٩ - كنا نشدو في طلب العلم، وعالمان عظيمان يتردد اسماهما في مجالس العلم، وأحدهما لا نكاد نلقاه، وهو «أحمد تيمور»، وثانيهما نلقاه في الندوات، وفي المجلات وفي الصحف، وهو المرحوم العلامة «أحمد زكي».
ولقد كنا ونحن في دروس التاريخ في مدرسة القضاء الشرعي، إذا عَزَّ علينا العلم باسم تاريخي، وشاركنا أستاذنا المحقق في ذلك اقترحنا أن نرسل إلى «أحمد زكي» عن طريق الصحافة سؤالًا، فيعاجلنا بالجواب كأنه مهيأ حاضر، يستعد له، كما يستعد الجندي للقتال إذا دعا داعيه.
وأما «أحمد تيمور» فإنه كان قد ارتضى عندما شدونا (١) في طلب العلم ألا يكون في الندوات الخاصة التي لا يحضرها إلا علية العلماء، ولا يحضرها الطلبة وإن كانوا شادين - فقد ظهر اسمه بين أوساطنا يتردد بالإكبار والتقدير، فتذكر مكتبته وما حَوَتْ. وتذكر إسلامياته وتذكر علاقاته بالعلماء، ومدارساته معهم، وانصرافه للعلم الإسلامي، وجمع
_________________
(١) في الأصل: شددنا، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه. اهـ. الناشر.
[ ٣٤ ]
كل آثاره التي تناولها بيده، سواء أكانت مخطوطة أم كانت مطبوعة، وتركه المناصب العليا، ليتفرغ لعلم الإسلام، وإحياء مآثر علومه، ونشرها بين الناس في هدأة العالم، واطمئنان المتثبت.
ولقد ابتدأ يكمل نفسه بالدراسة على أكابر العلماء أمثال العالم المتفكر الزاهد الشيخ حسن الطويل إذ جعل مزرعته مستراضًا للشيخ يستجم كل أسبوع، ويستذكران المغلقات مما يتعسر على الأستاذ تيمور الوصول إلى دقيق معناه من معضلات «المنطق»، و«الأصول» والأدلة ما بين عقلية ونقلية.
ثم اتصاله بالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فجعل داره ملتقى لتلاميذه، وما كان الإمام يضن عليهم بدرس من دروسه التي أشعل بها نور الحق في الأزهر وبين طلابه وأراهم بها الحياة، وقال لهم فيها كلمته المشهورة: «العلم ما علمك من أنت ممن معك».
كانت حياة أحمد تيمور نورًا يضيء، وفيضًا غير هادر يفيض، يعرفه ناس من أهل العلم ويعشون إليه، ولكن ما كان يأنس به إلا الخاصة.