بعض المشايخ من أهل الأصول قالوا: للمجاز (٣) طرق منها:
- المناسبة بين الستعار له وبين (٤) المستعار عنه، والمشابهة بينهما.
- والثاني: المجاورة والملازمة بين المستعار عنه وبين (٥) المستعار له في الحقائق، حتى استعير اسم الغائط للحدث، لأن الغائط اسم للمكان المطمئن الخالي، والغالب أن الحدث يكون في مثل هذا المكان عادة، تسترًا عن أعين (٦) الناس. وكذا المطر: سمي "سماء"، يقول العرب: "ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم" أي المطر، لوجود الملازمة والمجاورة، لأن المطر من السماء ينزله. وفي الشرعيات (٧) تعتبر المجاورة والملازمة بين الأحكام وعللها وأسبابها.
والثالث - الزيادة.
والرابع - النقصان، على ما ذكرنا (٨).
وكذا إطلاق اسم الكل على البعض، وإطلاق اسم البعض على الكل: مجاز بطريق الزيادة والنقصان.
_________________
(١) "من" ليست في (أ) و(ب).
(٢) "دلالة" من (أ) و(ب).
(٣) في ب: "للمجاز منها طرق منها".
(٤) و(٥) "بين" من أ.
(٥) "أعين" من أ.
(٦) في ب: كلمة غير مقروءة.
(٧) راجع فيما تقدم ص ٣٦٩.
[ ٣٧٢ ]
والخامس - الكناية، لأنه إذا (١) أرا د المتكلم (٢) بلفظ الكناية غير ما وضع له ظاهرًا، فقد تجاوز عن الوضع الأصلي.
وإنما قالوا ذلك (٣)، لأن الحقيقة هو ظاهر اللفظ الموضوع للشيء، فإذا تغير هذا الظاهر عن سننه وأريد به غيره مع التغير، يكون مجازًا لتجاوزه عن الموضوع لعينه (٤).
وقال أكثر أهل الأصول: إن طريقه واحد، وهو المشابهة. ولهذا قال أهل الأدب: إن الاستعارة والمجاز تشبه، بدون حرف التشبيه للمبالغة فيه. وإذا كان حرف التشبيه مذكورًا فهو حقيقة تشبيه، وليس بمجاز، لأن الكاف والمثل والنظير وضعت للتشبية بين الشيئين حقيقة. وقالوا: المجاورة والتشبيه (٥) من باب الكناية، لا من باب المجاز. وكذا الزيادة من باب التأكيد، والنقصان من باب الإضمار والحذف والاختصار. وكذا الكناية ليست من باب المجاز (٦)، بل وضع هذه الأشياء في اللغة هكذا، فيكون من باب الحقيقة لا من باب المجاز.
واختلف هؤلاء فيما بينهم (٧):
قال بعضهم: المعتبر هو المشابهة بين لفظي المستعار منه (٨) والمستعار
_________________
(١) "إذا" من (أ) و(ب).
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "التكلم".
(٣) في ب: "كذلك".
(٤) في ب: "بعينه". وعبارة "وإنما قالوا ذلك لعينه" ليست في الأصل في هذا الموضع، بل جاءت قبل ذلك بأسطر بعد عبارة "مجاز بطريق الزيادة والنقصان" إذ قال بعدها: "وهذا لأن الحقيقة هو ظاهر لعينه".
(٥) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "والسببية".
(٦) "المجاز" ليست في ب.
(٧) في أ: "واختلفوا فيما بينهم".
(٨) في أ: "عنه". وانظر الهامش التالي.
[ ٣٧٣ ]
له (١) في بعض ما (٢) وضع له اسم المستعار منه، لا بين ذاتيهما، فإن استعارة اسم الأسد للشجاع (٣) مشهور فيما بين أهل اللغة، وبين اسم الأسد وبين (٤) اسم الشجاع مشابهة في بعض ما وضع له اسم الأسد، فإن الأسد اسم لصورة مخصوصة ومعنى مخصوص (٥)، وهو نهاية الشجاعة والجرأة، واسم الشجاع لمعنى (٦) الشجاعة مشتق (٧) منها، في فيكون بينهما مشابهة في بعض ما وضع له اسم الأسد، وهو الشجاعة، وإن كان بينهما مفارقة في البعض، فإن الشجاع ليس باسم لصورة الأسد. ولهذا قالوا: إن اسم الأسد يقع على أمير المؤمنين (٨) علي ﵁، بطريق المجاز، فإنه سمي (٩) أسد الله. لأنه وإن (١٠) وجد فيه (١١) نهاية الشجاعة، بل زيادة على شجاعة الأسد، ولكن لم يوجد فيه بعض ما هو علة استحقاق اسم الأسد (١٢)، وهو وجود الصورة المخصوصة، وهي صورة الحيوان الذي له زئير.
وقال بعضهم: إن المعتبر هو المشابهة بين ذاتي المستعار عنه (١٣) والمستعار
_________________
(١) في ب: "بين لفظي المستعار له والمستعار عنه".
(٢) "ما" ليست في أ. و"له" التالية من (أ) و(ب) وليست في الأصل.
(٣) في أ: "الشجاع".
(٤) "بين" ليست في (أ) و(ب).
(٥) "ومعنى مخصوص" ليست في ب.
(٦) في ب: "بمعنى".
(٧) في أ: "اشتق".
(٨) "أمير المؤمنين" من أ.
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وإنه يسمى".
(١٠) كذا في ب. وفي أ: "إن".
(١١) في ب: "منه".
(١٢) كذا في ب وأ. وفي الأصل: "لم يوجد فيه بعض معنى اسم الأسد".
(١٣) في ب: "منه". وانظر الهامش التالي.
[ ٣٧٤ ]
له (١) في المعنى اللازم المشهور، في محل الحقيقة دون المشابهة في معنى اسميهما لغة، فإن بين ذات الأسد وبين (٢) ذات الرجل الشجاع مشابهة في المعنى اللازم المشهور في الأسد، وهو الشجاعة، فجعل اسم الأسد مستعارًا للشجاع، كأنه هو الأسد، فأعطي اسمه له (٣)، وهذا لأن الاستعارة عند العرب هو التشبيه بين الشيئين بدون حرف التشبيه، مبالغة في التشبيه، فيقال: "فلان أسد" ولا يقال: "كالأسد"، حتى يكون إخبارًا عن وجود معنى الشجاعة فيه على الكمال، كأنه عين الأسد.
والدليل على أن الصحيح هذا، لا القول الأول (٤)، فإن اسم الأسد لو كان حقيقة له، باعتبار أنه اسم موضوع في اللغة لصورته المخصوصة، ومعناه الخاص اللازم وهو الشجاعة، [فإنه] يجب (٥) أن لا يقع على الأسد الميت ومقطوع اليدين والرجلين، لأنه لم يوجد فيه معنى الشجاعة، وإن وجدت (٦) صورته، والاسم الموضوع للشيئين لا يكون حقيقة لأحدهما، وإطلاق اسم الأسد على الميتت منه يكون حقيقة، لا مجازًا، لوجود علامة الحقيقة فيه، وهو أن نافي (٧) اسم الأسد عن الأسد الميت والمريض يكذب، ونافي اسم المجاز لا يكذب، فهذا دليل ضروري على بطلان (٨) هذا الكلام.
_________________
(١) في أ: "ذاتي المستعار له والمستعار عنه".
(٢) "بين" من ب.
(٣) في ب "له اسمه".
(٤) في ب: "الصحيح هذا القول لا الأول".
(٥) في ب: "ويجب".
(٦) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وإن وجد".
(٧) في ب كذا: "باقي".
(٨) في أ: "لبطلان".
[ ٣٧٥ ]
وقال بعضهم بأن (١) المشابهة معتبرة بين الذاتين في المعنى اللازم المشهور في محل الحقيقة، لكن يجب أن يكون ذلك المعنى في المستعار منه (٢) أبلغ، حتى يكون في الاستعارة فائدة، وهي (٣) المبالغة في التشبيه - هكذا ذكر (٤) علي بن عيسى (٥) النحوي البغدادي في كتاب "إعجاز القرآن" من تصنيفه - إلا أن الصحيح أنه ليس بشرط فإن عليًا ﵁ يسمى "أسد الله" ويسمى "حيدر" وهو الأسد، ولا شك أن شجاعة علي ﵁ تفوق على شجاعة الأسد بكثير، وأن اسم الأسد له (٦) بطريق المجاز لا بطريق الحقيقة، ولكن الغالب أن المعنى في المستعار عنه أبلغ، وما قال فيه مبالغة التشبه، بلى، ولكن الداعي إلى استعمال المجاز ليس بمقصور (٧) على مبالغة التشبه، بل للمجاز فوائد من اختصار اللفظ أو الفصاحة والجزالة إذ هو في المجاز أكثر ونحو ذلك - والله أعلم.
_________________
(١) في أ: "إن".
(٢) في أ: "عنه".
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وهو".
(٤) "ذكر" ليست في ب.
(٥) علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني أبو الحسن الوراق - كذا قال الزبيدي. وقال التنوخي: هو يعرف بالإخشيدي. قال التنوخي: وممن ذهب في زماننا إلى أن عليًا ﵇ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ من المعتزلة أبو الحسن علي بن عيسى النحوي المعروف بابن الرماني الإخشدي. وقال المؤلف: أرى أنه كان تلميذ ابن الإخشد المتكلم أو على مذهبه لأنه كان متكلمًا على مذهب المعتزلة وله من ذلك تصانيف مأثورة. وكان إمامًا في علم العربية علامة في الأدب في طبقة أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي. مات سنة ٣٨٤ هـ ومولده سنة ٢٧٦ هـ أخذ عن ابن السراج وابن دريد والزجاج. وله تصانيف في جميع العلوم من النحو واللغة والنجوم والفقه والكلام على رأي المعتزلة كما ذكرنا. وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق. وللرماني من التصانيف الأدبية: كتاب تفسير القرآن المجيد - كتاب الحدود الأكبر - كتاب الحدود الأصغر. - كتاب معاني الحروف - كتاب شرح الصفات - كتاب شرح الموجز لابن السراج - كتاب إعجاز القرآن - كتاب شرح أصول ابن السراج ألخ. (ياقوت، معجم الأدباء جـ ١٤ ص ٧٣ وما بعدها. وقد ترجم له في طبقات المفسرين وفي بغية الوعاة).
(٦) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وأن الاسم له".
(٧) في ب: "ليس مقصورًا".
[ ٣٧٦ ]
وفي هذا الفصل كلام كثير مشهور في مسائل الخلاف، وهو مستقصى في الشرح.
[٤]