حكم النهي صيرورة الفعل المنهي عنه (٢) حرامًا، وثبوت الحرمة فيه، فإن النهي والتحريم والنع في اللغة سواء. وموجب التحريم هو ثبوت الحرمة كموجب التمليك (٣): هو ثبوت الملك. هذا هو حكم النهي من حيث إنه نهي (٤).
فأما وجوب الانتهاء فحكم (٥) النهي من حيث إنه أمر بضده، ففي (٦) الحقيقة وجوب الانتهاء حكم الأمر الثابت بالنهي (٧)، وكون الفعل المنهي عنه (٨) حرامًا حكم النهي (٩)، فإن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي (١٠) عن الشيء أمر بضده على ما مر. والانتهاء عن الفعل القبيح إنما يكون بالاشتغال (١١) بالضد، وهو الفعل الذي هو ترك للفعل (١٢) المنهي عنه (١٣)، إلا أن الاشتغال بالضد قد يكون حسنًا لعينه
_________________
(١) في أ: "فأما".
(٢) "عنه" ليست في ب.
(٣) في هامش أ: "فكذا موجب النهي أيضًا ثبوت الحرمة".
(٤) في ب: "أنه كلام".
(٥) الفاء من أ.
(٦) في (أ) و(ب): "وفي".
(٧) "الثابت بالنهي" ليست في ب.
(٨) "عنه" من أ.
(٩) انظر البخاري، كشف الأسرار، ١: ٢٥٧ حيث نقل عن"الميزان".
(١٠) في أ: "فالنهي".
(١١) في أ: "بالانشغال".
(١٢) في (أ) و(ب): "الفعل".
(١٣) "عنه" من أ.
[ ٢٣٥ ]
ولغيره معًا، كالانتهاء (١) عن الكفر، يكون (٢) بضده، وهو الإيمان"فيكون حسنًا لعينه من حيث إنه تصديق بوحدانية الله تعالى وصفاته (٣) العلي وإقرار (٤) بذلك كله، وحسنًا (٥) لغيره وهو أنه ترك للكفر (٦) القبيح. أما إذا كان ضد الفعل المنهي عنه (٧) ليس بعبادة، كالنهي عن القيام، والانتهاء عن القيام بضد (٨) من أضداده من القعود والاضطجاع والاستلقاء ونحوها، فيكون حسنًا من حيث إنه ترك للقيام المنهي عنه، لا من حيث عين (٩) القعود والاضطجاع: فإنه فعل مباح في نفسه. ثم ينظر: إن كان النهي عن عين الفعل فيدل على صيرورة الفعل المنهي عنه حرامًا، وإن كان النهي (١٠) عن غير الفعل الذي أضيف إليه النهي (١١) يدل على حرمة ذلك الغير (١٢)، ويكون في الحقيقة: المنهي ذلك الغير لا الذي أضيف إليه الصيغة. وإنما يعرف النهي لعينه من النهي لغيره، بدليل زائد وراء صيغة النهي، وهو ما ذكرنا: إن ما (١٣) يعرف بالعقل قبحه، من غير دليل (١٤) السمع، نحو الكفر والكفران والظلم ونحو ذلك،
_________________
(١) في ب: "كالنهي".
(٢) في أ "أمرًا بضده".
(٣) في ب: "في صفاته".
(٤) في ب: "وإقرارًا".
(٥) كذا في ب: "وحسنا". وفي الأصل وأ "وحسن".
(٦) كذا في ب وفي الأصل و(أ): "الكفر"
(٧) "عنه" من أ.
(٨) في ب: "كالنهي عن القيام أمر بضد".
(٩) "عين" ليست في أ.
(١٠) "النهي" من ب.
(١١) "النهي" من ب.
(١٢) "الغير" ليست في أ.
(١٣) في ب كذا: "إن ما". وفي الأصل وأ كذا: "إنما".
(١٤) في أ: "واسطة".
[ ٢٣٦ ]
فيكون عين (١) النهي عنه (٢) حرامًا، وإن عرف بالعقل أن قبحه في غيره لا في عينه: يعلم أن الغير القبيح هو المنهي عنه. وإن أضيف النهي إلى الأفعال المشروعة: إن (٣) عرف حسنه بالعقل، يعلم أنه ليس بمنهي عنه (٤) حقيقة مع قيام المعنى الذي عرف حسنه حتى لا يؤدي إلى التناقض، وإن عرف حسنه بالشرع لا بالعقل، وقد أضيف إليه النهي: يجوز أن يكون النهي واردًا عن عينه (٥) ويتبين (٦) أن المعنى الذي به ثبت حسنه (٧) شرعًا قد انتهى، وتبدلت المصلحة بمصلحة أخرى. ويجوز أن يكون النهي وود (٨) لغيره، فيتبع الدليل في ذلك.
فإذا (٩) ثبت هذا (١٠) نقول: إن الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات (١١) ثبت (١٢) حسن أصلها (١٣) بالعقل دون هيئاتها (١٤) وشروطها وأوقاتها: [فقد] عرفت شرعًا لا عقلًا (١٥)، فيجوز (١٦) أن يرد النهي والنسخ في حق الهيئات والأوقات والشروط دون أصلها.
_________________
(١) "عين" غير واضحة في ب وقد تكون "غير".
(٢) "عنه" من أ.
(٣) في أ: "فإن".
(٤) "عنه" ليست في ب.
(٥) في (أ) و(ب): "واردًا عنه".
(٦) في أ: "وتبين".
(٧) في ب: "الذي عرف به حسنه".
(٨) في أ: "واردًا".
(٩) الفا. من أ.
(١٠) في ب: "ذلك".
(١١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "العبادة".
(١٢) في ب كذا: "ندب".
(١٣) في أ: "أصلهما".
(١٤) في ب: "بالعقل أما هيئاتها".
(١٥) "عرفت شرعًا لا عقلًا" من ب.
(١٦) في أ: "ويجوز".
[ ٢٣٧ ]
هذا هو المعتمد عليه (١) عندنا.
وقد تكلم الفقهاء والمتكلمون في ذلك.
قال بعضهم: إن النهي عن الأفعال الحسية يكون نهيًا عن عينها (٢) في الأصل، إلا إذا قام الدليل برخلافه. والنهي عن الأفعال المشروعة (٣) يكون نهيًا عن عينها من وجه دون وجه أو عن الوصف (٤) دون الأصل.
وقال أصحاب الحديث: إن حسن الأشياء بالأمر يثبت (٥)، وقبحها بالنهي يثبت (٦)، فيكون النهي (٧) المطلق المضاف إلى فعل يكون (٨) موجبًا حرمة عينه إلا بدليل في الفعل الحسي والشرعي جميعًا.
وقالت المعتزلة: إن الأصل في النهي المضاف إلى فعل أن يكون حرامًا لعينه، حسيًا كان أو شرعيًا، وهو أن يكون فيه وجه من وجوه القبح. ويقولون: القبح من وجه يترجح على الحسن من من وجه، فإن القبيح واجب الترك والحسن جائز التحصيل لا واجب التحصيل (٩). فاتفق جواب المعتزلة وأصحاب الحديث مع اختلاف الطريق.
واختلف مشايخنا (١٠) في النهي المضاف إلى الفعل الشرعي:
- قال بعضهم: إنه يدل على كونه مشروعًا بأصله، قبيحًا بوصفه.
_________________
(١) "عليه" ليست في أ.
(٢) في ب كذا: "يكون غير عينها".
(٣) في أ: "الشرعية".
(٤) في ب كذا: "أو غير الوصف".
(٥) في أ: "يثبت بالأمر".
(٦) "يثبت" ليست في أ.
(٧) "النهي" ليست في ب.
(٨) "يكون" ليست في أ.
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "جائز التحصيل لا واجبًا".
(١٠) في ب: "أصحابنا".
[ ٢٣٨ ]
- وقال بعضهم: إنه (١) يدل على كونه مشروعًا من وجه قبيحًا من وجه (٢).
- وقال بعضهم: إن النهي لا يرد عن الفعل الشرعي، ومتى أضيف إليه يكون نهيًا عن غيره لا محالة.
وهذه الوجوه غير صحيحة (٣) على ما ذكرنا (٤) فسادها وتناقضها في الشرح.
- وإنما الصحيح ما ذكرنا: أن النهي عما عرف قبحه عقلًا، يكون عن عين المنهي عنه (٥)، ويصير حرامًا من كل وجه. وأن النهي المضاف إلى فعل عرف حسنه من كل وجه عقلا، أو عرف حسن أصله دون هيئاته وشروطه، لا يكون نهيًا عن عينه بل عن غيره (٦). والنهي المضاف إلى هيئات العبادات وشروطها نحو استقبال القبلة والطهارة ونحوهما (٧)، وإن عرف حستها شرعًا، يجوز أن يرد [النهي] (٨) عنه ويصير منسوخًا ويجوز أن يرد لغيره أيضًا، إذ لو لم يجز ورود النهي عنه يؤدي إلى إنكار النسخ، إذ ليس تفسير النسخ إلا هذا، والنسخ جائز عند عامة المسلمين، وإنما المخالف فيه هم (٩) اليهود وبعض من ينسب (١٠) إلى الإِسلام، ولا إسلام مع إنكار النسخ أصلا، على ما نذكر. ولكنا (١١) نقول:
_________________
(١) "إنه" ليست في أ.
(٢) في ب: "كونه قبيحًا من وجه مشروعًا من وجه".
(٣) في أ: "غير محكمة".
(٤) في ب: "على ما نذكر".
(٥) "عنه" من أ.
(٦) كذا في أ. وفي الأصل: "نهيًا منه بل عن غيره". وفي ب "لا يكون نهيًا عن غيره".
(٧) في ب: "وغيرها".
(٨) "النهي" غير واضحة في الأصل. وغير واردة في ب. وفي هامش أ: "أى عن عينه".
(٩) "هم" ليست في أ.
(١٠) في ب: "ينتسب".
(١١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ولكن".
[ ٢٣٩ ]
قد قام الدليل على أن النهي المضاف إلى الأفعال الشرعية، التي لا يعرف حسنها إلا بالشرع، يكون واردًا عن أغيارها لا عن أعيانها، مع جواز أن يرد عن أعيانها - وهذا مما ينبغي أن لا يخالف (١) فيه أحد من الفقهاء (٢).
وجه قول أصحاب الحديث والمعتزلة في الأصل واحد: وهو أن حكم النهي صيرورة الفعل المنهي عنه حرامًا قبيحًا، والمشروع ما يكون مندوبًا إليه (٣) حسنًا أو مباحًا كل طلق التحصيل (٤)، والفعل الواحد في زمان واحد من شخص واحد (٥) لا يجوز أن يكون (٦) حسنًا قبيحًا، حرامًا مطلقًا مباحًا، لتضاد بين صفة الحسن والقبح، والجمع بين المتضادين مستحيل، إلا أن طريق تخريج الفريقين مختلف:
- فعند أصحاب الحديث: القبح يثبت بالنهي، والحسن والحسن والإطلاق يثبت بالأمر والإذن من الشرع - فمتى قام الدليل (٧) على التضاد (٨) ظاهرًا، ولا يجوز التناقض في دلائل الشرع، يجب القول بأن ينتهي حكم (٩) الأول من الوجوب والحسن والإباحة فيما مضى، ويثبت ضده في المستقبل، ويتبين أن الحكم الأول ثابت إلى هذا الزمان لحكمة (١٠) ومصلحة رأى الشرع في ذلك، وتبدلت تلك المصلحة وصارت الحكمة (١١)
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "مما لا ينبغي أن يخالف".
(٢) كذا في ب والأصل. وفي أ: "العقلاء".
(٣) "مندوبًا إليه" ليست في ب.
(٤) "التحصيل" ليست في ب.
(٥) في ب: "والفعل الواحد من شخص واحد في زمان واحد".
(٦) في أ: "لا يكون" بدلًا من "لا يجوز أن يكون".
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الدليلان".
(٨) في أ: "على التناقض".
(٩) في أ: "الحكم".
(١٠) في ب: "بحكمه".
(١١) في ب: "الحكم".
[ ٢٤٠ ]
في (١) الانتقال إلى ضده في المستقبل. وهذا هو تفسير النسخ إلا إذا قام الدليل على (٢) أن النهي لم يكن عن الفعل المضاف إليه بل عن الغير المجاور له، فيبقى المشروعية للفعل الضاف إليه، ويثبت الحرمة في المجاور له (٣)، كما في الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء، والطلاق حالة الحيض، ولم يقم عندهم دليل على أن النهي عن الصوم في يوم النحر وأيام التشريق (٤) نهي (٥) عن غير الصوم، وكذا في النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين ونحوه - فيجب العمل بحقيقة النهي، وتحمل على الانتساخ. فمن ادعى أن النهي عنها لغير ما أضيف إليه، فقد ادعى خلاف الظاهر، فعليه الدليل. ويجوز ورود النهي عن الفعل الذي كان مشروعًا فيخرج من أن يكون مشروعًا، كما في نكاح الأمهات (٦) والنكاح بغير شهود، ونكاح امرأة الغير، ومعتدة الغير، وبيع الحر والخمر والخنزير (٧) والميتة والدم وبيع المضامين واللاقيح ونحوها، لما قلنا - فكذلك ها هنا (٨).
- وأما عند المعتزلة: فالقبح (٩) لا يثبت ونفس الصيغة، وإنما يعرف بالدليل العقلي، فمتى قام دليل القبح والحسن في فعل شرعي، يجب كون الفعل حسنًا من وجه وقبيحًا من وجه، ويجوز عندهم تغير الأحكام الشرعية التي عرفت بالعقل إلى ضدها، بطريق النسخ، وإن لم يسموه
_________________
(١) "في" ليست في أ.
(٢) "على" ليست في ب.
(٣) "له" من أ.
(٤) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "الصوم في أيام النحر والتشريق".
(٥) "نهى" من ب.
(٦) في أ: "الأخوات".
(٧) في ب: "وبيع الخمر والخنزير والحر".
(٨) في (أ) و(ب): "هذا".
(٩) الفاء من أ.
[ ٢٤١ ]
نسخًا وسموه تفلا (١)، والمعتبر هو المعنى دون الاسم (٢). ولا يجوز الجمع عندهم بين صفة الحسن والقبح في فعل واحد، لأنهم لا يقولون بجهات الفعل، بناء على مسألة خلق أفعال العباد (٣)، فقالوا بإعدام (٤) المشروعية ونسخها، بطريق الضرورة، كما لو ثبت (٥) القبح من كل وجه، ويترجح (٦) جانب القبح على جانب الحسن على ما ذكرنا. وعلى هذا قالوا: لا يجوز الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء، والطلاق في (٧) حالة الحيض، ونحو ذلك - هذا هو طريق أكثرهم.
وبعضهم فرقوا بين النهي عن العبادات والنهي عن المعاملات الشرعية: فقالوا في العبادات مثل قول أصحاب الحديث، وفي المعاملات مثل قول أصحابنا ﵏.
وجه قولنا: إن (٨) المشروعية تكون سابقة على ورود النهي في العبادات:
- أما على قول من وافق أصحاب الحديث في أن حسن الأشياء وقبحها يعرف بالشرع، فظاهر؛ لأنه ما لم (٩) يكن الشروعية ثابتة بالشرع في عين الشيء أو في جنسه، لا يتصور النهي عنه، لأنه لا يعرف المنهي،
_________________
(١) تفل تفلا تغيرت رائحته. ويقال تفل فلان ترك الطيب فتغيرت رائحته. فهو تفل. وهو وهي أيضًا متفال. وأتفله غير رائحته (المعجم الوسيط).
(٢) "لم يسموه دون الاسم" ليست في أ.
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "خلق الأفعال".
(٤) في أ: "بانعدام".
(٥) في ب كذا: "ندب".
(٦) في ب: "لترجيح".
(٧) "في" ليست في ب.
(٨) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وهو أن".
(٩) في أ: "فظاهر لما لم". وفي ب: "فظاهر أنه ما لم".
[ ٢٤٢ ]
فإنه إذا لم يكن الصوم مشروعًا في الجملة، فالنهي (١) عن الصوم، والمكلف لا يعرف الصوم، يكون تكليف ما ليس في الوسع، ولأن العبادات مشروعة في جميع الأوقات (٢) في الجملة.
- وأما على قول عامة (٣) مشايخنا: إن حسن هذه الأفعال المشروعة، من العبادات والمعاملات، يعرف بالعقل، من حيث الأصل، دون الهيئات والشروط والمقادير ونحوها، فأظهر، لأن أصله سابق على ورود النهي بالشرع، وهيئاته وشروطه لا بد أن (٤) يسبق مشروعيتها في عين الفعل أو في جنسه، حتى يتحقق النهي عنه، إذ دليل المشروعية عام في جميع المشروعات (٥) بدليل عام.
وإذا ثبت هذا، فطريق من قال بأن حسن (٦) المشروعات لا يعرف إلا بالشرع أن (٧) دليل المشروعية قائم قبل النهي في الفعل المشروع، ودليل القبح وارتفاع المشروعية ورد (٨)، وهو النهي في ذلك الفعل (٩) بعينه، والعمل بالدليلين واجب عند الإمكان؛ لأن الأصل في دلائل الشرع هو العمل بها، وأمكن ها هنا بأن يجعل الفعل مشروعًا من وجه قبيحًا من وجه، إذ (١٠) لا تضاد بين الحل والحرمة وبين المشروعية والفساد في فعل واحد (١١) عند اختلاف الجهة، كما لا تضاد عند اختلاف المحل
_________________
(١) في ب: "والنهي".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "الأديان". وفي أ: "الأزمان".
(٣) "عامة" ليست في ب.
(٤) في أ: "لا بد من أن".
(٥) في أ: "في جميع الأيام".
(٦) "حسن" ليست في ب.
(٧) في ب: "لأن".
(٨) في ب: "ورود".
(٩) "الفعل" ليست في أ.
(١٠) في ب: "أن".
(١١) "في فعل واحد" ليست في ب.
[ ٢٤٣ ]
والزمان، كما في الصلاة (١) في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء، والوضوء بالمال المغصوب، ونحوها. وكذا الجمع بين حكميها ممكن في زمانين من الثواب والعقاب، بأن يعاقب بقدر جنايته ثم يدخل الجنة على طريق (٢) الخلود، ومتى أمكن الجمع لا يصار إلى النسخ عملا بالدلائل بقدر الممكن، بخلاف النهي عن الصلاة إلى بيت المقدس والصلاة بغير طهارة ونكاح المحارم والنكاح بغير شهود وبيع الحر والخمر وبيع المضامين والملاقيح؛ لأن ثمة قام الدليل على أنه لا يمكن الجمع بينهما، لأنه فات ما هو شرط الوجود شرعًا، وهو المحل أو شرط الأهلية و(٣) نحو ذلك، ولا وجود للفعل الشرعي إلا في محله ومن أهله شرعًا (٤)، كالفعل الحقيقي: لا تصور له من غير الأهل في المحل حقيقة، فمن ادعى عدم الإمكان (٥) في مواضع الخلاف، فعليه البيان.
وأما طريق عامة المشايخ (٦)، وهو أن الحسن ثابت في أصل العبادات والمعاملات المشروعة - يعرف ذلك بالعقل وحده، قبل ورود السمع، إذ أصل العبادة (٧) هو التعظيم للخالق والشكر لنعمه (٨) وإظهار العبودية لمالكه. وكذا أصل المعاملات وضع لقطع (٩) المنازعات بين العقلاء دفعًا للفساد، وأما كيفياتها وهيئاتها وشروطها [فـ] تعرف (١٠)
_________________
(١) "في الصلاة" ليست في ب.
(٢) في ب: "على سبيل".
(٣) في أ: "أو".
(٤) "وهو المحل أو أهله شرعًا" ليست في ب.
(٥) في هامش أ: "أى عدم إمكان الجمع بين الدليلين".
(٦) في ب: "فأما طريق عامة مشايخنا".
(٧) في أ: "العبادات".
(٨) في أ: "للمنعم".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بقطع".
(١٠) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "يعرف".
[ ٢٤٤ ]
بالشرع، فلا بد (١) من سبقها على ورود النهي على ما ذكرنا. والنهي عما عرف حسنه عقلًا من حيث الأصل دون الهيئات والكيفيات لا يصح، كما لا يصح النسخ عنه، والصوم والصلاة والبيع من هذا القبيل، فلا يجوز أن ينهى عنه، لأنه يؤدي إلى التناقض في حجج الله تعالى والتضاد في أحكامه، تعالى الله عن ذلك، فوجب القول ضرورة بصرف (٢) النهي المضاف إليه إلى الغير المجاور له، تنزيهًا لأحكامه وحججه عن التضاد والتناقض. وإذا كان النهي عن مشروع لم يعرف حسنه إلا من جهة الشرع، لقصور العقل عن معرفة ذلك لدقته وخفائه، فيكون هذا النهي في حد الجواز بين أن يكون عن عين الفعل المنهي، فيدل على تبدل المصلحة بضده، ولا (٣) يؤدي إلى التناقض، لأن المعنى الذي ثبت به الحسن إذا لم يكن معلومًا، فالحسن (٤) لم يعرف إلا بمجرد الأمر، فإذا جاء النهي، ولا تناقض في أحكام الله تعالى، يجب القول ضرورة بانتهاء الحكم الأول وحدوث الثاني وتغير الصاحة التي كانت، إلى المصلحة في ضدها.
ويجوز أن يكون النهي عن غير الفعل المضاف إليه النهي المجاور له، والنسخ والنهي لا يردان إلا عن هذا النوع، فإن (٥) حمل الأمة ذلك على التناسخ، كما في النهي عن الصلاة إلى بيت القدس والنهي عن الصلاة بغير طهارة والنكاح بغير شهود ونكاح المحارم وبيع الحر والخمر ونحوها، فيكون نسخًا لوجود دليل الإجماع في موضع جواز النسخ، وإن حملوا
_________________
(١) في أ: "ولابد".
(٢) في ب: "القول به ضرورة تصرف".
(٣) في أ: "فلا".
(٤) في أ: "والحسن".
(٥) في أ: "وإن".
[ ٢٤٥ ]
ذلك على غير مشروع مجاور له، فلا يكون نسخًا، بل يكون نهيًا عن ذلك (١) الغير، لا عن الفعل المضاف إليه النهي، كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، ونحوه (٢).
وإن (٣) لم يكن للأمة اتفاق على أحد الأمرين ويكون موضع الاختلاف فنقول: الحمل على النهي عن الغير أولى من الحمل على النسخ لوجهين:
أحدهما - أن في الحمل على النهي عن الغير يكون عملًا يدليل المشروعية، لسبق المشروعية على النهي، وعملا (٤) بحقيقة النهي في الغير، والعمل بالدليلين على وجه ليس فيه تعطيل شيء من الدليلين أولى من نسخ أحدهما وإبطال حكمه. ولا يقال: في العمل بدليل المشروعية ترك العمل بحقيقة النهي، لأن حقيقته العمل في المحل المضاف إليه - وفي الصرف إلى محل آخر مجاور له متصل به يكون بطريق المجاز، ونحن نعمل بحقيقة النهي فيما أضيف إليه (٥)، وبدليل المشروعية في بها وراء هذه الأيام (٦)، ونخصها
_________________
(١) "ذلك" ليست في ب.
(٢) في (أ) و(ب): "ونحوها".
(٣) لعل الصحيح: "وإذ".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وعمل".
(٥) أى نهي رسول الله - ﷺ - عن صوم يوم العيد وأيام التشريق. وانظر الهامش التالى.
(٦) لعل المقصود الأيام التي نهى رسول الله - ﷺ - عن صومها وهي يوم العيد وأيام التثشريق (راجع فيما تقدم ص ٢٤١ س ٥ - ٦) والسرخي (الأصول ١: ٨٥) وفيه: "نهى رسول الله - ﷺ - عن صوم يوم العيد وأيام التشريق". وفي السرخسي (الأصول، ١: ٨٨): "الصوم مشروع في كل يوم باعتبار أنه وقت اقتضاء الشهوة عادة، والصوم منع النفس عن اقتضاء الشهوة لابتغاء مرضاة الله تعالى، ويوم العيد كسائر الأيام في هذا، فكان الصوم مشروعًا فيه وبالنهي لم ينعدم هذا المعني، ثم النهي ليس لأنه صوم شرعي ولكن لما فيه من معنى رد الضيافة وإليه وقعت الإشارة في قوله ﵇: "فإنها أيام أكل وشرب" وهذا المعنى باعتبار صفة اليوم وهوانه يوم عيد فيثبت القبح في الصفة دون الأصل وهو أنه يكون حرام الأداء، والمؤدي يكون عاصيًا بارتكابه ما هو حرام ويبقى أصل القوم مشروعًا في الوقت لأنه مشروع باعتبار أكل اليوم ولا قبح فيه، ولهذا قلنا يصح التزامه بالنذر".
[ ٢٤٦ ]
من الدليل العام الموجب للمشروعية فاستوت [الأيام] (١)، في خلاف ظاهر النص (٢) - فلم يكن العمل بحقيقة الدليل المعرف (٣) للمشروعية أولى من العمل بحقيقة النهي في المحل المضاف إليه؟: لأن فيه عملا بحقيقة دليل المشروعية في هذه الأيام، وعملا بحقيقة النهي أيضًا، لأن النهي عن الغير يكون نهيًا بطريق الحقيقة، لأن إضافة النهي إلى الشيء، ويراد به الغير المجاور له، يكون بطريق الكناية، كذكر الغائط ويراد به الحدث لمجاورة (٤) بينهما عادة. والكناية تكون بطريق الحقيقة - يقال: "إياك أعني واسمعي يا جارة" وقال قائلهم:
وإني لأكنو عن قذور بغيرها وأعرب أحيانًا بها فأصارح
وقذور اسم المرأة: فأخبر أنه يذكر اسم غيرها مكان اسمها كناية عنها في بعض الأحوال (٥)، وفي بعض الأحوال يذكر اسمها صريحًا، وتغير محل الإضافة في الكناية شرطها، إذ لو لم يتغير يكون صريحًا، فلا يعد من باب التغير، أما لو لم يعتبر الصريح ويعتبر الكناية يكون تغيرًا. ولكن الكناية حقيقة كالصريح. ولهذا قلنا: إن كنايات الطلاق عاملة بحقائقها (٦).
وإذا كان كذلك تبين أن فيما قلنا عملا بحقيقة الدليلين، وهو (٧) أولى من العمل بدليل واحد وترك العمل بالآخر.
والثاني - إن كان هذا بطريق المجاز: ولكن المجاز (٨) نسخ حقيقة
_________________
(١) لعل هذا هو الصحيح. وفي النسخ كلها كذا: "الأقدام".
(٢) في ب: "فاستوت الأقدام في ترك العمل بظاهر النص".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "المعروف".
(٤) في ب كذا: "المجاورة".
(٥) "في بعض الأحوال" ليست في أ. وانظر فيما يل ص ٣٩٤. والبخاري على البزدوي، ١: ٦٧.
(٦) في أ: "بحقيقتها" انظر فيما بعد ص ٣٩٣ وما بعدها.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فهو".
(٨) "ولكن المجاز" ليست في ب.
[ ٢٤٧ ]
الكلام، وفيما قلتم نسخ حقيقة المشروعية (١)، ونسخ حقيقة (٢) الكلام أسهل، وهو طريق مستعمل سائغ بين أهل اللغة، وعدوه (٣) من جملة الفصاحة والبلاغة.
فإن قالوا: فيما قلنا تخصيص هذه الأيام عن دليل عام لمشروعية الصوم في جميع الأيام، فلا يكون نسخًا، لأنه يتبين أنه لم يكن مشروعًا، ولم يكن داخلا تحت النص العام - إلا أنا (٤) نقول:
-[أولًا] إن مشروعية الصوم في هذه الأيام إن (٥) كانت ثابتة بدليل خاص فهو (٦) نسخ، وإن كانت ثابتة بدليل عام، ودليل الخصوص متأخر (٧)، فهو نسخ أيضًا في قول أكثر مشايخنا. وإن كان بيانًا، فهو خلاف ظاهر العموم، ويصير مجازًا في الباقي عند البعض مع جواز أن يكون من باب النسخ، حتى لو حمل [الأمر] (٨) عليه جاز، فأما جعل الصريح كناية فهو أدنى تغيرًا، فكان الحمل عليه أولى وأحق (٩).
- والثاني: إن النسخ أمر ضروري، وإنما يصار (١٠) إليه إذا لم يمكن حمله على المجاز. فأما متى أمكن فلا يصار إليه، لأن المقصود من الكلام
_________________
(١) في أ: "المشروع". وقد تكون كذلك في الأصل.
(٢) "حقيقة" من ب.
(٣) في ب: "وهو".
(٤) كذا في هامش أ. وفي متنها وفي الأصل و(ب): "لأنا".
(٥) في أ: "إذا".
(٦) في ب: "وهو".
(٧) في أ: "متراخ ".
(٨) لعل هذا هو الصحيح. وفي النسخ: "الأمة".
(٩) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "الحمل على أحق".
(١٠) في ب: "فإنما". وفي الأصل: "يصير".
[ ٢٤٨ ]
هو الحكم إلا إذا قام الدليل، أعني دليل الإجماع (١)، على النسخ، فحينئذ يحمل عليه - والله أعلم.
* * *
ومن حق هذا الفصل الاستقصاء (٢) لتردد أهل الأصول فيه، وبيان الصحيح من الفاسد، ووجوه الاعتراضات على ما لا تراه (٣) معتمدًا عليه من الأقوال. ولكن هذا المختصر لا يقبل إلا هذا القدر (٤)، وفيه طول أيضًا (٥)، وفي الشرح يستقصى ذلك كله (٦) - بتوفيق الله تعالى.