فهي (٦) تتضمن مسائل منها:
مسألة - المجاز هل هو موضوع كالحقيقة أم لا؟
قال بعضهم: إنه موضوع كالحقيقة: موضوعة، إلا أن الحقيقة بوضع أصلي، والمجاز بوضع طارئ، لأن المجاز من باب اللغة، حتى يقال إنه أحد نوعي الكلام، وإنه أحد اللسانين، ولو لم يأكل بوضع أرباب اللغة لا يكون من اللغة (٧).
_________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل: "وهي".
(٢) "القول" ليست في الأصل وب.
(٣) في الأصل و(ب): "لهما".
(٤) في ب: "للأفعال".
(٥) في ب كذا: "إشكالان".
(٦) في ب: "وهى".
(٧) في ب: "من باب اللغة". وعبارة: "حتى يقال من اللغة" ليست في أ.
[ ٣٨٢ ]
وقال بعضهم: طريق المجاز بوضح أرباب اللغة دون الألفاظ المجازية، لأن في وضع اللغة الحقيقة غنية (١) لهم عن وضع المجاز، ولكن وضعوا الطريق توسعة على الناس في الكلام، فيكون التكلم بالمجاز بعدهم بناء على طريقهم الوضوع بإذنهم ورضاهم، فيكون من باب اللغة.
وقال بعضهم: المجاز ليس بموضوع إذ (٢) لو كان موضوعًا يكون هذا إنكارًا للمجاز (٣)، لأن الحقيقة اسم لما وضعه واضع اللغة، وكذا ليس طريقه موضوعًا، لأنه علة وضع اسم المجاز (٤)، والعلة متى كانت منصوصة يكون الحكم منصوصًا، كالعلة في الأحكام الشرعية: إذا كانت منصوص يكون الحكم الثابت بها منصوصًا، فيفسد باب المجاز. وهو خلاف إجماع أهل اللغة: أن الكلام حقيقة ومجاز، لكن المجاز كل مستعمل شائع فيما بين أهل اللغة، ولم يكن كل منهم التنصيص على الطريق لما ذكرنا، لكن عرف ذلك بالتأمل والنظر في كيفية استعمالهم (٥) المجاز في أشعارهم ومحاوراتهم وكيفية استعاراتهم (٦)، كالأحكام الشرعية المنصوص عليها الخالية عن التنصيص على العلة، فإنه، يعرف عللها بالنظر والتأمل في النظائر - فهذا كذلك. والله أعلم.
مسألة - الحقيقة والمجاز هل يكونان في أسماء الألقاب (٧) أم لا، نحو زيد وعمرو وبكر؟
اختلف فيه:
_________________
(١) في ب كذا: "حقيقة عبيه". والمقصود: في وضع اللغة للحقيقة غني.
(٢) في أ: "إذا".
(٣) في ب: "إنكار المجاز".
(٤) في ب كذا: "علة اسم وضع المجاز".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "استعمال".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "استعارتهم".
(٧) في ب: "هل يكونان أسماء للألقاب".
[ ٣٨٣ ]
قال بعضهم: لا يكون، لما ذكرنا أن الحقيقة ما وضعه واضع اللغة بوضع أصلي، والمجاز ما وضعه واضع اللغة بوضع طارئ، وأما اللقب فهو (١) اسم يضعه المرء لتعريف (٢) ذات (٣) من الذوات على التعين (٤)، بدون وضع أهل اللغة ووضع الشرع. أما وضع اللغة الاسم [فـ] لذات مخصوص ومعنى خاص، أو لمعنى مخصوص على الإطلاق، لا على التعين (٥)، حتى يكون الاسم حقيقة في مثل ذلك الذات وفي اللقب بخلافه، واتصاف اللفظ بكونه حقيقة ومجازًا يكون تبعًا لكونه موضوعًا، فإذا لم يكن بوضع أهل اللغة، [فـ] لا يجوز اتصافه بالحقيقة والمجاز.
وقال عامتهم بأنه يدخل الحقيقة والمجاز في أسماء الألقاب. لأن أهل اللغة وضعوا هذه الأسماء لأولادهم ولدوابهم ثم اتبعهم غيرهم في إطلاق تلك (٦) الأسماء وأمثالها. ولهذا سمي بغل رسول الله - ﷺ - "دلدل" وحماره "يعفور" (٧)، وسمي سيف علي ﵁ "ذا الفقار" (٨)، ونحو ذلك - إلا أنها أسماء أعيان مخصوصة لا أسماء جنس ونوع. وكذا العرب: سمى (٩) بعضهم ولده "كلبًا" وبعضهم "نمرًا" و"تولبًا" (١٠) و"ثعلبًا" (١١) و"ذئبًا" ونحوها. وكذا المجاز: يجري فيها، فإن اسم اللقب
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "إنما هو".
(٢) في ب: "ليعرف".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الذات".
(٤) في (أ) و(ب): "التعيين".
(٥) في (أ) و(ب): "التعيين".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ذك".
(٧) اليعفور ظبي لأنه كلون العفر (وجه الأرض - التراب). ولد البقرة الوحشية - انظر فيه وفي دلدل: القاموس والمغرب.
(٨) "ذا الفقار" كذا في أ. وفي الأصل: "ذو الفقار". وفي ب: "يعفور وسيفه ذو الفقار".
(٩) في ب: "يسمي".
(١٠) التولب ولد الأتان من الحمار الوحشي إذا استكمل الحول. الجحش (المعجم الوسيط).
(١١) "وثعلبًا" ليست في ب.
[ ٣٨٤ ]
متى اشتهر في شخص وفيه معنى لازم مشهور، يطلق اسمه الوضوع لقبًا على من يساويه في ذلك المعنى، كما يسمى السيف القطوع (١) "ذا الفقار". وفي السلف من (٢) اشتهر من أصحاب الحديث ولقب بغنجار (٣)، ثم يطلق على من بعده لمشابهة بينهما في ضبط الحديث والعدالة (٤). ويقال: فلان "عمر بن عبد العزيز" تشبيهًا به في العدل والإنصاف، وفلان "أبو ذر الغفاري" تشبيهًا به في الزهد، وفلان "عبد الله بن سلول" إذا اشتهر في النفاق تشبيهًا به (٥) - وهذا من باب المجاز.
فثبات أن ما قالوه مخالف لعرف الناس.
مسألة - الحقيقة والمجاز (٦) هل يجوز أن يرادا (٧) بلفظ واحد في حالة واحدة؟
فقد ذكرنا الخلاف فيه.
مسألة - المجاز (٨) له عموم، كما للحقيقة (٩)، على ما ذكرنا.
مسألة - القياس هل يجري في الألفاظ اللغوية، كما يجري في الأحكام الشرعية؟
اختلفوا فيه:
_________________
(١) في أكذا: "التطوع".
(٢) في (أ) و(ب): "وفي السلف كان رجل اشتهر".
(٣) غنجار بالضم. كأنه صعرب غنجه آر. لقب عيسى بن موسى التيمى البخاري: صدوق. روى عن مالك والسفيانين والليث. وعنه ابن المبارك وغيره. وتوفي سنة ١٨٥ هـ. قيل، لقب بذلك لحمرة وجنتيه. ولقب به أيضًا محمد بن أحمد البخاري المحدث المتوفى سنة ٤١٢ هـ.، لطلبه حديث غنجار المقدم ذكره. وغنجار بالفتح مسحوق لزينة النساء (راجع القاموس وتاج العروس. والمعجم الذهبي: فارسي - عربي).
(٤) "في ضبط الحديث والعدالة" من (أ) و(ب).
(٥) "وفلان عبد الله به" ليست في أ.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "المجاز والحقيقة".
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "يراد".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "ومنها: المجاز". وانظر الهامش التالي.
(٩) في أ: "إن المجاز له عموم كالحقيقة".
[ ٣٨٥ ]
قال أكثرهم بالجريان.
وأنكر ذلك بعضهم. واستدلوا بقوله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" (١) - أخبر الله تعالى أنه علم آدم صلوات الله عليه (٢) الأسماء كلها، ولا يتحقق القياس في موضع النص (٣)، لما (٤) ذكرنا من أقسام الألفاظ: أن اللفظ إما أن يكون حقيقة أو مجازًا. والحقيقة إما وضعية أو عرفية أو شرعية، وكل ذلك ثابت بالوضع. والمجاز إما أن يكون (٥) بوضع طارئ أو طريقه موضوع لغة. والوضع هو التنصيص (٦) على أسماء المسميات كلها، فمتى كان الأسماء كلها منصوصًا عليها، فأنى يتصور القياس والاستنباط؟
وجه قول العامة، هو (٧) أن الأسماء في الأصل وضعت لمعرفة المسميات الحاضرة، الحسوسة أو العقولة، لحاجتهم إلى التمييز بينها بالأسامي. فأما ما غاب عن حسهم ولم يكن من الأشياء المعقولة، فلم يخطر ببالهم، فلم يقع لهم الحاجة إلى وضع الاسم له إن كان الوضع بالاصطلاح. وإن كان توقيفيًا (٨)، فإنما يرد التوقيف بالأسماء في الأشياء المعقولة (٩) المعلومة، ليحصل لهم التمييز بينهما بالأسماء.
وإذا ثبت هذا، فهذه الأشياء المحسوسة الحاضرة انعدمت بمضي الزمان وتقادم العهد، سوى الأرض والسماء وما بينهما، وحدثت أمثالها
_________________
(١) سورة البقرة: ٣١.
(٢) "صلوات الله عليه" من أ.
(٣) في ب: "التنصيص".
(٤) في أ: "ولما".
(٥) في ب: "إنما يكون".
(٦) في ب: "هو أن التنصيص".
(٧) في النسخ جميعًا: "وهو".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "توقيفية".
(٩) "المعقولة" من ب.
[ ٣٨٦ ]
من بعد، فيكون إطلاق هذه الأسماء عليها (١) بطريق الاستدلال والقياس، وهو أنهم تأملوا أن وضع الأسماء، لمثل هذه الأشياء التي سبقت، لاعتبار صورته المخصوصة ولعنى لازم له، حتى يوجد ذلك الاسم عند وجوده وينعدم عند عدمه، فأطلقوا (٢) الأسماء على أجناس هذه التي سبقت، بالاستدلال، لوجود علة الوضع في أسماء (٣) الأشياء الحاضرة، عند الوضع والتوقيف. وهذا هو تفسير القياس، وهو إثبات مثل الحكم الثابت في الأصل، لأجل معنى معقول، وهذا موجود في الألفاظ اللغوية (٤)، كما في القياس في الأحكام الشرعية إذا عقل المعنى الذي تعلق به الحكم (٥). فإن أنكروا الاسم فلا مشاحة في العبارة. وإن أنكروا القياس من حيث المعنى، فهو عناد ومكابرة (٦)، مع وجود حقيقته وحده.
وقد (٧) خرج الجواب عن قولهم: إن الألفاظ كلها بالوضع، فكيف يكون القياس فيها متصورًا - فنقول:
إن الوضع وجد في الأشياء الحاضرة الموجودة وقت الوضع. وما قالوا: إنما (٨) سمينا هذا الشيء (٩) بهذا الاسم، لكونه على هذه الصورة، ولوجود هذا المعنى فيه تنصيصًا، بل وجد منهم تسميتها بهذه الأسامي، ثم من
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وزاد هنا في الأصل: "يكون".
(٢) في ب: "وأطلقوا".
(٣) "أسماء" ليست في ب.
(٤) "وهذا موجود في الألفاظ اللغوية" وردت في ب بعد ذلك. انظر الهامش التالي.
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بها الأحكام". وهنا وردت في ب عبارة: "وهذا موجود في الألفاظ اللغوية" المشار إليها في الهامش السابق.
(٦) في ب كذا: "وهو عباره ومكاثره".
(٧) "قد" ليست في ب.
(٨) في (أ) و(ب): "إنا".
(٩) في ب: "هذا المعنى".
[ ٣٨٧ ]
بلغهم وضعهم تأملوا في ذلك بنوع من الاستدلال الذي ذكرنا، برأيهم واجتهادهم، كا في الأحكام الشرعية إذا وردت النصوص بها، تم إن عقل معناها الذفي تعلق به (١) الحكم، يقاس غيره عليه (٢) إذا وجد فيه ذلك المعنى، بنوع رأي واجتهاد، فلا يسمى ذلك منصوصًا - فكذا (٣) هذا. وقد ذكرنا قبل هذا شرحه.
وتعلقهم بالنص لا يستقيم: فإن المراد من النص تعليم أسماء الأشياء الحاضرة عندهم، لأن حاجتهم إلى معرفة أسماء هذه الأشياء، دون الغائبة عن حسهم ودون المعدومات. وفي سياق الآية ما يدل عليه حيث قال تعالى: "ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين" (٤)، وإذا كان كذلك، فتناول الأسماء للحادثات (٥) بعد ذلك يكون بطريق القياس، على أنه إن كان في النص أنه تعالى (٦) علم آدم الأسماء كلها، فلا حاجة له (٧) إلى القياس، ولكن لم يثبت أن آدم ﵇ علم غيره الأسماء كلها (٨)، فمست الحاجة إلى القياس، في حق غيره - والله أعلم.
مسألة - اللغات كلها في الأصل (٩) توقيفية أم اصطلاحية؟
قال عامة المعتزلة وبعض الفقهاء بأنها (١٠) اصطلاحية.
_________________
(١) كذا في ب. وفي أ: "يتعلق به". وفي الأصل: "تعلق بها".
(٢) في ب: "يقاس عليه غيره".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وكذا".
(٤) سورة البقرة: ٣١ - والآية: "وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين".
(٥) في أ: "الحادثات".
(٦) "تعالى" من ب.
(٧) "له" من أ.
(٨) "كلها" من (أ) و(ب).
(٩) في أ: "اللغات في الأصل كلها".
(١٠) في أ: "إنها".
[ ٣٨٨ ]
وقال عامة المتكلمين من أهل الحديث، وعامة أهل الحديث من الفقهاء وأهل التفسير: إنها توقيفية.
وقال بعض أهل التحقيق: لابد أن (١) يكون لغة واحدة توقيفية، ثم اللغات الأخر في حد الجواز: أن تكون اصطلاحية أو توقيفية.
وجه قول من قال بالاصطلاح: المشاهدة والعيان، فإن كثيرًا من أسماء الأشياء نعاين (٢) حدوثها في زماننا بالاصطلاح، فإن لكل حرفة وصناعة أدوات وآلات، وقد وضعوا باصطلاحهم لكل آلة وأداة (٣) اسمًا لم يكن إلا له (٤)، ولا الاسم ثابتًا (٥) من قبل، فكذا في الابتداء: يجوز أن يكون كذلك وأمكن القول به، فإن (٦) جماعة من العقلاء إذا اجتمعوا وأشاروا (٧) إلى كل شيء من المحسوسات وسموا كل واحد بلفظ غير اللفظ الأول (٨)، وقالوا (٩) هذا ماء، وهذا نار، وهذا لحم، وهذا شحم - حصل العلم لهم بأسماء الأعيان والأفعال (١٠) بهذا الطريق، والاستدلال بالشاهد على الغائب حجة مطلقة.
وجه قول من ادعى التوقيف: قول الله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" (١١) وهذا نص. وروي عن ابن عباس ﵄ (١٢) في هذه الآية (١٣) أنه
_________________
(١) في ب: "وأن".
(٢) في ب: "تعاقب". وفي المعجم الوسيط. عاينه معاينة وعيانًا رآه بعينه. وتعاقب الشيئان خلف أحدهما الآخر.
(٣) "وأداة" من ب.
(٤) كذا في ب: "إلا له". وفي الأصل وأ كذا: "الآلة".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ثابتة".
(٦) في ب: "وان".
(٧) في أ: "فأشاروا".
(٨) في أ: "غير لفظ الأول".
(٩) في (أ) و(ب): "فقالوا".
(١٠) في ب: "والأحوال".
(١١) سورة البقرة: ٣١ - راجع الهامش ٤ ص ٣٨٨.
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل: "عنه". وليست في أ.
(١٣) "في هذه الآية" ليست في أ.
[ ٣٨٩ ]
قال: إن الله تعالى علم آدم ﵇ جميع الأسماء حتى القصعة والقصيحة. وقال الله تعالى: "خلق الإنسان علمه البيان" (١) وهذا (٢) نص. وكذا روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله تعالى قرأ سورة طه وياسين قبل خلق آدم ﵇ بألفي عام، فسمعت الملائكة ﵈، فقالت: طوبى لأمة قرأتهما (٣) ". ولا إحالة في العقل بأن يخلق الله تعالى في واحد من الخلق العلم (٤) الضروري بأسماء الأشياء، ثم يبين ذلك الواحد للناس. أو يخلق في كل عاقل علمًا ضروريًا بأسماء الموجودات، حتى يسمي لعين ماء ولعين خبزًا ولعين لحمًا ونحو ذلك. وإذا (٥) كان هذا في حد الجواز، وقد ورد النصوص بذلك وجب القول بالتوقيف.
وجه قول الفريق (٦) الثالث: أن الاصطلاح على وضع اللسان لا يتحقق بدون المواضعة من الجماعة على أن يسمى (٧) هذا كذا، وهذا كذا. ولا يتحقق هذا بالإشارة وحدها، فيكون القول بواحد من الألسنة توقيفًا، ثم الاصطلاح بناء عليه باختيارهم أمرًا ضروريًا لابد منه، كما في استحداث الأسماء في زماننا: لابد لوجود العلم لهم بلسان واحد على إمكان تحقيق الإجماع والمواضعة (٨) لهم في ذلك - والله أعلم.
مسألة:
اللفظ المستعار إذا استعير من (٩) المستعار عنه للمستعار له، يكون العامل هو اللفظ المستعار، لا أنه صار عبارة عن اسم المستعار له، كأنه ذكره باسمه صريحًا (١٠).
_________________
(١) سورة الرحمن: ٤.
(٢) في ب: "فهذا".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "قرأهما". وفي أ: "قرأتها".
(٤) "العلم" ليست في ب.
(٥) في أ: "فإذا".
(٦) "الفريق" من أ.
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "سمي".
(٨) في ب: "والمراجعة".
(٩) في ب: "عن".
(١٠) انظر السرخسى، الأصول، ١: ١٨٤ وما بعدها.
[ ٣٩٠ ]
وهذا قول عامة (١) أصحابنا ﵏، وعامة أهل الأصول ﵏.
ومسائل الشافعي تدل على أن العامل عنده (٢) هو الاسم الذي قام لفظ المستعار مقامه، حتى قال فيمن قال لامرأته: "أنت بائن" إنه رجعي، لأنه صار مجازًا عن قوله: "أنت طالق" كأنه نص عليه. وكذا قال: إن العتاق يقع بلفظ (٣) الطلاق، لقيام لفظ الطلاق مقامه، كأنه نص على لفظ العتاق.
وهذا يستقيم على قول من يقول: إن المشابهة معتبرة بين اللفظين. فإذا (٤) كان بين لفظ الحقيقة وبين لفظ المستعار له مشابهة في المعنى، قام هذا الاسم مقامه بطريق النيابة عنه، كأنه هو، كاللفظ الموجود من الرسول: قائم مقام كلام المرسل، وكلام الوكيل: قام مقام كلام الموكل - كذا هذا.
والصحيح قولنا، لأن (٥) المشابهة المعتبرة بين الذاتين في المعنى اللازم المشهور الظاهر في محل الحقيقة، فيعطى اسم المستعار عنه للمستعار له، لأنه جعل المستعار له كالمستعار عنه، لوجود التشبيه على وجه المبالغة، فيكون الاسم الموضوع للمستعار عنه اسمًا للمستعار له ضرورة. وإذا كان كذلك يجب أن يكون هو العامل. يدل عليه أن من قال: "فلان أسد" أراد بهذا (٦) مدحه في الشجاعة وجعله أسدًا معنى، فيكون اسم الأسد عاملا في إظهار شجاعة الأسد فيه. وصار (٧) في التقدير كأنه قال (٨): "يا شجاع" أي
_________________
(١) "عامة" من ب.
(٢) "عنده" ليست قي ب.
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بألفاظ".
(٤) في ب: "وإذا".
(٥) في أ: "أن".
(٦) في أ: "به".
(٧) في (أ) و(ب): "ولو صار".
(٨) "قال" ليست في ب.
[ ٣٩١ ]
مدح له على الخصوص باستعارة اسم الأسد، ومطلق اسم الشجاع قد يقع على من له أدنى شجاعة - فدل أن الصحيح هو القول الأول. ويستقصى هذا في مسائل الخلاف وفي الشرح - والله أعلم.
مسألة - ثم المجاز يجري في الألفاظ الشرعية من البيع والهبة والنكاح والطلاق ونحوها (١) عند عامة الفقهاء.
وقال بعض الفقهاء (٢): لا يجري، لأن هذه الألفاظ (٣) إنشاءات في الشرع، وأنها أفعال جارحة الكلام (٤)، وهي مخارج الحروف، بمنزلة أفعال سائر الجوارح (٥). ومن فعل فعلا حقيقة وأراد أن يكون فاعلا فعلا آخر، لا يكون. فكذلك (٦) أفعال هذه الجارحة. وإنما (٧) تدخل الاستعارة والمجاز في الألفاظ التي هي من باب الإخبار والأمر والنهي ونحو ذلك.
ولكن الصحيح قول العامة: فإن العرب لما وضعت طريق الاستعارة، و(٨) استعملت المجاز في كلامهم، وعرف بالتأمل طريقه، يكون إذنًا (٩) منهم بالاستعارة لكل متكلم من جملتهم أو من غيرهم، كصاحب (١٠) الشرع: متى وضع طريق التعليل، كان إذنًا (١١) بالقياس لكل من فهم ذلك الطريق - كذا هذا.
_________________
(١) في ب: "وغيرها".
(٢) في أ: "بعضهم".
(٣) في أ: "العبارات".
(٤) في هاش أتصحيحًا: "اللسان".
(٥) في (أ) و(ب): "بمنزلة سائر أفعال الجوارح".
(٦) في ب: "وكذلك".
(٧) في ب: "ولا".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "أو".
(٩) في ب كذا: "ادنى".
(١٠) في ب كذا: "لصاحب".
(١١) في ب كذا: "ادنى".
[ ٣٩٢ ]
قولهم: إنها إنشاء أفعال، والمجاز يجري في الأخبار - فنقول: المجاز لا يختص بالأخبار، بل يدخل في سائر أقسام الكلام، وهذه الألفاظ وإن جعلت إنشاء شرعًا لم يخرج من أن يكون كلامًا، والاستعارة جائزة في الكلام إذا وجد طريقها كما في الأمر والنهي، فإذا أتي بكلام هو إنشاء لفعل خاص، وذلك الكلام شبيه (١) كلام آخر، هو إنشاء لفعل آخر من حيث المعنى الذي هو طريق الاستعارة - فهو نظير (٢) الألفاظ اللغوية - والله أعلم.