أما الحقيقة [فـ] أقسام ثلاثة: لغوية، وعرفية، وشرعية.
وإذا ثبت انقسام الحقيقة إلى هذه الأقسام الثلاثة، ثبت انقسام المجاز إلى هذه الأقسام الثلاثة (١) ضرورة، إذ هما من الأسماء (٢) المتقابلة، فيكون مجازًا (٣) لغويًا، وعرفيًا، وشرعيًا، تحقيقًا للمقابلة.
أما الحقيقة اللغوية - فقد ذكرنا أقسامها (٤) من العام والخاص والمشترك وغيرها (٥).
وأما الحقيقة العرفية - فهي اللفظ الذي انتقل من الوضع (٦) الأصلي إلى غيره، بغلبة (٧) الاستعمال، بحيث يصير الوضع الأصلي مهجورًا، وما انتقل إليه مشهورًا، ويسبق (٨) إلى أفهام السامعين من غير أن يخطر ببالهم (٩) الوضع الأصلي، فيصير هذا (١٠) حقيقة عرفية، والوضع الأصلي يصير مجازًا على مقابلته. وسبب ذلك أن قومًا من أهل اللغة حملهم معنى
_________________
(١) "الثلاثة" من أ.
(٢) في ب: "من الأقسام".
(٣) في أ: "المجاز".
(٤) في ب كذا: "أقسام".
(٥) راجع فيما تقدم ص ٢٥٤ وما بعدها. و٢٩٧ وما بعدها. و٣٣٧ وما بعدها.
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الموضع".
(٧) في أ: "لغلبة".
(٨) في ب: "وسبق".
(٩) في أ: "بباله".
(١٠) في ب: "هو".
[ ٣٧٧ ]
من المعاني على نقل الاسم الموضوع للشيء إلى غيره، ويستفيض فيهم ويشيع (١) ذلك في القبائل على طول الزمان، ثم ينشأ القرن الثاني والثالث، فلا يعرفون لذلك الاسم إلا المسمى (٢) الذي انتقل إليه، لصيرورة (٣) المنتقل عنه مهجورًا، ولا استحالة في ذلك، إذ (٤) وضع الأسماء الوضعية تابع للأغراض والمقاصد، لا أنه راجع إلى عين (٥) الذوات، فإنهم لو وضعوا في الابتداء اسم الماء للنار واسم النار للماء (٦) كان صحيحًا، فإذا تبدل الغرض، بحدوث كل معنى على مرور الزمان، جاز نقك الاسم من ذلك المسمى إلى غيره، تحقيقًا للغرض. ونظيره (٧) العدل في وضع اللغة: مصدر عدل يعدل عدالة وعدلا (٨)، ثم في عرف الاستعمال صار عبارة عن العادل، واشتهر استعماله بحيث لا (٩) يخطر بالبال الوضع الأصلي، فيصير حقيقة عرفية، حتى جاز إطلاق (١٠) اسم العدل على الله تعالى بطريق الحقيقة، لا بطريق المجاز، حتى إن من نفى اسم العدل عن الله تعالى، فقال: إنه ليس بعدل. فإنه (١١) يكفر. ولو قال: إنه ليس بعدالة (١٢) فهو (١٣) صحيح.
_________________
(١) "فيهم ويشيع" غير مقروءة في ب.
(٢) في ب: "لذك المسمى إلا الاسم".
(٣) في ب كذا: "لضرورة كون".
(٤) في ب كذا: "أو".
(٥) في ب: "إلى غير".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "للدار".
(٧) "ونظيره" ليست في ب.
(٨) في ب: "وعديلا". والعديل والعدل المثل والنظير (انظر المعجم الوسيط).
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "لم".
(١٠) في ب كذا: "صار احلاق".
(١١) في ب: "إنه".
(١٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "عدالة".
(١٣) في ب: "وهو".
[ ٣٧٨ ]
وأما الحقيقة الشرعية (١) - فهي (٢) كل لفظ وضع لمسمى في الشرع. ثم هو نوعان:
أحدهما - أن يكون موضوعًا لمسمى (٣) في اللغة، ثم استعمل في الشرع لمسمى آخر، مع هجران الاسم للمسمى اللغوي بمضي الزمان وكترة الاستعمال في المسمى الشرعي.
والثاني - (٤) أن يكون اسمًا حدث في الشرع لفعل شرعي [و] لم يكون ذلك الاسم موضوعًا لشيء ما في اللغة (٥)، بأن ورد في الكتاب أو السنة. فأما ما دام مستعملا في المعنى اللغوي مع صيرورته مستعملا في المسمى الشرعي، فإنه لا يصير حقيقة شرعية، ولكن لي كون اسمًا مشتركًا بين المعنى اللغوي والشرعي.
وكذا في الاسم العرفي إذا لم يصر الاسم مهجورًا (٦) في المعنى اللغوي، لا يصير حقيقة عرفية، ولكن يكون اسمًا مشتركًا بين المعنى اللغوي والعرفي.
ثم إذا صار حقيقة عرفية أو شرعية صار المعنى اللغوي، في مقابلة الحقيقة العرفية والشرعية، إما (٧) مجازًا عرفيًا أو (٨) مجازًا شرعيًا.
وهذا الذي ذكرنا قول عامة أهل الأصول وأئمة الأدب.
_________________
(١) في ب: "وأما الحقيقة والشرعية".
(٢) كذا في أ. وفي الأصل: "فهو". وفي ب: "وهي".
(٣) "في الشرع لمسمى" من (أ) و(ب). وانظر الهامش التالى.
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "أو كان" بدلا من "والثاني - أن يكون". راجع الهامش السابق.
(٥) "في اللغة" من (أ) و(ب).
(٦) في أ: "مجهولا".
(٧) "إما" ليست في ب.
(٨) في ب: "و".
[ ٣٧٩ ]
وقال أصحاب الحديث، من الفقهاء والمتكلمين، وهم أصحاب الشافعي والأشعرية: إن اللفظ اللغوي إذا استعمل في المعنى الشرعي لابد أن يبقى فيه المعنى اللغوي، فيكون حقيقة لغوية، لكن يزاد في الشرع في (١) ذلك المسمى اللغوي معنى آخر شرعي أو شرط شرعي، فيكون المعنى (٢) اللغوي كل معتبرًا مع اعتبار المعنى الشرعي. فأما ما (٣) لا يجوز أن يستعمل في المعنى الشرعي من غير اعتبار المعنى اللغوي، كاسم الصلاة: في اللغة للدعاء (٤) والثناء، ثم زيد في الشرع على ذلك أفعال معهودة، فيكون المفروض دعاء وثناء مقرونًا بأفعاك مخصوصة. وكذا الصرف والسلم ينبئ عن (٥) معنى القبض والتسليم، وزيد (٦) عليه في الشرع ثبوت الملك، فاعتبر الأمران جميعًا.
وقال بعضهم: إذا استعمل الاسم اللغوي في المعنى الشرعي لا يصير حقيقة شرعية، ولكن يكون مجازًا.
والصحيح قول العامة، فإن كثيرًا من الألفاظ اللغوية استعملت (٧) في المعاني الشرعية، بحيث لم يخطر بالبال المعنى اللغوي، بل سبق (٨) إلى أفهام الناس (٩) المعنى الشرعي، نحو اسم الصلاة: في اللغة (١٠) للدعاء (١١)
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "من".
(٢) في ب: "معنى".
(٣) "ما" من ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الدعاء".
(٥) في هامش أتصحيحًا: "يبتنى على".
(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فزيد".
(٧) في أ: "استعمل".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "يسبق".
(٩) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "الأفهام".
(١٠) "اللغة" ليست في أ.
(١١) في ب: "الدعاء".
[ ٣٨٠ ]
ثم صار مستعملا في الشرع لأفعال معهودة من غير أن يخطر بالبال معنى الدعاء في الصلاة. وكذا الزكاة: في اللغة عبارة عن النماء والزيادة -، قال: زكى الزرع إذا نما وازداد (١)، وفي الشرع صار عبارة عن أداء طائفة من النصاب بطريق الفرضية من غير أن يسبق إلى أفهام الناس معنى الزيادة. ولهذا نظائر. ولا إحالة في ذلك لما ذكرنا أن تسمية (٢) المسمات في وضع اللغة ليس لذوات المسميات، حتى يجب ملازمة (٣) التسميات ملازمة الذوات (٤)، إذ الحكم العيني يبقى ما بقي العين، وإنما الوضع تابع للأغراض مرتب عليها، بناء على اختيار واضع اللغة، لمصلحة رأى في ذلك. فإن كان الواضع (٥) من أرباب اللغة، كما قال بعضهم، فيجوز أن ينقل الاسم اللغوي، باختيار صاحب الشرع، لتبدل المصلحة الثابتة (٦)، بناء على الوحي. وإن كان توقيفيًا (٧)، كما قال أكثرهم، فكان وضع الاسم في الابتداء من صاحب الشرع لذلك المسمى لحكمة ومصلحة عرفها.
ثم إذا وضع ذلك الاسم لفعل شرعي أو لحكم شرعي، مع اندراج. ذلك الاسم عن المعنى الأول، علم ضرورة أن المصلحة تبدلت، فيجوز النقل. وبهذا الطريق جوزنا النسخ في الأحكام. ووضع (٨) الاسم، إذا كان من صاحب الشرع، فهو من الأحكام، فلما جاز نسخ الأحكام لماذا لا يجوز نسخ الأسماء؟ وإن كنا لا نعقل الحكمة في البابين، تسليمًا وانقيادًا لفعل صاحب الشرع، مع اعتقاد الحكمة والمصاحة في الثاني وانتهاء الأول.
_________________
(١) في ب: "وزاد".
(٢) في أ: "تسميته".
(٣) في هامش أ: "من ملازمة".
(٤) زاد هنا في أ: "ملازمة المسميات ملازمة الذوات".
(٥) كذا في أ. وفي الأصل: "الوضع" وفي ب: "وإن كان الوضع".
(٦) في الأصل وب كذا: "الثابت".
(٧) في ب كذا: "توقيعه".
(٨) في ب: "لأن وضع".
[ ٣٨١ ]
يحقق ما ذكرنا أن اسم الصلاة يطلق على الأفعال المعهودة المقرونة بالدعاء والثناء، بالإجماع. فإن كان حقيقة للأفعال المعهودة فحسب، بدون الدعاء، وهو (١) في اللغة اسم للدعاء، فيكون القول (٢) قولنا وارتفع الخلاف. وإن كان اسمًا لها (٣) جميعًا، ينبغي أن لا يطلق اسم الصلاة على صلاة الأخرس حقيقة لأنه لا دعاء فيها ولا ثناء. وكذلك اسم الصلاة على الأفعال (٤) والأذكار، بطريق الحقيقة، - حتى إن نافي هذا الاسم عنها يكذب، ولو كان اسما للأمرين يكون مجازًا، لأن إطلاق اسم الكل على البعض بطريق المجاز.
وفي المسألة إشكالات (٥) - والله أعلم.
[٥]