لا يمكن لشيء -أي شيء- أن يستقل بحاضره عن ماضيه، فالماضي هو الذي يحوي سر النشوء والتطور، وهو الذي يهدي إلى الخصائص والصفات، وهو بهذا يكشف عن طريق المستقبل. فالماضي هو أساس الحاضر والمستقبل، ولا يمكن لشيء أن يعيش منبت الصلة عن ماضيه. وهذا القول يصدق في الجماد والحيوان والإنسان، ويصدق في الأفراد والجماعات. ولقد كان لكل أُمة من الأمم التي دخلت في الإسلام من بعد، ماضيها، بما فيه من أسرار وصفات وخصائص وعلائق، تختلف في أُمة عنها في أُخرى، بل تختلف في الأمة الواحدة من طائفة إلى أُخرى. فلما جاء الإسلام جمع هذه الأمم، التي دخلت فيه، على أُسس واحدة، فوحد بينها، فيما يجب، وبالقدر الذي يجب التوحد فيه، من عقيدة واحدة، وغاية في الحياة ومن الحياة واحدة، فصهر هذه الأمم جميعًا في بوتقته، وأخرج منها الأمة الإسلامية، بعد أن وحد بين طوائف العرب وجعل منها الأمة العربية. ولكن هذه الأمم لم تنقطع صلاتها بتاريخها قبل الإسلام، لأن ذلك غير ممكن، ومن ثم كان لها تاريخ قبل الإسلام، وتاريخ بعد الإسلام، وكانت دولة الإسلام قوية، فظلت الدولة الإسلامية متراصة متحدة متكاتفة، لا تذكر تاريخها الأول إلا كطور من أطوار حياتها جاء الإسلام فطفر بها منه درجات إلى أعلى، فهي لا تذكر ماضيها ذكر حنين عودة إليه وإنما تذكره ذكر عبرة وتدبر. ولكن شاء قدر الله أن يأتي على الدولة الإسلامية ضعف المسلمين في عقيدتهم وأخلاقهم، فضعفت، واختلط الأمر على بعض أبنائها -إما جهلًا منهم وإما بتأثير الأجانب- فنسبوا هذا الضعف إلى الإسلام، ومن ثم ارتفعت أصوات في
_________________
(١) نقلا عن "تحفة الفقهاء" للمؤلف نفسه، التي حققها ونشرها لأول مرة محقق هذا الكتاب نفسه (مطبعة جامعة دمشق، ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م)
[ ٩ ]
كل أُمة بالعودة إلى أصل قومها قبل الإسلام، من فرعونية أو آشورية أو غيرهما. وهي دعوات خطيرة تبغي تنحية الإسلام عن أن يكون أصلًا في حياتها، إلى أن يكون عرضًا جانبيًا لا يمسكها من الأساس، وإنما يربط بينها ربطًا غير موجّه، كرابطة اللون مثلًا، ومن ثم وجب على المخلصين محاربة هذه الدعوات، ومن وراءها من مسلمين جهلاء، وغير مسلمين يمكرون بالإسلام وبالمسلمين. فلكل أُمة مسلمة أن تذكر تاريخها قبل الإسلام، وأن تلتمس منه أسباب القوة، ولكن عليها أن تكمل ذلك بذكر الإسلام وما أضاف من أمجاد إلى أمجادها، وما دفع بها إلى أمام، وما وحد بينها وبين أخواتها، وما وصلت بها هذه الوحدة من عظمة، ثم تواصل السير مع أخواتها -أُمة واحدة- إلى أمام مستمسكة بالإسلام، بانية نهضتها عليه.
القرآن هو حبل الله المتين الذي جذب العرب المتفرقين في البوادي، المختلفين في الطبع والعادة والدين واللهجة، وسلكهم في أُمة واحدة، وجمعهم على دين واحد، وشريعة واحدة، ولسان واحد، وجمعهم على خُلُق واحد، ونهج في الحياة واحد، فكوَّن منهم دولة بعد أن أعطاهم عناصرها. وبالقرآن خرج العرب من بلادهم غازين: يفتحون في الشرق وفي الغرب، وتستسلم لهم قلاع الروم وحصون فارس. وبالقرآن دخل الناس في دين الله، ودولة الإسلام، أفواجًا. وعلى القرآن أقام العرب -والمسلمون- علومهم. فلما وهنت صلة العرب والمسلمين بالقرآن، وهنت دولتهم، وضعفت شوكتهم، واستذلهم من لم يرحمهم. وكما صلح أولنا يصلح آخرنا. ولا ملجأ لنا - في حياتنا السياسية، الداخلية والخارجية، وفي حياتنا الإجتماعية، والتعليمية، والتشريعية -إلا القرآن. فالقرآن- وهذه نعمة كبرى اختص الله بها الأمة الإسلامية - قد نظم الدين والدنيا: فحدَّ الصلة بين المسلم وبين ربه، ونظم العلاقة بين المرء وبين أُسرته في أحواله الشخصية. ورسم أُسس معاملاته مع أفراد مجتمعه ودولته، ووضع منهج السياسة، في السلم والحرب، بين الدولة الإسلامية والدول غير الإسلامية. والقرآن، لغة وعقيدة وشريعة، هو وحده القادر على أن يجمع بين المسلمين في مختلف أقطارهم. والقرآن، عقيدة وشريعة، هو وحده الذي يربط بين الدول الإسلامية: يشهد ذلك بالحس من زار البلاد العربية والإسلامية، فما يتلى القرآن إلا وتجتمع القلوب وتزول فوارق الجنس واللون والدم والمكان والمجتمع، فيلتفت الصيني إلى المراكشي ويناديه: أخي! فأى قوة أُخرى تصنع مثل هذا الصنيع؟
[ ١٠ ]
فالقرآن إن أردنا الدين، أو الدنيا، أو أردناهما معًا هو ملجؤنا: منه نستمد أُصول الأخلاق، وأُصول السياسة، وأُصول التشريع، وأُصول التربية والتعليم.
والقرآن لا يحول بيننا وبين الأخذ في مضمار الحياة الحديثة، فما وضع إلا أُصولًا، وما سن إلا قواعد.
ولسنا نقصد بقصرنا كلامنا على القرآن إنكار غيره من أُصول، ولكن لأنه الكتاب الأكبر الذي ترجع إليه هذه الأصول، وعنه تتفرع، وإليه ترد.
فإلى القرآن، إن أردنا ديننا ودنيانا، نتخذه شعارًا ومبدأ وموئلًا وميزانًا: فنحتفظ بخصائصنا التي تميزنا عن غيرنا فلا ننماع، ونمسك بالحبل الأوحد المتين الأبدي الذي يربطنا، من الفؤاد، بالدول العربية والإسلامية، ثم لا يضيرنا في علاقاتنا بالدول الأخرى.
* * *
وإذا كان البناء على الإسلام هو الأصل، فإنه يجب أن نتجه إلى تراثه فنجمعه في إخلاص وقوة، وننشره على الناس في أمانة، وندعو الناس إليه في إيمان ويقين أن العودة إليه، والبناء عليه، هو الهضبة المستقرة التي ارتفعت بنا عن أغوار الماضي، ولن يعلو لنا بناء مستقر إلا عليها.
ومنذ الماضي اهتم المسلمون، أفرادًا وجماعات وحكومات، بذلك. وقد بذل الأفراد الذين اتجهوا إلى هذا وسعهم، وكذا الجماعات الأهلية. ولم تنفرد أُمة إسلامية بهذه العناية، بل وجد التراث الإسلامي من يهتم به وينشره على الناس في كل البلاد الإسلامية من الشرق إلى الغرب، مما يدل على التجاوب في هذه البلاد التى جمع بينها الإسلام، ووحد بين أهلها في منازعهم وأهوائهم.
وإنا لندعو أن تهتم الحكومات الإسلامية، والجامعة العربية، بنشر المخطوطات الإسلامية فما تغني الجهود الفردية في هذا الصدد، وننبه إلى وجوب أن يوكل هذا العمل إلى ذويه، وأن يرسم للعمل منهاج معين قائم على أساس علمي، حتى يؤتي المجهود ثمرته.
[ ١١ ]
أما نحن فإن إيماننا بالفقه الإسلامي يزداد على الأيام قوة. وكل ما نرجوه أن يأخذ الله بيدنا إلى ما نبغي من خدمة شريعته، وأن يقوي فينا هذا الإحساس، وأن يؤتينا العزم والتوفيق والرشاد.
والكتاب الذي ننشره اليوم هو "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين السمرقندي: عثرنا عليه أثناء الاطلاع على مخطوطات الفقه الإسلامي، لتحضير رسالتنا للدكتوراه. وقد راعنا هذا الكتاب وعزمنا منذ يومئذ على القيام بنشره، وسنتكلم على الكتاب ومؤلفه ومنهجنا، في المقدمة التالية للتقديم الذي تفضل به أُستاذنا الجليل الشيخ على الخفيف. وإنا لنرجو أن يكون باكورة نتبعها بنشر مخطوطات أخرى (١). والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
القاهرة في مايو سنة ١٩٥٥.
الدكتور محمّد زكى عَبدِ البرّ
_________________
(١) وقد وفقنا الله سبحانه ويسر لنا نشر "تحفة الفقهاء" لأول مرة في ثلاثة أجزاء. وها نحن اليوم -بمعونة الله ﷾- ننشر لأول مرة أيضًا كتابه "ميزان الأصول".
[ ١٢ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقْديم (١)