أي عن النبي ﷺ:
أربعها الصريح في السماع من الرسول المجتبي المطاع
أرفعها بمعنى أقواها في الاحتجاج لأنه أبعد من الخلاف لعدم احتمال الواسطة التي يتوقع منها الخلل.
منه سمعت منه ذا أو أخبرا شافهني حدثنيه صيرا
[ ٢ / ٦٨ ]
سمعت بتاء المتكلم مفعول صير، وذا مفعول سمع، وأخبر معطوف على سمعت، وألفه للإطلاق وكذا شافهني وحدثنيه بحذف عاطف كل منهما أي صير من اللفظ الصريح في السماع قول الصحابي سمعت من النبي ﷺ هذا، أو أخبرني به، أو شافهني به، أو حدثنيه، فهذا خبر يجب قبوله، (فقال عن)، يعني أنه يلي ما ذكر في القوة قول الصحابي قال ﷺ كذا لأنه ظاهر في سماعه منه ﷺ قال الفهري: أو يقول حدثنا أو أخبرنا فهو محمول على السماع عند الأكثر وبه قال جمع من المالكية، قال النووي والأكثر أنه متصل ويحتج به أيضا على أنه مرسل لقولنا في طلعة الأنوار.
ومرسل الأصحاب قل متصل إذ غالبا عن الصحاب يحصل
وقيل لا يحتج به لاحتمال أن تكون الواسطة تابعيا وكذا يحتج بقول الصحابي عن النبي ﷺ كذا لظهوره في سماعه منه أيضا وإن كان دون الأول فهو مرتبة ثالثة فالأولى عطفه بالفاء التي تشير إلى أن كل صورة دون ما قبلها في القوة ومن ذلك تستفاد حكاية الخلاف الذي في الأولى في غيرها بالأولى وقيل لا يحتج به، واحتمال أنه سمعه من غيره ﷺ أقرب من احتماله في قال.
وخلاصة الكلام فيما الظاهر فيه السماع منه ﷺ كما في الآيات البينات أنه لو علم أنه أسقط الواسطة فينبغي أن يقال أن علم أنه تابعي أو أحتمل احتمالا قويا كأن علم كثرة روايته عن التابعين كان كمرسل غير الصحابي وإن علم أنه صحابي أو ضعف احتمال غيره فإن بحثنا عن عدالة الصحابة ففيه خلاف
[ ٢ / ٦٩ ]
المرسل، وإن لم نبحث فله حكم المسند، وإن لم يوجد شيء من ذلك فينبغي الاحتجاج به لأن الظاهر إن الساقط صحابي والصحيح عدم البحث عن عدالته.
ثم نهى أو أمرا إن لم يكن خير الورى قد ذكرا
يعني أن مرتبة عن يليها مرتبة ما إذا قال الصحابي أمر بكذا أو نهى عن كذا ببنائهما للمفعول ومذهب المالكية قبوله ووجوب الاحتجاج به لظهوره في أنه ﵊ هو الآمر والناهي لكنه دون ما قبله لاحتمال الواسطة مع احتمال الطلب الجازم وغيره وهل ذلك الأمر والنهي للكل أو البعض وهل دائم أو غير دائم وكذا أمرنا أو نهينا أو أوجب أو حرم وكذا رخص ببناء الجميع للمفعول فعندنا وعند الشافعي يحمل على أمره ونهيه ﷺ خلافا للكرخى من الحنفية، قال القرافي في شرح النتقيح: لكن العادة أن من له رئيس معظم فقال أمر بكذا أو أمرنا بكذا إما يريد أمر رئيسه ولا يفهم عنه إلا ذلك، والنبي ﷺ هو عظيم الصحابة ومرجعهم والمشار إليه في أقوالهم وأفعالهم فنتصرف إطلاقاتهم إليه هـ.
وحجة المخالف أن الفاعل إذا حذف احتمل النبي ﷺ وغيره من الخلفاء فلا يثبت شرع بالشك وكذا يحتمل أن يكون الإيجاب والتحريم والترخيص استنباطا من قائله، وقولي: إن لم يكن خير الورى قد ذكرا. ببناء ذكر للمفعول مفهومه أنه إذا ذكر النبي ﷺ بأن قال أمر النبي ﷺ بكذا مثلا لم يبق هناك احتمال الواسطة اتفاقا وبقى احتمال الثلاثة الأخر إذا قال أمرنا أو نهانا نمان لم يذكر
[ ٢ / ٧٠ ]
المفعول بقي احتمال ثبوت الواسطة أيضا، ومحل الخلاف ما لم يعرف من قرينة حال الراوي أو عادته أنه يعني الرسول ﵊ فيكون ذلك كصريح عبارته بالسماع منه وذكر بعضهم أن الصحابي إذا قال أرخص لنا في كذا رجع إلى النبي ﷺ بلا خلاف.
(كذا من السنة يروى) بالبناء للمفعول يعني: أن قول الصحابي من السنة كذا كقول علي كرم الله وجهه: "من السنة أن لا يقتل حر بعبد" يحتج به عند الأكثر وهو مروى عن أهل المذهب لظهوره في سنته ﷺ، وقيل لا لأن السنة تطلق على سنة الخلفاء، وسنة البلد، ولما قابل الفرض، ولما قابل الكتاب، وبه قال الكرخي من الحنفية والصيرفي من الشافعية وعزاه إمام الحرمين في البرهان للمحققين فإذا ظهر لعالم عادة في إطلاق السنة على غير سنته ﷺ كما عرف عن مالك رحمه الله تعالى أنه يقول من السنة كذا ويريد ما استمر عليه عمل أهل المدينة عمل عليها بلا خلاف.
تنبيه: الصيغ المتقدمة وهي من قال التي من السنة قول المالكية فيها إنها مرفوعة هو الصحيح عند الأصوليين وغيرهم وهو مذهب الجمهور ولا فرق بين قول الصحابي لها في حياة النبي ﷺ وبعده وقول التابعي لشيء مما ذكر مرسل قطعا والتحق.
(كنا به إذا بعهده التصق)، يعني أنه يلي قول الصحابي من السنة قوله كنا إذا أتصل كنا بعهده ﷺ أي حياته بأن قال كنا معاشر الناس نفعل في عهده ﷺ أو كان
[ ٢ / ٧١ ]
الناس يفعلون في عهده فكنا نفعل في عهده فيلي ذلك كان الناس يفعلون فتليه كانوا لا يقطعون في الشيء التافه قالته عائشة رضي الله تعالى عنها، فأما ما أضيف إلى عهده فلظهوره في إطلاعه ﷺ وتقريره وقيل لا لجواز أن لا يعلم به وأما ما لم يضف إليه فلظهوره في جميع الناس فهو إجماع، وقيل لا لجواز إرادة أناس مخصوصين.