مسالك الاجتهاد المقاصدي:
رغم أنه قد تقدم الشيء الكثير من أوجه الاجتهاد المراعي لمقاصد الشريعة والمنبني عليها، مع أمثلة توضح ذلك، وتشير إلى أن هذا النهج الاجتهادي عريق في تراثنا الفقهي، وأنه نابع من طبيعة الشريعة نفسها، ومشهود له في نصوصها وقواعدها.
أقول: رغم ما تقدم من ذلك، فإن هذه هي المناسبة الخاصة، لجمع ما تفرق من هذا الموضوع، وإضافة ما يمكنني -الآن- إضافته، عسى أن أقترب -مجرد اقتراب- من تحصيل المقصود. أعني: تحديد أهم مسالك الاجتهاد المقاصدي. فليس يكفي أن نظل نؤكد على أهمية المقاصد. وأنها ضرورية للمجتهد، وأن كبار الأئمة كانوا مقاصديين في اجتهاداتهم، بل لا بد من العمل -شيئًا فشيئًا- على تحديد المجالات ووضع المعالم الهادية في هذا الطريق. وهو أمر لا تخفى صعوبته وخطورته، ولكن لا بد من اقتحام العقبة، ولو في مرحلة أولى منها. والاعتماد على العلماء يشجع ويساعد.
١- النصوص والأحكام بمقاصدها:
وهذا هو ما عليه الجمهور، خلافًا للظاهرية. ولكن هذا الجمهور يتفاوت في مدى الأخذ بهذا المبدأ، وفي مدى الاطراد في العمل به. والتفاوت هنا هو بين الفقهاء أفرادًا، أكثر مما هو بين مذهب وآخر.
[ ٣٣٥ ]
وكون النصوص والأحكام ينبغي أن تؤخذ بمقاصدها دون الوقوف عند ظواهرها وألفاظها وصيغها، يستند إلى ما تقرر في مسألة التعليل، من كون نصوص الشريعة وأحكامها معللة، بمصالح ومقاصد وضعت لأجلها. فينبغي عدم إهمال تلك المقاصد ولا الغفلة عنها عند تقرير الأحكام، وعند النظر في النصوص.
ومن هذا الباب -إضافة إلى ما مضى من أمثلة- ما قرره أبو زيد الدبوسي "ت٤٣٢"، حيث قال: "الأصل عند علمائنا١ أن من وجبت عليه الصدقة، إذا تصدق على وجه يستوفي به مراد النص منه أجزأه عما وجب عليه. وعند٢ لا يجزيه. قال أصحابنا: إذا وجبت الزكاة في الدراهم، فأدى بدلها حنطة أو غيرها، جاز عندنا، لأن مراد النص سد خلة الفقير ودفع حاجته وقد حصل. وعند الإمام أبي عبد الله الشافعي لا يجوز"٣.
وقد طرد هذا الأصل في جميع الواجبات المالية، من زكاة فطر، أو كفارات أو نذور، بحيث تقوم الأموال بعضها مقام بعض بشرط التعادل وعدم الإضرار بحق الأخذ.
وعلى هذا الأصل مضى ابن القيم في عدد من اجتهاداته، فقد قال عن صدقة الفطر التي فرضها النبي ﷺ صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط، قال: "وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة، فأمل أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم صاع من قوتهم. إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد"٤.
ومثل هذا قاله في مسألة التصرية٥، حيث إن النبي ﷺ نص على رد صاع من تمر مقابل ما حلب. وبناء على لفظ الحديث ذهب أكثر الشافعية والحنابلة إلى
_________________
(١) ١ يعني الحنفية. ٢ يعني الإمام الشافعي. ٣ تأسيس النظر: ص٥٤. ٤ أعلام الموقعين: ٣/ ١٢. ٥ التصرية هي حبس اللبن في ضرع الشاة أو البقرة. لإيهام المشتري أنها كثيرة الحليب، فيقبل على شرائها ويزيد في ثمنها. وفي الحديث المتفق عليه: "فمن ابتاعها، فهو بخير النظرين بعد أن يجلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر".
[ ٣٣٦ ]
أنه لا بد من صاع التمر، لا يجزئ غيره، "فجعلوه تعبدًا، فعينوه اتباعًا للفظ النص. وخالفهم آخرون فقالوا: بل يخرج في كل موضع صاعًا من قوت ذلك البلد الغالب. وهذا هو الصحيح"١ ثم قال "ص١٤" "ولا ريب أن هذا أقرب إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين.
وكذلك حكم ما نص عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه، أو يكون أولى منها كنصه على الأحجار في الاستجمار، ومن المعلوم أن الخرق والقطن والصوف أولى منها بالجواز. وكذلك على التراب في الغسل من ولغ الكلب، والأشنان أولى منه. هذا فيما علم مقصود الشارع منه، وحصول ذلك المقصود على أتم الوجوه بنظيره أو ما هو أولى منه".
وما قرره كل من أبي زيد الدبوسي وابن القيم يجرنا إلى موقف المذهب المالكي من مسألة إعطاء القيمة في الزكاة. فمن المعلوم أن المذهب المالكي -وكذلك الشافعي- يميل إلى منع البدل والقيمة عما وجب من الزكاة، ولا يجيز ذلك إلا في حالات مضيقة أقرب ما تكون إلى حالات الضرورة. وقد ترددت أقوال الفقهاء المالكية في حكم دفع القيمة، بين الكراهة والتحريم، وبين الإجزاء وعدمه٢ كما ترددت في تعليل هذا الموقف، هل هو لكون الزكاة عبادة غير معللة الأحكام٣ أو لأن المزكي إذا دفع القيمة، يكون كمن اشترى صدقته٤ وقد جاء النهي عن أن يشتري الإنسان صدقته.
وفي جميع الحالات، فإن هذا الموقف المتشدد في هذه المسألة، لا يساير النظر المصلحي والاجتهاد المقاصدي الذي عرف به المذهب المالكي!
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين: ٣/ ١٣. ٢ انظر الشرح الكبير، للدردير. وحاشية الدسوقي عليه: ٤/ ٥٠٢. ٣ انظر المرجع السابق، والبيان والتحصيل لابن رشد: ٢/ ٤٣٠. ٤ عارضة الأحوذي: ٣/ ١٩٢ - والموافقات: ٣٠٤.
[ ٣٣٧ ]
وأغرب من هذا أن الإمام مالكًا سئل عن رجل يؤدي زكاة ماله قبل حلولها، أي قبل تمام الحول، هل عليه إعادة الزكاة؟ قال: نعم، أرى ذلك عليه أرأيت الذي يصلي الظهر قبل زوال الشمس، أو الصبح قبل اطلاع الفجر، أليس يعيد؟ فهذه مثله"١.
وقد علق ابن رشد على قول مالك هذا بقوله: "والأظهر أنها تجزيه إذا أخرجها قبل المحل بيسير، لأن الحول توسعة، فليس كالصلاة التي وقتها محدود لا يجوز أن تعجل قبله ولا تؤخر بعده. ولو كانت الزكاة كالصلاة في هذا، لوجب أن يعرف الساعة التي أفاد فيها المال، ليخرج عندها. وفي هذا تضييق"٢.
وليس ابن رشد وحده الذي ترك التقيد بقول الإمام في هذه المسألة، فقد حكى ابن العربي فيها أقوالًا عدة. فهو بعد أن رد أصل الخلاف إلى اعتبار جانب التعبد أو اعتبار جانب التعليل، قال: "فمن راعى جانب العبادة، فالعبادة لا تقدم على أوقاتها. فلذلك لم يجز تقدم الزكاة قبل الحول. قال مالك في العتبية، وقال: أرأيت لو صلى الظهر قبل الزوال؟ وقال أشهب مثله. ومن راعى جانب المقصود من سد الخلة وحق الآدمي فيها، جوز التقديم مطلقًا، وهو الشافعي وأبو حنيفة. وتوسط طائفة من علمائنا، فمنهم من قال: تقدم باليومين قاله في كتاب محمد. وقالوا: لعشرة، قاله ابن حبيب، وقيل خمسة عشر يومًا. وقال ابن القاسم: شهر يجزيه تقديمه فيه. ثم قال: "والذي يصح في النظر ترك التقديم أصلًا أو التقديم مطلقًا"٣.
وكأنه ضاق بهذه التحديدات التي لا هي وقفت مع التعبد ومع قول الإمام، ولا هي فتحت باب التسهيل والمصلحة، ولا هي اتفقت على قول واحد "ولكن المهم عندي من إيرادها، هو أنها كلها -باستثناء قول أشهب- لم تتقيد بقول الإمام مالك ﵀.
_________________
(١) ١ البيان والتحصيل: ٢/ ٣٦٦. ٢ البيان والتحصيل: ٢/ ١٩٢. ٣ عارضة الأحوذي: ٣/ ١٩٢.
[ ٣٣٨ ]
وواضح أن الإمام مالكًا، استند إلى مجرد قياس، ألحق فيها الزكاة بالصلاة بجامع أن كلا منهما عبادة. وفي هذا نظر، لأنه جمع بين التعبد والقياس في محل واحد!
ولو رجعنا إلى "الموطأ"، لوجدنا أول ما فيه: "كتاب وقوت الصلاة - باب وقوت الصلاة" ولوجدنا أن جبريل ﵇ حدد لرسول الله ﷺ مواقيت الصلوات أولها وآخرها، وأن رسول الله ﷺ بين ذلك للناس، وحدد لكل صلاة أول وقتها وآخر وقتها، وقال "ما بين هذين وقت".
فمواقيت الصلاة أولها وآخرها، جاء تحديدها بدقة لا مزيد عليها، وجاء في التزامها والمحافظة عليها من الترغيب والترهيب ما هو معلوم. ولم يأت شيء من هذا في شأن الزكاة. فظهر الفرق الكبير بين الأمرين.
ومن مسائل الزكاة التي راعى فيها الإمام مالك المقاصد وبناها على التعليل قوله في موطئه: "وليس على أهل الذمة، ولا على المجوس، في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم، صدقة، لأن الصدقة إنما وضعت على المسلمين تطهيرًا لهم، وردا على فقرائهم"١. فقد جمع مقاصد الزكاة في مقصدين: تطهير المزكي، وتضامنه مع أخيه المحتاج، وبنى على هذا أن غير المسلمين ليسوا داخلين في أي من المقصدين فلا زكاة عليهم. أما الجزية المفروضة عليهم، فهي واجبهم تجاه الدولة.
وما دمنا في مسائل الزكاة ومقاصدها، فلنعرج على مسألة أخرى مما يمكن النظر فيه من خلال المقاصد. وذلك هو الخلاف في سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة، وهل هو باق، أو سقط؟
وههنا أيضًا نجد أن الإمام مالكًا قد ساير في المسألة أهل الرأي والتعليل، في القول بسقوط هذا السهم وانقطاعه. فهذا القول مبني على تعليل سهم المؤلفة قلوبهم بمصلحة الإسلام والمسلمين. والظاهر أن الإمام اتبع في هذه المسألة
_________________
(١) ١ الموطأ: ١/ ٢٨٠.
[ ٣٣٩ ]
اجتهاد عمر وغيره من الصحابة. وعلى كل حال، فهو اجتهاد قائم على التعليل المصلحي مع عدم الوقوف عند التعبد الظاهري.
وقد ذهب عدد من العلماء الآخرين إلى أن هذا السهم باق لم يسقط ولم ينقطع، وأن توقيفه من قبل عمر والصحابة، إنما كان اجتهادًا ظرفيًا في تصريف أموال الزكاة. وقد أجمع المسلمون أن لا نسخ بعد رسول الله ﷺ، فما فعله عمر ﵁ إنما كان تحقيقًا لمناط الحكم في ظرفه. وهذا النظر يسمح بتجدد العمل بهذا السهم كلما اقتضى الأمر ذلك.
وللإمام الطبري في هذه المسألة نظر سديد، مبني على مقاصد الزكاة عمومًا. فهو يرى -بحق- أن للزكاة مقصدين بينها بقوله: "أحدهما سد خلة المسلمين، والآخر معونة الإسلام وتفويته. فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه، فإنه يعطاه الغني والفقير، لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه، وإنما يعطاه معونة للدين. وذلك كما يعطاه بالجهاد في سبيل الله. فإنه يعطى ذلك غنيا كان أو فقيرًا، للغزو لا لسد خلته. وكذلك المؤلفة قلوبهم، يعطون ذلك، وإن كانوا أغنياء، استصلاحًا بإعطائهموه أمر الإسلام وطلب تقويته وتأييده. وقد أعطى النبي ﷺ من أعطى من المؤلفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وعر أهله. فلا حجة لمحتج بأن يقول: لا يتألف اليوم على الإسلام أحد، لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم، وقد أعطي النبي ﷺ من أعطي منهم في الحال التي وصفت"١.
فسهم المؤلفة قلوبهم من جنس سهم في سبيل الله، كلاهما من باب الجهاد لنصرة الإسلام وتقويته. وإلى مثل هذا ذهب القرطبي؛ فقد عدد أصنافًا من المؤلفة قلوبهم. ثم قال: "والقصد بجميعها: الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء. فكأنه ضرب من الجهاد. والمشركون ثلاثة أصناف: صنف يرجع بإقامة البرهان. وصنف بالقهر، وصنف بالإحسان. والإمام الناظر
_________________
(١) ١ جامع البيان: ١٠/ ١١٣.
[ ٣٤٠ ]
للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببًا لنجاته وتخليصه من الكفر"١.
ومن المالكية الذين قالوا ببقاء سهم المؤلفة قلوبهم، وأنه مرهون بمقصوده وحكمته، القاضيان: عبد الوهاب، وابن العربي٢.
وقال ابن العربي بعد أن أيد استمرار العمل بهذا السهم كلما اقتضى الأمر ذلك: "فكل ما فعله النبي ﷺ لحكمة وحاجة وسبب، فوجب أن السبب والحاجة إذا ارتفعت أن يرتفع الحكم، وإذا عادت أن يعود ذلك"٣.
ونبقى مع أبي بكر بن العربي أيضًا، في اجتهاداته المبنية على أن "النصوص والأحكام بمقاصدها"، فقد تعرض لشرح الأحاديث النبوية الناهية عن أن تسافر المرأة -سفرًا بعيدًا- إلا مع أحد محارمها. وبعد أن بين الحكمة في هذا النهي، وهي صيانة المرأة وتحصينها من أي امتهان لكرامتها أو تعد على عرضها. قال: "ولما ثبت هذا الأصل، وفهم العلماء العلة، قالوا: إنها يجوز لها السفر في الرفقة المأمونة الكثيرة الخلق الفضلاء الرجال. وقال أبو حنيفة: بل عين المحرم شرط. واعجب له يعلل العبادة. ويقول إن معنى المحرمية التعظيم، والغرض من عبادة الزكاة: سد خلة الفقراء، فتجزئ فيها القيمة، ثم يأتي إلى هذه المسألة ولا يعللها ويدعي أن المحرم عين معينة فيها! وإن هذا الشيء عجاب"٤.
ثم استدل على جواز سفر المرأة بدون محرم -إضافة إلى ما سبق- بما جاء في بشارة النبي ﷺ، من أن المسلمين سيأتي عليهم من الأمن، حتى تخرج المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله ﷿. ثم قال مقررًا مدار المسألة على حكمتها ومقصودها: "والأصل في ذلك ما نبهنا عليه من وجود الأمن بأي وجه كان"٥.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ١٧٩. ٢ نفس المرجع: ١٨١. ٣ عارضة الأحوذي: ٣/ ١٧٢. ٤ عارضة الأحوذي: ٥/ ١١٨. ٥ نفسه: ١١٩.
[ ٣٤١ ]
ففي ضوء هذا، يقدر كل واحد أمره، ويحفظ دينه وعرضه، دون إحراج ولا إضرار. والمؤمن فقيه نفسه وأهله. فليس كلام القاضي مدعاة للتحل والتراخي في صيانة الأعراض، ولكنه الإنصاف والفقه المقاصدي السديد، من غير إفراط ولا تفريط.
[ ٣٤٢ ]