لقد رأينا الأصوليين -منذ الجويني والغزالي- يقسمون المصالح إلى ضرورية وحاجية وتحسينية. ويحصرون الضروريات في خمس، هي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وعلى هذا سار الشاطبي.
كما أنه لم يمانع من إضافة ضرورة سادسة، هي العرض١، حيث سبق أن أضافه بعض الأصوليين كما تقدم في موضعه. وأيضًا فقد ردد مرارًا أن هذه الضروريات قد وقع حفظها في جميع الملل والشرائع. وهو قول الغزالي، وتبعه عليه عامة الأصوليين كما تقدم.
كما أن الأمثلة التي يوردها لتوضيح المراتب الثلاث: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ولبيان حفظ الضروريات الخمس، هي نفسها تقريبًا التي نجدها عند سابقيه، وخاصة الغزالي.
_________________
(١) ١ الموافقات، ٣/ ٤٨ و٤/ ٢٩.
[ ٢٩٣ ]
والغزالي، هو أكثر من يذكرهم الشاطبي من الأصوليين. يليه١ -وبفارق كبير- الرازي فالجويني، ثم القرافي فابن عبد السلام.
أما الجويني -وهو أقدم هؤلاء- فقد رأينا سبقه في وضع لبنات أولى لصياغة نظرية المقاصد. فالشاطبي-كغيره- مدين له في هذا، بشكل مباشر وغير مباشر.
وبالإضافة إلى هذه الاستفادة العامة من أفكار الجويني في المقاصد، فإننا نجد مسائل معينة عند الشاطبي، يمكن إرجاع أصلها إلى كلام الجويني.
من ذلك ما سبق من القول بأن أصول الفقه قطعية لا ظنية. وهي المسألة التي افتتح بها الشاطبي "الموافقات"، وهي أيضًا في الصفحات الأولى من "برهان" الجويني.
ومن ذلك
ما تقدم عند الشاطبي من كون الأحكام تختلف بحسب الكلية والجزئية. فقد يكون الفعل مباحًا بالجزء، لكنه واجب أو مندوب بالكل٢ وبهذا الميزان قرر -في كتاب المقاصد- أن مجموع الحاجيات والتحسينيات، ينتهض أن يكون كل واحد منهما كفرد من أفراد الضروريات٣.
وشبيه بهذا النظر، نجده عند إمام الحرمين، حيث يرى -مثلًا- أن البيع يعتبر من الضروريات بالنظر إلى العموم، بحيث "إن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجر ذلك ضرورة ظاهرة. فمستند البيع إذا، آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة"٤. أي أنه من حيث الجزء "بالنسبة للفرد الواحد" إنما هو من الحاجيات، ولكنه بالنسبة إلى مجموع الناس أمر ضروري.
_________________
(١) ١ الحقيقة أن الذي يلي الغزالي في كثرة الذكر، هو أبو بكر بن العربي. غير أن ذكره يأتي في سياق نقل مسائل متنوعة، كثير منها لا صلة له بموضوعنا، ثم إن الاستفادة منه تندرج في إطار الاستفادة من المذهب المالكي الذي يجمعهما "راجع فصل: فكرة المقاصد في المذهب المالكي". ٢ راجع مسائل المباح في فصل: أبعاد النظرية "الباب الثاني". ٣ الموافقات، ٢/ ٢٣. ٤ البرهان: ٢/ ٩٢٣.
[ ٢٩٤ ]
ولكن هذه الفكرة عرفت عند الشاطبي صقلًا وتوضيحًا، وتطويرًا وتوسيعًا. فهي عند الجويني بذرة، وعند الشاطبي شجرة.
وللجويني التفاته ذكية إلى ما بين التكاليف الشرعية، والنوازع الغريزية، من تكامل في جلب المصالح ودرء المفاسد. فما كانت الغريزة تشتهيه وتدفع إليه -كالكل والشرب، والتملك، والجماع، وطلب المناصب المشرقة- فإن الشريعة قلما تدعو إليه وتكلف به. بل نجدها تضع عليه القيود والحواجز التي تكبح الاندفاع الغريزي عن الإفراط والتعدي، وما كانت النفوس تنفر منه بطبعها، فإن الشريعة تركت الناس يجتنبونه بمقتضى طبعهم١. ولكنها شددت الطلب وأكدته فيما تستثقله النفوس وتتقاعد عنه كالعبادات وأداء الحقوق لأهلها، والجهاد.
وهذه الفكرة العابرة عند الجويني٢، عمقها الشاطبي، وتتبع آثارها في كثير من جوانب التشريع الإسلامي، وحررها -على عادته- في قواعد واضحة مضبوطة٣.
أما استفادة الشاطبي من الغزالي، فهي واضحة صريحة، تنطق بها عشرات الشواهد في "الموافقات" و"الاعتصام"، حتى ليمكن اعتبار الغزالي أحد أبرز شيوخ الشاطبي، رغم القرون الثلاثة التي تفصل بينهما.
ويكفي أن أهم ما ظل يتردد عند الأصوليين عن المقاصد، من مبادئ وأمثلة ومصطلحات، إنما هو من وضع الغزالي. ثم كان ذلك مما تبناه الشاطبي وبنى عليه.
وليس هذا فحسب رغم أهميته في موضوعنا -بل إن الشاطبي قد ذكر الغزالي في الموافقات نحوًا من أربعين مرة في مختلف مباحث الكتاب. وفي أكثرها يذكره
_________________
(١) ١ البرهان، ٢/ ٩١٩ و٩٣٨. ٢ ما قدمته عنها فيه زيادة توضيح وتمثيل مني، اقتباسًا من كلام الشاطبي. ٣ انظر الموافقات، ٢/ ١٨٠-١٨٢، ثم ٣/ ١٣٠-١٣٤.
[ ٢٩٥ ]
بالتأييد والموافقة، معتمدًا عليه، مستشهدًا بآرائه. بخلاف ذكره لبقية الأصوليين، حيث يكثر من نقدهم ومعارضتهم، وخاصة منهم الرازي!
وأكثر من هذا، فإنه ينوه ويشيد ببعض كتابات الغزالي وآرائه، على نحو لا يفعله مع غيره من العلماء "باستثناء الإمام مالك طبعًا". وفيما يلي نماذج من تلك الإشادات، وهي مشيرة إلى مدى اعتماده عليه:
ففي مباحث الأسباب والمسببات، تعرض لما ينبغي للمكلف، وهو يتعاطى الأسباب، من النظر إلى نتائجها ومآلاتها، قال "وقد قرر الغزالي هذا المعنى في كتاب الإحياء وفي غيره بما فيه كفاية"١.
وعندما تكلم عن الصحة والبطلان ومعناهما عند الفقهاء، تطرق إلى معناهما الأخروي، وهو كون العمل مقبولًا مأجورًا عند الله، أو بخلاف ذلك. ثم قال: "وهو وإن كان إطلاقًا غريبًا لا يتعرض له علماء الفقه، فقد تعرض له علماء التخلق، كالغزالي وغيره. وهو مما يحافظ عليه السلف المتقدمون. وتأمل ما حكاه الغزالي في كتاب النية والإخلاص، من ذلك٢.
وفي سياق تشنيعه على الذين يقحمون في تفسير القرآن علومًا بعيدة عنه، ويزعمون أن ذلك يساعد في فهم مقاصد القرآن، أشار إلى ما ذهب إليه من ذلك ابن رشد الحفيد، حيث ذهب إلى أن علوم الفلسفة مطلوبة، لأن الفهم الحقيقي للشريعة ومقاصدها لا يتأتى إلا بها، وبعد أن انتقده بشدة غير معهودة، قال: "ولا ينبئك مثل خبير فأبو حامد ممن قتل هذه الأمور خبرة، وصرح فيها بالبيان الشافي، في مواضع من كتبه"٣.
وقد ذهب -مثل عدد من العلماء- إلى أنه لو عم الحرام الأرض، وتعذر على المكلف الكسب الحلال والمأكل الحلال، فله أن يكتسب ويأكل ما تيسر له،
_________________
(١) ١ الموافقات، ١/ ٢٢٨. ٢ الموافقات، ١/ ٢٩٢. ٣ الموافقات، ٣/ ٣٧٦.
[ ٢٩٦ ]
وله أن يزيد في ذلك على حد الضرورة، ودون أن يصل إلى حد الترفه والتنعم
ثم قال: وقد بسط الغزالي هذه المسألة في "الإحياء" بسطًا شافيا جدا. وذكرها في كتبه الأصولية كالمنخول، وشفاء الغليل"١.
وهذه الإحالات على الغزالي وكتبه، بقدر ما تدل على ما يكنه له الشاطبي من تقدير وثقة، بقدر ما تكشف عن اطلاعه الواسع على كتبه. وهي مجرد نماذج، ومثلها كثير.
وللشاطبي استفادة ظاهرة أيضًا من عز الدين بن عبد السلام وتلميذه القرافي. وخاصة في مسائل المصالح والمفاسد، ومسائل المشقة، وقد سبق أن نبهت على بعض ذلك في فصل "المصالح والمفاسد".
وفي موضوع المشقة نجد ابن عبد السلام -ويتبعه في ذلك القرافي٢- يقسم المشاق إلى ضربين:
مشاق ملازمة للتكاليف، بحيث لا تتم إلا بها، كمشقة الوضوء والاغتسال في البرد، والقيام لصلاة الفجر، ومشقة الصوم والحج. "فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها"٣.
ومشاق ليست ملازمة لنفس التكليف، بل هي من خارجه، وقد توجد معه وقد لا توجد. وهذا النوع ينقسم إلى ثلاث مراتب: مشاق شديدة، وأخرى خفيفة، وأخرى متوسطة.
فالقسم الأول يعتبره الشارع ويوجب بالتخفيف بمقتضاه، والقسم الثالث لا اعتبار له. والقسم المتوسط في محل النظر والاجتهاد، لإلحاقه بأحد الطرفين.
وهذا التقسيم أخذ به الشاطبي٤، ولكن على طريقته، ومع إضافاته
_________________
(١) ١ الاعتصام، ٢/ ١٢٥. ٢ الفروق، الفرق ١٤. ٣ قواعد الأحكام، ٢/ ٩-١٠. ٤ الموافقات، ٢/ ١٥٦-١٥٨.
[ ٢٩٧ ]
المعتادة في التعميق والتنقيح، فضلًا عن إدراكه له في إطار نظرية المقاصد.
وقد تطرق ابن عبد السلام إلى الصفات الخلقية الجبلية في الإنسان، فقرر أنها لا ثواب فيها ولا عقاب. قال: "كل صفة جبلية لا كسب للمرء فيها، كحسن الصور، واعتدال القامات، وحسن الأخلاق، والشجاعة والجود. فهذا لا ثواب عليه، مع فضله وشرفه، لأنه ليس بكسب لمن اتصف به١.
وكذلك الشأن في الصفات المذمومة، كنقص العقل، وسوء الخلق، والجبن، والشح، والقسوة، والوقاحة، والميل إلى الرذائل، واستثقال الفضائل فلا عقاب عليها في ذاتها.
وقد تناول الشاطبي هذه المسألة نفسها، فوسع البحث فيها وعمقه، وميز -بدقة متناهية- ما هو من هذه الصفات يستحق المدح والثواب، أو الذم والعقاب، وما ليس كذلك. وبعبارة أخرى: فقد بين ما يقصده الشارع مما لا يقصده من التكاليف المتعلقة بهذه الصفات٢.
_________________
(١) ١ قواعد الأحكام، ١/ ١٣٧. ٢ الموافقات، ٢/ ١٠٨-١١٩.
[ ٢٩٨ ]