فإنه (٢) يتضمن فصولا أكثرها يرجع إلى مسائل الكلام فنذكر الروايات لاتصالها بمسائل أصول (٣) الفقه.
منها:
أن الفعل المأمور به يجب أن يكون فعلًا متصور الوجود في نفسه، حتى يتصور الاكتساب من المأمور. فأما إذا كان غير متصور الوجود حقيقة، نحو الجمع بين المتضادين، ونقط المصاحف من الأعمى، وجعل الحادث قديمًا، والقديم حديثًا، وقلب الأجناس، ونحوها - فإنه لا يصح (٤) الأمر به، وهو تكليف ما لا يطاق، وإنه لا يجوز عقلا على قول عامة المتكلمين، إلا أن (٥) عند المعتزلة [هو] قبيح عقلا. وعند أهل الحديث محال عقلا لا أنه قبيح. وعندنا لا يجوز على الوجهين جميعًا (٦).
وهذا بناء على أن العقل يعرف به الحسن والقبح عندنا وعند المعتزلة، خلافًا لهم -وهي من مسائل الكلام (٧).
_________________
(١) راجع في تقسيم البحث فيما تقدم ص ٨٠، والقسم الأول ص ٨١، والثاني ص ١٦٢، والرابع فيما يأتي ص ١٨٤.
(٢) في ب: "وإنه".
(٣) "أصول" من (أ) و(ب).
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فلا يصح".
(٥) "أن" ليست في ب.
(٦) "جميعًا" من ب.
(٧) انظر فيما يلي ص ١٧٥ وما بعدها. والبزدوي والبخاري عليه، ١: ١٨٢ - ١٨٣.
[ ١٦٧ ]
وقال أبو الحسن الأشعري (١) إن تكليف العاجز وتكليف ما لا يطاق جائز عقلا - وهل ورد به الشرع؟
قال في قول، لم يرد به الشرع (٢) في الدنيا، وإنما يكون في الآخرة، كما قال الله تعالى: "ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" (٣)، ويكون ذلك علمًا على أنهم من أهل النار
وفي قول قال: ورد في الدنيا في حق بعض المكلفين (٤).
وهذه من مسائل الكلام.
مسألة:
ثم من شرط كون الفعل مأمورًا به أن يكون كسبًا للمأمور، لا مجرد كون الفعل متصورًا في نفسه، فإن المرء لا يكلف بفعل غيره من الخياطة والكتابة، وإن كان ذلك متصور الوجود في نفسه. لكن لما لم يكن مقدور المكلف ومكسوبه لم يصح التكليف به (٥). وهذا لأن فعل المرء ما كان
_________________
(١) هو علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري الصحابي المعروف. وهو صاحب الأصول، الإمام الكبير. وإليه تنسب الطائفة الأشعرية وأبو بكر الباقلاني ناصر مذهبه. قال مسعود بن شيبة في كتاب التعليم: كان حنفي المذهب معتزلي الكلام لأنه كان ربيب أبي علي الجبائي وهو الذي رباه وعلمه الفقه والكلام ثم إنه فارق أبا علي لشيء جرى بينهما وانضم إلى ابن كلاب وأمثاله وتنشق من أصول المعتزلة واتخذ مذهبًا لنفسه ورد على المعتزلة فالتأم إليه جماعة كالباقلاني وابن فورك وأبي الحسن الطبري. وعن ابن الباقلاني وابن فورك أخذ جماعة من أصحاب الشافعي كالاسفرايني وغيره، وهم رؤساه الأشاعرة، ومنهم انتشر مذهبه. قال السمعاني: توفي ببغداد سنة نيف وثلاثين وثلثمائة وقيل سنة عشرين وثلثمائة. وذكر أبو المعين النسفي في تبصرة الأدلة أنه توفي ببغداد ودفن بين الكرخ وباب البصرة سنة أربع وعشرين وثلثمائة هـ. (القُرشيّ، الجواهر. وانظر في مذهبهم: الشهرستاني، ١: ٩٤ وما بعدها).
(٢) "الشرع" من ب.
(٣) سورة القلم: ٤٢.
(٤) في هامش أ: "كقوله تعالى: أنبئوني بأسماء هؤلاء" (البقرة: ٣١).
(٥) "به" ليست في أ.
[ ١٦٨ ]
مقدورًا له، وقدرة المرء لا تعدو عن ذات القادر، وكسبه قائم به، فيكون مقدورًا له. فأما فعل غيره [فـ] لا يجوز أن يكون مقدوره، فلا يكون كسبه (١).
ولهذا قلنا: إن الفعل المسمى بالمتولد عند المعتزلة هو فعل (٢) لا يكون مأمورًا به، ولا منهيًا عنه. وإنما التكليف يتوجه بالفعل القائم بالمكلف الذي هو كسبه، وما حدث عقيب فعله من الآثار في المحال عادة من الانجراح والانكسار والموت فهو (٣) محض فعل الله تهالى عندنا، أعني مفعوله (٤): حصل بقدرته لا قدرة للعبد عليه. ووجوب القصاص والدية والضمان (٥) يتعلق بما هو فعله حقيقة ولا (٦) يرجع إلى المتولدات - وهذا عندنا.
وعند المعتزلة: ذلك فعل المكلف تسبيبًا، وما يقوم به فهو فعله مباشرة - والتكليف يتعلق بالنوعين.
وهي من مسائل الكلام.
مسألة:
لا خلاف أن المعدوم الذي يوجد كسبًا للمأمور يصلح مأمورًا به إذا توجه الوجوب على المأمور عند وجود أهليته، واستجماع شرائطه. فأما الكسب الذي هو فعل العبد حال وجوده واكتساب المأمور هل هو مأمور به؟
_________________
(١) في ب: " .. أن كون مقدورًا له فلا يجوز كسبه".
(٢) "هو فعل" من ب. راجع في تعريف التولد فيما سبق الهامش ١ ص ١٠٩.
(٣) كذا في (أ) و(ب): "فهو". وفي الأصل: "وهو".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "مفعول".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "القصاص ووجوب الضمان".
(٦) في ب: "فلا".
[ ١٦٩ ]
فعندنا كذلك.
وعند المعتزلة يتعلق التكليف بالمعدوم لا غير. أما الموجود في الزمان الثاني من الوجود الذي هو حالة البقاء، [فـ] لا يكون مأمورًا به بلا خلاف.
وهذه المسألة تبتنى على كل مسألة خلق الأفعال:
فإن عندنا (١) وجود الفعل بإيجاد الله تعالى، وإنما فعل العبد هو الكسب، وإنه يتعلق بالوجود لا بالمعدوم. والباقي (٢)، وهو الفعل المأمور به الذي يتصور من العبد وينسب إليه، فيتعلق قدرته بالموجود اكتسابًا، لا بالمعدوم إيجادًا. ولهذا (٣) يتعلق وصف كونه مأمورًا به بحالة (٤) الوجود. فأما في (٥) الزمان الثاني فإنه حالة البقاء، والفعل لا بقاء له، والباقي (٦) لا يتصور اكتسابه.
فأما (٧) عند المعتزلة: [فـ] الإيجاد من العبد، وله قدرة الإيجاد، فيجوز أن يتعلق بالمعدوم ليوجده.
وهي من مسائل الكلام - والله أعلم.
مسألة:
المأمور به يجب أن يكون كل مقدور العبد حالة الفعل، لا حالة التكليف - عندنا.
وعند المعتزلة يجب أن يكون مقدورًا له حالة التكليف.
_________________
(١) في ب: "كان عندنا".
(٢) في ب: "والثاني".
(٣) في ب: "فلهذا".
(٤) في أكذا: "حالة".
(٥) "في" ليست في ب.
(٦) في ب: "والثاني".
(٧) في ب: "وأما".
[ ١٧٠ ]
ولقب المسألة أن الاستطاعة مع الفعل عندنا. وعندهم (١) سابقة على الفعل.
والصحيح قولنا، لأن القدرة شرط وجود (٢) الفعل المتصور من العبد وهو الكسب، ليتحقق وجوده (٣)، فيكون وجوده قبل الفعل فضلا، وليس بشرط لصحة التكليف، لأن ذلك صحيح باعتبار القدرة من حيث الأسباب - على ما يعرف في مسائل الكلام.
مسألة:
كون المأمور به معلومًا للمأمور، أو ممكن العام باعتبار قيام سبب العلم - شرط صحة التكليف (٤).
وفي الحاصل حقيقة العام ليس بشرط لصحة التكليف (٥) عندنا (٦)، لكن التمكن من العلم باعتبار سببه كاف.
وعلى قول بعض المعتزلة: حقيقة العلم شرط.
وعند بعضهم: العلم بالسبب كاف أيضًا - على ما نذكر (٧).
_________________
(١) في أ: "وعند المعتزلة". وراجع فيما تقدم ص ١٤١.
(٢) في أ: "شرط لوجود".
(٣) "وجوده" من ب.
(٤) في ب: "لا خلاف أن المأور به إذا كان معلومًا للمأمور أو أمكن العلم به باعتبار قيام سبب العلم به - فإنه يصح التكليف به".
(٥) "لصحة التكليف" من (أ) و(ب).
(٦) "عندنا" من ب. وراجع فيما تقدم ص ١٣٠ و١٣٤ - ١٣٥.
(٧) في أ: "على ما نذكره".
[ ١٧١ ]
مسألة:
الأمر يجب تقديمه على وقت وجوب (١) الفعل المأمور به (٢) عند عامة المتكلمين (٣).
وقال بعضهم: يجب أن (٤) يكون الأمر (٥) مقارنًا للفعل المأمور به. وإذا (٦) كان الأمر سابقًا في موضع يكون ذلك إعلامًا لا أمرًا، وإنما يصير أمرًا عند الفعل. وبه قال ابن الروندي (٧). وهو قول عباد الضمري (٨) من المعتزلة.
وقد أبطلنا ذلك لكون أمر الله تعالى أزليًا عندنا.
ولا خلاف أنه لا يجب الفعل إلا في الوقت الذي أمر بتحصيله فيه.
_________________
(١) في هامش أ: "وجود".
(٢) "المأمور به" من ب.
(٣) في ب: "عند عامة العلماء من المتكلمين".
(٤) "يجب أن" ليست في أ.
(٥) "الأمر" ليست في ب.
(٦) في أ: "وإن". وفي ب: "إذا"
(٧) أبو الحسين أحمد بن يحيى بن محمد بن إسحاق الراوندي. من أهل مرو الروذ. لم يكن في نظرائه في زمنه أحذق منه بالكلإم ولا أعرف بدقيقه وجليله. وكان في أول أمره حسن السيرة جميل المذهب كثير الحياء ثم انسلخ من ذلك كله بأسباب عرضت له ولأن علمه كان أكثر من عقله. وقد حكي عن جماعة أنه تاب عند موته مما كان منه وأظهر الندم. وأكثر كتبه الكفريات ألفها لأبي عيسى بن لاوي اليهودي الأهوازي وفي منزل هذا الرجل توفي. ومما ألف من الكتب الملعونة: كتاب يحتج فيه على الرسل ﵈ ويبطل الرسالة - كتاب يطعن فيه على نظم القرآن - كتاب القضيب الذهب - كتاب الفرند في الطعن على النبي ﷺ - كتاب المرجان في اختلاف أهل الإسلام. ومن كتب صلاحه: كتاب الأسماء والأحكام - كتاب الابتداء والإعادة- كتاب الإمامة فيه- كتاب خلق القرآن- كتاب البقاء والفناء - كتاب لا شيء إلا موجود (ابن النديم، الفهرست، الملحق، ص ٤).
(٨) في هامش الملل والنحل للشهرستاني (١: ٧٣) "عباد بن سليمان الضمري، من الطبقة السابعة من المعتزلة. يظن أنه توفي في حدود سنة ٢٥٠ هـ". وقد أورد ما ذكره الأشعري عنه (المرجع نفسه: الهامش ٢، ص ٧٣ - ٧٤) وفي الأصل كذا: "عباد الصميري".
[ ١٧٢ ]
ثم عندنا يصح أن يكون متقدمًا (١) عليه بوقت وبأوقات كثيرة (٢) إذا كان الآمر من العباد. وأمر الله تعالى أزلي سابرق على وقت (٣) وجوب المأمور به بلا نهاية، وإن كان المأمور في تلك الأوقات معدومًا أو عاجزًا عن الفعل وعن تفهم الخطاب بعد أن كان في علم الله تعالى أن المأمور من أهل وجوب الفعل في الوقت الذي تعين للوجوب.
وقال عامة المعتزلة: لا بد أن يكون الأمر متقدمًا (٤) على وقت وجوب الفعل. ولكن اختلفوا فيما بينهم في كيفية ذلك.
قال بعضهم: لا يجوز التقدم إلا بوقت واحد.
وقال بعضهم: يجوز التقدم (٥) بوقت وبأوقات كثيرة.
وقال بعضهم: إن كان المأمور قادرًا قبل وقت الفعل بأوقات كثيرة، يكون مأمورًا في جميع الأوقات التي هو قادر فيها. وإن كان قادرًا عليه، قبل وجود وقت الوجوب بوقت واحد، يكون مأمورًا في ذلك الوقت لا غير.
ثم اتفق قول (٦) عامة أهل الحق وقول عامة المعتزلة في وجوب تقديم (٧) الأمر على وقت وجوب الفعل، ولكن (٨) الطريق مختلف:
- فمن قال كل منهم (٩) بوجوب اللطف (١٠) فيَ حق المكلف من المعتزلة قالوا: سبب الوجوب في تقدم الأمر على وقت وجوب الفعل المأمور به
_________________
(١) في أ: "مقدمًا".
(٢) "كثيرة" ليست في أ.
(٣) "وقت" ليست في ب.
(٤) في أ: "مقدمًا".
(٥) "التقدم" ليست في ب.
(٦) "قول" ليست في ب.
(٧) في أ: "تقدم".
(٨) في ب: "لكن".
(٩) "منهم" ليست في ب.
(١٠) في هامش أ: "أي بوجوب الأصلح".
[ ١٧٣ ]
كونه لطفًا في إتيان المأمور به، واستصلاحًا للمكلف، لأن على أصل هؤلاء اللطف هو الداعي إلى الفعل، وهو الذي يكون المأمور عند وجوده أقرب إلى تحصيل الفعل (١) المأمور به، وذلك (٢) لا يصح إلا وأن يكون الأمر سابقًا حتى يكون داعيًا له إلى التحصيل. فأما المقارن [فـ] لا يتصور أن يكون داعيًا.
- ومن لم يقل منهم باللطف يقول: لا بد من وقت يعرف فيه الوجوب أو الندب، ليدعوه ذلك إلى التحصيل الذي هو سبب الثواب، فيكون الأمر مفيدًا (٣)، ولأن حالة الأمر ليست (٤) حالة الفعل، لأنه ما لم يسمع الأمر ولم يكن متمكنًا (٥) من معرفة المأمور به لا يقدر على الفعل، فلا بد من زمان، ليكون قادرًا فيه، حتى لا يكون تكليف ما لا يطاق. وهذه الضرورة ترتفع بزمان واحد، فلا يجب المتقدم (٦) بأكثر منه.
وأهل السنة قالوا: إنه (٧) لا بد من معرفة صفة المأمور به حتى يعتقد وجوبه أو ندبه ويعزم على أدائه. ومعرفة صفة المأمور به من كونه عبادة وطاعة، حتى يصح منه قصد التقرب إلى الله تعالى، وكلما كان الأمر أسبق، فالعزم على الأداء (٨) فيه أكثر، فيكون الثواب أكثر (٩)، ويكون التمكن من الفعل أقوى، بوجود سبب العلم والقدرة. فأما إذا قارن
_________________
(١) "الفعل" من (أ) و(ب).
(٢) في أ: "وذاك".
(٣) في (أ) و(ب): "مقيدًا". وفي هامش أ: "مفيدًا" كما في الأصل وهو ما في المتن.
(٤) في ب: "ليس".
(٥) في ب: "ولم يتمكن".
(٦) في أ: "التقديم".
(٧) "إنه" ليست في ب.
(٨) في ب: "أدائه".
(٩) في أ: "أكبر".
[ ١٧٤ ]
الوجوب، فلم يتحقق التمكن من العلم بإتيان (١) المأمور به، فلا يصح التكليف (٢). وما قالوا من اللطف في حق المكلفين (٣) فهو باطل عندنا، لأن الله تعالى لا يجب عليه إعطاء اللطف، والأصلح لعباده (٤)، بل هو متفضل في ذلك، على ما يعرف حقيقة ذلك (٥) في مسألة الأصلح إن شاء الله تعالى.
مسألة- في بيان صفة حسن المأمور به (٦):
يجب أن يعلم أن (٧) المأمور به لا بد من أن يكون موصوفًا بالحسن، لأن الحسن ما له عاقبة حميدة، وللمأمور به عاقبة حميدة، لأن المأمور به إما أن يكون واجبًا أو مندوبًا، والواجب ما (٨) يتعلق الثواب بفعله، والعقاب بتركه، والندوب ما يتعلق الثواب بفعله دون العقاب بتركه. وما له عاقبة الثواب والنجاة من العقاب فله عاقبة حميدة فيكون حسنًا. ولأن التعبد والتقرب من باب التعظيم للآمر والانقياد لأمره، وذلك من باب (٩) الشكر للمنعم، وإنه حسن في الشاهد والغائب: يعرف ببديهة العقل.
ثم صفة الحسن للمأمور به من قضية حكمة الآمر، لا من قضية نفس الأمر، إذ الأمر (١٠) قد يرد من السفيه على وجه السفه، وهو أمر حقيقة،
_________________
(١) في ب: "بإثبات".
(٢) "التكليف" ليس في ب.
(٣) "في حق المكلفين" من ب.
(٤) "لعباده" من ب.
(٥) في ب: "حقيقته".
(٦) في أ: "صفة الحسن للمأمور به"
(٧) "أن" ليست في ب.
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "مما".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "لأمره ومن باب". وفي أ: "لأمره من باب".
(١٠) في ب: "حكمة الآمر لأمر إذ الأمر".
[ ١٧٥ ]
كالسلطان الظالم يأمر (١) إنسانًا بالزنا والسرقة والقتل بغير حق، يكون أمرًا (٢)، حتى إذا خالف المأمور ولم يأت بما (٣) أمر به يقال: خالف أمر السلطان، وهو سفه حرام، ولكن الأمر من الحكيم لا يكون إلا بصفة الحسن، لأنه لا يتصور أمر الحكيم متعريًا عن صفة الوجوب أو الندب، وأنه لا ينفك عن العاقبة الحميدة، وهو تفسير الحسن. ولهذا قلنا: إن المباح ليس بحسن في ذاته، وإن جاز أن يوصف بالحسن لغيره خلافًا لبعض المعتزلة (٤)، لأنه ليس فيه معنى داع إلى ترجيح جانب الوجود (٥) على العدم.
مسألة:
ثم الحسن الثابت للمأمور به من مدلولات الأمر عندنا.
وعند أصحاب الحديث (٦) من موجباته.
وهو بناء على مسألة العقل: أنه هل يعرف الحسن والقبح بالعقل أم لا (٧)؟
فعندهم: لاحظ له في ذلك، وإنما يعوف بالأمر والنهي.
هذا هو (٨) مذهب عامتهم، وإن وافقنا في ذلك (٩) بعضهم، مثل أبي العباس
_________________
(١) في ب: "إذا أمر".
(٢) "يكون أمرًا" من (أ) و(ب).
(٣) في ب كذا: "بمال".
(٤) في ب: "خلافًا للمعتزلة".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الوجوب".
(٦) في أكذا: "أصحابنا الحديث".
(٧) في ب: " هل يعرف به الحسن والقبح أم لا؟ ".
(٨) "هو" ليست في ب.
(٩) "في ذلك" من أ.
[ ١٧٦ ]
القلانسي (١) وأبيا إسحاق الاسفرايني (٢) والقفال الشاشي (٣) والحليمي (٤) وغيرهم.
وإذا كان هكذا فيكون الحسن ثابتًا برنفس الأمر، لا أن الأمر دليل ومعرف على حسن (٥) سبق ثبوته بالعقل.
وعندنا لما كان للعقل حظ في معرفة حسن الإيمان وقبح الكفر وحسن العدل والإحسان ومعرفة حسن أصل العبادات دون هيئاتها وشروطها
_________________
(١) أبو العباس أحمد بن عبد الرَّحْمَن خالد القلانسي. من متكلمي أهل السنة والجماعة في القرن الثالث (وأوائل القرن الرابع). وهو -ومن معه- أتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله. وله في الرد على النظام كتب ورسائل. (انظر: البغدادي، الفرق بين الفرق، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح، البند ٤٧ ص ٢٦ وص ٣٢٣ وما بعدها. وص ٣٦٢ وما بعدها حيث تكلم على أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث، وبيان أصولهم، وأسماء بعض متكلميهم من الصحابة والتابعين والفقهاء وأرباب المذاهب ومن بعدهم. وذكر القلانسي في ص ١٣٣ و٣٦٤. وانظر أَيضًا: علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإِسلام، دار المعارف، الطبعة السابعة، ١: ٢٧٨ - ٢٨٤).
(٢) تقدمت ترجمته في الهامش ٧ ص ٥٢.
(٣) لعل المقصود هو أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي الفقيه الشافعي. منسوب إلى"الشاش" مدينة وراء نهر سيحون خرج منها جماعة من العلماء. كان فقيهًا محدثًا أصوليًا لغويًا شاعرًا وكان إمام عصره بلا مدافع إذ لم يكن فيما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته. رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام والثغور وسار ذكره في البلاد. وأخذ الفقه عن ابن سريج. وروى عن محمد بن جرير الطبري وأقرانه. وروى عنه الحاكم أبو عبد الله وجماعة كثيرة. له مصنفات كثيرة. وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء. وله كتاب في أصول الفقه وشرح الرسالة للشافعي. وقد ولد سنة ٢٩٠ هـ وتوفي بالشاش سنة ٣٣٦ هـ وقيل سنة ٣٣٥ هـ. (ابن خلكان، ١: ٥٨٠). وهو غير: القفال المروزي الشافعي المتوفى سنة ٤١٧ هـ بسجستان (ابن خلكان، ١: ٣١٦). وغير أبي بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي الفقيه الشافعي المتوفى سنة ٥٠٧ هـ ببغداد (ابن خلكان، ١: ٥٨٨). ويلاحظ أن من الحنفية: محمد بن الحسن القفال الخوارزمي الحنفي وأحمد بن محمد بن إسحاق أبو علي الشاشي المتوفى ببغداد سنة ٣٤٤ هـ. (الجواهر).
(٤) هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الفقيه الشافعي المعروف بالحليمي نسبة إلى جده حليم. ولد ببخارى وقيل بجرجان سنة ٣٣٨ هـ. أخذ عن القفال الشاشي وغيره. من تصانيفه "شعب الإيمان". مات سنة ٤٠٣ هـ (ابن العماد، شذرات الذهب، ٣: ١٦٧. وابن السبكي، طبقات الشافعية، ٤: ٣٣٣. وحاجي خليفة، كشف الظنون، ٢: ١٠٤٧. وابن خلكان، ٢: ١٨٣).
(٥) في ب: "ثابتًا بنفس الأمر معرف ودليل على حسن".
[ ١٧٧ ]
وأوقاتها ومقاديرها (١)، فيكون الأمر دليلا ومعرفًا لما ثبت حسنه بالعقل وموجبًا لما لم يعرف به (٢) على ما يعرف على الاستقصاء في مسألة العقل من (٣) مسائل الكلام - والله الموفق.
مسألة - في تقسيم حسن المأمور به.
الحسن نوعان في الأصل: نوع حسن لعينه، ونوع حسن لغيره.
فالنوع الذي هو حسن لعينه: يتنوع نوعين أيضًا (٤):
- نوع يعرف حسنه بالعقل وحده، دون قرينة الشرع (٥)، نحو الإيمان بالله تعالى وأصل العبادات، وكذا العدل والإحسان وشكر المنعم ونحو ذلك. وهذا النوع مع كونه حسنًا لعينه، هو (٦) حسن لغيره أيضًا، وهو ترك ضده القبيح: من الكفر والظلم والكفران - فيكون حسنًا من وجهين.
- ونوع آخر يعرف حسنه بالشرع، لا بالعقل وحده بل هو (٧) من ممكنات العقل وجائزاته: يجوز العقل أن (٨) يكون على ذلك الوجه، ويجوز أن يكون (٩) على غير ذلك الوجه. وذلك نحو مقادير العبادات وهيئاتها وشروطها وأوقاتها: فإنه لو كانت الصلاة على غير هذه الهيئة
_________________
(١) في ب: "ومقاديرها وأوقاتها".
(٢) قال صاحب كشف الأسرار (١: ١٨٣): "وعندنا لما كان للعقل حظ في معرفة حسن بعض المشروعات كالإيمان وأصل العبادات والعدل والإحسان كان الأمر دليلًا ومعرفًا لما ثبت حسنه في العقل وموجبًا لما لم يعرف به - كذا في الميزان".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "في".
(٤) "أيضًا" من ب.
(٥) في ب: "السمع".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فهو".
(٧) "هو" من (أ) و(ب).
(٨) في ب كذا: "ممكنات العقل وجار أن العقل جايز أن".
(٩) "أن يكون" من ب.
[ ١٧٨ ]
المشروعة فالعقل لا يحيله بل يجوزه. ولو شرعت بدون الوضوء، فممكن في العقل أيضًا، فإن أصل العبادات، وهو الإيمان، يحسن بدون الطهارة، فالصلاة أولى (١). ولكن متى ورد الشرع على وجه قبله العقل، عرف (٢) أنه هو الحكمة، وإن لم يقف على وجه الحسن والحكمة.
وأما الذي هو حسن (٣) لغيره [فنوعان أيضًا]:
أن يكون ذلك الغير هو المقصود، لا نفس المأمور به، و(٤) هو الموصوف بالحسن حقيقة، لكن الفعل المأمور به وسيلة إليه: إما من حيث التسبيب (٥)، أو كونه شرطًا لصحته شرعًا، وإما وسيلة إليه حقيقة - فيصير حسنًا لحسنه بطريق السببية والتوسل والشرطية.
وقد يكون ذلك الغير غير كل مقصود بنفسه لكنه وسيلة إلى غير آخر مقصود في نفسه (٦) موصوف بالحسن.
وهما سواء في المعنى. وإنه أنواع:
نوع منها: ما يكون حسنًا في نفسه لا حسن العبادة والقربة، ولكن من حيث إنه خير محض وإيصال النفع إلى من هو من أهل الانتفاع، وهو نحو أداء (٧) الزكاة وأنواع الصدقات، لكن لا يكون حسنه كحسن (٨) العبادة، لأنه، رون حيث هو إنفاع (٩)، يستوي فيه التمليك (١٠) بطريق
_________________
(١) "فالصلاة أولى" ليست في أ.
(٢) في أ: "وعرف".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الذي حسن".
(٤) "و" ليست في أففيها: "هو".
(٥) في أ: "السبب".
(٦) في أ: "بنفسه".
(٧) "أداء" من ب.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "حسنه حسن".
(٩) أنفع اتجر في النفعات (المعجم الوسيط).
(١٠) في ب: "يستوي التماثل".
[ ١٧٩ ]
الهبة وبطريق الصدقة والتمليك من الغني والفقير. وإنما ثبت حسنه لكونه مواساة للفقير (١) المحتاج إلى القوت ليعبد الله تعالى (٢). ثم مواساة الفقير ليس بمقصود بنفسه أيضًا، بل المقصود هو التقرب إلى الله تعالى وطلب مرضاته بإيصال النفع إلى من يقوم بعبادة الله تعالى وخدمته (٣)، فإن الإسداء (٤) إلى عبد الغير يراد به رضا مولاه، لا رضا العبد في الشاهد، وإليه أشار الله تعالى (٥) بقوله تعالى: "وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون" (٦).
ونوع آخر (٧) منها: الصوم، و(٨) هو في نفسه تجويع النفس وتعطيشها، وهو منع نعم الله تعالى عن (٩) مملوكه وإلحاق الضرر بمن لا حق له فيه. وهو (١٠) حرام شرعًا، ولهذا حرم على المرء أن يجرح نفسه أو يقطع (١١) يده، وإن قصد به وجه الله تعالى. ولكن إنما حسن لما يتضمن من المعاني المستحسنة، من كونه سببًا للتقوى عن (١٢) محارم الله تعالى، وكونه سببًا للشكر، وكونه (١٣) سببًا داعيًا إلى الإحسان في حق الفقراء (١٤)
_________________
(١) في ب: "الفقير".
(٢) زاد هنا في ب: "ويوحده".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "من يقوم بخدمته".
(٤) كانت في أ: "المواساة" ثم صححت في الهامش: "الإسداء" وقيل في الهامش: "وهو الإحسان". وفي المعجم الوسيط: أسدي إليه معروفًا: أعطي وأولى.
(٥) في ب: "في الشاهد والله تعالى أشار إلى ذلك".
(٦) سورة الروم: ٣٩.
(٧) "آخر" من ب.
(٨) كذا في (أ) و(ب). والواو غير ظاهرة في الأصل.
(٩) في ب كذا: "غير".
(١٠) في ب: "فهو".
(١١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ويقطع".
(١٢) في أ: "من". وفي ب: "غير".
(١٣) في أ: "ولكونه".
(١٤) في ب: "الفقير".
[ ١٨٠ ]
لما ذاق من ألم الجوع والعطش (١) على ما أشار الله تعالى إليه في آية الصيام بقوله تعالى (٢): "لعلكم تتقون" (٣) وبقوله ": ولعلكم تشكرون" (٤) وقد استقصينا (٥) بيان ذلك في الشرح.
ومنها: الحج، فإنه (٦) ما حسن لعينه، لأنه من حيث إنه سفر وقطع المسافة وزيارة أماكن معلومة يساوي سفر التجارة، لكن حسن لكونه قطع مسافة لزيارة بيت منسوب إلى الله تعالى، وزيارة أمكنة معظمة محترمة بوضع الله تعالى إياها للشرف (٧) والحرمة. ثم ليس حسن زيارة هذه الأمكنة لعينها (٨)، ولكن لتعظيم صاحب البيت وواضع الحرمة. وزيارة المكان وتعظيمه لتعظيم صاحبه (٩) أمر عرف حسنه في الشاهد عقلا - قال قائلهم (١٠):
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا (١١)
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا (١٢)
_________________
(١) "والعطش" من ب.
(٢) "تعالى" من ب.
(٣) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣).
(٤) ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ و"بقوله" من ب.
(٥) كذا في أوفي الأصل: "أشبعنا". وفي ب: "ذكرنا".
(٦) "فإنه" ليست في ب.
(٧) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "الشرف".
(٨) في أ: "لنفسها".
(٩) في ب: "لكن لتعظيم الله تعالى الذي هو صاحب الكان" بدلا من: "ولكن لتعظيم صاحب البيت لتعظيم صاحبه".
(١٠) زاد هنا في الأصل كلمة: "شعر". وليست في (أ) و(ب).
(١١) و(١٢) في ب: "الجدار" و"الديار".
[ ١٨١ ]
ومنها: الجهاد، فإنه سبب إفساد الآدمي المعد لمعرفة الله تعالى والتعبد له في الجملة، وإنما صار حسنًا لكونه سببًا لإعزاز الدين (١) وقهر الكفرة ورفع قبح الكفر عن وجه الأرض ودفع شرهم عن أهل الإسلام ونحو ذلك (٢) - قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٣).
ومنها: الحدود، فإنها ما حسنت لأعيانها، لكونها إضرارًا بالآدمي، وإنما حسنت لا فيها من الانزجار عن الفواحش المفضية إلى فساد العالم وتحقيق صيانة النفس والعرض والمال والنسب، حتى إن كل محظور لم يتضمن فسادًا (٤) لم يشرع فيه الحد، مثل: شرب البول والدم وأكل الجيف والخبائث.
وعلى هذا نظائره. وشرح هذه الجملة على الاستقصاء مذكور في شرح هذا المختصر. والله أعلم.
مسألة - الأمر المطلق في العبادات هل (٥) يقتضي كون المأمور به حسنًا لعينه أو لغيره؟.
قال بعضهم: يحمل على الحسن لغيره، لأنه هو المتيقن لكونه أدنى.
وقال بعضهم: إنه يحمل على الحسن لعينه، لأنه هو الكامل، والأصل هو الكمال.
_________________
(١) في ب: "وإنما صار حسنًا من حيث كونه سببًا لإعزاز دين الله تعالى".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ونحوها".
(٣) سورة الأنفال: ٣٩.
(٤) في ب كذا: "دفع فساد".
(٥) "هل" ليست في ب.
[ ١٨٢ ]
وذكر القاضي الإمام (١) أبو زيد ﵀ (٢): إني لم أقف فيه على أقوال الناس، ولكن المختار عندي أن لا يصرف (٣) الحسن إلى الغير إلا بدليل (٤).
ولكن مشايخنا قالوا: هذا فرع اختلاف أهل الأصول (٥) في أن (٦) الحسن والقبح: هل يعرفان بالعقل أم (٧) بالشرع؟
- فمن قال: بالعقل يعرف، قال (٨): إن الحسن راجع إلى ذاته أو إلى غير متصل به (٩).
- ومن قال: بالشرع، فالحسن عندهم ما أمر به، فيجب أن يكون كل مأمور به حسنًا، إلا إذا ثبت بالدليل أنه حسن لغيره، وهذا هو الأصح. والله أعلم.
_________________
(١) "الإمام" من أ.
(٢) راجع ترجمته في الهامش ٧، ص ٧٥.
(٣) في ب: "أنه يصرف".
(٤) كذا في (أ) و(ب) مع ملاحظة ما ورد في الهامش السابق. وفي الأصل: "عندي أن يصرف الحسن إلى العين إلا بدليل".
(٥) في أ: "العقلاء".
(٦) "أن" ليست في ب.
(٧) في ب: "أو".
(٨) "قال" من أ.
(٩) "به" ليست في ب.
[ ١٨٣ ]
[٤]