حسنًا، ومرضيًا، وحقًا، وصوابًا، وعدلًا، وحكمة
وقد يوصف الفعل على ضد هذه الأوصاف - فيقال:
فعل قبيح، وباطل، وخطأ، وظلم، وجور، وسفه (٥).
أما الحسن:
في اللغة (٦): فهو (٧) كون الشيء على وجه تقبله النفس، و(٨) يميل إليه الطبع، من حيث الاستمتاع به. والحسن هو الكائن على هذا الوجه.
_________________
(١) في ب: "ثواب وعقاب".
(٢) في ب: "ما جعل".
(٣) في ب: "عملًا واعتقادًا".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "الحكم".
(٥) في ب: "وظلمًا وجورًا وسفهًا".
(٦) هنا بدأت النسخة أ. راجع فيما تقدم الهامش ١ ص ١.
(٧) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "هو".
(٨) "و" ليست في ب.
[ ٤٥ ]
ولهذا يوصف الوجه بالحسن والقبح: يقال وجه حسن ووجه قبيح (١).
وأما في عرف الشرع: فعندنا الحسن هو القبول للشيء والرضا به، والحسن هو المقبول والمرضي (٢).
ثم هو اسم إضافي باعتبار غير يقبله ويرضى به: وذلك الغير (٣) إما الطبع أو العقل أو الشرع:
- فكل (٤) ما يميل إليه الطبع لا غير، يكون حسنًا طبعًا، لا عقلًا و(٥) شرعًا، كمباشرة المحرمات الشرعية.
- وكل (٦) ما يدعو إليه العقل والشرع، دون الطبع - فهو حسن عقلًا، وشرعًا، لا طبعًا (٧)، كالإيمان بالله تعالى وأصل (٨) العبادات.
- وكل ما جاء الشرع به، ودعانا (٩) إليه، ورغبنا في فعله، من غير أن يعقل فيه (١٠) وجه الحسن ويميل إليه الطبع - فهو حسن شرعًا، لا عقلًا وطبعًا، كصور (١١) العبادات ومقاديرها وأوقاتها وهيئاتها (١٢).
وأما القبح (١٣):
فهو على ضد (١٤) هذه الوجوه أيضًا (١٥)، على مقابلة الحسن.
_________________
(١) " يقال قبيح" من ب.
(٢) في ب: "والحسن المقبول المرضي".
(٣) "وذلك الغير" من ب.
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وكل".
(٥) "و" ليست في ب.
(٦) في ب: "وكل".
(٧) "لا طبعًا" من ب.
(٨) في أ: "كأصل".
(٩) في أ: "ودعا".
(١٠) "فيه" من ب.
(١١) كذا في (أ) و(ب). وفى الأصل: "كصورة".
(١٢) "وهيئاتها" من ب.
(١٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "القبيح".
(١٤) "ضد" ليست في ب.
(١٥) "أيضًا" من (أ) و(ب).
[ ٤٦ ]
وأما العدل:
-[فـ] قيل: مأخوذ (١) في اللغة (٢) من العدول، وهو الميل - يقال: عدل عن الطريق إذا مال عنه (٣).
وأما في عرف الشرع فقد (٤) استعمل في وجه مخصوص، وهو العدول عن الباطل إلى الحق.
- وقيل: هو مصدر بمعنى العدالة، وهو الاعتدال والاستقامة.
وفي عرف الشرع: يستعمل (٥) في فعل مستقيم في العقل بحيث يقبله (٦) ولا يرده (٧).
وأما الجور:
فهو (٨) مأخوذ من الميل أيضًا لغة - يقال "جار السهم" إذا زال عن سننه.
إلا أنه في الشرع استعمل في الميل الخاص وهو أن يكون (٩) عن الحق إلى الباطل.
_________________
(١) في ب: "فهو مأخوذ".
(٢) "في اللغة" ليست في ب.
(٣) "عنه" من ب.
(٤) "فقد" من أ.
(٥) كذا في ب. وفي أ: "مستعمل". وفي الأصل: "استعمل"
(٦) في ب: "مستقيم بحيث يقبله العقل".
(٧) قال الشهرستاني في الملل والنحل (١: ٤١ - ٤٣): "وأما العدل - فعلى مذهب أهل السنة: إن الله تعالى عدل في أفعاله، بمعنى أنه متصرف في ملكه وملكه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فالعدل وضع الشيء موضعه، وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم. والظلم بضده فلا يتصور منه جور وظلم في التصرف. وعلى مذهب أهل الاعتزال: العدل ما يقتضيه العقل من الحكمة، وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "هو".
(٩) "الخاص وهو أن يكون" من ب.
[ ٤٧ ]
وأما الظلم:
فهو في اللغة عبارة (١) عن وضع الشيء في غير موضعه (٢). يقال في المثل السائر (٣): "من أشبه أباه فما ظلم" أي هذا الشبه ليس في غير موضعه (٤). ويقال: "ظلم الشعر" إذا ابيض في غير حينه.
وأما السفه:
في اللغة: [فـ] عبارة عن التحفة والاضطراب. يقال "سفهت أحلام القوم" أي عقولهم (٥) إذا خفت. ومنه (٦) سمي الرجل سفيهًا إذا كان به خفة وفي عقله نوع اضطراب فيحمله (٧) على فعل مخلف للعقل بقلة (٨) التأمل.
وأما الحكمة:
في اللغة: فقد (٩) قال ابن الأعرابي (١٠): الحكمة العلم، والحكيم هو (١١) العالم. وقيل: الحكمة هي الإتقان والإحكام والحكيم هو المحكم
_________________
(١) كذا في ب. وفي أ: "وأما الظلم في اللغة فعبارة". وفي الأصل: "وأما الظلم في اللغة عبارة".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "محله".
(٣) "السائر" من ب.
(٤) في ب: "أي ما وضع هذه الشبه في غير موضعه".
(٥) "أي عقولهم" من (أ) و(ب).
(٦) "ومنه" من ب.
(٧) في أ: "فتحمله".
(٨) في ب: "مخالف العقل لقلة". وفي أ: "يخالف العقل لقلة".
(٩) "في اللغة فقد" من أ.
(١٠) هو أبو عبد الله محمد بن زياد المعروف وابن الأعرابي الكوفي صاحب اللغة. وهو من موالي بني هاشم وقيل من موالي بني شيبان وقيل غير ذلك والأول أصح. وكان أحول راوية لأشعار القبائل ناسبًا. وكان أحد العالمين باللغة المشهورين بمعرفتها. وله كتب كثيرة. قيل إنه ولد في الليلة التي مات فيها أبو حنيفة في رجب سنة ١٥٠ هـ وتوفي سنة ٢٣١ هـ وقيل سنة ٢٣٠ هـ بسر من رأى. والأعرابي نسبة إلى الأعراب (انظر ابن خلكان. والسيوطي، بغية الوعاة).
(١١) "هو" من ب.
[ ٤٨ ]
للشيء: فعيل (١) بمعنى مفعل كما يقال: عذاب أليم أي مؤلم، وسميع بمعنى مسمع (٢).
وأما حدود هذه الأفعال عند المتكلمين:
[فقد] اتفقوا على (٣) أن كل ما هو حكمة وعدل فهو حسن في العقل (٤)، وأن كل ما هو سفه وظلم (٥) فهو قبيح (٦).
و(٧) اختلفوا في تحديدها:
قال بعض أهل الحديث:
القبيح والظلم والسفه ما نهي عنه. والحسن ما أمر به.
فأبطل عليهم:
- بأفعال الله تعالى عندهم (٨)، وهي (٩) المفعولات عندنا: فإن كثيرًا منها يوصف بالحسن، والله تعالى لم يكن يدخل (١٠) تحت أمر آمر.
- وكذا أبطل عليهم بفعل العاقل البالغ (١١) قبل بلوغ الدعوة من الإيمان
_________________
(١) في أ: "المحكم المتقن: فعيل".
(٢) "وسميع بمعنى مسمع" من أ.
(٣) "على" من أ.
(٤) "في العلل" ليست في أوموضعها فيها بياض.
(٥) في أفي الهامش: "لم يذكر الجور".
(٦) "وأما حدود هذه الأفعال وهو قبيح" ليست في ب.
(٧) في ب: "وقد".
(٨) "عندهم" من ب.
(٩) في ب: "وهو".
(١٠) "بدخل" من ب.
(١١) "البالغ" ليست في ب.
[ ٤٩ ]
بالله تعالى والإحسان في حق ذوي الحاجة، فإنه فعل حسن ولم يؤمر به قبل بلوغ (١) الدعوة عندكم. وكذا ما أتى به من الكفر والكفران والكذب والظلم: فإنه قبيح يقر به (٢) كل عاقل، وليس هو (٣)، بمنهي عن هذه الأفعال.
فلما عرفوا هذا (٤) الإلزام قالوا: إن القبيح ما نهي عنه، والحسن ما لم ينه عنه.
فأبطل عليهم:
- بفعل الصبيان والمجانين، من اللواطة والوطء في ملك الغير (٥)، وقذف المحصنات، والقتل بغير حق ونحو ذلك (٦) - فإنها أفعال قبيحة ولم توصف (٧) بالحسن، وإنهم لم ينهوا عنها.
- وكذا العاقل البالغ إذا آمن (٨) بالله تعالى وأقر بوحدانيته وبجميع (٩) صفات الكمال قبل بلوغ الدعوة وظهور الشريعة، وكذا إذا أطعم جائعًا وسقى عطشان: فإن فعله لا يوصف بالحسن عندهما (١٠)، والإيمان والإحسان مما (١١) لم ينه عنهما.
_________________
(١) "بلوغ" من أ.
(٢) في (أ) و(ب): "يعرفه".
(٣) "هو" ليست في أ.
(٤) "هذا" من ب.
(٥) في ب: "من اللواطة والزنا والوطء في غير الملك".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "والقتل وغيرها" وفي أ: "والقتل ونحوها".
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "ولم يوصف".
(٨) في ب: "أقر".
(٩) في أ: "وجميع".
(١٠) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "عندكم".
(١١) في ب: "ما".
[ ٥٠ ]
فتركوا هذا الحد ونقلوا (١) إلى حد آخر، وهو قولهم (٢): الحسن والعدل والحكمة ما لفاعله فعله، والقبيح (٣) والظلم والسفه ما ليس لفاعله فعله. فيقال لهم:
- بم عرفتم أن لفاعله فعل هذا النوع دون النوع الآخر (٤): أبالعقل عرفتم ذلك أم (٥) بالشرع؟ إن قلتم: بالعقل، فقد تركتم مذهبكم في أن العقل لا يعرف به (٦) الحسن والقبح والعدل (٧) والظلم. وإن قلتم: بالشرع فقد عدتم إلى الحد الأول وقد أبطلناه (٨).
- ثم هو باطل بفعل البالغ العاقل الذي لم يبلغه الشرع - فما قولكم: هل له أن يؤمن أم لا؟ فإن قلتم: لا، فهو قبيح شنيع. وإن قلتم: له أن يؤمن، فقد فعل ما له فعله، وفعله لا يوصف بالحسن عندكم، فيبطل هذا الحد في جانب الحسن.
- ثم نقول لهم (٩): هل له أن يكفر؟ فإن قلتم: نعم، فهذا كفر. وإن قلتم: ليس (١٠) له أن يفعله، فقد وجد حد فعل (١١) القبيح، وفعله لا يوصف (١٢) بالقبح عندكم.
_________________
(١) في ب: "وعدلوا".
(٢) في ب: "وقالوا".
(٣) "والقبيح" ليست في ب.
(٤) "النوع" من أ. وفي ب: "أن لفاعل هذا النوع فعله دون غيره".
(٥) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "بالعقل أم ".
(٦) "به" ليست في أ.
(٧) "والقبح والعدل" ليست في أ.
(٨) "وقد أبطلناه" من ب.
(٩) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ونقول لكم".
(١٠) "ليس" ليست في ب.
(١١) "فعل" من ب.
(١٢) في أ: "فعله ما لا يوصف".
[ ٥١ ]
- وكذا عندكم فاعل الكفر والمعاصي، هو الله تعالى، وله فعله، والعبد كانت و(١) ليس بفاعل، وإنه (٢) لا يوصف بالحسن بل بالقبح.
وقال بعض المعتزلة:
الحسن ما إذا فعله القادر عليه لم يستحق الذم بوجه ما.
وهذا باطل:
- بالصبي العاقل إذا فعل شيئًا من الفواحش: فإنه لا يوصف ذلك (٣) الفعل بالحسن مع وجود ما ذكرتم من الحد.
- وكذا باطل بالمباح: فإنه ليس بحسن، مع وجود هذا الحد.
فإن (٤) وصفوا المباح بالحسن: فهو فاسد، لأن الحسن لابد أن (٥) يكون فيه وصف يترجح به جانب وجوده على جانب عدمه (٦)، والمباح ما استوى طرفاه في الوجود والعدم.
وذكر أبو إسحاق الاسفرايني (٧) من الأشعرية وقال:
_________________
(١) "و" ليست في أ.
(٢) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وإنها".
(٣) "ذلك" ليست في ب.
(٤) في أ: "وإن".
(٥) في أ: "وأن".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وصف يَرجع جانب وجوده على عدمه".
(٧) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الاسفرايني الملقب بركن الدين. وهو منسوب إلى إسفراين. وهي بلدة بخراسان بنواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان. وهو فقيه شافعي متكلم أصولي. وأخذ عنه الكلام والأصول عامة شيوخ نيسابور. وأقر له بالعلم أهل العراق وخراسان. وله من التصانيف الجليلة كتابة الكبير "جامع الحلي في أصول الدين والرد على الملحدين" في خمسة مجلدات. وقد أخذ عنه القاضي أبو الطيب الطبري أصول الفقه باسفراين. واختلف إلى مجلسه أبو القاسم القشيري وأكثر الحافظ أبو بكر البيهقي الرواية عنه في تصانيفه وغيره من المصنفين. وقد توفي بنيسابور سنة ٤١٨ هـ ونقل إلى إسفراين (ابن خلكان).
[ ٥٢ ]
الظلم والقبيح ما يعود به على فاعله ضرر محض. والحسن على عكسه (١). والحكمة في الفعل وقوعه على قصد فاعله. والسفه وقوع الفعل (٢) على خلاف قصد فاعله. فمن وقع فعله على موافقة قصده فهو حكيم، ومن وقع فعله على خلاف قصده فهو سفيه.
وعامة المعتزلة قالوا:
إن الحكمة كل فعل فيه نفع إما للفاعل (٣) أو (٤) لغير الفاعل. وهو عدل. وهو حسن. وكل فعل خلا عن المنفعة إما للفاعل وإما لغيره (٥)، فهو سفه.
وقالوا: كل فعل فيه إلحاق الضرر بالغير من غير أن يكون فيه نفع أعظم مما فيه من الضرر - فهو ظلم.
وقال بعضهم:
الظلم هو (٦) الضرر المحض الذي لا نفع فيه، ولا هو مستحق؛ ولا يدفع به ضرر أعظم منه، ولا يظن به أحد هذه الوجوه (٧).
وقال أصحابنا ﵏:
السفه ما خلا عن العاقبة الحميدة. وهو قبيح لخلوه عن العاقبة الحميدة، لا لمكان الضرر. والظلم وضع الشيء في غير موضعه. والحكمة ما تعلقت به عاقبة حميدة.
* * *
_________________
(١) "والحسن على عكسه" ليست في ب.
(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "والسفه فيه وقوعه". وفي أ: "والسفه في فعله وقوعه".
(٣) في ب: "لفاعله".
(٤) في أ: "وإما".
(٥) في ب: "خلا عن النفع للفاعل أو لغير الفاعل".
(٦) "هو" من ب.
(٧) "وقال بعضهم: الظلم الوجوه" ليست في أ.
[ ٥٣ ]
والكلام في هذه الفصول لتصحيح ما ذكرنا من الحدود، وإبطال ما ذكروه يستقصى (١) في أصول الكلام. وقد (٢) ذكرنا طرفًا منه لاتصاله بما قلنا. وفي الشرح يذكر بأبلغ من هذا (٣) إن شاء الله تعالى.
[٦]