بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
رَبِّ سَهّلْ وأعنْ (٢)
الحمد لله ذي العزة والجلال (٣)، والرحمة والأفضال، والصلاة على رسوله محمد (٤) الممجد (٥) المفضال، وعلى آله وأصحابه أفضل الأصحاب والآل (٦).
قال الشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر: أبو بكر (٧) محمد بن أحمد السمرقندي، متعه الله من علمه (٨):
اعلم (٩) أن علم أصول الفقه والأحكام فرع لعلم أصول الكلام، والفرع
_________________
(١) هذه المقدمة وما بعدها إلى الكلام في الحسن والقبح ساقطة من أ، وسنشير إلى نهاية هذا النقص وبدء أ، فيما بعد (الهامش ٦ ص ٤٥).
(٢) "رب سهل وأعن" ليست في ب.
(٣) قال في كشف الظنون: "ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه للشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي الحنفي الأصولي المتوفى سنة ٥٥٣، أوله: الحمد لله ذي العزة والجلال .. الخ"
(٤) "محمد"من ب.
(٥) "الممجد" ليست في ب. وفي الأصل "الممحد" بحاء مهملة. وقد أثبتنا في المتن ما نظنه الصحيح: الممجد بالجيم: يقال: أمجده ومجده عظمه وأثنى عليه. والمجيد من صفات الله ﷿، وفي التنزيل العزيز "ذو العرش المجيد" فهو تعالى المجيد: تمجد بفعاله ومجده خلقه لعظمته، والقرآن المجيد أي الرفيع العالي. وليس في "لسان العرب": الممحد بالحاء (انظر اللسان).
(٦) في ب: "أفضل الأهل والآل".
(٧) "شمس النظر: أبو بكر" ليست في ب. راجع فيما تقدم الهامش ٣.
(٨) في ب: "السمرقندي ﵀".
(٩) "اعلم" من ب. وأورد بعض هذه المقدمة، مع النسبة إلى "ميزان الأصول" للسمرقندي تحت "علم أصول الفقه"، حاجي خليفة في "كشف الظنون" (١: ١١٠ - ١١١ من طبعة المثنى، بغداد).
[ ١ ]
ما تفرع من أصله، وما لم يتفرع منه فليس من نسله، فكان (١) من الضرورة أن يقع التصنيف في هذا الباب على اعتقاد مصنف الكتاب. وأكثر التصانيف في أصول الفقه لأهل الإعتزال المخالفين لنا في الأصول (٢)، ولأهل الحديث المخالفين لنا في الفروع (٣)، والإعتماد على تصانيفهم إما أن يفضي إلى الخطأ في الأصل، وإما إلى الغلط في الفرع، والتجافي (٤) عن الأمرين واجب في العقل والشرع.
_________________
(١) كذا في ب، وفي الأصل: "وكان".
(٢) قال الشهرستاني في الملل والنحل (١: ٤١ - ٤٣) في معنى الأصول والفروع: "قال بعض المتكلمين: الأصول معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم. وبالجملة: كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول. ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسمًا إلى معرفة وطاعة، والمعرفة أصل والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليًا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيًا. فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موضوع علم الفقه. وقال بعض العقلاء: كل ما هو معقول ويتوصل إليه بالنظر والإستدلال فهو من الأصول، وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والإجتهاد فهو من الفروع". والمسائل التي تكلم فيها أهل الأصول - من المعتزلة- واختلفوا فيها مع أهل السنة هي: التوحيد والعدل والوعد والوعيد والسمع والعقل (انظر بيان ذلك في الشهرستاني، الملل والنحل، الموضع المشار إليه فيما تقدم).
(٣) قال الشهرستاني في الملل والنحل (١: ٢٠٦ - ٢٠٧): "ثم المجتهدون من أئمة الأمة محصورون في صنفين لا يعدوان إلى ثالث: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي. أصحاب الحديث وهم أهل الحجاز: هم أصحاب مالك بن أنس وأصحاب محمد بن إدريس الشافعي وأصحاب سفيان الثوري وأصحاب أحمد بن حنبل وأصحاب داود بن علي بن محمد الأصفهاني. وإنما سموا أصحاب الحديث لأن عنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبرًا أو أثرًا. وقد قال الشافعي: إذا وجدتم لي مذهبًا ووجدتم خبرًا على خلاف مذهبي فاعلموا أن مذهبي ذلك الخبر أصحاب الرأي وهم أهل العراق: هم أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت وإنما سموا أصحاب الرأي لأن أكثر عنايتهم بتحصيل وجه القياس والمعنى المستنبط من الأحكام، وبناء الحوادث عليها وربما يقدمون القياس الجلي على آحاد الأخبار، وقد قال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى ولنا ما رأينا تفرقة وتذكرة: اعلم أن بين الفريقين اختلافات كثيرة في الفروع، ولهم فيها تصانيف وعليها مناظرات وقد بلغت النهاية في مناهج الظنون حتى كأنهم أشرفوا عل القطع واليقين .. إلخ" وانظر: أحمد أمين، فجر الإسلام، الطبعة السابعة، ص ٢٣٥ وما بعدها. ومصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص ٢٠٥ وما بعدها.
(٤) كذا في: ب. وفي الأصل "والتحامي". وتجافى عنه نبا أو تباعد عنه. وتجافاه تجنبه (انظر المعجم الوسيط).
[ ٢ ]
وتصانيفِ أصحابنا ﵏ في هذا النوع قسمان:
قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان، لصدوره (١) ممن جمع الفروع والأصول، وتبحر في علوم (٢) المشروع والمعقول، مثل الكتاب الموسوم بـ "مآخذ الشرائع" والموسوم بكتاب "الجدل" للشيخ الإمام الزاهد رئيس أهل السنة: أبي منصور المتريدي السمرقندي (٣) ﵀" ونحوهما من تصنيف أستاذيه وأصحابه ﵏ (٤).
وقسم وقع في نهاية التحقيق والمعاني، وحسن الترتيب والمباني، لصدوره ممن تصدى لاستخراج الفروع من ظواهر المسموع. غير أنهم لما لم يتمهروا (٥) في دقائق الأصول. في قضايا العقول أفضى رأيهم إلى رأي المخالفين في بعض الفصول.
ثم هجر القسم الأول: إما لتوحش (٦) الألفاظ والمعاني، وإما لقصور الهمم والتواني. واشتهر القسم الآخر (٧)، لميل الفقهاء إلى الفقه المحض، وإن وقع في البعض شوب (٨) المخالفة والنقض. وكلا أن يكون ذلك منهم عن قصد واعتقاد، فظن (٩) السوء في أمثالهم إثم وعناد - لكن إصابة (١٠) التفريع بدون إحكام الأصل، والأمن عن الزلل، خارج عن العقل.
_________________
(١) في ب: "بصدوره".
(٢) في ب: "في علم".
(٣) راجع ترجمته في الهامش ٥ ص ط من المقدمة.
(٤) تخرج أبو منصور الماتريدي بأبي نصر العياضي، وتفقة على أبي بكر أحمد الجوزجاني عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن الشيباني (الفوائد ١٩٥. والجواهر، ٢: ١٣٠ - ١٣١).
(٥) في ب: "يمهروا" وكلاهما صحيح. يقال مهر فيه وتمهر فيه حذق فيه (المعجم الوسيط).
(٦) الوحش، بالحاء المهملة، حيوان البر. وبلد وحش قفر. وكل شيء يستوحش عن الناس فهو وحش. ووخش بالخاء المعجمة الرديء من كل شيء ورذال الناس وسقاطهم (القاموس والمصباح). انظر فيما بعد الهامش اص ٢٢.
(٧) في ب: "الأخير".
(٨) في ب: "ثبوت". والثوب ما اختلط بغيره من الأشياء وبخاصة السوائل (المعجم الوسيط).
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "وظن".
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل: "إجابة".
[ ٣ ]
ولم يقدم من المتأخرين ممن جبل على الذكاء والفهم، وتبحر في النوعين من العلم، على تصنيف في هذا الباب لرفع (١) هذا الخلل والإضطراب، لأعذار عندهم صحيحة ولموانع (٢) كثيرة، والتوفيق عزيز، والله تعالى (٣) يؤتي ملكه من يشاء. وليس من الشفقة والنصيحة إهمال هذا الأمر، وما للقادر عليه في الإمهال عذر - فرأيت الإقدام على إتمام هذا المرام حقًا واجبًا، وفرضًا لازمًا، على نفسي، بقدر الوسع والطاقة، مع القصور في البضاعة، فأسرعت في الإقدام، خوفًا من الإثم في الإعراض والإغماض (٤)، مع الإمكان، وإشفاقًا عن زوال نعم الله تعالى علي، بالكفران، مع ما أرجو من الله تعالى بذلك: ثوابًا دائمًا، وذكرًا وشرفًا، إلى قيام الساعة قائمًا.
ولما صممت على (٥) هذا العزم، رأيت (٦) من الشفقة على هذه الطبقة أن أكتب جملا من الفصول، في هذا النوع من الأصول، وأذكر في كل فصل منها (٧) مذاهب أهل السنة والجماعة، وعقائد أهل البدع والضلالة، ليكونوا على بصيرة من المذهب الصحيح، فلا يقعوا (٨) في شيء من المعتقد القبيح، إذ الفقيه المحض لا يقف على ذلك بخاطره، فربما (٩) يتشبث بالمذهب القبيح بحسن ظاهره، وتكون هذه الفصول إلى
_________________
(١) في ب: "لدفع".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "والموانع".
(٣) "تعالى" من ب.
(٤) أغمضت العين إغماضًا وغمضتها تغميضًا أطبقت الأجفان. ومنه قيل: أغمضت عنه إذا تجاوزت. وغمض الكلام: أبهمه. والغامض من الكلام خلاف الواضح (القاموس والمصباح).
(٥) صمم في كذا أو عليه مضى في رأيه ثابت العزم (المعجم الوسيط).
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "ورأيت".
(٧) "منها" من ب.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "فلا يقع".
(٩) في ب: "وإنما".
[ ٤ ]
محض الحق هادية، وإلى رفض الهوى والبدع (١) داعية، ثم (٢) من علت همته يتتبع (٣) ما لأهل الحق من الدلائل، وما للخصوم من الشبه في المسائل - مع أني أشير في كل مسألة إلى دلائل يعتمد عليها، وعند التحقيق مال الكلام إليها، وسميت هذا الكتاب: "ميزان الأصول في نتائج العقول" ليزن العاقل قضايا العقول (٤) بهذا الميزان، حتى يظهر له الحق مثل العيان، فيعتقد الحق الصريح، ويرد الباطل المليح (٥)، وأطمع منه أن يذكرني بصالح الدعاء (٦)، قضاء لحق الإخاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب (٧).
* * *
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "البدعة".
(٢) "ثم" ليست في ب.
(٣) في ب: "يتبع".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "العقل".
(٥) ملح الماء صار ملحًا وهو مليح أيضًا. وملح الشيء ملاحة بهج وحسن منظره فهو مليح (المعجم الوسيط).
(٦) في ب: "دعائه".
(٧) تذكرنا هذه المعاني والألفاظ بما قاله المؤلف نفسه في مقدمة كتابه "تحفة الفقهاء" وفيما يلي ما قاله في هذا الصدد (١: ١ - ٢): " اعلم أن المختصر المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القدوري ﵀ جامع جملا من الفقه مستعملة، بحيث لا تراها مدى الدهر مهملة. يهدى بها الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتاض إلى أعلى المراقي والمنازل. ولما عمت رغبة الفقهاء إلى هذا الكتاب، طلب مني بعضهم، من الإخوان والأصحاب، اْن أذكر فيه بعض ما ترك المصنف من أقسام المسائل، وأوضح المشكلات منه، بقوي من الدلائل، ليكون ذريعة إلى تضعيف الفائدة، بالتقسيم والتفصيل، ووسيلة بذكر الدليل، إلى تخريج ذوي التحصيل، فأسرعت في الإسعاف والإجابة، رجاء التوفيق من الله تعالى، في الإتمام والإصابة، وطمعًا من فضله في العفو والغفران والإنابة، فهو الموفق للصواب والسداد، والهادي إلى سبل الرشاد، وسميته "تحفة الفقهاء" إذ هي هديتي لهم، لحق الصحبة والإخاء، عند رجوعهم إلى موطن الآباء. فليقبل هديتي هذه من شاء كسب العز والبهاء، وليذكرني بصالح الدعاء في الحياة والممات، فهو غرضي ونيتي. والأعمال بالنيات، وقابل الأعمال عالم بالخفيات، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
[ ٥ ]
ثم لما شرعت في الشرح والبيان، على وجه الإحكام والإتقان، ولم أملك عنان القلم في فيض (١) ما فوض (٢) من الكلم، وكرهت أيضًا أن يفوتني ما يظهر من الحكم، فقيدتها بالكتابة والرقم - التفت الكتاب إلى التطويل والإطناب، فملت إلى ما هو المتوسط في الباب: لا (٣) القصير المقصر، ولا الطويل المنفر. ثم خطر ببالي أن ذا مما يمل به بعض الطلاب، وإن كان يراه البعض من أصوب (٤) الصواب، إذ الطلبة بين ريض مبتدئ، وبين مرتاض منته، والمبتدئ إلى الإختصار أميل، لأن حفظه وضبطه أسهل، والمنتهي يميل إلى الإطناب والإكثار، ليختار برأيه ما هو المختار- رأيت الأصوب في أن أتمم (٥) المتوسط الذي كنت فيه شارعًا، وأحذف الزوائد (٦) عنه، فيكون مختصرًا جامعًا، ويتم الأمران على الصحبة والقرآن، إذ الشروع (٧) في قصد التقرب ملزم، والإعراض عن الخير أشام.
ولما كان الكتابان متحدين من حيث الغرض، وإن تصورا مختلفين من حيث العرض (٨)، جعلت مقدمتهما واسمهما واحدًا، وإن كان أحدهما في الطول والعرض زائدًا، بل ازدادت كل مقدمة "المختصر" لما (٩) مهدت فيه من العذر المعتبر.
_________________
(١) و(٢) في ب: "في قبض". والفيض الكثير الغزير. وفاض الماء فيضًا وفيوضًا وفيضانًا كثر حتى سال. وفوض إليه الأمر رده إليه (المعجم الوسيط، والقاموس).
(٢) "لا" ليست في ب.
(٣) في ب: "من أصول الصواب".
(٤) في ب: "رأيت من الأصوب أن أتمم".
(٥) في ب كذا: "وأعيد الرواية".
(٦) في ب: "الشرع".
(٧) في ب: "الغرض".
(٨) في ب: "بما". و"المختصر" هو هذا.
[ ٦ ]
فمن شاء (١) اقتصر على هذا "المختصر" فهو الكفاية لذوي العناية، والهداية إلى ما هو النهاية. ومن شاء (٢) تجاوز عن (المختصر) واختار "المبسوط" (٣): فهو الدرجة القصوى، والأمد الأقصى، في طلب الفضل والعلى، إذ هو الجامع للرواية والدراية، على أصول أهل السنة، المنزه عن شوب الهوى والبدعة، المشتمل على شبهات (٤) الخصوم، وحلها، على وجه يرتضيه كل منصف عاقل، وتقر به عين كل فاضل، وهو في قلوب المبتدعة سهم قاتل.
وفقنا الله تعالى على إتمامهما على وجه الإتقان، في أسرع الزمان، فهو الموفق والمستعان.
و(٥) حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
* * *
إذا عرفنا هذه المقدمة جئنا إلى الكتاب وهو "المختصر".
* * *
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "ثم من شاء".
(٢) "شاء" ليست في ب.
(٣) في ب: "المتوسط".
(٤) كذا في ب، وفي الأصل: "شدهات" وقد تقدم في الصفحة قبل السابقة: "وما للخصوم من الشبه في المسائل".
(٥) الواو من ب.
[ ٧ ]