أداء، وقضاء، وإعادة
فنذكر تفسير هذه الجملة من حيث اللغة، وعرف الشرع.
أما الأداء والقضاء (٢):
فلفظان يستعملان (٣) في اللغة أحدهما مكان الآخر (٤) - قال الله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض" (٥). والمراد منه الأداء، لأن صلاة الجمعة لا تقضى (٦). وقال الله تعالى: "فإذا قضيتم مناسككم" (٧). ويقال: "قضي الدين"-. قال (٨) النبي - ﷺ -: "الدين مقضي" أي مؤدى (٩).
إلا أن الأداء (١٠) في اللغة ينبئ عن شدة الرعاية والمبادرة إلى تسليم عين (١١) الواجب، فيستعمل في تسليم عين الواجب على طريق المسارعة. ولهذا (١٢) يقال في الثلاثي منه: "الذئب يأدو للغزال فيختله" (١٣) أي
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "ومن أنواع أحكام الأفعال". وفي أ "الفعل".
(٢) كذا في "ب". وفي الأصل و(أ): "القضاء والأداء".
(٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "يستعمل".
(٤) في ب: "مكان صاحبه".
(٥) سورة الجمعة: ١٠.
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "والمراد أداء صلاة الجمعة فإنها لا تقضى".
(٧) سورة البقرة: ٢٠٠.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وقال".
(٩) "أي مؤدى" من ب. وفي المعجم الوسيط: أدى الدين قضاه. وأدى الصلاة قام بها لوقتها.
(١٠) في ب: "وأما الأداء".
(١١) "عين" ليست في (أ) و(ب).
(١٢) في ب: "ومنه يقال".
(١٣) في أكذا: "الدئب يأدؤ للغزال يختله". وفي المعجم الوسيط: "أدا" للظبي ونحوه: خدعه ليصيده. وانظر البزدوي والبخاري عليه ١٢: ١٣٨.
[ ٦٢ ]
يراعي حضوره شدة (١) الرعاية، وينتهز (٢) الفرصة بالحيلة حتى يأخذه.
وأما القضاء فعبارة عن الإحكام والإتقان - قال قائلهم (٣).
وعليهما مسرودتان (٤) قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع أي أحكم صنعتهما. ويراد به إتيان (٥) الفعل الواجب محكمًا تامًا (٦)، من غير قصور من حيث المعنى. فيستعمل في تسليم مثل الواجب، كما يستعمل في تسليم عينه، لاستوائهما من حيث المعنى.
وأما في عرف الشرع:
فالأداء عبارة عن تسليم عين الواجب، في وقته المعين شرعًا أو مطلقًا (٧).
والقضاء عبارة (٨) عن تسليم مثل الواجب في غير وقته المعين شرعًا. ثم هو أنواع:
- نوع منها (٩) هو مثل الواجب (١٠) من كل وجه، صورة ومعنى، بأن عقل معناه، كتسليم المثل في المثليات لعد الاستهلاك حقيقة أو تقديرًا بالغصب.
_________________
(١) في ب: "بشدة".
(٢) في أ: "ويشمر وينتهز".
(٣) كذا في ب. وزاد في الأصل و(أ): "شعر".
(٤) المسرودة الدرع المثقوبة (اللسان).
(٥) في ب: "إثبات".
(٦) "تامًا" ليست في ب.
(٧) "أو مطلقًا" ليست في أ. انظر الجرجاني، التعريفات.
(٨) في أ: "وأما القضاء فعبارة".
(٩) "منهما" من أ.
(١٠) في ب: "نوع مثل الأول".
[ ٦٣ ]
- ونوع هو مثل الأول (١) معنى لا صورة، كتسليم القيمة فيما لا مثل له من الأعيان.
- ونوع جعل مثلًا شرعًا، وإن لم يكن بينهما مشابهة من حيث الصورة والمعنى، من كل وجه، كالدية في باب القتل، والفدية في حق الشيخ الفاني، ونفقة الإحجاج مقام أداء الحج في حق المعذور على ما عرف في كتب الفقه.
وأما الإعادة:
فهي رد عين الفائت إلى يد صاحبه (٢) حال قيامه - هو موجبه في اللغة: مأخوذ من العود. وفي إعادة الأجسام والأعراض، بعد الفناء والعدم، كلام دون العقلاء يعرف في مسائل الكلام (٣).
ولكن (٤) الإعادة المستعملة في العبادات، في عرف الشرع، هي إتيان مثل الفعل (٥) الأول على صفة الكمال، بأن وجب على المكلف فعل موصوف بصفة، فأداه على وجه النقصان، وهو نقصان فاحش -[فـ] يجب عليه الإعادة، وهي إتيان مثل الأول، ذاتًا، مع صفة الكمال على ما نذكر كيفية ذلك (٦) في مسألة: الأمر بالفعل هل (٧) يقتضي الإجزاء - إن شاء الله تعالى (٨).
_________________
(١) في أ: "للأول".
(٢) في أ: "وهو إتيان عين الفائت عن يد صاحبه إليه".
(٣) في ب: "يستقصى عليه في أصول الكلام".
(٤) في ب: "وأما".
(٥) "الفعل" من ب.
(٦) في ب: "كيفيته".
(٧) "بالفعل" من ب. وفي أ: "الأمر أنه هل".
(٨) انظر فيما بعد ص ١٣٧.
[ ٦٤ ]
ثم عندنا ما يؤدى في خارج الوقت المعين، بعد فواته عن الوقت المعين، يكون قضاء، سواء كان وجوب الفعل ثابتًا (١) في الوقت بأن كان أهلا للتكليف أو لم يكن الوجوب (٢) ثابتًا، لكن ليس في القضاء حرج (٣)، كالحائض والنفساء والنائم والمغمى عليه والمجنون غير المطبق ونحو ذلك (٤).
ويعتبر وجوب الأداء في الجملة لا في حقه، ولكن (٥) يعتبر في حقه (٦) أهلية ثواب الأداء فيجب القضاء (٧) نظرًا له.
وقال بعض أصحاب الحديث: إن من وجب عليه الفعل (٨) في الوقت، ففاته، عمدًا أو سهوًا، يكون المثل في الوقت الآخر (٩) قضاء. وإن لم يكن الوجوب ثابتًا يكون أداء حقيقة، وهو فرض ثان (١٠) لكن سمي قضاء مجازًا إلا أن (١١) من شرط هذا الفرض الثاني فوات الأول.
و(١٢) لكن الصحيح ما ذكرنا، فإنه بالإجماع يجب عليه أن ينوي قضاء الفائت.
وبين الأداء والقضاء (١٣) اختلاف في الأحكام، ولكن ليس من شرط القضاء وجوب الأداء في حق من وجب (١٤) عليه. ولكن الشرط
_________________
(١) في ب كذا: "نايبا".
(٢) "الوجوب" ليست في أ. وفي ب كذا: "الوجوب نابيا".
(٣) في ب: "لكن لا حرج في القضاء".
(٤) "ونحو ذلك" ليست في أ.
(٥) و(٦) في ب: "لكن". وفي أ: "لكن في حقه تعتبر". وأثابه أعاده ورجعه (المعجم الوسيط).
(٦) "فيجب القضاء" ليست في ب. وانظر ما يلي بعد قليل.
(٧) "الفعل" ليست في (أ) و(ب).
(٨) في أ: "في وقت آخر".
(٩) في ب: "ويكون هذا فرضًا ثانيًا".
(١٠) في (أ) و(ب): "لأن".
(١١) "و" ليست في أ.
(١٢) في ب: "القضاء والأداء".
(١٣) "وجب" من أ.
[ ٦٥ ]
وجوب الأداء في الجملة لعموم (١) دليله وفواته عن الوقت في حقه، مع إدراك وقت القضاء، وانتفاء الحرج عنه (٢)، على ما عرف في مسألة المجنون على الاستقصاء. والله أعلم.
[٨]