فإنه (٢) يتضمن فصولا، لكل عامتها ترجع إلى أصول الكلام فنذكرها على طريق الاختصار:
منها - أن الآمر حقيقة من وجد كل منه الأمر، وهو طلب الفعل على طريق الاستعلاء، قولا، على كل ما ذكرنا. فكل كل من وجد منه يكون آمرًا في الشاهد والغائب، سواء كان حكيمًا أو سفيهًا. ولهذا إن السلطان إذا طلب من غيره قتل شخص معصوم، على طريق الاستعلاء، يكون آمرًا له، وإن كان ذلك سفهًا ومعصية، حتى إذا لم يفعل المأمور (٣) يقال: خالف أمر الساطان. ولكن لا يجب طاعة الآمر بالسفه والحرام - قال ﵇: "لا طاعة في لمخلوق في معصية الخالق" (١).
مسألة:
الآمر الذي يجب طاعته في الحقيقة هو الله تعالى.
فأما الرسل فهم نائبون عنه في تبليغ (٤) أمره إلى المكلفين من عباده.
وكذا من يأمر بأمره نحو السلطان والمولى والأبوين: يجب طاعتهم لأن (٥) في طاعتهم طاعة الله تعالى.
_________________
(١) راجع فى تقسيم البحث فيما تقدم ص ٨٠.
(٢) في ب: "وإنه".
(٣) "المأمور" ليست في أ.
(٤) في ب: "فأما الرسل صلوات الله عليهم نائبون عن الله تعالى في تبليغ".
(٥) كذا في أ. وفى الأصل و(ب): "لما".
[ ١٦٢ ]
وهذا لأن الله تعالى هو المالك للعباد ملك تخليق، فله (١) ولاية الإيجاب: والندب (٢) والمنع والإطلاقا. فأما ليس للعبد ولاية ذلك على عبد مثله، لأنه مملوك مثله، ولأن ذلك العبد يوجب عليه أيضًا، فيقع التعارض.
فإن قيل: أليس أن المكلف يوجب على نفسه العبادات بالنذر (٣) وبالشروع (٤) في النوافل. وكذا يوجب المال على نفسه (٥) بالكفالة والبيع - قلنا: الإيجاب من الله تعالى، وإنما النذر علم (٦) على إيجاب الله تعالى، وكذا الشروع. ولهذا (٧) لا يصح النذر بما ليس لله تعالى من جنسه إيجاب. وأما الكفالة فهي (٨) إقراض واستقراض. وكذا البيع: تمليك بإزاء تمليك برضا العاقدين، وتسليم بإزاء تسليم، وذلك علم وسبب لوجوب (٩) الملك شرعًا، لا ابتداء إيجاب بالعقد، ألا ترى (١٠) أن من أوجب لإنسان مالا على نفسه، لا يجب (١١)، وإنما الإقرار إخبار: إن كان صدقًا يثبت وإلا فلا، ولأن العبادات كلها واجبة في الأصل بحكم أن الله تعالى خالقهم (١٢) ومالكهم، وهم عبيده، وخدمة المملوك (١٣) لمولاه
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وله".
(٢) في ب: "الندب والإيجاب".
(٣) في ب: "بالندب".
(٤) في (أ) و(ب): "والشروع".
(٥) في ب: "يوجب على نفسه المال".
(٦) في ب كذا: "الندب علمًا".
(٧) في ب: "وكذا".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فهو".
(٩) في ب: "وذلك سبب لوجوب"
(١٠) في ب: "لأن ابتداء الإيجاب بالفعل - ألا ترى".
(١١) في ب: " لإنسان على نفسه مالا لا يجب". وفي أ: "من أوجب للإنسان مالا لا يجب".
(١٢) في ب: "بحكم أمر الله تعالى لأنه خالقهم".
(١٣) كذا في ب. وفي الأصل وأ كذا: "الملوك"، ولعلها أيضًا "المملوك".
[ ١٦٣ ]
مستحقة لازمة على الدوام، بقدر الممكن وانتفاء الحرج (١) - على ما عرف في مسائل الخلاف. وإنما سقط الوجوب رخصة في عامة الأوقات وتقرر (٢) في البعض، فضلا من الله تعالى ورحمة. فمتى نذر العبد أو شرع في العبادة في غير وقت الفرض، فقد اختار ما هو العزيمة وترك الرخصة فيعود حكم العزيمة، وهو الوجوب (٣) الأصلي، لا أن الوجوب يثبت بنذره وشروعه ابتداء - والله أعلم (٤).
مسألة:
هل يتصور وجود الأمر من الآمر (٥) لنفسه، بأن يطلب وجود الفعل من نفسه، فيقول (٦) لنفسه "افعل"، وهل يحسن ذلك؟ فنقول:
لا يتصور عندنا في الشاهد والغائب (٧) الآمر لنفسه، وإن كان يتصور في الشاهد أن يقول لنفسه "افعل كذا"
وعند المعتزلة يتصور في الشاهد والغائب، ولكن لا يحسن.
وهذا بناء على أن أمر الله تعالى أزلي عندنا، وفعله أزلي. والأزلي لا يدخل تحت الطلب والإرادة.
وعندهم كلام الله تعالى حادث، والأمر عندهم عبارة عن (٨) الإرادة، وهي حادثة، فيجوز أن يريد من نفسه وجود فعل حادث فيكون آمرًا لنفسه - والله الموفق.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بقدر ما لا حرج عليهم".
(٢) في أ: "وبقيت".
(٣) في ب: "الواجب".
(٤) "ابتداء - والله أعلم" من ب، وفيها: "لا أن يثبت الوجوب بنذره وشروعه ابتداء - والله أعلم". وفي أ: "لا أن يثبت الوجوب بنذره وشروعه - والله أعلم".
(٥) في ب: "الآمر هل يتصور أن يكون آمرا لنفسه".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ويقول".
(٧) في أ: "عندنا في الغائب".
(٨) "عبارة عن" من ب.
[ ١٦٤ ]
مسألة:
الأمر في [الغائب والشاهد، [ولو] لم يتضمن (١) نفعًا للمأمور ولا للآمر (٢)، يكون حكمة (٣)، ويكون الآمر حكيمًا عند أهل السنة والجماعة (٤)، وليست الحكمة مقصورة على النفع فقط (٥) للآمر أو (٦) المأمور، ولكن يجب أن يتعلق به عاقبة حميدة.
وعند المعتزلة لا يكون الأمر حكمة ولا يكون الآمر حكيمًا (٧) في الشاهد إذا لم يتضمن أمره نفعًا به أو بالمأمور. وفي الغائب لابد أن يكون فيه نفع للمأمور إما في الدنيا (٨) أو الثواب في الدار (٩) الآخرة، أو دفع الضرر عنه، لأن الآمر متعال عنه (١٠).
وهذه المسألة بناء على مسألة الأصلح، فإن (١١) الأصلح عندهم واجب من حيث الحكمة، وعندنا بخلافه.
وما قالوه باطل: فإن الله تعالى كلف فرعون وأبا جهل وكل من علم أنه (١٢) لا يؤمن بالإيمان ولا نفع لهم في هذا التكليف، لأنه لا يحصل لهم به النفع والثواب (١٣)، إذ علم أنهم لا يؤمنون، وعلم الله تعالى لا يتغير، بل النفع لهم أن لا يعطيهم العقل أو يميتهم حتى لا يتوجه
_________________
(١) في الأصل وأ و(ب): "إذا لم يتضمن". وسياق العبارة يدل أن المقصود ما أثبتناه في المتن.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل وا: "بالمأمور ولا بالآمر".
(٣) في ب: "يكون الأمر حكمة".
(٤) "والجماعة" من ب.
(٥) "فقط" من ب.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "و".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وعد المعتزلة لا يكون الآمر حكيمًا".
(٨) في هاش أ: "أي إما نفع في الدنيا".
(٩) "الدار" من ب.
(١٠) في ب: "يتعالى عن ذلك كله".
(١١) في ب: "أن".
(١٢) في ب: "من علم منه أنه".
(١٣) في ب كذا: "ولا بالثواب".
[ ١٦٥ ]
التكليف عليهم (١) فلا يستحقوا العذاب - دل أن حكمة الأمر لا تقتصر (٢) على النفع (٣) للمأمور. فأما (٤) شرع الشرائع بدون الإيجاب والتكليف [فـ] لا يكون إلا لمصلحة العباد (٥)، لأنه لا ضرر في ترك ذلك (٦).
وحقيقة هذا تعرف في مسائل الكلام إن شاء الله تعالى.
مسألة:
ليس كل من شرط كون الآمر الحكيم آمرًا وناهيًا وجوب (٧) إتيان المأمور به (٨) ووجوب الامتناع عن المنهي عنه، على المأمور والمنهي، عند أكثر (٩) أصحابنا.
وعند المعتزلة شرط.
وهذا بناء على أن النسخ، قبل التمكن من الفعل بعد التمكن من الاعتقاد، جائز عند أكثر أصحابنا، بأن كان الأمر مضافًا إلى وقت معلوم، ثم جاء النسخ قبل وجوب الفعل لوجود (١٠) ذلك الوقت. وهذا (١١) الأمر صحيح، والله تعالى آمر به (١٢)، ولا يجب على المأمور الامتثال (١٣) بهذا الأمر، فإنه نسخ قبل الوجوب.
وعلى هذا يبتنى الأمر بالفعل بشرط زوال المانع على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في ب: "لا يتوجه عليهم التكليف".
(٢) في أ: "لا تقصر".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "النافع".
(٤) في ب: "وأما".
(٥) في ب: "العبادة".
(٦) "لأنه لا ضرر في ترك ذلك" ليست في ب.
(٧) "وجوب" ليست في ب.
(٨) "به" ليست في أ.
(٩) "أكثر" ليست في أ.
(١٠) في ب: "بوجود".
(١١) في ب: "فهذا".
(١٢) "به" من ب.
(١٣) في ب: "الائتمار".
[ ١٦٦ ]
[٣]