فحكم الظاهر:
وجوب العمل بما وضح له اللفظ ظاهرًا، لا قطعًا، ووجوب الاعتقاد بحقية (١) ما أراد الله تعالى في ذلك.
وكذا حكم النص:
وهذا مذهب مشايخ ديارنا.
وبه قال أصحاب الحديث وبعض المعتزلة.
وقال مشايخ العراق وعامة المعتزلة بأن النصوص من الكتاب والخبر المتواتر يوجب العلم والعمل قطعًا.
وهذا بناء على ما ذكرنا في العام الطلاق الخالي عن (٢) قرينة الخصوص: يوجب العلم والعه ل قطعًا (٣) عندهم. وعندنا بخلافه، لاحتمال الخصوص في الجملة. وكلك (٤) كل حقيقة: تحتمل المجاز، ومع الاحتمال لا يثبت القطع. وعندهم إذا كانت خاليه عن قرينة تدل على المجاز توجب العلم والعمل قطعًا.
فأما (٥) الخفى والمشكل والمشترك والمجمل، إذا لحقها البيان:
_________________
(١) في أ: "بحقيقة". وسيأتي التعبير في المتن بهذه الكلمة في الصفحة التالية.
(٢) في أ: "من".
(٣) "وهذا بناه والعمل قطعًا" ليست في ب.
(٤) في أ: "فكذلك".
(٥) في (أ) و(ب): "وأما".
[ ٣٦٠ ]
[فـ] إن كان بدليل قطعي، يسمى (١) مفسرًا. وحكمه وجوب العمل قطعًا، ووجوب الاعتقاد به.
وإن (٢) ثبت بدليل راجح، فإنه يسمى مؤولا - فيجب العمل به ظاهرًا، مع اعتقاد حقية مراد الله تعالى منه، مبهمًا لا عينًا.
وأما حكم المتشابه:
[فـ] وجوب الاعتقاد على أن ما هو مراد الله تعالى منه (٣) حق، مع وجوب الاعتقاد على أن ما هو ظاهره (٤) غير مراد، وأن اعتقاد ظاهره هوى وبدعة - والله الموفق.
مسألة:
قال عامة العلماء: إن التشابه، الذي لا يتعلق به الأحكام والعمل، يتوقف فيه من حيث (٥) الاعتقاد، بطروق التعين (٦)، ولكن يعتقد على الإبهام أن ما أراد الله، تعالى به حق (٧)، وما يتعلق به العمل يتوقف فيه من حيث الاعتقاد عينًا، ويجب العمل به على أحوط الوجهين، على ما يعرف في باب المعارضة.
ولا يشتغل بالعلم بكيفيته، بالتأويل والبحثفيه (٨) مع الاعتقاد لأن ظاهره غير مراد.
_________________
(١) في أ: "سمي".
(٢) في أ: "وإذ".
(٣) "مبهما لا عينا وأما حكم التشابه تعالى منه" ليست في ب.
(٤) "ما هو ظاهره" غير واضحة في أو موضحها فيها بياض.
(٥) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "عن".
(٦) في أ: "التعيين".
(٧) في ب: "وهو حق".
(٨) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "عنه"
[ ٣٦١ ]
و(١) كذا روي عن محمد بن الحسن رحمة الله عليه أنه سئل عن الآيات والأخبار الواردة في صفات الله تعالى، ما يؤدي ظاهرها إلى التشبه فقال: نمرها (٢) كما جاءت ونؤمن بها ولا (٣) نقول كيف وكيف - وهو مذهب مالك بن أنس وعبد الله بن المبارك (٤) وعامة أصحاب الحديث رضوان الله عليهم.
وسئل مالك بن أنس عن قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" (٥) - فقال: الاستواء غير مجهول، وكيفه غير معقول، والسؤال عنه بدعة.
وقال بعض العلماء من أهل الأصول والمفسرين، وهو المروي عن ابن عباس (٦) ﵁: أنه يصرف التشابه إلى المحكم و[يؤول] (٧) تأويلا لا يناقض دلائل (٨) العقل والآيات المحكمة، دفعًا للتناقض عن الأدلة، مع الاعتقاد بأن الظاهر غير مراد. ثم إن كان يحتمل تأويلا واحدًا، يجب القول به قطعًا إذا دل الدليل العقلي عليه. وإن (٩) احتمل وجوهًا من التأويلات الصحيحة لا يقطع على واحد منها على طريق في التعين (١٠)، لا فيه من الشهادة على (١١) الله تعالى، من غير تعين (١٢)، بل يعتقد على الإبهام.
_________________
(١) في ب: "كذا".
(٢) في أ: "نمر بها". وراجع ترجمة محمد بن الحسن في الهامش ٨ ص (ط- ظ) من المقدمة.
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فلا".
(٤) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي مولى بني حنظلة. جمع بين العلم والزهد. وتفقه على سفيان الثوري ومالك بن أنس ﵄ وروى عنه الموطأ. وقد ولد عمرو سنة ١١٨ هـ وتوفي سنة ١٨١ هـ (أو ١٨٢) بعد انصرافه من الغزو في هيت وهي مدينة على الفرات فوق الأنبار من أعمال العراق لكنها بر الشام، والأنبار في بر بغداد والفرات يفصل في بينهما ودجلة تفصل بن الأنبار وبغداد (ابن خلكان).
(٥) سورة طه: ٥.
(٦) هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين. وكان إذ توفي رسول الله - ﷺ - ابن ثلاث عشرة سنة وقيل ابن خمس عشرة سنة. ومات بالطائف سنة ٦٨ هـ. في أيام ابن الزبير، وكان ابن الزبير قد أخرجه من مكة إلى الطائف فمات بها وهو ابرن سبعين سنة، وقيل ابن إحدى وسبعين سنة، وقيل أربع وسبعين سنة. شهد علي ﵄ الجمل وصفين والنهروان. وكان أصحابه يسمونه البحر والحبر لعلمه (ابن عبد البر، الاستيعاب).
(٧) في النسخ كلها هكذا: "وتأول".
(٨) "دلائل" ليست في ب.
(٩) في أ: "وإذا".
(١٠) في (أ) و(ب): "التعيين".
(١١) "على" غير واضحة في أ.
(١٢) في أ: "تعيين"
[ ٣٦٢ ]
وأصل المسألة قوله تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات كان أم الكتاب وأخر متشابهات" إلى أن قال: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به .. (الآية) " (١).
فالفرق الأول قالوا: إن الوقف على قوله تعالى: "إلا الله"، وقوله تعالى: "والراسخون" ابتداء كلام. ففي الآية بيان أنه (٢) لا علم بالمتشابه إلا لله تعالى، ومدح الر اسخين في العلم بالإيمان بالمتشابه.
والفريق الثاني قالوا: إن (٣) الوقف على قوله تعالى: "والراسخون في العلم".
وفي المسألة كلام كثير - والله أعلم.
مسألة:
لا خلاف أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الحاجة إلى البيان، وهو وقت وجوب العمل به، إذ التكليف بالعمل يستدعي قدرة المخاطب (٤) على الأداء، فيكون تكليف ما ليس في الوسع.
فأما (٥) تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب إلى مجيء وقت الوجوب (٦) -[فـ] هل يجوز؟
قال أكثر العلماء بالجواز.
_________________
(١) سورة آل عمران: ٧، والآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
(٢) في ب: "أن".
(٣) "إن" ليست في ب.
(٤) كذا في أ. وفي الأصل كذا: "المخطاب". وفي ب: "المكلف".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وأما".
(٦) في ب: "إلى وقت مجئ الوجوب". ولعلها في أ: "إلى وقت مجئ. وقت الوجوب".
[ ٣٦٣ ]
وقال المتأخرون من المعتزلة: لا يجوز - مثل الجبائي (١) وابنه أبي هاشم (٢) والرازي (٣) ومن (٤) تابعهم.
وكذا تأخير بيان المشكل والمشترك (٥).
وأما تأخير (٦) بيان ما يمكن العمل بظاهره نحو بيان العام: أن المراد منه (٧) بعضه. ونحو بيان المطلق: أن المراد منه المقيد:
[فـ] قال مشايخ العراق من أصحابنا، نحو الكرخي (٨) والجصاص (٩) وغيرهما، بأنه لا يجوز - وبه قيال القاضي الإمام (١٠) أبو زيد ومن تابعه من المتأخرين. وهو قول أكثر المعتزلة.
_________________
(١) تقدمت ترجمته فى الهامش ٢ ص ٣٤٤.
(٢) تقدمت ترجمته في الهامش ١ ص ١٤٦.
(٣) تعدد من يطلق عليهم "الرازي" في كتب طبقات المعتزلة: - منهم أبو بكر بن ابراهيم المقانعي الرازي. من العلماء .. ومن الطبقة التاسعة (أصحاب أبي هاشم الجبائي المتوفي سنة ٣٢١ هـ). - ومنهم الحبال الرازي. من الطبقة التاسعة. - ومنهم أبو بكر الرازي الجصاص، وقد ترجمنا له في الهامش ٨ ص ١٤٧. وقد عدوه ممن وافق المعتزلة في العدل. وهو من الطبقة الثانية عشر - (من أصحاب قاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبار المتوفي سنة ٥٤١٥ هـ). - ومنهم أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي. من الطبقة الثانية عشرة. وله تصايف منها: كتاب "الزينة". و"أعلام النبوة". وكان من كبار دعاة الاسماعيلية. واشتهر بدعوته إلى المذهب الفاطمي. وتوفي سنة ٣٢٢ هـ. - ومهم الفخر الرازي (أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الرازي القرشي المتوفي شبية ٦٠٦ هـ) (من المجبرة. (انظر: المرتضي، طبقات المعتزلة، ص ١٠٢ و١١٢ و١٣٠ و١٢٠ وما بعدها. والقاضي عبد الجبار، فرق وطبقات المعتزلة، ص ١٢٥. والقاضي عبد الجبار وأخران، ففل الاعتزال وطبقات المعتزلة، ص ٣٩٠ و٣٩١. والفخر الرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص ٦٨) ولعل المقصود هو الأول أو الرابع ويلاحظ أن المؤلف ذكر الثالث (الجصاص) بعد ذلك بثلاثة سطور.
(٤) "ومن" غير ظاهرة في أ.
(٥) في ب: "المشترك والمشكل".
(٦) "تأخير" من ب.
(٧) في أ: "به".
(٨) تقدمت ترجمته في الهامش ٧ ص ٢١٠.
(٩) تقدمت ترجمته في الهامش ٨ ص ١٤٧.
(١٠) الإمام ليست في ب.
[ ٣٦٤ ]
وقال أصحاب الحديث ومشايخ سمرقند بأنه جائز.
وأجمعوا أن تأخير بيان (١) النسخ في اللفظ المطلق عن الوقت جائز.
وهذا بناء على ما ذكرنا: أن العام المطلق عن القرينة يوجب العلم قطعًا، وأنه (٢) يتناول كل فرد من أفراده، كأنه نص عليه عند الفريق الأول. وإذا كان مبينًا في نفسه كيف يحتمل البيان من حيث الخصوص، وبيان المبين لغو. وإنما يحتمل النسخ، [فـ] لا جرم جوزنا (٣) البيان من حيث النسخ (٤)، في زمان يجوز النسخ (٥).
وكذا المطلق والنكرة الشائعة في الجنس: توجب العلم قطعًا عندهم - فكيف يحتمل البيان أن المراد منه المقيد، وإنما يحتمل النسخ فيكون التقييد المتأخر نسخًا، بخلاف المقارن، فإن العام والمطلق مع القرينة لا يوجب العلم قطعًا، بل احتمال الخصوص والقيد قائم، فاحتمل البيان، إذ لا يمكن حمله على التناسخ (٦).
وعند الفريق الثاني: احتمال الخصوص قائم في العام المطلق الخالي عن القرينة، واحتمال المجاز قائم في الخاص المطلق. ومع احتمال المجاز والخصوص (٧) لا يثبت العلم قطعًا، فإذا (٨) كان الاحتمال قائمًا، من دفع (٩) الاحتمال بالبيان جائزًا، كما في المجمل، وكما في تأخير بيان النسخ: فإن ظاهر اللفظ والخطاب يؤجل (١٠) ثبوت الحكم على طريق الإطلاق، دون التأقيت، ثم جاز (١١) الببان - لاحتمال التأقيت - فكذا (١٢) ههنا.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أن بيان تأخير".
(٢) "أنه" ليست في ب.
(٣) في أ: "جوزوا".
(٤) "من حيث النسخ" من (أ) و(ب).
(٥) "في زمان يجوز النسخ" من ب.
(٦) "إذ لا يمكن حمله على التناسخ" من (أ) و(ب).
(٧) "والخصوص" من أ.
(٨) في (أ) و(ب): "وإذا".
(٩) في ب: "رفع".
(١٠) "يؤجل" من أ.
(١١) "ثم جاز" ليست في أ.
(١٢) في ب: "وكذا".
[ ٣٦٥ ]
ثم بيان الاحتمال (١) ظاهر: فإن التكلم (٢) بالعام على إرادة الخاص. وكذا التكلم بالمطلق على إرادة المقيد شائع بين (٣) أهل اللغة - ولهذا كان أكثر العمومات في الكتاب والسنة واستعمال أرباب اللسان مخصوصة، وأكثر الخطاب المطلق مقيدًا. فالعام - إن (٤) كان باعتبار الوضع الأصلي - يقتضي الشمول والاستغراق. وكذا اللفظ المطلق: يقتضي الإطلاق - فعلى اعتبار العرف والاستعمال المستفيض: يحتمل الخصوص والقيد، وكتاب الله تعالى نزل بلسان العرب، ليفهموا منه ما هو السابق إلى أفهامهم. وكذا بعث النبي - ﷺ - منهم (٥) ليفهموا من كلامه ما هو المفهوم (٦) من كلامهم.
وإذا (٧) كان احتمال الخصوص والقيد، في عرف الاستعمال، حال نزول الخطاب، ثابتًا على وجه الظاهر، فإن لم يوجب التوقف في العمل، كالمشترك والمجمل، [فـ]ـلا أقل من أن يوجب الاحتمال. ومع قيام الاحتمال لا يتصور العلم قطعًا - وهذا كلام ظاهر.
ولا (٨) يصح قولهم إن اللفظ الخالي عن قرينة الخصوص والقيد، يدل على أن المراد منه الموضوع لغة، والجواب ما ذكرنا (٩): أنه بم (١٠) يعرف خلو اللفظ عن (١١) القرينة، بل احتمال القرينة قائم - على ما مر في فصل الأمر.
ولا يصح قولهم أيضًا إن في ذلك تلبيس الأمر على السامعين، لأنه إذا كان عرف الاستعمال ما ذكرنا، يجب أن يحملوا عليه. وقد ذكرنا ذلك في مسألة الأمر - والمسألة طويلة ذكرت في الشرح.
_________________
(١) في ب: "الإجمال".
(٢) كذا في أ: "التكلم". وفي الأصل و(ب): "المتكلم".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "من".
(٤) في ب: "على أن العام وإن".
(٥) في أ: "فيهم".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "المشهور".
(٧) في (أ) و(ب): "فإذا".
(٨) في ب: "فلا".
(٩) في ب: "فالجواب في كلها".
(١٠) في أ: "لم".
(١١) "اللفظ عن" من (أ) و(ب).
[ ٣٦٦ ]