فنقول (٥):
إنه (٦) - ﷺ - إذا رأى منكرًا أو (٧) فعلا قبيحًا في الشرع، فلم ينه (٨) عن ذلك، ولم ينكر عليه ذلك (٩)، ولكن سكت وتركه على ذلك - فهو (١٠) نوعان:
أحدهما - أن يكون (١١) مباشر ذلك ليس من أهل دينه وملته، بأن كان مشركًا حربيًا أو كافرًا ذميًا، فتركه على ذلك: [فـ] لا يكون تقريرًا (١٢)
_________________
(١) في أ: "أن".
(٢) في (أ) و(ب): "فأما".
(٣) في أ: "مما".
(٤) في ب كذا: "فصرح".
(٥) "فنقول" من ب.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "والسكوت وهي أنه".
(٧) في (أ) و(ب): "و".
(٨) في ب: "فلم ينهه".
(٩) "ذلك" من ب، وفيها: "ولم ننكر عليه ذلك".
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وهو".
(١١) "يكون" من ب.
(١٢) في ب كذا: "تقديرًا".
[ ٤٦٠ ]
لذلك ورضا بكونه حسنًا - لأن دعاءه (١) لأهل الشرك إلى ترك ذلك مشهور، وإنكاره عليهم ظاهر، وتكليفه بالإنكار عليهم، في كل زمان يرى، خارج (٢) عن الوسع. وكذا في حق أهل الذمة: فإن تركهم وما يدينون، من جملة مصالح دين الحق، حيث شرع (٣) عقد الذمة، فلا يحمل ذلك على حسنه وورود النسخ في ذلك (٤) بضده.
والثاني - أن يكون المباشر من أهل دينه وشريعته، فرأى منه فعلا، يتراءى (٥) أنه قبيح، ولم يمنعه عن ذلك ولم ينكر عليه: فإنه (٦) يدل على حسنه وعلى (٧) شرعيته، فإنه بعث مغيرًا للمنكر لا مقررًا. فإن كان الدليل على قبحه ثابتًا قبله: دل سكوته وتركه الإنكار (٨)، على انتساخه. وإن لم يكن دليل القبح والإطلاق متقدمًا: يدل [سكوته] على إثبات (٩) شرعيته ابتداء. وعلى هذا: المضاربات والشركات وعامة المعاملات التي لم يثبت حدوثها في غير عصره (١٠)، لأن الناس لما توارثوا على ذلك، وذلك متعارف في عصر النبي - ﷺ -، ولم يمنعهم عن ذلك بل تركهم وما هم عليه (١١) - دل على شرعيته تقريرًا منه على ذلك، إذ حرام عليه التقرير على المنكر، وهو معصوم عن ذلك - والله الموفق.
_________________
(١) في ب كذا: "دعاه".
(٢) في أ: "يكون خارجًا".
(٣) هامش أ: "النبي".
(٤) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "عن ذلك".
(٥) في الأصل كذا: "يترايا".
(٦) في ب: "وإنه".
(٧) "على" من (أ) و(ب).
(٨) في ب: "للإنكار".
(٩) "إثبات" من (أ) و(ب).
(١٠) في ب: "بعد عصره ﷺ".
(١١) "وما هم عليه" ليست في ب.
[ ٤٦١ ]
مسألة - الاجتهاد في الأحكام الشرعية فيما لم يوح إلى النبي - ﷺ - نصًا - هل هو من سنته، وهل هو جائز عليه، وهل هو مأمور به - أم لا (١)؟.
اختلفوا فيه:
قال عامة أهل الأصول بأنه جائز عليه. وهو مأمور به أيضًا. وهو مروي عن أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى (٢).
وقال بعضهم: إنه غير جائز عليه، فضلا عن الأمر به.
وقال بعضهم: إنه في حد الجواز، لكنه مأمور بانتظار الوحي في الحوادث. فإن لم يرد الوحي، فيكون (٣) ذلك دلالة الإذن بالاجتهاد فيه.
وقال بعضهم: إنه جائز عليه عقلا، ولكنه غير متعبد به شرعًا (٤).
وجه قول من قال إنه غير جائز عليه - النص، والمعقول:
أما النص - فقوله (٥) تعالى: "وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى" (٦): أخبر الله تعالى أن ما ينطق به النبي (٧) - ﷺ - يكون عن الوحي، بل نفى أنه ينطق إلا عن الوحي (٨)، والحكم الصادر عن الاجتهاد لا يقال إنه حكم بالوحي.
_________________
(١) في (أ) و(ب): "وهل هو مأمور به، وهل هو جائز عليه - أم لا؟ ".
(٢) "وهو مروي الله تعالى" ليست في ب.
(٣) في أ: "يكون".
(٤) "وقال بعضهم: إنه جائز عليه عقلا شرعًا" وردت في ب بعد قول عامة أهل الأصول وقبل قول بعضهم إنه غير جائز عليه.
(٥) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "النص قوله" وبدون "أما".
(٦) سورة النجم: ٣ و٤ وهما والآيتان قبلهما: "والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى".
(٧) في ب: "الرسول".
(٨) في أ: "أنه لا ينطق إلا عن وحي".
[ ٤٦٢ ]
وأما المعقول - فهو أن في جواز الاجتهاد للنبي - ﷺ - في الأحكام الشرعية نوع قبح مخصوص ليس ذلك في اجتهاد غيره، وهو أنه سبب لتنفير الناس عن اتباعه والعمل بشريعته، وهو مبعوث للدعوة إلى شريعته، فلا يجوز أن يكون مأذونًا بما يفضي إلى النفرة عنه، فيؤدي إلى المناقضة. وبيانه أن الناس متى سمعوا أنه يحكم في شريعته برأيه واجتهاده، فقبل أن يتأملوا حق التأمل، وسبق (١) إلى أوهامهم أنه ينصبه (٢) من تلقاء نفسه، وذلك سبب للنفرة (٣)، إذ الطبع ينفر عن اتباع مثله. ولأنه لو جاز له الاجتهاد، ويجوز لمجتهد آخر الاجتهاد أيضًا، يصير غيره مساويًا له في بيان الأحكام، ويجوز لغيره أن يخالفه، لأن على المجتهد أن يعمل باجتهاد نفسه، وإن خالف اجتهاد (٤) من هو أقوى منه، وهذا في غاية القبح - وذلك يندفع بما قلنا.
و(٥) وجه قول العامة - النصوص، والمعقول:
أما النصوص (٦):
- فمنها (٧) قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" (٨) وهذا نص عام.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فيسبق".
(٢) في ب: "إلى أفهامهم أن تنصيبه".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "النفرة".
(٤) في ب: "اجتهاده".
(٥) "و" ليست في (أ) و(ب).
(٦) في أ: "النص".
(٧) الفاء من ب. و"منها" من أ.
(٨) سورة الحشر: ٢ - والآية: "هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار". وانظر أيضًا: آل عمران: ١٣. والنور: ٤٤.
[ ٤٦٣ ]
- ولما روي عن عمر - ﵁ - أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن القبلة للصائم - هل يفطره (١)؟ فقال ﵇: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ قال: لا، قال (٢): ففيم إذن؟ وهذا هو (٣) صورة القياس. وكذا روي أنه قال في تحريم الصدقة على بني هاشم: أرأيت (٤) لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه؟ و(٥) هذا قياس. وروي في حديث الخثعمية أنها قالت: إن لي أبًا شيخًا كبيرًا لا يستمسك على الراحلة وقد أدركته فريضة الحج أفيجزئني أن أحج عنه؟ فقال - ﷺ -: أرأيت (٦) إن (٧) كان على أبيك دين فقضيته (٨) أما كان يقبل منك؟ فقالت: نعم - قال - ﷺ - (٩): فدين الله أحق أن يقضى (١٠)، وهذا قياس (١١) دين الله تعالى على دين العباد. وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال لأبي بكر وعمر ﵄: قولا، فإني فيما لم يوح إلى مثلكما.
وأما المعقول:
فهو (١٢) أن القياس والنظر الصحيح في المنصوص عليه، طريق معرفة العلم بحكم الله تعالى، في غير المنصوص عليه، في حق غيره من المجتهدين، فيستحيل أن لا يكون طريقًا في حقه، مع التساوي في سلوك
_________________
(١) لعل الأصح: "تفطره".
(٢) "قال" من (أ) و(ب).
(٣) "هو" ليست في أ.
(٤) "أرأيت" من ب.
(٥) "و" ليست في ب.
(٦) "أرأيت" من (أ) و(ب)
(٧) في ب: "لو".
(٨) في (أ) و(ب) كذا: "فقضيتيه".
(٩) "- ﷺ -" من ب.
(١٠) "أن يقضي" من أ.
(١١) في ب: "فدين الله أحق - فهذا قياس".
(١٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وهو".
[ ٤٦٤ ]
الطريق، إذ (١) يستحيل أن يخفى عليه معاني النصوص، ولا يخفى على غيره، مع أنه ظهر له ما خفي على غيره، من المشترك والمجمل والمتشابه. ومتى حصل له العلم بذلك، وجبا عليه التبليغ، خصوصًا في حال نزول الحادثة والسؤال عنه، مع أن اجتهاده صواب (٢) بيقين، لأنه معصوم عن الخطأ في أمور الدين عند أكثر الأمة، وعند الكل معصوم عن القرار على الخطأ، واجتهاده غيره محتمل، فلما جاز الاجتهاد لغيره، بل وجب، فكذا (٣) في حقه بطريق (٤) الأولى.
وخرج الجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى" (٥) إذ (٦) اجتهاده لما كان صوابًا بيقين، كان وحيًا (٧) من الله تعالى. إلا أن الوحي نوعان: ظاهر وخفي. فالظاهر ما كان على لسان الملك، والخفي ما كان بطريق الإلهام والعلم الضروري أو (٨) بطريق الاجتهاد.
وقولهم إنه يؤدي إلى التنفير - ليس كذلك، لأن الاجتهاد ليس هو نصب الشرع، فإن شارع الأحكام هو الله تعالى، والاجتهاد طريق معرفة شرع الله تعالى بالأمارات (٩) الدالة عليها، من المعاني التي تعلقت الأحكام بها، كما أن سماع الوحي الظاهر طريق معرفة حكم الله تعالى. و(١٠) هذا
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أو".
(٢) "صواب" ليست في ب.
(٣) في ب: "وكذلك".
(٤) في أ: "بالطريق".
(٥) سورة النجم: ٣ و٤. وراجع الهامش ٦ ص ٤٦٢.
(٦) في ب: "أن".
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي متن الأصل: "واجبًا" وصححت في الهامش: "وحيًا".
(٨) في أ: "له".
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بالأمارة".
(١٠) "و" ليست في ب.
[ ٤٦٥ ]
اعتقاد كل مسلم، فلا يخطر بباله أنه ناصب الشريعة أو حكم بالاجتهاد (١) من تلقاء نفسه، فلا يؤدي إلى التنفير (٢). ولأن الله تعالى أعطى لرسوله (٣) ﷺ العلم بالأحكام، بالطرق كلها، ليكون علمه أوسع ودرجته أرفع، فمن أنكر بعض طرق العلم، للرسول - ﷺ -، الذي هو أدق وأغمض (٤)، وأثبت لغيره فقد بالغ في الخطأ.
وقولهم فيه تسوية بين الرسول - ﷺ - (٥) وغيره، وفيه تجويز مخالفته (٦) في الاجتهاد - فليس هكذا، فإنه لا يجوز لأحد أن يجتهد في (٧) حال حضرته: هو الأصح. ولا يحل (٨) لأحد من المجتهدين الخلاف له في الاجتهاد، لما ذكرنا أن اجتهاده موجب للعام قطعًا، واجتهاد غيره محتمل، فصار بمنزلة الاجتهاد على مخالفة نص الكتاب وإجماع الأمة.
وجه قول الفريق الآخر، وهو أن النبي - ﷺ - مكرم بالوحي الظاهر، وذلك أقوى الطرق. فإنه إن كان لا يحتمل أن يقر على الخطأ، فقد جوز بعضهم وجود الخطأ منه، ولكن لا يقر عليه، فكان الانتظار لما لا يحتمل الخطأ أحق، إلا إذا كان يحتمل الفوات (٩)، فحينئذ يشتغل بالاجتهاد.
وهذا القول حسن. لكن قول العامة أحق. وكان عليه العمل بجميع أنواع الوحي (١٠)، والتبليغ عند الحاجة، والانتظار للوحي الظاهر في غير موضع الحاجة. والله أعلم.
_________________
(١) "أو حكم بالاجتهاد" ليست في أهنا. انظر الهامش التالي.
(٢) زاد هنا في أ: "لو حكم بالاجتهاد". راجع الهامش السابق.
(٣) في أ: "رسوله".
(٤) غمض الكلام خفي (المعجم الوسيط).
(٥) "ﷺ" من ب.
(٦) في أ: "مخالفة".
(٧) "في" ليست في ب.
(٨) في ب: "ولا يجوز".
(٩) في ب كذا: "الصواب الصواب".
(١٠) راجع ص ٤٦٥.
[ ٤٦٦ ]
مسألة - هل يجوز للعالم المجتهد في عصر النبي - ﷺ - أن يجتهد في حال حضرته أو غيبته أم لا؟
قال أكثر العلماء ﵏: يجوز لمن كان يبعد منه (١).
واستدلوا بحديث معاذ ﵁ أنه (٢) حين بعث إلى اليمن (٣) أمره (٤) النبي - ﷺ - بالاجتهاد، وهو حديث مشهور.
وقال بعضهم: لا يجوز، لأن اجتهاد غير النبي - ﷺ - يحتمل الخطأ (٥)، وإنما يجب العمل به عند الضرورة، ولا ضرورة مع إمكان الوصول إلى الصواب بيقين، وهو الرجوع إلى قول النبي - ﷺ -.
وقال بعضهم: يجب التوقف فيه. لأن هذه المسألة من باب العلم (٦) دون العمل، فلا يجوز القول فيه بالقطع بحديث معاذ ﵁، وهو من أخبار الآحاد.
وقال بعضهم، وهو الأصح: إن كان في حال يفوت حكم الحادثة بالرجوع إلى النبي - ﷺ - في السؤال عنه، يجوز له الاجتهاد لمساس الحاجة. وأما إذ أمكن (٧) للمجتهد الرجوع (٨) إلى جواب النبي - ﷺ - قبل فوات حكم الحادثة، فالجواب فيه والجواب في حق من كان بحضرته سواء.
وقد اختلفوا فيه:
_________________
(١) في أ: "عنه".
(٢) "أنه" ليست في ب.
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي اللأصل كذا: "اليمين".
(٤) كذا في أو ب. وفي الأصل: " أمر". وانظر فيما يلي ص ٤٧٤.
(٥) في أ: "محتمل للخطأ".
(٦) في ب كذا: "العمل".
(٧) كذا في أو ب. وفي الأصل: "لم يمكن".
(٨) في ب: " المجتهد الوصول".
[ ٤٦٧ ]
قال بعضهم: يجوز له أن يجتهد في كل حادثة إلا ما قام الدليل على المنع.
وقال بعضهم: لا يجوز له (١) الاجتهاد أصلا
وقال بعضهم: يجوز له (٢) أن يجتهد بإذن النبي - ﷺ - بذلك - فأما بدون إذنه فلا.
والأولى أن يقال (٣): لا يجوز لمن كان بحضرة النبي - ﷺ -، قبل الإذن منه صريحًا. ولا يجوز بالإذن إلا في حادثة مخصوصة: أمر بذلك بطريق الوحي لمصلحة في ذلك (٤). لأن رأي النبي ﵇ أقوى من رأيه، فلا يجوز له ترك الأقوى مع القدرة عليه (٥)، كما لا يجوز للمجتهد في زماننا أن يجتهد (٦) مع إمكان الوصول إلى النص. والله أعلم.
[٤]