فإنه يتضمن فصولا:
منها - أن المعدوم هل يصح مأمورًا ومخاطبًا (٢)، وأن الأمر للمعدوم هل يصح؟
اختلف (٣) فيه:
قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: إن الأمر من الله تعالى يصح للمعدوم على تقدير الوجود (٤)، فيكون الإيجاب أو الندب أزليًا. والوجوب والانتداب يتوجهان (٥) على العاقل البالغ الذي استجمع شرائط الوجوب أو الندب فيه (٦)، فيكون مأمورًا مخاطبًا بعد الوجود والقدرة، لا أن يكون مأمورًا و(٧) مخاطبًا وهو معدوم.
وهو (٨) كما قال أصحابنا في التكوين المكون: فالتكوين أزلي، والمكون حادث، وقد كون الله تعالى العالم (٩) بالتكوين الأزلي، ليتكون لوقت وجوده، لا ليتكون في الأزل، فكذا الإيجاب أزلي، والله أوجب
_________________
(١) انظر تقسيم البحث فيما تقدم ص ٨٠. والقسم الأول ص ٨١. والثاني ص ١٦٢. والثالث ص ١٦٧. والرابع هذا. والخامس فيما يأتي ص ٢١٠.
(٢) في ب: " هل يصلح أن يكون مأمورًا أو مخاطبًا".
(٣) في ب: "اختلفوا".
(٤) في ب: "قال أصحابنا: إن الأمر للمعدوم من الله تعالى على تقدير الوجود ".
(٥) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "يتوجه".
(٦) "فيه" من ب.
(٧) "و" من ب. وكان في الأصل: "مأمورا مخاطبًا بعد الوجود وهو معدوم"، ثم شطبت فيه عبارة "بعد الوجود".
(٨) "وهو" ليست في أ.
(٩) في ب: "والله تعالى كون العالم".
[ ١٨٤ ]
في الأزل، ليجب في الوقت (١) الذي أراد الوجوب فيه لا في الأزل.
وهو (٢) قول عامة أصحاب الحديث: فإن الأمر عندهم أزلي، لأنه كلام الله تعالى، فيكون من صفات الذات، لا من صفات الفعل، بخلاف التكوين مع الكون عندهم، فإن التكوين من صفات الفعل عندهم (٣)، وهي حادثة (٤) - على ما عرف في مسائل الكلام.
وقال بعض أصحاب الحديث، وهو أبو العباس القلانسي (٥)، بأن الأمر للمعدوم لا يصح، وإنما يصح الأمر بعد الوجود وصيرورته أهلا للخطاب، فيكون الأمر عنده حادثًا (٦).
وهو قول عامة المعتزلة. إلا أن عنده كلام الله تعالى أزلي، وعندهم كلام الله تعالى حادث (٧).
وقال بعض المعتزلة: إن الأمر للمعدوم صحيح، إذا كان وقت الأمر: مبلغ، موجود، أهل للتبليغ (٨) إلى المعدوم بعد: الوجود والأهلية، وأمر (٩) بالتبليغ إليه. فأما (١٠) إذا لم يكن: لا يصح.
_________________
(١) في ب: "فكذا الإيجاب من الله تعالى أزلي، والله تعالى أوجب ليجب في الوقت .. ". وعبارة "والله أوجب في الأزل" ليست في أ.
(٢) في أ. "وهذا".
(٣) "عندهم" ليست في ب.
(٤) في ب: "وهي جارية".
(٥) راجع ترجمته في الهامش ١ ص ١٧٧.
(٦) في ب: "لكون الأمر عندهم حادثًا".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وعندهم الكلام حادث أيضًا".
(٨) في ب: "التبليغ".
(٩) في أكذا: "وأمرنا".
(١٠) في ب: "وأما".
[ ١٨٥ ]
وأجمعوا أن الأمر يصح في حق الموجود الأهل، وإن كان الوجوب متراخيًا عن وقت (١) الأمر، بأن كان مضافًا إلى زمان (٢) في المستقبل، ويكون (٣) أمرًا على طريق الحكمة.
ولنا في المسألة وجهان:
أحدهما - من حيث البناء.
والثاني - من حيث الابتداء.
أما الأول: فلأن (٤) هذه المسألة فرع لمسألة (٥) كلام الله تعالى، لما قلنا إن الأمر من الله (٦) تعالى أزلي؛ لأنه كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى أزلي هو صفته، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار.
وإذا كان (٧) الأمر أزليًا، فلا يكون وجود المأمور شرطًا لصحة الأمر، وإنما هو شرط لتوجه الأمر وثبوت حكمه، وهو الوجوب أو (٨) الانتداب.
وإذا ثبت أن الأمر أزلي بمنزله العلم والقدرة (٩)، فلا يطلب لصحته ثبوت الحكمة والفائدة في حق العباد، إنما تطلب الحكمة في المحدثات، فلا يصح قولهم أن لا فائدة (١٠) في الأمر للمعدوم.
_________________
(١) "وقت" ليست في أ.
(٢) في ب: "الزمان".
(٣) في ب: "فيكون".
(٤) في ب: "فإن".
(٥) في ب: "كمسألة".
(٦) في ب: "إن كلام الله".
(٧) في ب: "وإن".
(٨) في أ: "و".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "العلم والخبر".
(١٠) في ب كذا: "قولهم إن الفائدة".
[ ١٨٦ ]
والثاني (١): أن (٢) الأمر للمعدوم ليجب عليه الفعل حال وجوده وصيرورته أهلا لأداء المأمور به صحيح على طريق الحكمة، لأنه يحصل العلم للمأمور بالأمر الأزلي عند وجوده وصيرورته أهلا، وأنه سابق على وقت الوجوب بقدر ما يتمكن من الأداء فيحصل (٣) الفوائد - ألا ترى أن الأمر للموجود (٤) الأهل صحيح. وإن كان حكم الخطاب متأخرًا، لأنه إذا علم أن حكم الأمر يتوجه عليه في زمان مقدم؛ لأنه يستعد لذلك (٥) ويعتقد وجوبه (٦)، ويعزم على الآداء حين توجه الوجوب. وكل ذلك سبب الثواب (٧) في كون (٨) حكمة - فكذلك ههنا.
وهذه من مسائل الكلام تذكر ثمة (٩) إن شاء الله تعالى، وما زاد على هذا فهو (١٠) مذكور في الشرح - والله الموفق.
مسألة:
لا خلاف أن المأمور لا بد أن يكون متمكنًا من إتيان (١١) الفعل المأمور به، في وقت توجه الوجوب، بأن كان قادرًا عليه من حيث الأسباب وعالمًا به أو (١٢) كان سبب العلم قائمًا. فأما إذا كان ممنوعًا، فإنه لا يتوجه عليه الوجوب - وهذا عندنا.
_________________
(١) و(٢) في ب: "الثاني وأن".
(٢) في ب: "ويحصل". وفي أ: "فحصل".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "للمديون".
(٤) في ب كذا: "في زمان معلوم ستعد لذلك". وفي أ: "في زمان معلوم فإنه يستعد بذلك".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ويعتقد وجود وجوبه".
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وكل ذك معلوم سبب الثواب".
(٧) في أ: "ويكون".
(٨) "ثمة" ليست في أ.
(٩) "فهو" ليست في أ.
(١٠) في ب: "إثبات".
(١١) في ب: "لو".
[ ١٨٧ ]
وعند المعتزلة: لا بد أن يكون قادرًا عليه حقيقة مع وجود القدرة من حيث الأسباب. ولهذا قالوا إن الاستطاعة قبل الفعل، حتى لا يكون تكليف العاجز. فأما حقيقة العلم فهو شرط عند بعض المعتزلة، وهم الذين قالوا بأن المعارف ضرورية.
وعند من قال إن المعارف استدلالية، فوجود سبب العلم كاف عنده (١) لتوجه الخطاب. فعلى (٢) هذا: الصبي (٣) الطفل والمجنون والنائم والمغمى عليه لا وجوب عليهم؛ لأن تفسير الوجوب المعقول هو وجوب الفعل، ولا يتصور منهم وجود الفعل مع قيام المانع، فيكون بمنزلة تكليف الأعمى الإبصار (٤) وتكليف الزمن العدو (٥) - وهو محال، فكذا هذا. إلا أنه يجب القضاء في حق البعض. ولا يجب في حق البعض (٦) - على ما عرف في مسألة المجنون على الاستقصاء.
مسألة:
الناسي والخاطئ:
لا خطاب عليهما عند بعض أصحاب الحديث - وهو قول المعتزلة.
وعندنا: هما مخاطبان.
وهو مبني على أن حقيقة العلم ليست (٧) بشرط، لتوجه الخطاب، وسبب العلم كاف، عندنا، وهو موجود (٨) في حقهما، لأن لهما قدرة
_________________
(١) "عنده" ليست في ب.
(٢) في (أ) و(ب): "وعلى".
(٣) "الصبي" ليست في أ.
(٤) في أ: "بالإبصار".
(٥) في أ: "بالعدو".
(٦) في أ: "ولا يجب القضاء في حق البعض عنده".
(٧) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "ليس".
(٨) في ب: "وسبب العلم كاف وعندنا هو موجود".
[ ١٨٨ ]
على (١) حفظ النفس، عن الوقوع في الفعل ناسيًا وخاطئًا في الجملة، لكن فيه نوع حرج، فيكون فعل الناسي والخاطئ (٢) جائز المؤاخذة، لنوع تقصير كل منهما، إلا أن الله تعالى رفع المؤاخذة عنهما ببركة دعاء النبي - ﷺ - دفعًا للحرج عنهما مع جواز المؤاخذة عقلًا. الدليل عليه قوله تعالى: "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" (٣) - لو لم يكن جائز المؤاخذة يكون معنى الدعاء "اللهم لا تجر علينا" ويستحيل من النبي - ﷺ - الدعاء من الله تعالى (٤) بما هو محال.
وأما السكران:
فعلى أصل (٥) أبي يوسف ومحمد رحمهما الله مخاطب؛ لأن ما هو حد السكر عندهما ليس بمعجز، فوجدت (٦) القدرة والعلم من حيث الأسباب.
وأما على أصل أبي حنيفة رحمة الله عليه: يجب أن لا يكون مخاطبًا في حال السكر، لأن حد السكر عنده أن لا يعرف الأرض من السماء، فيكون بمنزلة النوم والإغماء. ولكن يجب عليه (٧) القضاء لما ذكرنا، لكن تصرفاته صحيحة، لأنه لا يصدق في حق الغير أنه لا يعرف، أو لأنه ألحق السكر بالعدم وجعل صاحيًا (٨) عقوبة له (٩) وزجرًا له عن (١٠) ارتكاب
_________________
(١) "على" ليست في (أ) و(ب).
(٢) في ب: "الخاطئ والناسي".
(٣) البقرة: ٢٨٦ والآية: "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين".
(٤) "من الله تعالى" ليست في ب.
(٥) في ب: "قول".
(٦) في أ: "فوجد".
(٧) "عليه" من (أ) و(ب).
(٨) صحا السكر أن أفاق (المعجم الوسيط).
(٩) في (أ) و(ب): "عليه".
(١٠) في أ: "من".
[ ١٨٩ ]
المحظور الذي يتضمن الفساد حتى قالوا: إن السكر متى كان بسبب مباح يكون بمنزلة الإغماء في حق التصرفات.
وعلى هذا قلنا: إن المكره مخاطب في (١) عين ما أكره عليه.
وعند المعتزلة: غير مخاطب؛ لأنه ملجأ مضطر في إيقاع الفعل طبعًا، والإلجاء ينافي الاختيار.
وقلنا نحن: إن الخطاب مبني على القدرة من حيث الأسباب، والمختار من يكون قادرًا على التحصيل والترك أو على أحدهما على حسب الاختلاف فيه، فكان الابتلاء (٢) قائمًا، لقيام التردد في الجملة، إلا أن الامتناع عما أكره عليه إذا كان (٣) على خلاف الطبع يكون أشق (٤)، فيكون الثواب أكثر. وإذا كان الإقدام على ما أكره عليه على موافقة الطبع، بأن أكره على قتل حربي، فالثواب أقل. فأما أن يخرج الفعل عن حد (٥) الاختيار إلى حد الاضطرار فلا (٦) - والله الموفق.
مسألة - الكفار هل يخاطبون بأوامر الله تعالى، ونواهيه - أم لا (٧)؟
ههنا (٨) ثلاث مسائل:
إحداها (٩):
إن الكفار مخاطبون بالإيمان، منهيون عن الكفر بعد بلوغ الدعوة وورود الشرع (١٠) - بلا خلاف بين العلماء.
_________________
(١) في ب: "وفي".
(٢) في أكذا: "الابتداء".
(٣) "إذا كان" ليست في ب.
(٤) في ب كذا: "اسر".
(٥) في ب كذا: "الفعل عرض الاختيار".
(٦) في أ: "الاضطرار بالإكراه فلا".
(٧) "أم لا" من ب.
(٨) في ب: "فهنا".
(٩) في ب: "أحدها".
(١٠) في ب: "الشريعة".
[ ١٩٠ ]
واختلفوا قبل بلوغ الدعوة، بأن كان على شاهق الجبل (١) أو في زمان الفترة:
قال عامة مشايخنا من أهل العراق وما وراء النهر (٢) [و] رئيسهم (٣) الشيخ الإمام الأجل (٤) أبو منصور الماتريدي رحمة الله عليهم: إنهم (٥) مخاطبون بالإيمان حتى لو امتنعوا عن ذلك وماتوا عليه فهم من أهل النار، وإذا أقدموا عليه وماتوا (٦) عليه (٧) فهم من أهل الجنة.
وهو اختيار بعض أهل (٨) الحديث كأبي العباس القلانسي والقفال الشاشي (٩) والحليمي (١٠) وغيرهم.
وهذا المذهب مروي عن أبي حنيفة رحمة الله عليه: فإنه ذكر الحاكم الشهيد ﵀ في كتاب "المنتقى" (١١) عن محمد بن سماعة (١٢) عن محمد
_________________
(١) في ب: "جبل".
(٢) "وما وراء النهر" غير واضحة في ب.
(٣) كذا في أ. وفي ب والأصل: "رأسهم".
(٤) "الأجل" ليست في (أ) و(ب).
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأنهم".
(٦) في أ: "فماتوا".
(٧) "عليه" ليست في ب.
(٨) في (أ) و(ب): "أصحاب".
(٩) في ب: "والقفال والشاشي".
(١٠) تقدمت ترجمتهم في الهوامش ١ و٣ و٤ ص ١٧٧.
(١١) في ب: "فإنه ذكر الحاكم الجليل في المنتقى". وهو محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المجيد بن إسماعيل بن الحاكم الشهير بالحاكم المروزي السلمي الوزير الشهيد أبو الفضل البلخي العالم الكبير. ولي قضاء بخارى ثم ولاه الأمير الحميد صاحب خراسان من الساسانية وزارته. قتل شهيدًا ٣٣٤ هـ ودفن بمرو. وله الكافي والمنتقى (القرشي، الجواهر، ٢: ١١٢ - ١١٣ و٣٧٥).
(١٢) محمد بن سماعة بن عبد الله بن هلال بن وكيع أبو عبد الله التميمي - حدث عن الليث بن سعد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأخذ الفقه عنهما وعن الحسن بن زياد. وكتب النوادر عن أبي يوسف ومحمد. وروى الكتب والأمالي. وولي القضاء المأمون ببغداد سنة ١٩٢ هـ بعد موت يوسف بن أبي يوسف. له كتاب أدب القاضي وكتاب المحاضر والسجلات والنوادر وغيرها وتفقه عليه أبو جعفر أحمد بن أبي عمران البغدادي شيخ الطحاوي وغيره. ولد سنة ١٣٠ هـ ومات سنة ٢٣٣ (الفوائد، ١٧٠).
[ ١٩١ ]
ابن الحسن عن أبي حنيفة ﵏ أنه قال: لا عذر لأحد بالجهل بالله تعالى بما (١) يرى من خلق السماوات والأرض وما يرى من خلق نفسه.
وهو قول المعتزلة الذين قالوا إن (٢) المعارف استدلالية، وهم (٣) معتزلة البصرة ومن تابعهم.
وقال عامة أصحاب الحديث من الأشعرية وغيرهم (٤) ومن تابعهم بأنه لا يجب عايهم الإيمان ولايحرم عليهم الكفر، حتى لو ماتوا على الكفر أو على (٥) الإيمان قبل بلوغ الدعوة، فهم في مشيئة الله تعالى: إن شاء عذبهم وإن شاء أدخلهم الجنة.
وهو قول بعض معتزلة بغداد (٦) الذين قالوا: إن (٧) المعارف ضرورية.
وهو اختيار بعض مشايخ بخارى وغيرهم. غير أنهم قالوا إنهم من أهل الجنة في الأحوال كلها بمنزلة الصبيان والمجانين (٨).
وحاصل الخلاف أن العقل وحده قبل قرينة (٩) الشرع - هل يعرف به وجوب الإيمان وحرمة الكفر، وهل يعرف به الحسن والقبح (١٠)؟
فعند الفريق الأول يعرف به (١١) أصله، وإن كان لا يعرف المقادير والأوقات والهيئات.
_________________
(١) في أ: "لما".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأن".
(٣) في ب: "وهي".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الأشعري وغيره".
(٥) "على" من (أ) و(ب).
(٦) في ب: "بعض المعتزلة وهم الذين ببغداد".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأن".
(٨) "غير أنهم قالوا والمجانين" ليست في ب.
(٩) في أ: "وحده من غير قرينة".
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "القبيح".
(١١) "به" من (أ) و(ب).
[ ١٩٢ ]
وعند الفريق الثاني لا يعرف شيء من هذا بالعقل، وإنما يعرف به (١) صحة وجود الأشياء وكونها وإحالة المحالات وجواز الجائزات والممكنات (٢).
ولقب المسألة - أن العقل هل هو موجب أم لا؟
وهذا اللقب (٣) خطأ من حيث الحقيقة، فإن الموجب للأحكام (٤) هو الله تعالى، لكن سمي العقل موجبًا لكونه علمًا ودليلا على ذلك، وهذا كما يقوله (٥) الفقهاء: إن العلة موجبة، وهو (٦) إطلاق وطريق المجاز - فكذا (٧) هذا.
وهذه مسألة عظيمة لها شعب كثيرة، وطريقنا فيها خلاف طريق المعتزلة، وإن كان في الجواب موافقة - وهي من مسائل الكلام.
مسألة ثانية:
وهي أن الكفار هل يخاطبون بالشرائع قبل ورود الشرع وبلوغ الدعوة من نحو وجوب الصلاة والصوم والحج وغيرها، وكذا المحرمات من الزنا والسرقة وشرب الخمر وغيرها، ووجوب الحدود والقصاص والدية وغيرها؟
لا خلاف بيننا وبين أهل الحديث أنه لا خطاب عليهم، لأنه لا طريق لمعرفتها (٨) إلا الشرع.
فقبل وروده - يكون تكليف ما ليس في الوسع، وهو موضوع شرعًا.
_________________
(١) في ب: "بالعقل".
(٢) في ب كذا: "والمحكيات".
(٣) في ب: "الكون".
(٤) "للأحكام" ليست في ب.
(٥) في ب: "يقول".
(٦) "وهو" ليست في ب.
(٧) في ب: "وكذا".
(٨) في ب: "إلى معرفتها".
[ ١٩٣ ]
وعند المعتزلة: هم مخاطبون ببعض الشرائع، فإن عندهم بعض الشرائع (١) من الواجبات والمحظورات يعرف بمجرد (٢) العقل وورود الشرع بعد ذلك قد يكون تقريرًا لما في العقل، وقد يكون نقلا من حكم العقل إلى حكم الشرع، فيكون تغييرًا له. ولم يسموا ذلك نسخًا (٣).
فأما بعد ورود الشرع -[فقد] اختلفوا فيه (٤).
قال عامة أهل الحديث والمعتزلة: إنهم يخاطبون بذلك كله.
وهو قول مشايخ العراق من أصحابنا.
وقال بعض مشايخ ديارنا: إنهم (٥) غير مخاطبين أصلا، لا بالعبادات ولا بالمحرمات (٦) إلا ما قام دليل شرعي (٧) عليه تنصيصًا، أو استثني في (٨) عهود أهل الذمة كا في حرمة الربا (٩) ووجوب الحدود والقصاص وغيرها.
وقال بعض أهل التحقيق منهم: إنهم مخاطبون (١٠) بالمحرمات والمعاملات دون العبادات.
وفائدة الخلاف لا تظهر في أحكام الدنيا (١١): فإنهم لو أسلموا
_________________
(١) "فإن عندهم بعض الشرائع" ليست في ب.
(٢) في ب كذا: "يعرف المجرد العقل".
(٣) في أ: "ولم يسموها نسخًا". وفي ب كذا: ""فسخا".
(٤) "فيه" من (أ) و(ب).
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بأنهم".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بالحرمات".
(٧) في ب: "الدليل الشرعي".
(٨) كذا في (أ) و(ب) وفي الأصل: "من".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "أهل الذمة من حرمة الزنا". وفي أ: "من حرمة الربا".
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "يخاطبون".
(١١) في ب: "وفائدة الخلاف تظهر أحكام الدنيا".
[ ١٩٤ ]
لا يجب عليهم قضاء العبادات الفائتة ولا يجب عليهم الحدود. وإنما تظهر في حق أحكام الآخرة: فإن عندهم يعاقبون بترك العبادات ومباشرة المحرمات (١)، زيادة على عقوبة الكفر. وعندنا لا يعاقبون بترك العبادات ولا يعاقبون بمباشرة (٢) المحظورات عند بعض مشايخنا، وعند بعضهم يعاقبون.
وجه قول من قال بالخطاب - النصوص، والمعقول:
أما النصوص - فقوله (٣) تعالى، خبرًا عن خزنة جهنم: إنهم يقولون للكفرة (٤): "ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين" (٥) - الله تعالى أخبر عن (٦) اعتقادهم استحقاق العذاب بترك العبادات، ولم يرد عليهم اعتقادهم فدل أن ذلك ثابت به. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٧) ولا شك أن مضاعفة العذاب بسبب ترك الواجبات ومباشرة المحظورات سوى الكفر.
وأما المعقول -وهو أن التكليف يعتمد القدرة من حيث الأسباب وقيام طريق الوصول إليه لا حقيقة القدرة- ألا ترى أن الصلاة تجب على الجنب
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الحرمات".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل كذا: "بمشارة".
(٣) في ب: "قوله".
(٤) في ب: "للكفار".
(٥) سورة المدثر: ٤٢ - ٤٤. والآيات ٣٨ - ٤٧: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾
(٦) في ب: "فأخبر الله تعالى عن".
(٧) سورة الفرقان: ٦٨ و٦٩.
[ ١٩٥ ]
والمحدث، لأن في يديهما (١) رفع الجنابة والحدث وإن كان أداء الصلاة لا يجوز مع الحدث. وكذلك الحج يجب على البعيد عن (٢) مكة، وإن كان لا يمكنه أداء الحج إلا بمكة، لأن في يده إمكان قطع المسافة.
وكذلك (٣) في يد الكفرة (٤) القدرة على الإيمان الذي لا تصح العبادات بدونه وطريق الوصول إلى الوقوف على كيفياتها بالسؤال من صاحب الشرع، ومن ينوب منابه، فيجب القول بتوجه الخطاب، إلا أنه إذا أسلم يسقط (٥) عنه بعد الوجوب، بعفو صاحب الحق، لقوله (٦) تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٧) ولقوله ﵇: "الإسلام يجب ما قبله". وإذا مات على الكفر يعاقب في الآخرة. وليس حكم الوجوب وفائدته مختصًا (٨) بالأداء، فإنه إذا كان في علم (٩) الله تعالى من كافر أنه لا يؤمن أبدًا (١٠) أو من مسلم أنه لا يؤدي صلاة الظهر مثلا (١١)، فإنه لا يتحقق منه الأداء. ومع هذا: الوجوب ثابت (١٢)، لفائدة توجه العذاب في الآخرة - كذلك هذا (١٣).
_________________
(١) في ب: "في يدهما".
(٢) في أ: "البعيد من". وفي ب: "النائي عن".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فكذلك".
(٤) في ب: "الكافر".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "سقط".
(٦) في ب: "بقوله".
(٧) سورة الأنفال: ٣٨، والآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾.
(٨) في ب: "مختصة".
(٩) في أ: "بالأداء فإن من علم".
(١٠) "أبدًا" من ب.
(١١) "مثلا" من ب.
(١٢) في ب: "ثابت عليهما".
(١٣) في ب: "كذلك ههنا"
[ ١٩٦ ]
وجه القول المختار - وهو أن هذا تكليف ما ليس في الوسع، فإن الكافر لا يقدر (١) على أداء العبادات حالة الكفر لعدم شرطه، وهو الإيمان، ولا يمكنه الأداء إلا (٢) بواسطة تحصيل الشرط، كما ذكرتم في الجنب والمحدث، لأن ثمة يقدر على أداء الواجب بعد رفع الحدث والجنابة، بالاغتسال - هذا بخلاف الوضوء (٣). أما الكافر بعد تحصيل الشرط [فـ] لا يقدر على الأداء، لأنه لا يجب القضاء بالإجماع. فإن (٤) شئت قلت: إن هذا تكليف ما ليس في الوسع لأنه لا يخلو: إما أن يجب ليؤدى في حالة الكفر أو ليؤدى بعد الإسلام. ولا وجه للأول لأن الكفر مانع من صحة أداء (٥) العبادات. ولا وجه للثاني فإنه لا يجب عليه (٦) الأداء بعد الإسلام أو يسقط عندكم فيكون هذا تكليف ما ليس في الوسع، وهو محال عقلا وموضوع شرعًا. وهو الجواب عن قولكم: إن التكليف يعتمد القدرة من حيث الأسباب - نعم، ولكن تفسيرها أنه متى أراد أن يفعل يقدر على ذلك ويتمكن من التحصيل لا محالة - وههنا لا يقدر في الحالين بخلاف الحرمات، لأن حكم التحريم وجوب الامتناع عن الفعل المحرم ومع الكفر يتصور الامتناع عن الفواحش، فلا يكون تكليف ما ليس في الوسع، وهو (٧) الفرق بين الفصلين.
أما التعلق بالنصوص [فـ] لا يصح: فإن قولهم "لم نك من المصلين" (٨)
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل تشبه أن تكون: "ما يقدر".
(٢) "إلا" ليست في ب. وغير ظاهرة في الأصل.
(٣) "والجنابة الوضوء" من ب.
(٤) في (أ) و(ب): "وإن".
(٥) في أ: "عن صحة أداء". وفي ب: "مانع من أداء".
(٦) "عليه" من ب.
(٧) في (أ) و(ب): "فهو".
(٨) في ب: "فإن قولهم في النار من إخبار الله تعالى عنهم قوله: "لم نك من المصلين (الآية) ".
[ ١٩٧ ]
معناه: لم نك (١) من المعتقدين لحقية الصلاة على الوجه الذي جاء به الرسول - ﷺ -، إذ الصلاة قد تذكر ويراد بها اعتقاد حقية الصلاة لا نفس الصلاة - قال الله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة (الآية) " (٢) والمراد قبول الصلاة واعتقادهم حقيتها (٣)، دون الأداء، بدليل أنه يجب تخلية السبيل (٤) وإن لم يوجد كل منهم (٥) الأداء نحتمل "لم نك (٦) من المصلين" أي من المؤمنين (٧)، لأن الصلاة من العلامة اللازمة للإيمان، كا روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "نهيت عن قتل المصلين" أي عن (٨) قتل المؤمنين. ويحتمل ما ذكرتم. فلا يكون حجة مع الاحتمال، فلا (٩) يجوز القول بالوجوب قطعًا، حتى يستحقوا (١٠) العقاب بالترك.
وأما (١١) النص الثاني، فلا حجة فيه على القول المختار، فإخهم مخاطبون بالحرمات - والله أعلم.
مسألة ثالثة:
اختلف الناس في أن الأصل في الأعيان المنتفع بها هو إباحة الانتفاع أو الحظر؟ وما حكمها قبل ورود الشرع؟
_________________
(١) في ب: "لم لكن".
(٢) سورة التوبة: ٥ و١١ والأولى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم". والثانية: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل: "واعتقاد حقيتها". وفي ب: "فالمراد به اعتقاد حقية الصلاة وقبولها دون الأداء".
(٤) في ب: "أنه يخلي سبيله".
(٥) "منهم" ليست في أ. وفي ب: "منه".
(٦) في أ: "لم نكن".
(٧) في ب: "أي لم يك من المؤمنين".
(٨) "عن" من (أ) و(ب).
(٩) في ب: "ولا".
(١٠) في ب: "يستحق".
(١١) في أ: "فأما".
[ ١٩٨ ]
قال عامة (١) أصحابنا وعامة أصحاب الحديث من الفقهاء والمتكلمين منهم: إنه لا حكم لها قبل ورود الشرع، ويجب التوقف (٢) فيها: لا نحكم (٣) بحظر ولا إباحة.
وبه قال بعض المعتزلة، مثل: القاشاني (٤)، وبشر المريسي (٥)، وضرار بن عمرو (٦).
إلا أن طريق التوقف (٧) مختلف:
فعند أصحاب الحديث وهؤلاء المعتزلة: لا حكم فيها (٨) قبل ورود الشرع، لعدم دليل الفبوت، وهو الخبر عن (٩) الله تعالى على لسان صاحب الشرع (١٠)، فوجب التوقف في الجواب إلى وقت حصول العلم بدليلة.
_________________
(١) "عامة" من ب.
(٢) في ب: "بل يجب التوقيف".
(٣) في أ: "لا يحكم". وفي ب كذا: "لا يحكم" دون نقط.
(٤) لم نعثر له على ترجمة أكثر من أنه أبو عمرو (أو أبو عمر) القاشاني من الطبقة الثانية عشرة أصحاب قاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبار المتوفي سنة ٤١٥ هـ. (فرق وطبقات المعتزلة، ص ١٢٦. وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، ص ٣٩٠).
(٥) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي المعتزلي المتكلم. مولى زيد بن الخطاب. أخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي وبرع فيه ونظر في الكلام والفلسفة. مات سنة ٢٢٨ وقيل سنة ٢١٩ هـ. له أقوال في المذهب غريبة منها جواز أكل لحم الحمار. والمريسي بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفي آخرها السين المهملة نسبة إلى مريس قرية بأرض مصر وقيل غير ذلك (القرشي، الجواهر المضيئة).
(٦) هو أبو عمرو ضرار بن عمرو القاضي صاحب مذهب الضرارية. ظهر في أيام واصل بن عطاء (المولود سنة ٨٠ هـ والمتوفى سنة ١٨١ هـ كما ذكر ابن خلكان في الوفيات). وقيل كان في بدء أمره تلميذًا له ثم خالفه في خلق الأعمال وإنكار عذاب القبر. ويحكى أنه كان ينكر حرف عبد الله بن مسعود وحرف أبي بن كعب فنسب هذين الإمامين من الصحابة إلى الضلالة في مصحفيهما. وانفرد بأشياء منكرة منها أنه شك في جميع عامة المسلمين وقال لا أدري لعل سرائر العامة كلها شرك وكفر. (راجع: الذهبي، ميزان الاعتدال، ٢: ٣٢٨ - ٣٢٩. وابن حجر، لسان الميزان، ٣: ٢٠٣. والشهرستاني، الملل والنحل، ١: ٩٠ - ٩١. والبغدادي، الفرق بين الفرق، البند ١١٨ ص ٢١٣ - ٢١٤. وفؤاد سزكين، تار يخ التراث العربي "بالعربية"، ٢: ٣٩٤).
(٧) في ب: "التوقيف".
(٨) في ب: "لها".
(٩) في ب: "من".
(١٠) في الأصل بين السطور: "أي النبي".
[ ١٩٩ ]
وقال بعض أهل التحقيق منهم: لا نقول بالتوقف (١)، بل نقطع القول بأنه ليس بواجب، لأنه ثبت (٢) بقول الله (٣) تعالى: "افعلوا". ونقطع بأنه (٤) ليس بمحظور؛ لأنه ثبت (٥) بقوله تعالى (٦): "لا تفعلوا". ونقطع بأنه (٧) ليس بمباح، لأنه ثبت (٨) بقوله: "افعلوا إن سنة شئتم واتركوا إن شئتم" (٩). ولم يرد شيء من ذلك قبل ورود (١٠) الشرع، فنقول: قبل ورود (١١) الشرع لا حظر ولا إباحة ولا وجوب ولا ندب قطعًا، لعدم دليله، ويجوز أن لا (١٢) يوسف الفعل بهذه الأوصاف، كفعل الأطفال والمجانين والبهائم (١٣).
وأما عندنا [فـ] لا بد أن (١٤) يكون لهذه الأفعال حكم ما عند الله تعالى: يمكن أن يكون هو الوجوب، بالإيجاب الأزلي، لتعلق العاقبة الحميدة به. ويمكن أن يكون هو الحرمة، بالتحريم الأزلي، لتعلق العاقبة الوخيمة به (١٥). ويمكن أن ليس لفعل (١٦) عاقبة حميدة ولا عاقبة ذميمة، فيكون مباحًا،
_________________
(١) في ب: "بالتوقيف".
(٢) في ب: "يثبت".
(٣) في ب: "بقوله تعالى".
(٤) في ب: "أنه".
(٥) في ب: "يثبت".
(٦) "تعالى" من ب.
(٧) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "أنه".
(٨) في ب: "يثبت".
(٩) في أ: "افعلوا ما شئتم ". وفي ب: "إن شئتم فافعلوا وإن شئتم لا تفعلوا".
(١٠) "ورود" من ب.
(١١) "ورود" من (أ) و(ب).
(١٢) "لا" من ب.
(١٣) في ب: "والبهائم والمجانين".
(١٤) في ب: "وأن".
(١٥) "به" ليست في ب. وفي أ: "العاقبة الذميمة به".
(١٦) في ب: "العاقبة الوخيمة ويحتمل أن ليس للفعل".
[ ٢٠٠ ]
لعدم رجحان أحد الجانبين على الآخر، إلا أنه لا يمكن الوقوف على ذلك بالعقل، لخفائه ودقته، فيتوقف في الجواب إلى ورود الشرع، لا لخلوه عن الحكمة (١)، لكن لا يثبت في حقنا، لعدم دليل الوقوف.
والكلام بيننا وبينهم بناء على مسألة العقل: أن عندهم لا يعرف به حسن ولا قبح (٢) ولا وجوب (٣) ولا ندب (٤) ولا حظر ولا إباحة. وعندنا يعرف به (٥) حسن بعض الأشياء قطعًا، ولا يعرف حسن بعض الأشياء قطعًا (٦). وكذا (٧) القبح والوجوب والحرمة، مع كونها (٨) عند الله تعالى، لأن أحكام الشرع مبنية على الحكمة (٩)، وإن كنا (١٠) لا نقف عليها إلا بدليل الشرع.
هذا بيان قولنا، وقول عامة أصحاب الحديث.
وقال (١١) عامة المعتزلة: الأصل فيها هو (١٢) الإباحة ما لم يرد الشرع بالتقرير أو بالنقل (١٣) والتغيير إلى غيره.
وقال بعض أصحاب الحديث: الأصل فيها هو الحظر إلا بورود الشرع مقررًا أو مغيرًا.
وجه قول المعتزلة: الاستدلال بالنصوص، والمعقول:
_________________
(١) في أ: "الحكم".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وقبح".
(٣) في أكذا: "ولا جواب".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وندب".
(٥) "به" من ب.
(٦) "ولا يعرف .. قطعًا" ليست في ب.
(٧) في ب: "وكذلك".
(٨) في ب كأنها: "مع كونها ثالثة".
(٩) في ب: "الحكم".
(١٠) في ب: "كان".
(١١) في ب: "وقول".
(١٢) "هو" من ب.
(١٣) في أ: "النقل".
[ ٢٠١ ]
- أما النصوص: فقوله (١) تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٥) - دل أن الأصل هو الإباحة.
- وأما المعقول: وهو أن الله تعالى لما خلق أعيانًا منتفعًا بها، مع تعاليه عن الانتفاع بنفسه وتقدسه عن لحوق الضرر به بانتفاع غيره (٦) بها، وصلاحها (٧) لدفع (٨) حوائج العباد مع مساس حاجتهم إليها (٩)، فلا يحسن المنع منها من الله تعالى إياهم، كما لا يحسن المنع في الشاهد من المالك لغيره عن الاستظلال بظل جداره، والاستضاءة (١٠) بضوء سراجه، والنظر في مرآته، والاشتمام بروائح طيبة، مع كون المالك في الشاهد محتاجًا إلى ذلك كله بنفسه، لما أنه لا يلحقه الضرر بذلك - فههنا بطريق (١١) الأولى.
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل: "قوله". وفي ب: "منها قوله".
(٢) البقرة: ٢٩: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
(٣) الجاثية: ١٣ وهي: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
(٤) البقرة: ٢٦٧ والآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
(٥) الأعراف: ٣٢ والآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الغير".
(٧) في هامش أ: "أي صلاح الأعيان".
(٨) في ب: "لرفع".
(٩) في ب: "حوائج العباد لمساس حاجاتهم إليها".
(١٠) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الاستضاء". انظر الصفحة التالية (٢٠٣).
(١١) في أ: "بالطريق".
[ ٢٠٢ ]
وإذا لم يحسن المنع يجب أن يكون الأصل فيه (١) هو (٢) الإباحة إلا إذا كان يتضمن الانتفاع به ضررًا خفيًا، فيرد الشرع لبيانه (٣)، تحقيقًا لحكمة الانتفاع.
وجه قول أهل الحظر: وهو أن العالم مخلوق الله تعالى وملكه، والتصرف في ملك الغير محظور إلا بإذنه وإطلاقه، وإن كان لا يتضرر به المالك في الشاهد - ألا ترى أن نقل (٤) المرآة والمنجاز (٥) من دار المالك إلى دار نفسه (٦) منهي عنه، وإن لم يتضرر (٧) به المالك - يدل عليه أن قبح التصرف في ملك الغير لو كان لتضرر المالك به (٨) يجب أن لا يباح إلا بالإذن إذا كان يتضرر به: دل أن قبح التصرف في ملك الغير (٩) لعدم إذنه وإطلاقه (١٠)، لا لتضرره. وإذا كان كذلك يجب أن يقبح (١١) التصرف في ملك الله تعالى إلا بإذنه وإطلاقه (١٢)، وإن كان لا يتضرر بتصرفنا فيه، بخلاف ما ذكروا من النظر في المرآة (١٣) والاستظلال والاستضاءة، لأن ذلك ليس بتصرف في ملك الغير لأنه لا أثر لذلك يتصل بملك الغيره
_________________
(١) في أ: "فيها".
(٢) "هو" من ب.
(٣) في أ: "ببيانه".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "فإن نقل".
(٥) المنجاز الهاون (القاموس).
(٦) في ب: "غيره".
(٧) في ب: "وإن كان لا يتضرر".
(٨) "به" ليست في ب.
(٩) "لو كان لتضرر المالك .. في ملك الغير" ليست في ب.
(١٠) "وإطلاقه" من ب.
(١١) في أ: "لا يصح".
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بغير إذنه".
(١٣) في أ: "بالمرآة".
[ ٢٠٣ ]
وقلنا نحن وعامة أهل الحديث: إن كلا القولين فاسد:
- أما عندهم فلما ذكرنا: أن العقل (١) ليس بطريق لمعرفة الحسن والقبح أصلا.
- وأما عندنا فلأن (٢) من قال بالإباحة عقلًا، يجوز ورود الشرع في ذلك بعينه بالحظر، فينقله من الإباحة إلى الحظر. وكذا من قال بالحظر عقلًا، يجوز ورود الشرع بالإباحة في عينه فينقله (٣) من الحظر إلى الإباحة. والحاكم الذي يعرف ثبوته بالعقل لا يحتمل التغير (٤) بحال، لأن العقل حجة من حجج الله تعالى كالسمع، والتناقض منفي عن دلائل الشرع لكونه من (٥) أمارة الجهل والسفه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - وهذه المسألة مطولة في الشرح.
مسألة - المأمور هل يعلم أنه مأمور على الحقيقة؟
لا خلاف أنه إذا كان الأمر مطلقًا، وكان (٦) المأمور متمكنًا من الفعل المأمور به، بوجود سبب القدرة والعلم، فإنه يعلم أنه مأمور بالفعل لتوجه (٧) الأمر عليه، ووجوب تحصيل المأمور به.
فأما إذا كان أمرًا مضافًا إلى وقت معلوم، بأن صار بالغًا عاقلا (٨) قبل دخول شهر (٩) رمضان وقبل دخول وقت الصلاة - هل يكون مأمورًا للحال حقيقة قبل توجه الوجوب عليه؟
_________________
(١) في ب: "الفعل".
(٢) في أ: "فكذلك لأن".
(٣) في ب: "ورود الشرع في ذلك بعينه بالإباحة فينقله".
(٤) في أ: "التغيير".
(٥) "من" ليست في ب.
(٦) "كان" ليست في أ.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "مأمور لعلمه بتوجه".
(٨) في ب: "عاقلا بالغًا".
(٩) "شهر" من ب.
[ ٢٠٤ ]
- لا خلاف أنه إذا كان في علم الله تعالى أنه يبقى على صفة المخاطبين إلى وقت دخول شهر (١) رمضان ودخول وقت الصلاة، فإنه يكون مأمورًا حقيقة.
- فأما (٢) إذا كان في علم الله تعالى أنه يعترض عليه الموت قبل مجيء وقت الوجوب أو العجز بسبب فوات العقل وفوات أسباب القدرة - هل يكون مأمورًا - حقيقة؟.
قال أصحاب الحديث: إنه مأمور حقيقة وهو اختيار بعض أصحابنا ﵏.
وقال عامة المعتزلة: إنه (٣) إذا كان في علم الله تعالى زوال التمكن (٤) من الفعل قبل دخول (٥) وقت الوجوب، فإنه لا يكون مأمورًا حقيقة، ولكن يكون مأمورًا ظاهرًا، وفي الآخرة يتبين أنه ليس بمأمور حقيقة.
وأجمعوا أنه لا وجوب عليه في هذا الأمر الذي اعترض المانع في حال توجه الخطاب.
والحاصل أن جهل المأمور باعتراض المانع شرط لكونه مأمورًا، أما جهل الآمر - هل هو شرط؟
- فعلى قول الأولين: علم الآمر باعتراض المانع حالة الوجوب ليس بمانع، لكونه مأمورًا بذلك (٦)، وجهله ليس بشرط.
_________________
(١) "شهر" من ب.
(٢) في ب: "وأما".
(٣) "إنه" ليست في ب.
(٤) في أ: "التمكين".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "قبل وجود".
(٦) "بذلك" من ب.
[ ٢٠٥ ]
- وعلى قول الآخرين جهل الآمر والمأمور بذلك شرط لكونه مأمورًا - حتى إن الآمر إذا كان من العباد وهو جاهل باعتراض المانع حالة الوجوب، والمأمور جاهل، فإنه يكون مأمورًا حقه قة، بأن قال المولى لعبده: "صم غدًا" فإنه يكون آمرًا (١) للحال ويكون العبد مأمورًا، وإن كان الوجوب لا يثبت به (٢)، ما لم يبق العبد حيًا قادرًا (٣) عالمًا في الغد، لجهل (٤) الآمر والمأمور، باعتراض العجز والموت في الغد. ولو كان المولى عالمًا بقول نهي صادق أن عبده يموت قبل دخول رمضان والعبد جاهل فقال له: "صم شهرًا (٥) رمضان" فإن العبد يكون مأمورًا حقيقة. ولو كانا عالمين على حقيقة العجز عادة بأن قال المولى لعبده: "افعل كذا بعد ألف سنة" فإنه لا يكون آمرًا ولا العبد مأمورًا، لوجود العجز من حيث العادة. وكذا لو قال لعبده (٦) "اصعد السماء" أو نحو ذلك.
وربما تعبر هذه المسألة بعبارة أخرى، وهي (٧) أن الأمر هل يصح في المستقبل بشرط وجود الإمكان وقت وجوب الفعل أو بشرط زوال المانع؟
فقال الفريق الأول: بأنه يصح بشرط زوال المانع حالة الوجوب، سواء كان الأمر خاصًا للواحد، أو كان (٨) عامًا وفيهم من (٩) يمنع عن الفعل وفيهم (١٠) من لا يمنع.
_________________
(١) في ب كذا: "أدا".
(٢) "به" من ب.
(٣) في ب: "حيًا إلى وقت الوجوب أعني ما لم يبق قادرًا".
(٤) في أ: "كجهل".
(٥) "شهر" من ب.
(٦) " لعبده" من أ.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وهو".
(٨) "كان" ليست في ب.
(٩) في ب: "وفي الجماعة من".
(١٠) "فيهم" من ب.
[ ٢٠٦ ]
وقال بعض هؤلاء: إنما يجوز إذا كان الأمر عامًا. فأما (١) إذا كان المأمور واحدًا لا يجوز الأمر في حقه بشرط زوال المانع.
وقال الفريق الثاني: بأنه لا يجوز، والأمر متى ورد من الله تعالى بالفعل كان الداخل تحت الأمر وحكمه، وهو وجوب الفعل في حقه (٢)، هو (٣) من يعلم الله تعالى منه (٤) أنه غير ممنوع عن ذلك الفعل الذي أمر فيه (٥) بشيء من الوانع، فأما كل (٦) من علم (٧) أنه يمنع عن (٨) تحصيل الفعل وقت وجوبه باعتراض الآفات (٩)، فإنه لا يكون مرادًا بالخطاب.
وأجمعوا في أمر العباد بأن أمر (١٠) المولى عبده بفعل، فإنه يجوز بشرط القدرة وشرط (١١) زوال المانع، بأن قال له (١٢): افعل كذا يوم كذا إن قدرت عليه أو افعل إن لم يمنعك مانع.
والصحيح هو قول الفريق الثاني، لأن حكم الأمر الوجب هو وجوب الفعل. فإيجاب (١٣) الفعل مع قيام المانع والعجز عن الفعل بالجنون أو (١٤) الموت حالة توجه الوجوب تكليف ما ليس في الوسع، وهو محال عقلًا وشرعًا.
_________________
(١) في أ: "وأما".
(٢) "في حقه" من ب.
(٣) "هو" ليست في ب.
(٤) "منه" من ب.
(٥) في ب: "به".
(٦) "كل" ليست في أ.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "علمه".
(٨) في أ: "من".
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "للآفات".
(١٠) "أمر" ليست في ب.
(١١) في أ: "وبشرط". وفي ب: "أو بشرط".
(١٢) "له" من ب.
(١٣) في (أ) و(ب): "وإيجاب".
(١٤) في أ: "و".
[ ٢٠٧ ]
والخلاف (١) في المسألة مع من يحيل التكليف بما لا يطاق (٢)، وهذا بخلاف تكليف المعدوم والعاجز (٣) إذا كان في علم الله تعالى وجود التمكن من الفعل في حقهما (٤) حالة (٥) توجه الوجوب، لأن هذا تكليف (٦) أزلي ليجب في وقت القدرة، فلا يكون تكليف ما ليس في الوسع إذا كان في علم الله تعالى أنه يقدر ولا يمنع. وإن علم أنه لا يقدر ويمنع تبين (٧) أن هذا ليس بتكليف في حقه، وإن وجد لفظة (٨) التكليف ظاهرًا، ولكن المراد به غيره (٩) مجازًا، والكلام في التكليف حقيقة.
ووجه آخر: وهو أن التكليف بشرط ثبوت المكنة (١٠) و(١١) زوال العجز والماعن تعليق التكليف بالشرط، والتعليق بالشرط حقيقة إنما يكون ممن هو جاهل بالعواقب كتعليق الطلاق والعتاق من العباد، لأنه (١٢) لا علم لهم بحصول الشرط. فإن (١٣) الشرط ما يكون على خطر الوجود. ولهذا قالوا إن تعليق الفعل بشرط (١٤) كائن لا محالة (١٥) تحقيق وليس بتعليق، كن
_________________
(١) في ب: "والكلام".
(٢) في ب: "تكليف ما لا يطاق".
(٣) في ب: "العاجز والمعدوم".
(٤) في ب: "في حقه".
(٥) في أ: "حال".
(٦) في ب: "لأنه تكليف".
(٧) في ب: "يبين". وفي أ: "يتبين".
(٨) في (أ) و(ب): "لفظ".
(٩) "غيره" ليست في ب.
(١٠) المكنة القدرة والاستطاعة (المعجم الوسيط).
(١١) في ب: "أو".
(١٢) في ب: "لأنهم".
(١٣) في ب: "كان".
(١٤) في ب: "بشيء".
(١٥) "لا محالة" من ب.
[ ٢٠٨ ]
يقول لامرأته: "أَنْتَ طالق إن كانت (١) السماء فوقنا". وكذا التعليق بشرط مستحيل حقيقة أو (٢) عادة يكون إعدامًا ولا يكون تعليقًا (٣) بشرط، كمن يقول لعبده: "أنت حر إن صعدت السماء" أو (٤) "إن عشت ألف سنة" وإنما يكون تعليقًا إذا كان الشرط محتمل الوجود والعدم، وهذا إنما يتحقق في حق (٥) العباد لجهلهم بعاقبة وجود الشرط وعدمه، فأما الله تعالى إذا كان عالمًا بعواقب الأمور و(٦) يستحيل عليه الجهل بوجود الشرط وعدمه، فلا يتصور التعليق بالشرط في حقه.
وتحقيق هذا الكلام، وهو أن الأمر طلب الفعل، ولن يتصور طلب وجود الفعل (٧) ممن يعلم أنه لا يتصور ذلك الفعل من المطلوب منه (٨)، فإن من طلب من عبده أن يفعل فعلا بعد ما صعد السماء أو بعد ألف سنة (٩)، وهو متعذر عادة، إما أن يكون سفيهًا أو مستهزئًا بعبد (١٠)، وإنما يتصور الطلب مع الجهل بحال المأمور، فأما (١١) مع العلم باستحالة الفعل المأمور به لا يتصور قيام الطلب بذات الطالب، والأمر هو الطلب، فإذا لم يكن طلبًا (١٢) لا يكون أمرًا.
وهذا كلام واضح، ؤقد أشبعنا البيان في هذه المسألة في الشرح - والله الموفق.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "كان".
(٢) في أ: "و".
(٣) في ب: "يكون إعدامًا لا تعليقًا".
(٤) في أ: "و".
(٥) "حق" ليست في أ. ففيها: "في العباد".
(٦) "و" من (أ) و(ب).
(٧) في ب: "فعل".
(٨) "من المطلوب منه" ليست في أ.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "بعد ألف سنة أو بعد ما صعد السماء". وعبارة" بعد ألف سنة أو" ليست في أ.
(١٠) كذا في (أ) و(ب): "بعبده". وفي الأصل: "لعبد".
(١١) في ب: "وأما".
(١٢) في ب: "وإذا لم يكن طالبًا".
[ ٢٠٩ ]
[٥]
فصل في بيان