أما الذي يجوز تخصيصه فهو اللفظ العام من حيث الصيغة والمعنى، أو من حيث المعنى دون الصيغة - على ما مر بيانه.
وأما ما لا يجوز تخصيصه فكثير. وفي بعضها (٤) خلاف، فنذكر
هذه المسائل:
مسألة - تخصيص اللفظ العام جائز إلى أن ينتهي نهايته.
واختلفوا (٥) فيه:
_________________
(١) سورة المائدة: ٦. والآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾.
(٢) والى بين الأمرين موالاة وولاء تابع (المعجم الوسيط). وانظر التحفة للمؤلف (١: ١٣ وما بعدها). وفيها: "الموالاة".
(٣) في ب: "هو".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "وفي بعض ذلك".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل: "واختلف".
[ ٣٠١ ]
قال القفال الشاشي (١) وكل من قال إن معنى العموم هو الاجتماع: إن لفظ الجمع بدون الألف والسلام نحو قولهم "رجال" و"نساء" يجوز تخصيصه إلى الثلاث، وإخراج ما دونه عن العام يكون نسخًا. فأما إذا دخله لام التعريف أو كان عامًا من حيث المعنى دون الصيغة فإنه يجوز التخصيص إلى الواحد، ولا يجوز إخراج الواحد إلا بدليل يصلح للنسخ، لأنه نسخ. وهذا بناء على أن شرط العموم هو الجمع (٢) دون الاستيعاب، فيجوز التخصيص إلى الثلاث في المنكر. وعند دخول الألف والسلام تصير للجنس، فيجوز التخصيص إلى (٣) الواحد.
وعند عامة أهل الحديث: إلى الواحد. ويجوز تخصيص الاثنين، لأنه جمع صحيح عندهم.
وعلى قول من شرط الاستيعاب للعموم يجوز التخصيص إلى الواحد، لأنه يتناول كل واحد من المسميات على الانفراد، كلفظ (٤) "من" و"ما"، فلا (٥) يعتبر فيه معنى الجمع مقصودًا - والله أعلم (٦).
مسألة - تخصيص اللفظ العام في موضع الخبر:
جائز عند عامة الفقهاء.
وقال بعضهم: لا يجوز في خبر من لا يجوز عليه الكذب، لأن التخصيص إن كان عاملا بطريق المعارضة يكون فيه نسبة حقيقة الكذب
_________________
(١) كذا في ب. وفي متن الأصل: "قال القفال الشاشي" وفي هامشه كذا: "وعند أبي بكر الشاتي". راجع ترجمته في الهامش ٣ ص ١٧٧ ..
(٢) في ب كذا: "السمع"!
(٣) "إلى" ليست في ب.
(٤) في ب: "كلفظة".
(٥) في ب: "ولا".
(٦) راجع فيما تقدم: هل شرط العموم الاستغراق والاستيعاب أو الاجتماع لا غير: ص ٢٥٥ وما بعدها.
[ ٣٠٢ ]
إلى الله تعالى أو رسوله (١)، لأن الخبر (٢) العام إذا خص يكون خبرًا على خلاف المخبر به (٣) في قدر الخصوص، وذلك حد الكذب. وإن كان عامًا (٤)، بطريق البيان، ففيه نسبة وهم الكذب، فإن السامع إذا كان عربيًا ليس بفقيه، فيظن أنه عام في جميع ما أخبر. وإذا (٥) خص بعضه، وحكمه خلاف حكم خبر العام، فربما يعتقده كذبًا (٦) أو يظنه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (٧)، بخلاف الأمر والنهي، لأنه لا يدخل فيهما الصدق والكذب، لأنهما وصفان لازمان للخبر لا غير - وبخلاف خبر من يجوز عليه الكذب فإنه لا يجب صيانته عن الكذب (٨).
ولكن عامة أهل الأصول جوزوا - للنص، والمعقول:
- أما (٩) النص [فـ] قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠)، ولم تؤت كل شيء بالإجماع، فإنها لم تؤت ملك سليمان صلوات الله عليه. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ (١١).
_________________
(١) في ب: "وإلى رسوله ﷺ".
(٢) "الخبر" ليست في ب.
(٣) في ب: "يكون خبرًا عن المخبر به".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل كذا: "عاملا".
(٥) في ب: "فإذا".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "فربما يعتقد به كذبا".
(٧) "علوًا كبيرًا" من ب.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "عن ذلك".
(٩) "أما" من ب.
(١٠) سورة النمل: ٢٣. والآية: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
(١١) سورة طه: ١١٨. والآيات ١١٧ - ١٢١: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى. فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى. فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾.
[ ٣٠٣ ]
ثم إن آدم صلوات الله عليه عري في الجنة كما قال الله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ (١) فهذا (٢) تخصيص الخبر. وكذا قال الله تعالى إخبارًا (٣) عن إبليس اللعين: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ (٤): استثنى إبليس، والاستثناء (٥) والتخصيص سواء.
- وأما المعقول، وهو أن التخصيص والاستثناء (٦) من باب البيان، فنبين (٧) أن ذلك غير مراد بالكلام، فإن الاستثناء تكلم بالباقي لغة، على ما نذكر.
وكذا التخصيص: فإن ذكر العام، والمراد منه (٨) الخاص، أغلب وجودًا في استعمال الناس، فلا يؤدي إلى نسبة الكذب ولا وهمه إلى من لا يجوز عليه الكذب. والدليلَ عليه أن من قال: "لفلان علي عشرة دراهم إلا خمسة"، صح، ولا يكون هذا كذبًا ولا فيه وهم الكذب، لما قلنا - فكذا (٩) في التخصيص.
مسألة - اللفظ العام إذا استعمل بطريق المجاز، هل يكون له عموم؟
فقال (١٠) بعضهم: لا عموم له، لأن المجاز ضروري. والثابت بطريق الضرورة (١١) لا عموم له.
_________________
(١) راجع الهامش ١١ ص ٣٠٣.
(٢) في ب: "وهذا".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل: "خبرًا".
(٤) ص: ٧٣ - والحجر: ٣٠: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾. وانظر الهامش ٤ ص ٣١٤.
(٥) إلى هنا انتهى النقص في أ (راجع فيما تقدم الهامش ٨ ص ٢٥٥).
(٦) في ب: "الاستثناء والتخصيص".
(٧) في ب: "فيبين".
(٨) في ب: "به".
(٩) في ب: "وكذا".
(١٠) في أ: "قال".
(١١) في أ: "بالضرورة".
[ ٣٠٤ ]
وقال عامتهم بالعموم: لأن (١) هذا حكم اللفظ، واللفظ عام، والمجاز يعمل بنفسه، فيجب العمل بعمومه.
وما قالوا إنه ضروري، فليس (٢) هكذا، بل هو من باب البلاغة والفصاحة. ولهذا وجد في كتاب الله تعالى وكلام الرسول - ﷺ - وكلام سائر البلغاء من الحكماء - فلا يجوز وصفه بالضرورة.
مسألة - لا خلاف أن التخصيص في اللفظ الفرد إذا وجد صريحًا، على طريق (٣) الإطلاق، لا بطريق الضرورة (٤)، لا يجوز، لأنه لا يتصور، لأنه لا بعض له من النوع وإنما بعضه أجزاؤه، واللفظ يعم أجزاء ما تناوله (٥) بطريق التضمن، كالوجه يعم العين والأنف والخد ونحوها، وهذا (٦) ليس باسم عام، و(٧) كالدار تعم السقف والصحن والحوائط ونحوها، وهو ليس (٨) باسم عام، لأنه اسم خاص: إذا ذكر على طريق النكرة غير معرف بالألف والسلام، فلا يتناول نوعه وجنسه، وإنما يتناول أجزاءه بطريق التضمن.
مسألة - النص إذا لم يكن عامًا من حيث اللفظ، ولكنه عام بطريق الدلالة، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٩) لا يجوز
_________________
(١) في ب: "فإن".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وليس".
(٣) "طريق" ليست في ب.
(٤) في هامش أ: "قوله بطريق الضرورة - احتراز عن المقتضى، فإنه موجود بطريق الضرورة وفي كونه عامًا خلاف".
(٥) في أ: "ما يتناوله".
(٦) في ب: "وهو".
(٧) "و" ليست في ب ففيها: "عام كالدار"
(٨) "هو"من أ.
(٩) سورة الإسراء: ٢٣ والآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
[ ٣٠٥ ]
تخصيصه، لأن لفظ التأفيف (١) هو المنصوص عليه، وهو ليس بعام، بل هو اسم خاص لمعنى خاص، ولكن (٢) لما كان تحريم التأفيف تحريمًا لكل أذى فوقه من القتل والضرب والشتم ونحوها، بضرورة (٣) العقل، فيكون تخصيص شيء من ذلك مناقضة، بخلاف اللفظ العام، لأن التخصيص بيان أنه غير مراد باللفظ، ولا يجوز أن يكون شيء منه غير مراد، للتناقض. وفي اللفظ العام يجوز أن يكون البعض غير مراد، فلا يؤدي إلى التناقض - وهذا على طريق (٤) من فصل بين دلالة النص والقياس.
وأما (٥) من قال إنه ليس بدلالة النص، ولكنه قياس جلي موجب للعلم قطعًا (٦) في كل أذى، فيكون التخصيص مناقضة أيضًا على ما نذكر في تخصيص القياس (٧).
وأصحاب الشافعي سموا هذا النوع فحوى الخطاب وفحوى النص، ولا مشاحة في العبارة - والله أعلم.
مسألة - دليل الخطاب وما يشبهه لا يقبل التخصيص، عند عامة أصحابنا.
وعند الشافعي، وهو قول بعض أصحابنا، أنه يقبل.
وتفسير دليل الخطاب عندهم هو الحكم (٨) الذي تعلق بالعين بصفة:
_________________
(١) "ولا تنهرهما لأن لفظ" ليست في الأصل، ففيه: "ولا تقل لهما أف: فلفظ التأفيف".
(٢) في ب: "ولكنه".
(٣) في ب: "لضرورة".
(٤) في ب: "وعلى هذا طريق".
(٥) في أ: "أما".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل وأ كذا: "قياس على موجب العلم قطعًا". انظر المستصفى، ٢: ٢٨١.
(٧) "على ما نذكر في تخصيص القياس" من أ. وليست في الأصل. وفي ب: "على ما نذكر في تخصيص العام" وانظر فيما تقدم تخصيص العام ص ١٥٣ وما بعدها. وفيما يأتي تخصيص القياس ص ٣٠٨.
(٨) في ب: "هو الخطاب".
[ ٣٠٦ ]
يوجد عند وجود ذلك الصفة، وينعدم عند عدمها وينتفي (١). وكذا المعلق بالشرط: يوجد عند وجوده، وينتفي عند عدم الشرط (٢). وكذا في الحكم (٣) الموقت إلى وقت: ينتفى فيما وراء الوقت. وكذا الحكم المتعلق (٤) بعدد معلوم وبمقدار متعين (٥): ينتفى فيما وراء ذلك.
فعندهم: الانتفاء في هذه الواضع مضاف (٦) إلى النص أو مقتضى النص نفيًا عامًا، فيجوز تخصيص ذلك النص (٧).
وعندنا: الانتفاء لا يكون مضافًا إلى النص الوجب، بل عدم الحكم هو الأصل. وإنما يثبت بالدليل، فلا يكون النفي (٨) حكم النص الوجب (٩) حتى يقبل التخصيص.
والمسألة تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى (١٠).
مسألة: المقتضي لا عموم له عندنا، لأن العموم حكم اللفظ، وهو غير مذكور حقيقة. وإنما يجعل موجودًا بطريق الضرورة، لصحة الكلام، فيبقى فيما وراءه على حكم العدم.
_________________
(١) "وينتفي" ليست في أ.
(٢) في أ: "عند عدمه".
(٣) "الحكم" من أ. وعبارة "المعلق بالشرط وكذا في الحكم" ليست في ب، ففيها: "وكذا في الموقت إلى وقت".
(٤) في أ: "المعلق".
(٥) في أ: "بعدد معلوم والمعدود متيقن".
(٦) في ب: "يضاف".
(٧) في (أ) و(ب): "النفى".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "المنفي".
(٩) "الموجب" من (أ) و(ب).
(١٠) في هامش أ: "أي بعد عشرين ورقة في فصل: في الوجوه التي اختلف فيها إلى آخره" (انظر فيما بعد الهامش ٥ ص ٤٠٧).
[ ٣٠٧ ]
وعند الشافعي: المقتضى له عموم - على ما نذكر.
مسألة - القياس هل يجوز تخصيصه؟
فعندنا: لا يجوز تخصيصه (١). وفيه خلاف يذكر في باب القياس.
ولقب المسألة أن تخصيص العلة هل يجوز أم لا؟ والله أعلم.
[٤]