فعادة عندما ينسب مذهب من المذاهب إلى شخص -ما كالمذهب الحنفي، والمذهب الشافعي، والمذهب الماتريدي، والمذهب الأشعري- فإن هذه
[ ٥٧ ]
النسبة تشير إلى الدور التأسيسي، الذي اضطلع به ذلك الشخص، وإلى أن ذلك الشخص هو صاحب النظريات والأسس التي قام عليها ذلك المذهب.
ولكن الأمر يختلف في نسبة المذهب المالكي إلى الإمام مالك بن أنس ﵀. ذلك أنه لم يؤسس مذهبه، ولم يضع أصوله وقواعده. وإنما وجد كل ذلك جاهزًا مستقرا، وورثه تاما ناضجًا، فسار عليه، واجتهد في إطاره. ومن هنا فإن قولنا: "المذهب المالكي" لا يكون سليمًا إلا بمعنى أن المذهب المالكي هو المذهب الذي ينتسب إليه مالك، وليس المذهب الذي ينسب إلى مالك.
وبيان ذلك أن الإمام مالكًا -كما هو معلوم- ورث علم علماء المدينة، وبه كان يفتي، وعليه كان يبني. و"الموطأ" خير شاهد على هذا، فهو مليء بمثل هذه العبارات: الأمر المجتمع عليه عندنا، والأمر عندنا، وببلدنا، وأدركت أهل العلم، والسنة عندنا، وسمعت أهل العلم، والذي أدركت عليه الناس، وهذا أحب ما سمعت، أو أحسن ما سمعت.
وكلها عبارات صريحة في أن الإمام كان يصدر عن "مذهب" قائم مستقر، علمًا وعملًا، وهذا أمر مقرر معلوم عند الدارسين لتاريخ الفقه الإسلامي. ومما هو معلوم ثابت أيضًا، أن هذا "المذهب" ليس إلا ما ورثه أتباع التابعين -ومنهم مالك- عن التابعين، وورثه هؤلاء عن الصحابة، وذلك في تسلسل جماعي، ومن خلال الرواية والتطبيق معًا.
ولنتأمل هذا النص الذي نقله ابن فرحون في "الديباج" "ص٢٥" حيث جاء فيه: "وقال ابن أبي أويس: قيل لمالك: قولك في الكتاب: الأمر المجتمع عليه، والأمر عندنا وببلدنا، وأدركت أهل العلم، وسمعت بعض أهل العلم. فقال: أما أكثر ما في الكتاب فرأي، فلعمري ما هو برأي، ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المهتدى بهم الذين أخذت عنهم، وهم الذين كانوا يتقون الله تعالى، فكثر علي فقلت رأيي وذلك رأيي، إذ كان رأيهم رأي الصحابة الذين أدركوهم عليه، وأدركتهم أنا على ذلك. فهذا وراثة توارثوها قرنا عن قرن إلى زماننا. وما كان رأيا فهو رأي جماعة ممن تقدم من الأئمة. وما كان.
[ ٥٨ ]
فيه: الأمر المجتمع عليه، فهو ما اجتمع عليه من قول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه. وما قلت: الأمر عندنا، فهو ما عمل به الناس عندنا وجرت به الأحكام وعرفه الجاهل والعالم. وكذلك ما قلت فيه ببلدنا. وما قلت فيه: بعض أهل العلم، فهو شيء أستحسنه من قول العلماء. وأما ما لم أسمع منهم، فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته حتى وقع ذلك موقع الحق أو قريبًا منه حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم. وإن لم أسمع ذلك بعينه فنسبت الرأي إليَّ بعد الاجتهاد، مع السنة وما مضى عليه عمل أهل العلم المقتدى بهم والأمر المعمول به عندنا منذ لدن رسول الله -ﷺ- والأئمة الراشدين مع من لقيت. فلذلك رأيهم ما خرجت إلى غيره".
وجاء في "ترتيب المدارك": "قال حميد بن الأسود: كان إمام الناس عندنا بعد عمر: زيد بن ثابت، وبعده عبد الله بن عمر.
قال علي بن المديني: وأخذ عن زيد -ممن كان يتبع رأيه- أحد وعشرون رجلًا، ثم صار علم هؤلاء إلى ثلاثة: ابن شهاب، وبكير بن عبد الله، وأبي الزناد. وصار علم هؤلاء كلهم إلى مالك بن أنس١.
وقد نقل العلامة محب الدين الخطيب٢، عن علامة الهند الكبير: ولي الله الدهولي، أنه كان يرى أن الفقه في عصر الصحابة كان منبعه -أساسًا- مجموعة معينة من الصحابة، وكان إمامهم ومركز حركتهم: عمر بن الخطاب، ﵃ أجمعين.
ثم انتقل فقه عمر والصحابة إلى "فقهاء المدينة السبعة"، وهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
_________________
(١) ١ ترتيب المدارك: ١/ ٧٧. ٢ في كلمة له، منشورة بآخر كتاب "الموطأ"، طبعة محمد فؤاد عبد الباقي. وهي الطبعة المعتمدة في هذا الفصل.
[ ٥٩ ]
وورث علمَ هؤلاء تلاميذهم من أمثال: ابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وزيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، ونافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وربيعة الرأي، وأبي الزناد.
وانتقل علم هؤلاء جميعًا إلى الإمام مالك بن أنس الأصبحي.
وليس بين هذا القول وسابقه أي تعارض، فكل منهما يكشف جانبًا من الحلقات الجماعية التي تسلسل فيها فقه أهل المدينة. كما أن القولين معًا، يتفقان في أمر ذي بال، وهما طرفا هذه السلسلة: فهي تبتدئ من عمر بن الخطاب، وتنتهي إلى مالك بن أنس.
ويؤكد الإمام ابن تيمية هذا -ويزيد عليه- بقوله: "وكان أهل المدينة فيما يعملون: إما أن يكون سنة عن رسول الله -ﷺ-، وإما أن يرجعوا إلى قضايا عمر بن الخطاب. ويقال: أن مالكًا أخذ جل الموطأ عن ربيعة، وربيعة عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب عن عمر، وعمر محدث. وفي الترمذي عن رسول الله -ﷺ- قال: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر". وفي الصحيحين عنه -ﷺ- أنه قال: "كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد، فعمر" وفي السنن عن النبي -ﷺ- أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر".
وكان عمر يشاور أكابر الصحابة: كعثمان وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، وهم أهل الشورى. ولهذا قال الشعبي: انظروا ما قضى به عمر فإنه كان يشاور"١.
وإلى هذا وذاك، فعمر بن الخطاب هو رجل الدولة الكبير، رجل الدولة في سياستها، واقتصادها، وحربها وسلمها، وفي تشريعها وقضائها، وفي تعليمها وتربيتها. هو رجل الدولة الكبير، منذ قيامها على يد رسول الله -ﷺ- وإلى لحظة استشهاده ﵁، سنة ٢٣ للهجرة. وهذا يعطي بلا بد، المرتبة العليا، في فقه الدين والدنيا.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى: ٢٠/ ٣١٢-٣١٣.
[ ٦٠ ]
فكيف إذا كان الرجل ملهمًا محدّثًا؟ وكيف إذا اعتصم بالسنة وتحصن بالشورى؟
عمر بن الخطاب هذا، هو الحلقة الأولى في المدرسة الفقهية لأهل المدينة، على ما رأينا.
والذي يتصفح "الموطأ" -مجرد تصفح- يدرك بسهولة أن فقه عمر، وأقضية عمر، وفتاوى عمر، وسنن عمر مهيمنة عليه، بعد سنة رسول الله -ﷺ-.
وكذلك فإن الذين يتكلمون عن الأصول التي يتميز بها المذهب المالكي، لا يجدون أي صعوبة في إدراك أن تلك الأصول، إنما هي أصول "عمرية" قبل أن تكون أصولا "مالكية":
فعمل أهل المدينة يرجع في كثير منه إلى عهد عمر، فضلا عما يرجع منه إلى السنة النبوية نفسها، وإلى سنن الخلفاء الراشدين عموما.
وأما "المصالح المرسلة" و"سد الذرائع"، فعمر رائدها، وسياسته أحسن تطبيق لهما.
فإذا كان لا بد أن ينسب "المذهب المالكي" إلى فرد، فليس هناك أحق من عمر. ولكن الأمر -مع هذا- أوسع من عمر واجتهادات عمر. الأمر يرجع قبل كل شيء إلى الإسلام نفسه. فكل ذلك متأصل فيه نابع منه، ثم جاءت تجربة عمر ومدرسة عمر، مدعمة بالرأي الجماعي للصحابة ﵃، ثم توالت الحلقات العلمية الاجتهادية لفقهاء المدينة، ثم كانت حلقة مالك بن أنس.
والاسم الذي يجمع فقه عمر، وفقه مالك، وما بينهما، هو: "مذهب أهل المدينة". وهو الاسم الذي كان يطلق إلى زمان مالك، وبعده، حتى حل محله -شيئًا فشيئًا- اسم "مذهب مالك"، ثم "المذهب المالكي"، بعد أن انتشرت العدوى وعمت البلوى بالانتساب إلى الأفراد والتقيد بهم. وهو باب من أبواب الجمود والانحطاط.
[ ٦١ ]
يقول العلامة عبد الحي بن الصديق: "كانت بدعة تقليد رجل واحد سببًا في حدوث بدعة أخرى أعظم قبحًا من سابقتها، تلك هي قيام كل أتباع مذهب بنصرة مذهبهم، والدعوة إلى وجوب تقليده وتحريم تقليد غيره من المذاهب.
ومنهم من خرج عن حد الاعتدال وأولج في ذلك إلى حد الإفراط ولمز بعض الأئمة بما لا يجوز عند عاقل"١.
فكلامي في هذا الفصل -أو في غيره- عن "المذهب المالكي" إنما هو كلام عن مذهب جماعي، جماعي قبل مالك وبعده، وإن كان الذي يعنيني أساسًا، هو ما قبل مالك، ومرحلة مالك. وذلك هو: "مذهب أهل المدينة".
وإذا كان الأمر يتعلق بمذهب أهل المدينة، الذي يرجع إلى جمهور الصحابة والخلفاء الراشدين، وأبرزهم عمر، فهذا "المذهب" في غنى تام عن أي تكلف للدفاع عنه والانتصار له، وخاصة من مثلي. ولكن التذكير بالحقائق المسلمة، أو على الأقل الواضحة، أمر لا بد منه، وخاصة بعد أن تطاول العهد بها.
ومما هو قريب المنال في هذا الصدد، ما كتبه الإمام ابن تيمية -وهو لحسن الحظ غير محسوب على "المذهب المالكي"- فقد كتب فصلًا مطولًا في أزيد من مائة صفحة، للتعريف بمذهب أهل المدينة وبيان أفضليته وأرجحيته أصولًا وفروعًا٢.
ومما جاء فيه قوله: "مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم، أصح مذاهب أهل المدائن شرقًا وغربًا، في الأصول والفروع"٣. وقوله: "ثم من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة، وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد"٤.
_________________
(١) ١ نقد مقال في مسائل من علم الحديث والفقه وأصوله وتفضيل بعض المذاهب: ص٨٥. ٢ مجموع الفتاوى: ٢٠/ من ٢٩٤ إلى ٣٩٦. ٣ المرجع السابق: ٢٩٤. ٤ نفسه: ٣٢٨.
[ ٦٢ ]
ورغم أنه أطال وفصل في الموضوع، فقد قال: "وهذا باب يطول تتبعه. ولو استقصينا فضل علماء أهل المدينة وصحة أصولهم، لطال الكلام"١. ثم قال:
"إذا تبين ذلك، فلا ريب -عند أحد- أن مالكًا ﵁، أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا. فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه"٢.
وإذن، فقد ظهر ماذا أعني بالمذهب المالكي، وظهر أنه مذهب ينتسب إليه مالك بن أنس، وأن هذا الإمام، ليس إلا حلقة من حلقاته، غير أنه كان -في عصره وفيما بعد عصره- أجمع الناس له رواية، وأكثرهم به دراية.
فإذا تكلمت بعد هذا، عن بعض أصول المذهب المالكي وبعض قواعده، فلست أعني أن هذه الأصول ملك لمالك، وإنما مالك ملك لها، في فقهه واجتهاده.
_________________
(١) ١ نفسه: ٣٢٠. ٢ نفسه: ٣٢٠.
[ ٦٣ ]