العبد المسلم هو رأس يمونه (٧) بولايته عليه، وفي حق العبد (٨) الكافر رأسه، وهما سببان، وإن كانا من جنس واحد، ولكن محل (٩) الحكم مختلف، وهو العبد المسلم والكافر (١٠). أما في كفارة اليمين [فـ] السبب
_________________
(١) الفاء من أ.
(٢) في هامش أكذا: "جواب".
(٣) في أ: "ويخرج".
(٤) و(٥) "على ما يعرف بعد هذا" لم ترد في ب هنا، وإنما وردت بعد قوله: " .. تقييد المطلق بيان أو نسخ".
(٥) في بلوغ المرام رقم ٥٠٣ ص ٨٧: "عن ابن عمر ﵄ قال: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين .. "
(٦) مانه مونًا احتمل مؤونته وقام بكفايته فهو ممون. تقول: مان الرجل أهله كفاهم، ومنت الركب ومازلت أمونه أقدم له ما يحتاج من مؤونة، والمؤونة القوت أو ما يدخر منه، وكذلك مأن القوم مأنًا احتمل مؤونتهم: قوتهم (المعجم الوسيط).
(٧) "العبد" من (أ) و(ب).
(٨) في ب كذا: "محمل".
(٩) "ولكن والكافر" من (أ) و(ب).
[ ٤١٤ ]
واحد، وهو اليمين عند الحنث، والحكم واحد وهو صوم ثلاثة أيام، فلا يمكن القول بوجوبه كل تتابعًا وغير متتابع في حالة واحدة، فحمل على المقيد، لأنه أعلى (١)، لكونه أكثر ثوابًا لزيادة مشقة فيه، ولأن في المقيد مطلقًا (٢) وزيادة قيد، فيكون عملا بالدليلين، بقدر الممكن، ولا كلام فيه، إنما الكلام في موضع يمكن الجمع - والله أعلم.
مسألة - القران في اللفظ (٣): هل يوجب القران في الحكم؟
قال عامة أهل الأصول: لا يوجب.
وقال بعض الفقهاء بأنه يوجب.
وصورته أن حرف الواو متى دخل بين الجملتين التامتين، كل جملة مبتدأ وخبر، فالجملة (٤) المعطوفة هل تشارك الجملة المعطوف عليها في الحكم المنوط بها؟
وأجمعوا أن المعطوف إذا كان ناقصًا، بأن لم يذكر فيه الخبر، فإنه يشارك المعطوف عليه في خبره، ويشاركه في حكمه، كقولك: "زينب طالق وعمرة" فإن قوله: "وعمرة" (٥) يشارك زينب في وقوع الطلاق، لكونه (٦) ناقصًا لا يفيد بنفسه دون المشاركة في خبر الأول.
وعلى هذا الأصل، تعلق بعض الفقهاء في نفي وجوب الزكاة على الصبي، بقوله تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (٧): عطف الزكاة على
_________________
(١) في هامش أ: "يعني لا على العكس لأن المقيد أعلى".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "مطلق".
(٣) في (أ) و(ب): "في النظم".
(٤) في أ: "فالجمل".
(٥) في ب: "فإن عمرة" فليس فيها: "قوله و".
(٦) في ب: "لكونها".
(٧) سورة البقرة: ٤٣ و٨٣ و١١٠. والنساء: ٧٧. والنور: ٥٦. والمزمل: ٢٠.
[ ٤١٥ ]
الصلاة (١)، فيجب (٢) أن تشارك (٣) الصلاة، ثم لا تجب الصلاة عليه (٤)، فكذا (٥) الزكاة، تحقيقًا (٦) للمشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه.
وشبهة هؤلاء أن الواو للعطف لغة، ولهذا تسمى (٧) واو العطف عند أهل اللغة، ومقتضى العطف هو الشركة في الخبر - تقول: "جاءني زيد وعمرو" أي جاءآ، ولهذا إذا كان المعطوف متعريًا عن الخبر، فإنه يشارك الأول في خبره، فيجب القول بالشركة في الأصل، وإن كانا كلامين تامين إلا عند التعذر - ألا ترى أن من قال: "إن دخلت هذه الدار فامرأتي طالق وعبدي (٨) حر": فإن الطلاق والعتاق يتعلقان بالدخول، وإن كان (٩) قوله "وعبده حر" (١٠) كلامًا تامًا مفيدًا في نفسه (١١). ولهذا قلتم في قوله تعالى: "والذين يرمون الحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا" (١٢)، فكل (١٣) واحد منهما (١٤) جملة تامة، ومع هذا عطف رد الشهادة على الجلد، وشاركه في كونه جزاء (١٥)، لما قلنا.
_________________
(١) في أكذا: "على الصبي".
(٢) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "يجب".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "يشارك".
(٤) "عليه" ليست في ب.
(٥) في ب: "وكذا".
(٦) في ب كذا: "تحفيفًا".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "سمي".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وعبده".
(٩) في هامش أ: "في كان ضمير الشان والجملة خبره".
(١٠) لعل الأصح: "وعبدي حر".
(١١) في أكذا: "كلام تام مفيد في نفسه". وفي ب كذا: "كلام تام مقيد بنفسه".
(١٢) سورة النور: ٤.
(١٣) في ب: "وكل".
(١٤) في أ: "منها".
(١٥) في ب كذا: "ويشاركه في كونه حدًا".
[ ٤١٦ ]
وجه قول عامة العلماء قوله تعالى: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار" (١) فالجملة الثانية وهي قوله تعالى: "والذين معه أشداء على الكفار" معطوفة (٢) على الجملة الأولى، وهي قوله تعالى: "محمد رسول الله"، ولا يوجب الشركة في الرسالة، التي هي خبر الجملة الأولى - ولهذا نظائر كثيرة في القرآن.
والمعقول في المسألة أن الأصل في كل كلام تام أن ينفرد (٣) بحكمه، ولا يشارك الكلام الأول في حكمه، وإن كان كل معطوفًا عليه بحرف الواو، كقوله: "جاءني زيد وذهب عمرو" فقد (٤) وجد ههنا عطف جملة تامة على جملة تامة من غير وجود الشركة، وهذا لأن في إثبات الشركة جعل الكلامين كلامًا واحدًا، وإنه خلاف الحقيقة، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، فمن ادعى الضرورة فعليه الدليل. وفي المعطوف الناقص ضرورة، حتى يصير مفيدًا (٥)، فوجب القول بالشركة. وكذا الجملة الناقصة من حيث المعنى، بأن كان لا يحصل غرضه ومقصوده بها، كما في قوله: "إن دخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر" فإن غرضه هو تعليق عتق العبد بدخول الدار لا التنجيز، فكان العطف عليه دليلا على أنه أراد به المشاركة للأول (٦) في التعليق، فيصير الجملة ناقصة من حيث المعنى والغرض، حتى إنه إذا كان في موضع يحصل الغرض بدون المشاركة لا يتعلق، كما لو قال: "إن دخلت الدار فزينب طالق وعمرة طالق":
_________________
(١) سورة الفتح: ٢٩ - والآية: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ".
(٢) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "معطوف".
(٣) في أ: "يتفرد".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وقد".
(٥) في ب كذا: "مقيدًا".
(٦) في أ: "مشاركة الأول".
[ ٤١٧ ]
فإن عمرة تطلق للحال، لأنه علم أن (١) ليس غرضه التعليق، لأنه كفاه قوله: "وعمرة"، فلما قرنه بالخبر (٢) مقصودًا، وهو كلام تام، علم أن غرضه هو التنجيز دون التعليق، حتى لو قال: "إن دخلت الدار فزينب طالق ثلاثًا وعمرة طالق" يتعلق طلاق عمرة كما يتعلق طلاق زينب، لأنه لا يمكن التعليق بذلك الشرط، مع غرض وقوع الثلاث (٣) في حق زينب ووقوع الواحدة في حق عمرة، إلا بذكر الخبر مفردًا في حق عمرة، إذ لو لم يذكر (٤) الخبر، لوقع على عمرة ثلاثًا (٥)، كما على زينب. وأما (٦) في مسألتنا: إذا كان كل واحد من الكلامين تامًا في نفسه وفي حق الغرض، فأية (٧) ضرورة في جعل الكلامين كلامًا واحدًا، وهو خلاف الحقيقة؟ وخرج الجواب عن قوله: إن واو العطف يقتضي الشركة، [إذ] لا نسلم بأن الشركة موجبه لغة، ولكن إنما يثبت الشركة بطريق الضرورة: يدل عليه أن حروف العطف تسعة، منها: لا و(٨) بل ولكن وحرف لا (٩)، وليس موجب هذه الحروف الشركة، بل قطع الشركة وتغيير (١٠) موجب الأول.
ثم إن قلنا: إن واو العطف يقتضي الشركة في بعض الأحوال، لا على الإطلاق، لكن لا نسلم (١١) - فما قولكم: إنها تقتضي الشركة إذا دخلت. (١٢) على الجملة الناقصة أو على الجملة الكاملة؟ (١٣) فإن قلتم في الجملة الناقصة، فمسلم. وإن قلتم في الجملة الكاملة، فهو (١٤) موضع النزاع.
وفي المسألة إشكالات - والله أعلم.
_________________
(١) في أ: "أنه".
(٢) في ب: "فلما قرن به الخبر".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الثلاثة".
(٤) في ب: "يكن".
(٥) في أ: "ثلاث".
(٦) في ب: "فأما".
(٧) في ب كذا: "فإنه".
(٨) "و" من أ.
(٩) "وحرف لا" ليست في أ.
(١٠) في ب كذا: "ويعتبر".
(١١) في (أ) و(ب): "في بعض الأحوال لكن لا نسلم على الإطلاق".
(١٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "دخل".
(١٣) في ب كذا: "على الجملة الناقصة أم على الجملة الناقصة أم على الجملة الكاملة".
(١٤) في ب: "وهو".
[ ٤١٨ ]