عزيمة، ورخصة
أما العزيمة:
في اللغة: [فـ] عبارة عن النية المؤكدة - فإن من خطر بباله شيء (٥) من الأفعال التي يحتاج إلى تحصيله، فإنه ينوي مباشرته بقلبه. فإذا أكد النيَّة يقال: "عزم عليه". وإذا (٦) أكد العزم يقال: "أجمع عليه رأيه" (٧)
فأما الإرادة والقصد [فـ] قرينة الفعل، بها يصير الفعل اختياريًا (٨)، ويخرج (٩) عن (١٠) حد الاضطرار. غير أن لفظة الإرادة مطلقة يجوز إطلاقها في الشاهد والغائب. فأما (١١) القصد فيطلق (١٢) في الإرادة الحادثة، ولا يجوز إطلاقه (١٣) في صفة الله تعالى مكان الإرادة.
_________________
(١) في ب: "سيستقصى عليه".
(٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "وذكرنا".
(٣) في ب: "طرفًا من ذلك في هذا الكتاب وسنذكر بأبلغ من ذلك في الشرح".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "الحكم".
(٥) في ب: "شيء أكده من الأفعال".
(٦) في ب: "فإذا".
(٧) "رأيه" من أ.
(٨) في ب: "اختيارًا".
(٩) "و" من (أ) و(ب).
(١٠) في أ: "من".
(١١) في ب: "وأما".
(١٢) في (أ) و(ب): "يطلق".
(١٣) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "إطلاقها".
[ ٥٤ ]
وقال بعض مشايخنا رحهمم الله (١):
يجوز أن تكون الإرادة سابقة على الفعل، بخلاف القدرة الحقيقية: فإنَّها مقارنة للفعل لا محالة (٢)، لا يجوز سبقها عليه ألبتة (٣).
وأما الرخصة:
في اللغة: فعبارة (٤) عن السهولة واليسر - يقال: رخص السعر إذا كثرت الأعيان وتيسرت إصابتها.
وأما في عرف الفقهاء:
فالعزيمة (٥) اسم للحكم الأصلي في الشرع لا لعارض أمر. وهو ما ذكرنا من الفرض والواجب والسنة ونحوها (٦). وما ذكرنا من الحلال والحرام ونحوهما (٧).
و[أما] الرخصة فهي اسم لما تغير عن الأمر الأصلي لعارض (٨)، إلى تخفيف وتيسير، ترفيهًا (٩) وتوسعة على أصحاب الأعذار، سواء كان التغيير في وصفه (١٠) أو في حكمه. وذلك نوعان: حقيقة ومجاز (١١).
أما الحقيقة - فقد تكلموا فيها:
_________________
(١) "﵏" من أ.
(٢) "لا محالة" ليست في ب.
(٣) "ألبتة" من ب.
(٤) الفاء من أ.
(٥) في ب: "والعزيمة".
(٦) راجع فيما تقدم ص ٢٥، وما بعدها.
(٧) "وما ذكرنا ونحوهما" من ب. راجع فيما تقدم ص ٤٠ وما بعدها.
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "بعارض".
(٩) في ب كذا: "ويسر فيها". وفي أ: "وتيسير تخفيفًا".
(١٠) في ب: "في صفه".
(١١) في الأصل و(ب): "ومجازًا".
[ ٥٥ ]
قال بعض مشايخنا ﵏: هي (١) نوعان:
أحدهما - ما تغير حكمه مع بقاء الوصف الذي كان عليه من قبل (٢)، وهو أن يكون الفعل محرمًا في نفسه مع سقوط حكمه، وهو (٣) المؤاخذة في الدار الآخرة (٤). وذلك نحو إجراء كلمة الكفر على لسانه (٥) حالة الإكراه، مع قيام (٦) التصديق بالقلب، وإتلاف المال المعصوم لغيره بغير إذنه، وسبب الإكراه أو (٧) المخمصة، حتى لو امتنع فقتل أو مات جوعًا فإنه يثاب على ذلك، لامتناعه، ببذل نفسه (٨) لوجه الله تعالى، وتعظيم نهيه، لأن حرمة الكفر والتكلم به لا تحتمل (٩) الإباحة بحال، وكذا إباحة (١٠) تناول مال الغير بغير إذنه لم يرد الشرع به، لكن لا يؤاخذه (١١) في الآخرة، لأن العذاب ليس من الأحكام اللازمة لمباشرة المحظور (١٢). وإنما عرف جزاء له بوعيد الله تعالى، والله تعالى ما أوعد الجزاء بمباشرة (١٣) المحظور عند العذر. وكذا إفطار صوم رمضان بالإكراه من هذا القبيل.
_________________
(١) في ب: "قال بعض أصحابنا: هو نوعان".
(٢) "عليه من قبل" من ب.
(٣) في أ: "وهي".
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "في الآخرة".
(٥) في ب: "اللسان".
(٦) في ب:. "مع بقا".
(٧) في ب: "و".
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "النفس".
(٩) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "لا يحتمل".
(١٠) في أ: "وكذا حرمة تناول".
(١١) كذا في ب. وفي أ: "لا يؤاخذ". وفي الأصل: "لا مؤاخذة".
(١٢) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "اللازمة للمحظور".
(١٣) في أ: "بمباشرته".
[ ٥٦ ]
والنوع الثاني - أن يسقط الحظر والمؤاخذة جميعًا (١). وذلك نحو حرمة الميتة (٢) والخمر عند الإكراه والمخمصة، حتى لو امتنع فمات، فإنه يؤاخذ (أي يأثم) بدمه.
وأما الصوم في حق المسافر في رمضان:
فعند عامة مشايخنا ﵏ من القسم الأول، فإن العزيمة في حق المسافر، إذا كان لا يخاف الهلاك، هو الصوم، فيكون الصوم واجبًا في حقه، لكن المؤاخذة ساقطة مع قيام الوجوب.
وعند بعض المشايخ من القسم الثاني، لأن الوجوب ساقط إلا أنه إذا ترك الترخص واشتغل بالعزيمة، يعود حكم العزيمة كما كان (٣).
وكلا القسمين رخصة، بطريق الحقيقة، لوجود التغير عن الأمر الأصلي إلى تخفيف وتيسير (٤)، إلا أن القسم الثاني (٥) أكمل (٦) في الرخصة، لأن التيسير (٧) والتغير فيه (٨) عن الأمر الأصلي أكثر، وهو سقوط وصف الفعل وسقوط (٩) الحكم جميعًا.
فأما (١٠) قصر الصلاة في حق المسافر فليس برخصة عندنا، بل هو عزيمة.
_________________
(١) "جميعًا" ليست في ب.
(٢) في أ: "الميت". وفي ب: "الميتة والدم والخمر".
(٣) "كما كان" من ب.
(٤) في ب: "تخفيف ويسر".
(٥) و(٦) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "الأول" وفي متن أ "القسم الثاني أكمل" وفي هامشها تصحيح بـ "أحق" فتكون "القسم الثاني أحق".
(٦) في (أ) و(ب): "اليسر".
(٧) "فيه" ليست في ب.
(٨) "سقوط" من ب.
(٩) في ب: "وأما".
[ ٥٧ ]
وعند الشافعي ﵀ رخصة، لأن المشروع الأصلي في الصلاة من حيث القدر (١) ركعتان، على ما روي عن عائشة ﵂ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال (٢): "الصلاة في الأصل (٣) ركعتان زيدت في الحضر، وأقرت في السفر" وقال عمر ﵁: "صلاة المسافر ركعت أن [تمام] (٤) عن (٥) غير قصر على لسان نبيكم - ﷺ - " (٦) ثم في حق المقيم تغيرت عن الأصل وصارت أربعة لكنه تغير إلى الغلظ والشدة (٧) لا إلى التيسير والسهولة (٨)، فلا (٩) يسمى رخصة.
وقال بعض مشايخنا ﵏:
الرخصة الحقيقية نوعان:
أحدهما - ما تسقط (١٠) المؤاخذة فيه مع قيام الحرمة والوجوب على ما ذكرنا.
والثاني - ما تسقط (١١) المؤاخذة فيه والحرمة والوجوب مع قيام السبب المحرم والسبب الموجب (١٢). وهذا إنما يصح على قول من يقول بتخصيص
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "المقدر".
(٢) في أ: "ما روي عن النبي ﵇ أنه قال".
(٣) "في الأصل" ليست في (أ) و(ب).
(٤) في الأصل وأ و(ب): "تام" - يقال: بدر تمام، وبدر تمام. وليل التمام أطول ليلة في السنة (المعجم الوسيط).
(٥) "من" ليست في ب.
(٦) في أ: "نبيكم ﵇".
(٧) في ب: "إلى غلظ وشدة".
(٨) في أ: "إلى اليسر والسهولة". وفي ب: "إلى سهولة ويسر".
(٩) في ب: "ولا".
(١٠) "ما تسقط" ليست في ب.
(١١) كذا في أ. وفي الأصل: "ما يسقط". و"ما تسقط" ليست في ب.
(١٢) في ب: "السبب الموجب والمحرم".
[ ٥٨ ]
العلة، ويجوز (١) قيام السبب (٢) المحرم والموجب بلا (٣) حرمة ولا وجوب.
وقال بعض أصحاب الحديث:
إن حقيقة الرخصة ما وسع على المكلف فعله، لعذر، مع كونه حرامًا في حق من لا عذر له، أو وسع على المكلف تركه، مع قيام الوجوب، في الجملة في حق غير المعذور. وسوى بين الرخص كلها وقال: لا يجوز أن تكون (٤) الرخصة حرام التحصيل: قال النبي - ﷺ -: "إن الله تعالى يحب أن يؤتى (٥) برخصه كما يحب أن يؤتى (٦) بعزائمه" وقال النبي - ﷺ -، لعمار بن ياسر (٧) ﵁، حين أكرهه الكفار على إجراء كلمة الكفر فأجرى،: "فإن عادوا فعد"، كيف وإن (٨) بعض الرخص يجب تحصيله (٩)، كما في تناول الميتة والدم عند الإكراه والمخمصة، وكما في الإفطار إذا خاف الهلاك.
وهذا صحيح ويجب أن يكون قول أصحابنا ﵏ هذا، فإن معنى الرخصة السهولة واليسر، وذلك في سقوط الحظر والعقوبة جميعًا.
وأما الرخصة بطريق المجاز: فهو كل حكم شرع، في الأصل،
_________________
(١) في ب: "فيجوز".
(٢) "السبب" من ب.
(٣) في ب: "من غير".
(٤) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "يكون".
(٥) و(٦) في أ: "تؤتى".
(٦) "بن ياسر" من أ. وعمار بن ياسر صحابي من السابقين إلى الإسلام. كان يعذب هو وأبوه وأمه في الله تعالى فيمر بهم النبي - ﷺ - فيقول: "صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة". وهو أول من بنى مسجدًا في الإسلام وهو مسجد قباء. روي له عن رسول الله - ﷺ - اثنان وستون حديثًا. وقتل بصفين مع علي ﵁ سنة ٣٧ هـ وهو ابن ثلاث وتسعين سنة (النووي، التهذيب).
(٧) "إن" من ب. وفي الأصل و(أ): "وفي".
(٨) في ب: "واجب التحصيل".
[ ٥٩ ]
تيسيرًا، لا أنه تغير (١) عن الأصل إلى التخفيف بعارض، لكن كان على التضييق (٢) والعسر في شريعة من قبلنا من الأمم السالفة (٣)، وذلك نحو وضع الإصر والأغلال التي كانت على (٤) الأمم السالفة وصارت منسوخة، ولم يشرع مثلها في شريعتنا، بل على اليسر والسهولة. فعلى اعتبار الإضافة إلى الشريعة الماضية يشبه الرخصة فسميت (٥) بها مجازًا. فأما ما شرع في شريعتنا بطريق السهولة و(٦) اليسر كما هو في شريعة من قبلنا (٧)، كإباحة أكل (٨) الطيبات ولبس الزينة، فلا يسمى رخصة لا حقيقة ولا مجازًا.
ثم ما قيل في حد الرخصة، و(٩) هو استباحة المحظور مع قيام المحرم عبارة مشكلة: إن أريد بها إباحة المحظور (١٠) مع قيام المحرم (١١) بلا حرمة، فهو قول بتخصيص العلة. وإن أريد بها إباحة المحظور مع قيام الحرمة نفسها (١٢)، فهو قول بالجمع (١٣) بين المتضادين، وكلاهما فاسدان (١٤).
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "لا أن يتغير".
(٢) في أ: "التضيق".
(٣) "السالفة" عن ب.
(٤) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "في".
(٥) في ب: "شمس".
(٦) "السهولة و" من ب.
(٧) في ب: "بطريق السهولة واليسر وفي شريعة من قبلنا كذلك".
(٨) في أ: "كإباحة كل". وفي ب: "كإباحة تناول".
(٩) "و" ليست في ب ففيها: "هو".
(١٠) "إباحة المحظور" ليست في ب.
(١١) "المحرم" ليست في ب.
(١٢) "نفسها" من ب.
(١٣) في ب "وهو جمع بين".
(١٤) لعل الأصح: "وكلاهما فاسد" أو "وهما فاسدان".
[ ٦٠ ]
والصحيح ما ذكرنا من العبارة، وممكن تصحيح (١) ما ذكرنا من عبارة (٢) بعض أصحاب الحديث.
وإن ذكر حدًا مقسمًا بأن يقال: حد الرخصة ما وسع على المكلف بعذر. ثم ما وسع عليه نوعان (٣): ما وسع فعله، أو ما وسع تركه (٤) - حتى يصير حدًا شاملًا للقسمين [جاز].
وبعضهم صحح هذه العبارة فقال: ما رخص فيه مع كونه حرامًا. وهذا لا ينفع لأن الترخيص (٥) إباحة أيضًا (٦) وإن لم يكن إباحة مطلقة- كيف وقد أمر به النَّبي - ﷺ - حيث قال لعمار ﵁ (٧): "فإن عادوا فعد"، وأدنى درجات الأمر هو (٨) الإباحة - والله تعالى أعلم.
_________________
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "من العبارتين وأمكن تصحيح" (راجع ص ٦٠).
(٢) في ب: "من العبارة عن".
(٣) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ثم ذلك نوعان".
(٤) كذا في الأصل وأ. وفي ب: "نوع وسع عليه فعله ونوع وسع عليه تركه".
(٥) كذا في ب والأصل وفي أ: "الترخيص"
(٦) "أيضًا" ليست في ب.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "كيف وأن النبي - ﷺ - قال: فإن عادوا فعد". راجع ترجمة عمار فيما تقدم في الهامش ٧ ص ٥٩.
(٨) في أ: "هي" وليست في ب.
[ ٦١ ]
[٧]